Archive for حزيران, 2009

خطاب إلى الأمم المتحدة - ج. كريشنامورتي

الجمعة, حزيران 26th, 2009

خطاب إلى الأمم المتحدة

ج. كريشنامورتي

"نَحِّ الكتاب، الوصف، التقليد، المرجعية،
وامض في سبيلك مكتشفًا بمفردك."

ج. كريشنامورتي

تقديم

ولد جِدُّو كريشنامورتي في قرية صغيرة من جنوب الهند في 12 مايو/أيار 1895 وتوفي في 17 فبراير/شباط 1986 في أوهَيْ، كاليفورنيا.

في العام 1929، تخلى كريشنامورتي عن الدور الذي أنيط به بوصفه "المعلم العالمي" المنتظَر، مفككًا التنظيمات "الروحية" التي طوقتْه، منطلقًا في مهمة، نذر لها حياتَه كلها، لـ"تحرير الإنسان تحريرًا مطلقًا غير مشروط" من القيود والإشراطات كافة، بما فيها القيود والإشراطات التي يفرضها الدين المنظم، ومن الاتكال على المرجعيات الدينية والروحية المختلفة، فجاب العالم طوال 65 سنة، ملقيًا العديد من الأحاديث والمطارحات العامة ومُجريًا لقاءات وحوارات خاصة مع آلاف الناس من جميع الأعمار والخلفيات والاختصاصات، مصرًّا دائمًا أنه فقط "من خلال تغيير كامل في قلوب الأفراد وعقولهم يمكن لتغيُّر في المجتمع وللسلام في العالم أن يحدث". وقد ظل على هذا حتى قبيل وفاته بأسابيع قليلة.

لم يعتنق كريشنامورتي أي مذهب، كما لم يبشر بأية عقيدة، بل صاغ تعليمه الفريد وحده، منصرفًا انصرافًا كليًّا إلى رصد دائم لآليات الذهن البشري في كتابات ومحاضرات ومحاورات ويوميات جُمعتْ في أكثر من 80 كتابًا وفي آلاف التسجيلات الصوتية والمرئية وتُرجمتْ إلى حوالى 50 لغة. والقضايا الدائمة التي تصدى لها، والتي تتناول أصل المشكلات البشرية والتحرر النفسي بالإدراك التام للعملية الذهنية، بوَّأتْه مكانةً خاصةً بوصفه واحدًا من أكثر متكلِّمي القرن العشرين وكتَّابه تشكيكًا في الفكر المستكين إلى يقينياته: إذ إن كريشنامورتي كان يريد تحرير البشر نفسيًّا لكي يكونوا على تناغُم مع أنفسهم وأشباههم ومع الطبيعة. وقد علَّم أن الإنسان هو صانع البيئة التي يعيش فيها وأن إيقاف كابوس العنف المستمر منذ آلاف السنين لا يتم إلا بتحول جذري في النفس البشرية. وقد اكتفى بإعطاء إشارات حول "فن" القيام بهذا التحول؛ إذ ما من طريق ولا منهج لبلوغه لأن "الحقيقة أرض بلا دروب": على كلِّ واحد أن يقوم بالعمل بمفرده، دون اللجوء إلى أي معلم أو مرجعية من أي صنف كانت؛ فالحياة بأسرها هي المعلم.

لهذه الأسباب مجتمعة، كانت التربية واحدة من اهتماماته الرئيسية: إذا استطاع الطفل أن يتعلم رؤية الإشراطات القومية والدينية والمذهبية والاجتماعية إلخ التي ينشأ عليها، والتي تقوده حتمًا إلى النزاع، فإنه يقدر عندئذٍ أن يعي أنه العالم وأن العالم فيه؛ ولعله يستطيع بذلك أن يصبح كائنًا بشريًّا يتصف بذكاء رفيع يلهمه السلوك السليم آنًا بآن. فالأحكام المسبقة وسائر المعتقدات تحول بين الذهن وبين لمس الحقيقة والحرية والمحبة.

شهد القرن الذي عاش فيه كريشنامورتي حربين عالميتين، عنفًا قوميًّا وطائفيًّا وسياسيًّا مستمرًّا، مجازر جماعية لم يسبق لها مثيل، تطورًا وتكاثرًا في أسلحة الدمار الشامل، بالإضافة إلى التضخم السكاني وانهيار البيئة الطبيعية وتفتُّت المؤسسات الاجتماعية. وهذه الكوارث كلها زرعت الخوف في قلوب البشر واليأس من قدرة الإنسان على حل مشكلاته. لذا خصَّ كريشنامورتي هذه الأزمة العالمية باهتمام كبير في أحاديثه كلِّها، داعيًا المستمعين إليه إلى أن يولوا انتباههم الجدِّي للبنى والاستعدادات النفسية التي تولد العنف والألم في حياتهم.

أصرَّ كريشنامورتي طوال عمره على أنه لا يريد أتباعًا؛ ولذلك لم يؤسس أية منظمة ولم يُحِطْ نفسه بجماعة من الأتباع أو المريدين، ولم يُجِزْ لأحد بعينه أن يخلفه أو يفسر تعاليمه أو يشرحها، بل اكتفى بأن يطلب من الذين يشاركونه اهتماماته الملحَّة هذه أن يحافظوا، بعد موته، على سجلٍّ أمين لأحاديثه وكتاباته للأجيال القادمة، بما يجعلها متوفرة للجمهور على أوسع نطاق.

ج. كريشنامورتي متكلمًا في الأمم المتحدة

بعد إلقاء الخطاب التالي من على منبر الأمم المتحدة، كان من المقرر تقليدُ كريشنامورتي وسامَ الأمم المتحدة للسلام للعام 1984، لكنه اعتذر عن قبوله انسجامًا مع تعاليمه التي لم يراع فيها التشريفات الدنيوية من أي نوع.

* * *

كريشنامورتي: مطلوب منِّي أن أتكلم على السلام العالمي فيما يتعدى الذكرى الأربعين لميلاد الأمم المتحدة.

عاش النوع البشري – الإنسان – على هذه الأرض طوال ما يزيد عن الخمسين ألف عام، وربما مدة أطول بكثير، أو مدة أقل. وإبان هذا التطور الطويل كلِّه، لم يجد الإنسانُ "السلام على الأرض": السلام في الأرض[1] ظل يبشِّر به، قبل المسيحية بوقت طويل، قدماءُ الهندوس والبوذيون. وإبان هذا الزمن كله، ما انفك الإنسان يعيش في نزاع، لا في نزاع مع جيرانه وحسب، بل ومع قومه هو، مع مجتمعه هو، مع أسرته؛ مافتئ يقاتل، يصارع ضد الإنسان، طوال الخمسة آلاف سنة الأخيرة، وربما أكثر. تاريخيًّا، ظلت الحروب تنشب عمليًّا كل عام. ونحن لا نزال في حالة حرب. أعتقد أن هناك أربعين حربًا مندلعة في الوقت الحالي. ورجال الدين – ليس الكاثوليك وحسب، بل الجماعات الأخرى أيضًا – تكلموا على "السلام في الأرض" وعلى النية الطيبة بين البشر؛ لكنه لم يحل قط – لم ننعم بالسلام على الأرض. تكلموا فقط على السلام عند الموت، حيث يذهب المرء إلى الجنة وينعم بالسلام هناك!

والمرء يتساءل، إذا كان على شيء من الجدية أصلاً، لماذا يقتل إنسانٌ إنسانًا آخر – باسم الله، باسم السلام، باسم إيديولوجيا ما، أو في سبيل "وطنه"، مهما يكن معنى هذه الكلمة، أو من أجل الملك أو الملكة، إلى آخر ما هنالك من مساخر. لعلنا جميعًا نعرف هذا الواقع: واقع أن الإنسان لم يعشْ قط في سلام على هذه الأرض، التي مافتئت تُدمَّر تدميرًا بطيئًا، ولماذا لا يستطيع الإنسان أن يحيا في سلام مع كائن إنساني آخر. و[نعرف] لماذا توجد أمم منفصلة – وهي في النهاية عصبية قبلية مضخَّمة. والأديان، سواء المسيحية أو الهندوسية أو البوذية، هي الأخرى يحارب بعضها بعضًا. الأمم تتحارب، الجماعات تتحارب، الإيديولوجيات جميعًا، سواء كانت الروسية أو الأمريكية أو أية فئة أخرى من الإيديولوجيات، في حرب، في نزاع، بعضها مع بعض. وبعد العيش على هذه الأرض طوال هذه القرون العديدة، ما الذي يحول دون الإنسان والحياة في سلام على هذه الأرض البديعة؟ ما انفك هذا السؤال يُطرَح مرارًا وتكرارًا. تم إنشاء منظمة كهذه [الأمم المتحدة] حول هذه الفكرة. فما هو مستقبل هذه المنظمة بالذات؟ بعد السنة الأربعين [على نشوئها]، ما الذي يخبئه المستقبل؟

الزمن عامل غريب في الحياة. الزمن هام جدًّا بنظرنا جميعًا. والمستقبل هو ما هو حاضر: المستقبل هو الآن، لأن الحاضر، الذي هو الماضي أيضًا، معدِّلاً نفسه الآن، يصير المستقبل. لا تزال دورة الزمن، مسار الزمن، هو هو. والآن، ليس فيما يتعدى الأربعين سنة من عمر هذه المنظمة، بل الآن، في الوقت الحاضر، إذا لم يحصل أي تغيير جذري، طفرة أساسية ما، سيكون المستقبل على ما هو الحاضر الآن. ذلك مبرهَن عليه تاريخيًّا، وبوسعنا أن نبرهن عليه في حياتنا اليومية.

إذن فالسؤال في الواقع هو: هل الكائنات البشرية، أنتم ونحن، الجالسون على المنصة، – وأعتذر عن مجلسي المرتفع هنا، – كائنات إنسانية حقًّا؟ فمادمنا – بعضنا مع بضع، أو الرجل مع المرأة – في نزاع دائم، لن يكون سلام على هذه الأرض. قد يتكلم المرء عليه إلى ما لا نهاية. الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تتكلم على "السلام في الأرض"، لكنهم كانوا أيضًا مسئولين عن حروب مروِّعة في الماضي: مئة عام من الحرب والتعذيب وسائر ألوان الفظائع التي أساؤوا بها إلى الإنسان. هذه كلها حقائق، وقائع، وليست من بنات أفكار المتكلم. والأديان، بما فيها الإسلام والهندوس والبوذيون إلى آخرها، شنَّ كل منها نوعه الخاص من الحرب. وهكذا فإن المستقبل فيما يتعدى الذكرى الأربعين هو ما يجري الآن.

يتساءل المرء عما إذا كان الناس يدركون ذلك. الحاضر ليس الماضي وحسب، بل هو ينطوي على المستقبل أيضًا: الماضي معدِّلاً نفسَه على الدوام عِبْرَ الحاضر ومُسقِطًا المستقبل. إذا لم نكف عن الخصومات والنزاعات والخلاف والكراهية الآن فسيظل الأمر على حاله غدًا. بوسعك أن تمدِّد ذلك الغد ألف سنة، لكنه مع ذلك سيظل الغد.

لذا يجب علينا أن نتساءل عما إذا كنا، كبشر، – أفرادًا أو طوائف، أو في أسرة، – عما إذا كنا نستطيع أن نحيا في سلام بعضنا مع بعض؟ المنظمات لم تحل هذه المشكلة. بوسعك أن تعيد التنظيم، لكن الحرب تظل مستمرة. المنظمات، إذن، سواء المنظمات العالمية أو أي صنف خاص من المنظمات الهادفة إلى إحلال السلام، مثل هذه المنظمات لن تفلح أبدًا لأن البشر، فرديًّا، جماعيًّا، قوميًّا، مافتئوا في نزاع. الأمم القوية، مثل أمريكا أو روسيا، في حرب بعضها على بعض – اقتصاديًّا وإيديولوجيًّا وفعليًّا – وإنْ لم يصل الأمر إلى سفك الدماء. إذن فالسلام لا يمكن له قطعًا أن يوجد على هذه الأرض بوجود قوميات، وهي، كما قلنا، عصبية قبلية معظمة. القوميات تمنح شيئًا من الأمان: الإنسان في حاجة إلى الأمان، فيستثمر في القومية، أو في إيديولوجيا أو معتقد معيَّن. المعتقدات، الإيديولوجيات، إلى ما هنالك، جزأت الإنسان. والمنظمات لا يمكن لها قطعًا أن تُحِلَّ السلامَ بين الإنسان والإنسان لأنه يؤمن بشيء معيَّن، يؤمن بإيديولوجيات معيَّنة، يؤمن بالله، فيما غيرُه لا يؤمن.

أتساءل إذا كان المرء قد انتبه يومًا إلى أن الأديان القائمة على كتاب – كالقرآن أو الكتاب المقدس – تصير متعصبة، ضيقة، وأصولية جدًّا. وأديانٌ مثل الدين الهندوسي والبوذي لديها عدد لا يُحصى من الكتب، تُعتبَر جميعًا مقدسة، حقيقية، نازلة رأسًا من فم الله! إنها ليست بهذا القدر من التعصب، إنها متسامحة، تستوعب. إذن، هناك هذا النزاع الدائر بين هؤلاء الذين يتكئون في إيمانهم على الكتب وبين أولئك الذين لا يتكئون في إيمانهم على أي كتاب؛ ونزاع، إذن، بين أهل الكتاب وبين الذين يقبلون كتبًا عديدة. أتساءل عما إذا كان المرء على وعي بهذا كله.

ونحن نتساءل في عمق، إذا كنتم على شيء من الجدية أصلاً، إنْ كنا – أنتم وأنا وأولئك المنخرطون في منظمات – نستطيع أن نحيا في سلام بعضنا مع بعض؟ السلام يتطلب قدرًا كبيرًا من الفطنة، وليس مجرد التظاهر ضد شكل معين من أشكال الحرب، ضد قنبلة نووية أو ذرية، إلى ما هنالك. تلك نواتج أذهان وأدمغة متحصنة بالقومية، بشكل معيَّن من الاعتقاد أو الإيديولوجيا؛ وبذا فإنها تزود بالأسلحة – الدول القوية، سواء روسيا أو أمريكا أو إنكلترا أو فرنسا – [تزود] بالأسلحة بقية دول العالم، وهي كذلك تتكلم على السلام، فيما هي تزود بالأسلحة!

إنه لعالم شاسع صفيق، والصفاقة لا يمكن لها أن تطيق العطف والرعاية والمحبة. أظننا فقدنا تلك الخاصية – صفة الرحمة. لا تحلِّلوا ماهية الرحمة – فهي يمكن تحليلها في سهولة بالغة. ليس بمقدوركم تحليل المحبة؛ فالمحبة لا تقع ضمن نطاق الدماغ، لأن الدماغ هو أداة الإحساس، هو مركز سائر ردود الأفعال والأفعال، ونحن نحاول أن نجد السلام والمحبة ضمن هذا النطاق المحدود. وهذا يعني أن الفكر ليس المحبة لأن الفكر قائم على التجربة – وهي محدودة – وعلى المعرفة – وهي دومًا محدودة، سواء الآن أو في المستقبل. المعرفة، إذن، محدودة دومًا. وبالحصول على المعرفة، المحتواة في الدماغ كذاكرة، ينبع الفكر من تلك الذاكرة. وهذا يمكن للمرء رصدُه في بساطة وسهولة بالغتين إذا فحص عن نفسه، إذا نظر في نشاط فكره وتجربته ومعرفته. ليس المرء مضطرًّا إلى قراءة أي كتاب أو إلى أن يصير اختصاصيًّا لكي يفهم.

الفكر، إذن، محدود دومًا، سواء الآن أو في المستقبل. ونحن نحاول أن نحل مشكلاتنا كلها، التكنولوجية والدينية والشخصية جميعًا، عِبْرَ نشاط الفكر. الفكر ليس المحبة جزمًا؛ فالمحبة ليست الإحساس أو اللذة، وهي ليست نتاجًا للرغبة؛ إنها شيء مختلف كل الاختلاف. فحتى يجد المرء تلك المحبة، التي هي الرحمة، والتي تتصف بفطنتها الخاصة، عليه أن يفهم نفسه، أن يفهم ما نحن – ليس من خلال التحليل، بل بفهم مآسينا نحن، ملذاتنا نحن، معتقداتنا نحن.

أينما ذهبتم في العالم قاطبة، كما تعلمون، تجدون البشرية، البشر، يتألمون، لأسباب متنوعة: قد تكون تافهة، أو تعود إلى حادثة ماضية عميقة جدًّا جدًّا تسببتْ في الألم أو الأسى. وكل إنسان على هذه الأرض يكابد هذا، بدرجة صغرى أو نتيجة حادثة هائلة، كالموت. الأسى قاسم مشترك بين البشر أجمعين؛ إنه ليس أساك أو أساي، بل هو أسى البشرية، جزع البشرية، وجعها، عزلتها، يأسها، عدوانيتها. إذن، أنتم ونحن بقيةُ البشرية؛ نفسانيًّا، لسنا كائنات بشرية منفصلة. قد تكون امرأة أو رجلاً، قد تكون طويلاً أو أسمر أو قصيرًا، إلى ما هنالك؛ لكننا داخليًّا، نفسانيًّا (وهو الأهم بكثير)، نحن بقية البشرية. أنت بقية البشرية: فإذا قتلتَ إنسانًا آخر، إذا تنازعت وإنسانًا آخر، فأنت مدمِّر نفسك لا محالة. تستطيع أن ترصد هذا في دقة شديدة جدًّا إذا نظرتَ إلى نفسكَ من دون مواربة.

إذن، لا يمكن أن يحل سلام إلا حين البشرية، حين أنت وأنا، يزول كل نزاع من أنفسنا. رُبَّ قائل يقول: "حين يحقق المرء، أو يضع حدًّا لكلِّ نزاع في نفسه، كيف سيؤثر هذا في بقية البشرية؟" هذا سؤال قديم جدًّا جدًّا. لقد طُرحَ قبل المسيح – إنْ وُجِدَ أصلاً – بآلاف من السنين. وعلينا أن نسأل إن كان من الممكن للأسى والألم والجزع إلى ما هنالك أن تنتهي فينا يومًا؟ إذا انكبَّ المرء فاحصًا، راصدًا، في انتباه عظيم، كما تنظرين أنتِ في انتباه شديد، حين تمشطين شعركِ، أو أنتَ، حين تحلق ذقنك، بخاصية الانتباه تلك، محتدةً، تستطيع أن ترصد نفسك – بتلاوينها ودقائقها كلها. والمرآة هي علاقتك بين البشر: في تلك المرآة تستطيع أن ترى نفسك كما أنت بالضبط. لكن غالبيتنا ترتعب من رؤية ما نحن؛ وبهذا ننمي فينا بالتدريج المقاومة والإحساس بالذنب وسائر المساخر الأخرى. وبذلك لا نطلب أبدًا الحرية الكاملة – لا حرية أن تفعل ما يحلو لك، بل التحرر من الاختيار. فحيثما توجد خيارات متعددة توجد التباسات عديدة.

فهل بمقدورنا أن نحيا السلام على هذه الأرض في تفهُّم كبير للإنسانية؟ – وهو فهم نفسك فهمًا عميقًا للغاية، ليس بحسب عالِم نفس أو محلِّل ما (فهؤلاء أيضًا يحتاجون إلى تحليل!). إذن، نحن نستطيع، من دون اللجوء إلى المهنيين، بوصفنا أناسًا عاديين بسطاء، نستطيع أن نرصد أمزجتنا الخاصة، ميولنا. هل في إمكان دماغنا (والمتكلم ليس اختصاصيًّا في مادة المخ) – ودماغُنا مافتئ مشروطًا على الحرب، على الكره، على النزاع؛ إنه مشروط خلال هذه الفترة الطويلة من التطور – هل في إمكان ذلك المخ بخلاياه، التي تختزن الذاكرات كلها، أن يتحرر من إشراطه بالذات. من السهل جدًّا، كم تعلمون، الجواب عن مثل هذا السؤال. إذا طال بك الاتجاه شمالاً أيام حياتك كلها، مثلما أن البشرية طال بها المضي في اتجاه معيَّن، وهو نزاع، وأتاك أحدهم وقال: "هذا لا يقود إلا إلى طريق مسدود" – وهو جادٌّ، وربما كنت أنت جادًّا – ثم قال: "امض جنوبًا أو امض شرقًا أو إلى أية جهة أخرى غير هذه"، حين تتحول فعلاً عن تلك الجهة تحدث طفرة في خلايا المخ نفسها لأنك تكون بذلك قد كسرت القالب. وذلك القالب يجب أن يُكسَر الآن، وليس بعد أربعين سنة أو مئة.

فهل يمكن للبشر أن يتصفوا بالحيوية والطاقة على تحويل أنفسهم إلى كائنات إنسانية متحضرة، فلا يقتتلون؟

الرئيس: هل لنا أن نطرح أسئلة؟

ك: أجل، سيدي، اسألوا ما بدا لكم. يسرني ذلك!

الرئيس: الوقت متاح لنا لطرح بعض الأسئلة، والسيد كريشنامورتي تلطف بالموافقة على الإجابة عن أية أسئلة تطرحونها. حين تطرح سؤالاً الرجاء أن ترفع يدك لكي يتم توصيل الصوت. شكرًا.

سؤال: أنا أسأل سؤالاً يخص حاجتي إلى تعبير روحي أشعر أني متصل به. هل أنا مسموع؟ لا أظن ذلك. أشعر بإحساس بانعدام الصلة ما انفك يصلني. أتشوق إلى اتصال روحي، مع نفسي ومع غيري من الناس في هذه المجموعة، يهبنا إحساسًا بالتسامي. هذا ما أتشوق إلى اختباره في هذه المحاضرة: إحساسًا روحيًّا أرقى بالوحدة، بدلاً من التعبير الفكري.

ك: بادئ ذي بدء، لا أفهم كلمة "روحي". هل الأمر عاطفي، رومانسي، إيديولوجي، أو شيء ما مبهم في الجو، أم هو مواجهة الواقع، ما يجري الآن، في أنفسنا وفي العالم جميعًا؟ ذلك أنكم أنتم العالم، لستم منفصلين عن العالم. نحن أوجدنا هذا المجتمع، وبالتالي، نحن ذلك المجتمع. ومهما تكن الخبرات التي تحصل للمرء – ما يُسمَّى الخبرات الدينية والروحية – عليه أن يشكك في تلك الخبرات بالذات؛ على المرء أن يتحرى، أن يكون شكاكًا. أتساءل إنْ كنتم تدركون أن كلمة "شكِّية" – التحري، الاستقصاء – لا تلقى تأييدًا في العالم المسيحي، بينما هي في البوذية والهندوسية واحدة من الأمور الجوهرية: عليك أن تشكك في كل شيء، حتى تكتشف تلك الحقيقة أو تقع عليها؛ وهي ليست حقيقتك أو حقيقة أيٍّ آخر كان، بل الحقيقة.

وهذا الاستقصاء ليس "فكريًّا". فالفكر ليس إلا جزءًا وحسب من البنية الإنسانية الكلِّية. على المرء أن ينظر إلى العالم وإلى نفسه ككائن كلاني. والحقيقة ليست شيئًا قيد الاختبار. إذا سمحتَ لي أن أنوِّه، مَن هو المختبر في معزل عن الخبرة؟ أليس المختبر جزءًا من الاختبار؟ لولا ذلك لما استطاع أن يعرف أية خبرة حصلت له. إذن، المختبر هو الاختبار؛ المفكِّر هو الفكرة؛ الراصد، بمعناه النفساني، هو المرصود. لا فرق ثمة. وحيثما وُجِدَ فرق، فَصْل، هناك يتسلِّل النزاع. ومع إنهاء النزاع ثمة حرية – وإذ ذاك فقط يمكن للحقيقة أن تنوجد. وهذا كله ليس "فكريًّا"، كرمى لله! هذا شيء يحياه المرء، ويكتشفه.

سؤال: شددتَ كثيرًا على الاستقصاء والتشكيك. أتساءل إن كنت تستطيع أن تخبرني إنْ كان الإيمان يلعب دورًا في ذلك أيضًا.

ك: ما هو الإيمان؟ بماذا تؤمن؟ يؤمن أحدهم بتجربة ما، فيما يؤمن آخر بمعتقد ما، أو برمز، إلى ما هنالك. لماذا يؤمن الإنسان أصلاً؟ هل يؤمن من جراء الخوف، من جراء عدم اليقين، من جراء إحساس بعدم الأمان؟ حين تؤمن، كهندوسي مثلاً، برمز من الرموز، وتتمسك بذلك الإيمان، أو بذلك الرمز، إذ ذاك تكون في حرب مع بقية العالم. أما الاستقصاء في رفق، في تؤدة، التحري، التساؤل، فمنه عندئذٍ ينبثق الوضوح. ولا بدَّ من الوضوح لفهم ما هو أبدي.

سؤال: في الختام قلتَ إننا في حاجة إلى كَسْر قالب النزاع بين البشر. وسؤالي لك هو: هل ترى ذلك كشيء أشبه بالسياق التطوري سيحصل لا محالة؟ أم تَراه كشيء علينا جميعًا أن نكدَّ كدًّا شديدًا في سبيل تحقيقه؟ وثمة عبارة تجري على مثل هذا النحو: "في أوقات الظلام تبدأ العين ترى". ولماذا تراني أطرح عليك هذا؟ – لأن الأمر، بمعنى ما، إما سوف يحصل، وإما لن يحصل. ولكن كيف تَراه سيحصل في نظرك؟

ك: لا أفهم سؤالك تمامًا، سيدي.

س: طيب. أنت تتحدث عن كَسْر القالب: للإنسان قالب، للمخ قالب، وعلى هذا القالب أن يُكسَر لكي يحلَّ سلام في العالم.

ك: جزمًا.

س: فهل ترى كَسْرَ ذلك القالب كحركة فاعلة أم كتقدم طبيعي في تطور الإنسان؟

ك: أترانا، سيدي، تطوَّرنا أصلاً؟

س: أظننا نتطور تطورًا متواصلاً.

ك: إذن، فأنت تقبل التطور – التطور النفساني، إذ نحن لا نتكلم عن التطور البيولوجي أو التطور التقني – التطور النفساني. بعد مليون سنة، بعد خمسين ألف سنة، هل تغيرنا تغيرًا عميقًا؟ ألسنا بدائيين جدًّا، همجيين؟ إذن، فأنا أسال إن كنت ستدقق في إمكانية وجود تطور نفساني أصلاً. أنا أشكك في ذلك. شخصيًّا، في نظر المتكلم، لا وجود لتطور نفساني: هناك فقط إنهاء الأسى، الألم، الجزع، العزلة، اليأس، إلى آخر ما هنالك. لقد تعايش الإنسانُ وذلك طوال مليون سنة. وإذا اتكلنا على الزمن، وهو الفكر، – فالزمن والفكر متواكبان – إذا اتكلنا على التطور، إذ ذاك فإن ألف سنة أو أكثر سوف تمضي، وسنبقى على ما نحن عليه من همجية!

سؤال: سؤالي هو: ماذا يجب أن يحصل حتى يمكن للتطور النفساني، كما يفهمه المتكلم، أن يبدأ؟

ك: ماذا عن التطور النفساني؟ لا أفهم السؤال تمامًا.

س: قلتَ إنك لا تعتقد بأن تطورًا نفسانيًّا قد حصل. سؤالي هو: ماذا يمكن أن يحصل حتى يكون، حتى يمكن لتطور نفساني أن يحصل؟

ك: سيدتي، أخشى ألا نكون قد فهمنا واحدنا الآخر. لقد عشنا على هذه الأرض، كما نعلم من التاريخ، كما ومن التحري القديم، – عشنا على هذه الأرض مدة خمسين ألف سنة أو أكثر أو أقل. وإبان فترة التطور الطويلة تلك، ظللنا، نفسانيًّا، داخليًّا، ذاتيًّا، همجيين إلى هذا الحد أو ذاك – نكره بعضنا بعضًا، نقتل بعضنا بعضًا. والزمن، بما هو التطور، لن يحلَّ تلك المشكلة. فهل من الممكن، كما نسأل، لكل كائن إنساني، بما هو بقية العالم، – هل يمكن لتلك الحركة النفسانية أن تتوقف حتى نرى شيئًا جديدًا؟

سؤال: أردت أن أسألك السؤال نفسه في عبارة مختلفة: ماذا يجب علينا أن نفعل حتى نفعِّل هذه المقاومة حيال التطور؟ أود أن أقول شيئًا واحدًا آخر. كان الدكتور [ديڤيد] بوهم حاضرًا هنا في الشهر الماضي، وقال الشيء نفسه الذي تقوله أنت في عبارة أخرى؛ إنه عالِم، وقد شرح المشكلة نفسها. أتساءل عمَّا تظن أن في إمكاننا أن نفعله حالاً لكي نفعِّل هذا؟

ك: فهمت. ماذا يمكن لك أن تفعل حالاً؟ صحيح؟ تغيَّرْ تغيرًا تامًّا! – نفسانيًّا وخارجيًّا في آنٍ معًا. الثورة النفسانية أولاً – ليس التطور، بل الثورة – تغيَّرْ تمامًا. ذلك هو العمل الحقيقي للإنسانية، وليس محاولة التلهِّي عنه بأمور ثانوية.

سؤال: لقد قررتَ أن شرطًا هامًّا من شروط فهم البشرية هو البدء في فهم أنفسنا فهمًا واضحًا. هل تتوقع تحقُّق ذلك ضمن هذه الغرف، في غضون الأربعين سنة المقبلة، في الأمم المتحدة؟ – بحيث إن فهم البشرية، من خلال فهمنا أنفسَنا، سيصير جزءًا من صنع القرار على الصعيد العالمي.

ك: لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال لأنني لا أنتمي إلى المنظمة. اسأل الرؤساء!

س: أود أن أضيف نبرة أخرى – نبرة تشجيع أكبر ربما – إلى سؤالي. لقد أشرتَ إلى أن المنظمات قد لا تأتي بالجواب؛ وأشرتَ كذلك إلى أن تاريخ البشرية ينزع بك إلى التشاؤم حول المستقبل أو الخلاص. أعتقد أن الأمر يعتمد على طبيعة المنظمات وعلى ما إذا كانت هذه المنظمات تلبي مصالح البشرية وعلى استعدادها للتطور، كما تتطور الأمم المتحدة وسواها من الجماعات، وكما يتطور البشر – على افتراض أننا لن نبيد أنفسنا عن بكرة أبينا، وعلى افتراض أننا نستطيع أن نتواصل بواسطة ذلك التعاطف والاحترام المدوَّنين في جيناتنا أيضًا. لا نهاية لما قد نستطيع أن نفعله على هذا الكوكب وخارجه. والمعنى المتضمن هنا، الذي أعتنقه، هو أننا تطورنا لأن لدينا المقدرة على الحب وعلى التعاون، وأننا لسنا هالكين ميئوسًا منهم لمجرد أننا نُظهر الكره والخوف والجشع وأننا استسلمنا في الماضي لمثل هذه الشرور. لكن لدينا في وجود الأمم المتحدة، في حدِّ ذاته، مثالاً على مقدرة الإنسان على النمو وعلى اتخاذ أهداف مشتركة. أعتقد أن الحاضر لا يتضمن المستقبل وأننا نستطيع، بالعمل النشيط في الحاضر، أن نؤثر في مستقبلنا وفي نجاتنا. لذا أسأل: ما هو الجواب عن السؤال الذي طرحتَه حول أن المرء، حين يحقق السلام في نفسه، كيف سيؤثر على بقية البشرية، بالنظر إلى المهلة الزمنية المحدودة؟

ك: ما هو السؤال، سيدي؟

س: سؤالي كان: حين يحقق المرء السلام في نفسه، كيف سيؤثر ذلك في بقية البشرية من دون وجود بُنى تنظيمية؟

ك: لقد شرحتُ ذلك، سيدي، شرحتُه. قولك: إذا تغيرتُ، كيف سيؤثر ذلك في البشرية، في بقية العالم؟ أليس هذا هو السؤال، سيدي؟ على رسلك، سيدي.

س: أجل، هذا هو السؤال.

ك: أعتقد، إذا أجزتَ لي أن أنوِّه بكلِّ احترام، أن هذا السؤال سؤال خاطئ. تغيَّرْ، تَرَ ما يحدث. هذا شيء هام للغاية حقًّا. علينا أن ننحِّي جانبًا جميع القضايا الجانبية. أرجوك أن تدرك هول هذا الأمر: أنك أنت بقية الإنسانية – نفسانيًّا. أنت الإنسانية. فسواء كنت تعيش في الهند، روسيا، الصين، أو في أمريكا أو أوروبا، أنت بقية الإنسانية، لأنك تتألم، ولأن الجميع على هذه الأرض يتألم بطريقته الخاصة. نحن نتشارك في هذا الألم؛ إنه ليس ألمي أنا. إذن، فأنت، حين تطرح سؤال: أي فارق سينجم عن تغيري أو تغيرك، إذا أجزت لي أن أنوِّه بكلِّ تواضع، ينم سؤالك هذا عن خطأ جوهري. أنت تتجنب القضية المركزية. ويبدو أننا لا نواجه أبدًا القضية المركزية، التحدي المركزي الذي يتطلب منا أن نحيا حياة مختلفة تمامًا، ليس كأمريكيين، روسيين، هنود، بوذيين، أو مسيحيين.

أتساءل فيما إذا كنتم تدركون أن المسيحيين كانوا مسئولين عن قتل بشر أكثر من أية ملة دينية أخرى بكثير. لا تغضبوا، أرجوكم! ثم جاء الإسلام، العالم الإسلامي؛ ثم الهندوس والبوذيون جاؤوا بعد ذلك بكثير. إذن، إذا قال المسيحيون المزعومون، بمَن فيهم الكاثوليك، – وهم حوالى ثمانمائة مليون إنسان، – إذا قال هؤلاء: "كفانا حروبًا"، سيكون لكم السلام على هذه الأرض. لكنهم لن يقولوا ذلك. وحدهما البوذية والهندوسية قالتا: "لا تقتل، لأنك إنْ قتلت – وهم يؤمنون بالتقمص – سوف تدفع الثمن في العمر التالي". لذلك لا تقتل، لا تقتل أقل الأشياء ضآلة، باستثناء ما يجب عليك أن تتغذى به من خضار وما إليها، لكنْ لا تقتل. نحن، كبراهمة، لم ننشأ على هذا النحو، على ألا نقتل ذبابة، ألا نقتل الحيوانات لنقتات بها. لكن هذا كله مضى. لذا، أرجوكم، نحن ننوِّه بأن القضية المركزية لإيقاف الحروب هي أنك يجب أن تضع حدًّا لصراعاتك أنت، لنزاعاتك أنت، لبؤسك وألمك أنت.

لماذا نختار؟ – باستثناء الأشياء المادية – بين قماشين جيدين، ملبَسين، بين سيارتين. أنت تختار عندئذٍ بسبب وظيفة هذه الأشياء، سرعتها، إلى ما هنالك. لكنْ نفسانيًّا، لماذا تختار أصلاً؟ لماذا يوجد هذا الخيار؟ هناك خيار طبعًا: تستطيع أن تنتقل من بلدة إلى أخرى، من عمل إلى آخر – ليس في روسيا، ليس في العالم الاستبدادي؛ ففي العالم التوتاليتاري أنت عالق في مكانك، لا يُسمَح لك بالتنقل إلا بموافقة رؤسائك[2]. وفي هذه البلاد، في مجتمع ديمقراطي مزعوم، لديك خيار في أن تفعل كلَّ ما يحلو لك – وأن تسمي ذلك حرية – أن تُشبع رغباتك، أن تصيب نجاحًا عظيمًا. لديك في ذلك خيارات لا تحصى! لكننا نتكلم على الخيار في المجال النفساني. إذا كنت ترى الأشياء رؤية واضحة جدًّا ينعدم الخيار. ومن سوء الحظ أننا لا نرى الأشياء رؤية واضحة. لا نرى في وضوح أن القومية أحد أسباب الحرب؛ لا نرى في وضوح أن الإيديولوجيات تنسل الحروب، سواء كانت الإيديولوجيات الماركسية، أو لينين، أو لونك الإيديولوجي الخاص. إذن فنحن نختار بين إيديولوجيا وأخرى، بين دين وآخر، بين مجموعة وأخرى – ونتوهم أننا أحرار! هذا، على العكس، يشي بالتشوش. وحين نكون مشوَّشين نتصرف تصرفات مشوَّشة، وبالتالي، نضاعف التشويش، كما يفعل السياسيون – سامحوني!

سؤال: لدينا هنا سؤال مكتوب للسيد كريشنامورتي: هل تؤمن بما يسمَّى الروح المتحققة؟

ك: هل تؤمن بما يُسمَّى أرواحًا متحققة؟ لا أعرف ماذا يعني ذلك. تمهَّل، سيدي.

سؤال: أنا آسف. أنت الآن تتكلم من على منبر عام، وحالما تنتهي هذه المحاضرة سوف تعود ربما إلى خلوة لعلها عزيزة جدًّا عليك. إذن، هناك عند الغالبية من الكائنات البشرية في هذا العالم فَصْلٌ بين الحياة العامة والحياة الخاصة. هل لك أن تعلِّق على هذا التقسيم؟ هل تشعر بأنه يقود إلى النزاع؟ هل هو ضروري؟

ك: بين الحياة العامة والحياة الخاصة؟ هل هذا هو السؤال؟ لماذا تفصل بينهما؟ لماذا نفصل بين الحياة العامة، وكأنها شيء ما في الخارج، وبين الحياة الخاصة؟ لو كان المرء يحيا حياة صحيحة، منضبطة، ليس فكريًّا، بل كلانيًّا، إذ ذاك لا تعود ثمة حياة خارجية وحياة خاصة. كلانيًّا، يعني أن تحيا ككائن إنساني كلي، ليس كطائفي، ليس كفرد، ليس كذهن، أو دماغ، ضئيل وضيع، يتصرف لمصلحتنا الذاتية. آسف إذا كنتُ بهذا الإلحاح. هل انتهينا، سيدي؟

الرئيس: هناك سؤالان آخران.

سؤال: إذا كنت تعيش في سلام، واتفق للطاغية أن يهجم، ألا تدافع؟

ك: ماذا ستفعل عند ذاك؟ إذا كنت تعيش في سلام وهاجمك طاغية أو لص، ماذا ستفعل؟ هذا هو السؤال. هل تحيا في سلام ليوم أو يومين فحسب، أم تحيا حياتك كلها في سلام؟ لو أنك عشت في سلام لسنوات عديدة، إذ ذاك سوف تتصرف التصرف السليم حين تُهاجَم.

أيها السادة، لقد دأب المتكلم على هذا الكلام طوال الستين سنة الأخيرة، وأكثر – في العالم أجمع، باستثناء ما وراء الستار الحديدي؛ فقبل الحرب كان يطوف أوروبا كلها – وهذه الأسئلة طُرِحَتْ على المتكلم طوال ستين عامًا. النموذج نفسه بات يكرِّره الجيلُ الشاب، تكرِّره مدنيةٌ فتية، مثل أمريكا؛ الأسئلة نفسها، بالنية نفسها: الإيقاع بالمتكلم، أو فهم المتكلم حقًّا، أو فهم أنفسهم. فلو أنك حظيت بسوء حظ – أو حسن حظ – الكلام طوال ستين سنة فستعرف الإجابات كلها والأسئلة كلها. ليس هناك فارق بين السؤال والجواب: إذا فهمتَ السؤال فهمًا عميقًا حقًّا لأدركتَ أن الجواب كامن في السؤال.

الرئيس: السيد روبرت ميللر يود أن يطرح سؤالاً.

روبرت ميللر: طيب، لا أود أن أطرح سؤالاً، بل أن أهنئك على تصريحك، وأن أؤكد أنني، وقد عايشت هذه المنظمة ما يناهز الأربعين عامًا وبلغت من العمر أكثر من ستين عامًا، توصلت إلى النتيجة نفسها التي توصلت إليها أنت. نحن جميعًا مبرمَجون: نُبرمَج على أمَّة، على إيديولوجيا، على دين – وجميع هؤلاء كائنات بشرية متشظِّية. استغرقني الأمرُ أربعين سنة من الإقامة في هذا البيت لكي أبطِلَ برمجتي على الجنسيتين الاثنتين أو الثلاث التي فُرضَتْ علي؛ وفي كلِّ مرة كنت أحصل كذلك على سلاح لكي أطلق في الاتجاه الآخر! وهاهنا، بعد أن قُدِّرَ لي أن أرى العالم في كلِّيته وأرى الإنسانية في كلِّيتها، استخلصت أن الأهم هو أن تكون إنسانًا من أن تكون يهوديًّا أو كاثوليكيًّا أو فرنسيًّا أو روسيًّا أو أبيض أو أسود.

ك: صحيح تمامًا.

ر م: وفي معتقدي أنه محرَّم عليَّ أن أقتل مهما كان السبب، لا في سبيل أمَّة، ولا في سبيل دين، ولا في سبيل إيديولوجيا. وهذه هي الخلاصة التي هي خلاصتك أنت أيضًا.

ك: هل هي خلاصة، سيدي، أم أنها واقع؟

ر م: هذا هو واقعي.

ك: هذا صحيح! ليست خلاصة.

ر م: لن أحاجج حول الأديان، بل سأذكِّر بأن "عينٌ بعين وسنٌّ بسن" ليست بالضبط وصية مسيحية. المسيح، على العكس، رأى أن الطريقة السلامية هي الاهتمام برفاقك البشر، واتصافنا بالرحمة والمحبة تجاه بعضنا بعضًا. لكني أود أن أعرف كيفية كَسْر قالب المواجهة هذا بين البشر. لا أتكلم على الدول، لأن الدول تتشكل من البشر، والحكومات أيضًا؛ فالبشر هم الذين يحكمون البلدان. كيف يمكن لنا أن نحطم هذا القالب؟ كيف لم تتمكن الإنسانية من ممارسة مبادئ بهذا الوهج كالتي كرز بها المسيح من أجلنا، ونصَّتْ عليها جميعُ الأديان أيضًا؟ أود فعلاً أن أتبين فيما إذا كنا نستطيع أن نجد صيغة أو حلاً لكَسْر قالب المواجهة والكره الرهيب ذاك، حتى بين الأسَر، كما نوَّه بذلك كريشنامورتي، لأن الأمر ليس مجرد حرب بين أمم وحسب. ثمة دومًا مواجهة، حتى بين الأطفال: ترى أحدهم مع ماما، فيما الآخر يريد أن يكون هو معها. ذلك القالب، كيف نكسره؟

ك: هل لي أن أجيب عن سؤالك؟ نحن مبرمَجون، كالكمپيوترات – نحن كاثوليك، پروتستانت، بوذيون، إلخ. فكما نوَّه السيد (؟)، نحن مبرمَجون. هل ندرك أو نرى فعليًّا، فعليًّا، وليس نظريًّا أو إيديولوجيًّا – هل نرى فعليًّا أننا مبرمَجون؟ أم أنه ليس إلا تصريحًا عَرَضيًّا؟ إذا رأيت أنك فعليًّا مبرمَج، هل تدرك عواقب كونك مبرمَجًا؟ واحدة من هذه العواقب كانت الكراهية، أو الحرب، أو فَصْلَ نفسك عن الآخرين. إذا أدرك المرء أنه مبرمَج، مضغوط، يُكال له الوعظ، وإذا رأى المرء ذلك حقًّا، فإنه يتخلَّى عنه وحسب، ولا يحتاج إلى "صيغة" له. حالما تشكِّل صيغةً فإنك تقع في شِراكها؛ وإذ ذاك فإنك تصير مبرمَجًا من جديد لأنك تملك برنامجك الخاص وذاك الآخر يعطيك برنامجًا آخر. المهم، إذن، هو إدراك واقع أنك مبرمَج، ليس فكريًّا، بل بدمك وطاقتك جميعًا.

الرئيس: بسبب ضيق الوقت، لن نتمكن من طرح المزيد من الأسئلة. بالنيابة عن "جمعية السلام في الأرض" وعن "الحركة من أجل عالم أفضل"، نود أن نشكر ضيفنا المحاضر الموقر والأخ الزميل والسفير باري، وهما الرئيسان الفخريان للجمعية، ونشكركم جميعًا على تجشمكم مشقة المجيء لحضور محاضرة اليوم.

يبقى عليَّ أن أؤدي مراسيم بسيطة جدًّا قبل أن تغادروا. كان السيد كريشنامورتي هنا في العام الماضي في 17 نيسان، حوالى الوقت الذي احتفلنا فيه بيوم "السلام في الأرض". وهذا العام حبانا حسنُ الطالع أن نستقبله بمناسبة الذكرى الثانية والعشرين لـ"السلام في الأرض" – وقد سبق لكم أن سمعتم بالأمر. بالنيابة عن "جمعية السلام في الأرض" في الأمم المتحدة، نتشرف بتقليدك، سيد كريشنامورتي، أيها المعلِّم العالمي، وسامَ الأمم المتحدة للسلام للعام 1984.

المترجم عن الإنكليزية: ديمتري أڤييرينوس



[1] باللاتينية في الخطاب pacem in terris: إشارة إلى تسبيح الملائكة مبشِّرين الرعاةَ بميلاد المسيح: "المجد لله في العلى، والسلام في الأرض للناس أهل رضاه" (إنجيل لوقا 2: 14)؛ وقد تسمَّتْ إحدى الجمعيات المنبثقة عن الأمم المتحدة بهذه العبارة. (المحرِّر)

[2] ألقى كريشنامورتي هذا الخطاب قبل انهيار جدار برلين وسقوط المنظومة الاشتراكية. (المحرِّر)

رسالة من تولستوي إلى گاندهي

الجمعة, حزيران 26th, 2009

رسالة

من تولستوي إلى گاندهي

tolstoi

كوتشيتي، 7 أيلول 1910

تلقيتُ نُسَخَ مجلتكم الرأي الهندي، فسررتُ بالغ السرور بقراءة كل ما يمت فيها بصِلةٍ إلى اللاَّمقاومة[1]، وأود أن أشاطرك الخواطر التي ألهمتْني إياها هذه القراءة.

كلما تقدمتْ بي السن – ولاسيما الآن وأنا أشعر بدنو الأجل – أزداد رغبة في أن أقول للآخرين ما أستشعره بكل قوة وما يتسم في نظري بأهمية بالغة – وأقصد ما يُسمَّى "اللاَّمقاومة"، وإنْ هو ليس في الواقع غير شريعة المحبة وقد تخلَّصتْ من تفسيراتها الزائفة كلها. يشعر كل إنسان ويتعرف في أعماق نفسه (وهذا نراه في وضوح عند الأطفال) أن المحبة – أي توق النفوس إلى الاتحاد والسلوك المتولد عنه – هي شريعة الحياة الوحيدة والعليا؛ إنه يعرف ذلك مادامت لم تغرِّر به تعاليمُ العالم الكاذبة. وهذه الشريعة أعلنها حكماءُ الكون جميعًا، رومانًا كانوا أم إغريقًا أم يهودًا أم صينيين أم هندوسًا. وأعتقد أن أجلى صياغة لهذه الشريعة جاء بها المسيح، الذي أكد أنها حتى تلخِّص الناموس والأنبياء[2]. لا بل إنه، وقد توقع التشويهات التي قد يُنزلها البشرُ بهذه الشريعة، أشار إلى أن الخطر يمكن له أن يأتي من البشر المغالين في التعلق بأمور الدنيا، خطر رؤية بعضهم يجيز لنفسه العنفَ ذودًا عن مصالحه، أي الرد على الضربة بمثلها واسترداد ما أخِذَ منه بالقوة، إلخ. كل إنسان عاقل يعرف أن ممارسة العنف لا تتوافق مع المحبة، بوصفها قاعدةَ الحياة الأساسية، وأن المرء ما إن يقر العنف في حالات بعينها حتى يعترف بقصور شريعة المحبة، وبالتالي، يُنكرها. والحضارة المسيحية، التي تظهر بكل هذا البريق، مؤسَّسة برمتها على هذا التناقض البيِّن والعجيب، الواعي أحيانًا، غير الواعي في أغلب الأحيان.

وفي الواقع، ما إن أقِرَّتِ المقاومة[3] حتى لم تعد المحبة – ولم يعد بمستطاعها أن تكون – شريعة الحياة، فكان العنف، أي سلطان الأقوى. هكذا عاش العالم المسيحي طوال تسعة عشر قرنًا. صحيح أن البشر، في جميع العصور، لم يؤمنوا إلا بالعنف لبناء حياتهم؛ لكن الفارق بين الشعوب المسيحية وبين غيرها أن شريعة المحبة عُبِّر عنها في العالم المسيحي بجلاء أنصع وإحكام أكبر منهما في أي ملَّة أخرى، وأن المسيحيين اعتنقوا رسميًّا هذه الشريعة، في حين أجازوا لأنفسهم العنفَ وأقاموا عليه حياتهم. لذا فإن حياة الشعوب المسيحية على تناقُض تام مع ما تبشِّر به: تناقُض بين المحبة، معترَفًا بها شريعةَ حياة، وبين العنف، معترَفًا به ضروريًّا في حالات بعينها، كسلطان القادة والجيش والمَحاكم، – معترَفًا به ومهلَّلاً له! وهذا التناقض ما انفك يتفاقم مع توسع العالم المسيحي، وهو الآن بالغٌ أوْجَه. والمشكلة تنطرح من الآن فصاعدًا على النحو التالي: من الأمرين أحدهما: إما أن نقرَّ بأننا لا نعترف بأي أخلاق ولا بأي دين، وبأننا لا ننصاع في حياتنا إلا لسلطان الأقوى، وإما أن نقرَّ بأن ضرائبنا، المجبية قسرًا، وبأن هيئاتنا القضائية والشُّرطية – والجيش بالأخص – لا مناص من إلغائها.

في الربيع الفائت، في أثناء امتحان في التعليم الديني في مدرسة إعدادية للبنات في موسكو، استجوب المدرِّس، تلاه رجلُ دين كان حاضرًا، التلميذاتِ حول وصايا الرب، ولاسيما الوصية السادسة[4]. وحين كانت الإجابة صحيحة، كان رجل الدين يطرح سؤالاً آخر، هو الآتي في الغالب: "هل الشريعة الإلهية تحرِّم القتل دومًا وفي كلِّ مكان؟" وكان على تلك الفتيات المسكينات، اللواتي أضلَّهُنَّ مدرسوهنَّ، أن يُجبْنَ – وكنَّ يُجبْنَ فعلاً – بأن القتل محلَّل في الحرب وللاقتصاص من المجرمين. غير أن إحدى هاتيك المسكينات (وأنا لا أختلق، إذ نقل إليَّ الواقعةَ شاهدُ عيان)، حين ألقِيَ إليها بالسؤال المعتاد: "هل القتل خطيئة دومًا؟"، أجابت، محمرةً انفعالاً، بأن القتل خطيئة دومًا، وواجهت سفسطات رجل الدين كلَّها بقناعتها الراسخة بأن القتل محرَّم دومًا، بأنه محرَّم في العهد القديم، وبأن المسيح لم يحرِّم قتل الإنسان أخاه وحسب، بل إنزالُه أقل أذًى به[5]. وعلى الرغم من جلال رجل الدين وفصاحة لسانه فقد أعياه الردُّ على الفتاة التي خرجت من المعركة منصورة.

أجل، إن بوسع صحفنا أن تتكلم على فتوح الطيران، على العلاقات الدپلوماسية، على النوادي، على المكتشَفات، على التحالفات من كلِّ لون، على الأعمال الفنية المزعومة – وتصمت عما قالت هذه الفتاة. لكننا يجب ألا نصمت عن ذلك، لأنه أمر يستشعره، في وضوح كثير أو قليل، الذين يعيشون في العالم المسيحي. الاشتراكية، الشيوعية، الفوضوية، "جيش الخلاص"، الإجرام المتنامي، البطالة، رفاهية الأثرياء الوقحة في مقابل بؤس الفقراء، أعداد المنتحرين المتزايدة تزايدًا مروِّعًا – هذه كلها إشارات إلى التناقض الداخلي الذي لا مناص من حلِّه، ولسوف يُحَلُّ – ولن يُحَلَّ قطعًا إلا في منحى تبنِّي شريعة المحبة ورفض العنف بتاتًا. لذا فإن ما أنت ناهض له في الترانسڤال[6]، الذي يبدو في أنظارنا وكأنه آخِر العالم، هو حدث مركزي، هو أهم المهمات واجبة الإنجاز في العالم حاليًّا، المهمة التي لا مناص من أن يشارك فيها الكونُ بأسره، لا الأمم المسيحية فحسب.

أحسب أنه سيسرك أن تعلم أن ثمة في روسيا أيضًا جهودًا تُبذَل في هذا المنحى، على هيئة رفض الخدمة العسكرية، وهو رفض يزداد عدد أصحابه كلَّ عام. ومهما بلغت ضآلة عدد ممارسي اللاَّمقاومة عندكم وعدد العُصاة عندنا في روسيا، يستطيع هؤلاء وأولئك أن يؤكدوا في جسارة أن الله معهم – والله أقوى من البشر!

إن لفي الاعتراف بالمسيحية – حتى على الشكل المحرَّف الذي قُدِّم للشعوب المسيحية – والإقرار، في الوقت نفسه، بضرورة الجيوش وآلات الحرب المهيأة للقتل على أوسع نطاق – إن لفي ذلك تناقُض صارخ صار من الوضوح بحيث إنه سيظهر حتمًا، عاجلاً أم آجلاً (وأغلب الظن قريبًا)، في وضح النهار، فيضع حدًّا إما للاعتراف بالدين المسيحي، الضروري لبقاء السلطان، وإما لوجود الجيش والعنف بكل أشكاله، الذي لا يقل ضرورةً للسلطان. وهذا التناقض تستشعره جميع الحكومات، بما فيها الحكومة البريطانية والحكومة الروسية، التي تدفعها غريزةُ بقاء طبيعيةٌ إلى قمعه في ضراوة أكبر من قمعها أيَّ نشاط آخر مناوئ للحكومة، كما تبيِّن ذلك مجلتُكم. فالحكومات تعرف أين مكمن الخطر وتبدي أشد الاحتراس منه، لأن المستهدَف لم يعد مصالحها وحسب، بل مسألة: أن تكون أو لا تكون.

مع فائق احترامي،

ليڤ تولستوي

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس


[1] "اللاَّمقاومة" هو المصطلح الذي أطلقه ليڤ تولستوي (1828-1910)، "حكيم ياسنَيا پوليانا"، على منهاجه في عدم مقاومة الشر بالشر؛ وقد تبنى المهاتما گاندهي هذا المصطلح في بدو نضاله، ثم ما لبث أن استبدل به مصطلح "اللاعنف". (المحرِّر)

[2] سأل أحد الفريسيين المعلم الناصري ليُحرِجَه: "يا معلِّم، ما هي الوصية الكبرى في الشريعة؟" فقال له: "أحببِ الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك. تلك هي الوصية الكبرى والأولى. والثانية مثلها: أحببْ قريبَك حبَّك لنفسك. بهاتين الوصيتين ترتبط الشريعة كلها والأنبياء" (إنجيل متى 22: 35-40). (المحرِّر)

[3] المقصود هو الرد على الشر بالشر. (المحرِّر)

[4] المقصود وصية: "لا تقتل"، الوصية السادسة المنسوبة إلى موسى (التوراة، سفر الخروج 20: 13). (المحرِّر)

[5] يقول المعلِّم الناصري: "سمعتم أنه قيل للأولين: لا تقتل، فإن مَن يقتل يستوجب حكم القضاء. أما أنا فأقول لكم: مَن غضب على أخيه استوجب حكم القضاء، ومَن قال لأخيه: يا أحمق استوجب حكم المجلس، ومَن قال له: يا جاهل استوجب نار جهنم" (إنجيل متى 5: 21-23). (المحرِّر)

[6] مقاطعة في جنوب أفريقيا، عاصمتها پريتوريا. (المحرِّر)

الآخر؟ ولكن هل هناك “آخر”؟! - ديمتري أڤييرينوس

الجمعة, حزيران 26th, 2009

الآخر؟ ولكن…

هل هناك "آخر"؟!*

ديمتري أڤييرينوس**

بدايةً، أشكر مجلة شباب لك على مبادرتها إلى طرح هذه المسألة الهامة: مسألة الآخر من منظار الذات.

منذ أن وعيت ذاتي وسط هذا العالم الغريب والرائع، وسؤالٌ ما انفك يطرق عقلي ووجداني طَرْقًا ملحًّا: "مَن أنا؟" ولا أبالغ إذا قلت إن قوام وعيي الشخصي لا يزال حتى اليوم مجبولاً بهذا السؤال!

لا ريب أن ثقافتي الأصلية المزدوجة (ولدت من أم سورية وأب يوناني) لعبت دورًا في تنبيهي إلى ضرورة تجنُّب الوقوع في فخ الإجابات الجاهزة عن مسألة الهوية والانتماء، فهيأتْني لحسمها سريعًا في نفسي. وقد قادتني تأملاتي، مدعمةً بمسح شامل للتراث الثقافي العالمي، الفلسفي والأدبي والفني والروحي، إلى إدراك وحدة جوهر الطبيعة الإنسانية، فيما يتعدى تنوع مظاهرها اللانهائي.

جميع البشر، إذا قمنا بتشريح أجسامهم، يتصفون بالبنية المادية نفسها؛ جميعهم تلدهم أمهاتُهم بعد حمل يدوم تسعة أشهر ومخاض عسير؛ جميعهم يولدون ويكدحون ثم يموتون؛ جميعهم ينامون ويستيقظون؛ جميعهم يَخبَرون طيف العواطف والمشاعر نفسه: يفرحون ويترحون، يحبون ويكرهون، يؤثرون ويتأثرون… كذلك الأمر على صعيد الأخلاق والقيم: فيما يتعدى الآداب الوضعية المكتسَبة محليًّا، ثمة منظومة أخلاقية إنسانية شاملة يتوافق عليها البشرُ أجمعون (منها مبدأ الصدق، مثلاً لا حصرًا). وقل الشيء نفسه في نظرية المعرفة التي أسهمت فيها الحضاراتُ جميعًا، متوصلةً، مثلاً، إلى المبادئ الرياضية نفسها: البرهان الرياضي هو الفيصل بين عالِمين في الرياضيات، مهما اختلف انتماؤهما الثقافي أو القومي.

هذا الاستقراء الشامل للمعرفة الإنسانية قادني بالطبيعة إلى اعتناق مفهوم المواطَنة العالمية الذي نادت به الفلسفة الرواقية منذ أكثر من ألفي عام: "المواطن الصالح" في بلده، الذي يريد الخيرَ لهذا البلد، مواطنٌ صالح في كل بلد، يريد الخيرَ لكل إنسان. وقد عززتْ خبرةُ السفر هذا المفهوم عندي، إذ لم أجد نفسي "غريبًا" عن أي بلد زرته، بل وجدتُني أعقد صداقاتٍ متينةً مع بشر من مختلف الجنسيات والثقافات، أرى فيهم جميعًا ذاتي في صور أخرى. من هنا، ليس هناك "آخر" في نظري، بل صورة أخرى للذات: "الصديقُ آخرٌ هو أنت"، كما يقول أبو حيان التوحيدي.

قراري بالبقاء في سورية جاء بمحض المصادفة عندما أتيحت لي فرصةُ عمل دائم فيها كمدرس للغة الفرنسية. ولما كنت أعتبر نفسي مواطنًا عالميًّا، كان الأحرى بي أن أكون مواطنًا صالحًا في البلد الذي يستضيفني (وبمعنى أوسع، جميعنا "ضيوف" على هذا الكوكب!). لذا لست، في نظر نفسي على الأقل، أقل "سوريةً" من أي سوري؛ وبالمعنى الثقافي الإنساني، لست أقل "عروبةً" من أي عربي. لكني، في الآن نفسه، يوناني وهندي، فرنسي وألماني، صيني وروسي، بمقدار ما تمثلتُ في نفسي وعقلي من العناصر الإنسانية الخلاقة في الثقافات اليونانية والهندية والصينية والروسية إلخ. "أجد نفسي" في صحن دار دمشقية بمقدار ما أجدها بين حارات حي پلاكا التاريخي في أثينا أو أمام كاثدرائية نوتردام في باريس إلخ؛ كذلك، أراني أغتبط لسماع موسيقى باخ بمقدار ما أتذوق عزف الأستاذ ولاية خان على آلة السيتار الهندية أو الأستاذ التركي قدسي إرگونار على الناي إلخ.

سورية بلد ينطوي على كمون روحي وثقافي مذهل، لا يزال ينتظر مَن ينقب فيه ويستخرِج مكنوناتِه وينقلها إلى طور الفاعلية المبدعة، بعيدًا عن التغنِّي الببغائي بالتراث الماضي. الشعب السوري، مهما قيل ويقال، شعب طيب في صميمه؛ وهذه الطيبة الأصيلة هي ثمرة تفاعُل قديم قِدَمَ تاريخه الغني بالتلاقح الحضاري الإنساني. إنها ميزة هائلة قلما ينتبه إليها المثقفون خارج الإطار الإعلامي السطحي.

الحضارات، في صيرورتها، تمر بأطوار من المدِّ والجزْر – وهذا أمر طبيعي في منطق التاريخ. لكن ما أعيبه على السوريين – وهنا أجيز لنفسي النقدَ كـ"سوري" – هو ما يُعاب على حَمَلةِ أية حضارة أو ثقافة في طور من أطوار جَزْرها: هناك، عمومًا، تقاعُس عن الانفتاح على الحضارة الإنسانية الشاملة وارتكاس إلى التراث في قشوره، لا في جوهره. وهذا عائد جزئيًّا إلى الخوف من الذوبان في بوتقة العولمة (وأسُسها اقتصادية في التحليل النهائي) التي من شأنها أن تسطِّح تضاريس الخصوصيات الثقافية تسهيلاً لعبور مفاهيم موحدة تخاطب في الإنسان أشد ما فيه ضحالة على الصعيدين النفسي والفكري. لا بدَّ، إذن، من التمييز بين "العولمة" و"العالمية": في العالمية تتلاقى الثقافات وتتفاعل، ويثري بعضُها بعضًا في العمق الإنساني الواحد، في منأى عن كل تلفيق أو توحيد ضحل.

من هنا فإن الرد الحقيقي على العولمة لا يكون بالانكفاء على الذات، ولا بالذوبان الأرعن، بل بالتنقيب في الثقافة الخاصة عما يخاطب فيها الإنسان – كلَّ إنسان – و/أو بإبداع ثقافة جديدة، عالمية من حيث عناصرُها، لكنها ذات لون محلي خاص. فكما أننا لا نستطيع أن نكون عالميين، إنسانيين، ما لم نسعَ إلى الكشف عما هو عالمي، إنساني، فينا، كذلك ثقافتنا، لا يمكن لها أن تكون إنسانية، عالمية، إلا باكتشاف ما هو إنساني، عالمي، فيها.

مأخذي الثاني على السوريين هو قصور وعيهم المدني. الإنسان السوري ذكي وناجح جدًّا في مبادراته الفردية، لكنه، عمومًا، فاشل على صعيد العمل المدني الجماعي. وهذا ناجم أساسًا عن عدم تبلور شعوره بالمواطَنة التي لا تكتفي، بالتعريف، بالخير الفردي، بل تسعى في تعميمه على المجتمع. فالمدنية من المجتمع كالفضيلة من الفلسفة. خارج ردود الفعل الانفعالية الناتجة عن استفزاز أو عدوان خارجي أو عن أولوية الانتماء إلى الأسرة أو الطائفة/المذهب، لا يزال السوري ضعيف الانتماء إلى وطنه ككل، قليل الحرص على نهضته وازدهاره. الشعب السوري، من غير تعميم، ليس كريمًا (ولا أعني هنا "الكرم" المادي): "كباره" لا يحيطون الشباب بالرعاية والتشجيع إلا فيما ندر، بل يحاولون تثبيط المواهب لدى سواهم، يُفسِدون إنجازاتِهم بالتشبث بها وعدم تمريرها لأخلافهم، إلخ.

لكن الأمل معقود على تغيير جذري في مبادئ التربية السائدة – وأعني العمل على بناء جيل من المواطنين الشباب الواعين، المتجذِّرين في ثقافتهم الخاصة، المسلحين بثقافة عالمية حقيقية، والقادرين، بالتالي، على التفاعل مع أعمق وأجمل وأنبل ما يبدعه "الآخرون" وعلى الاستفادة منه ورفد خصوصيتهم به.

تماسُك أي مجتمع من تماسُك "عقده الاجتماعي" (روسو). ووحدهم الشباب السوريون الواعون، على ما أرى، قادرون على تدوين عقد اجتماعي جديد، على أسُس جديدة، من أجل وطنهم – وطني – سورية.

أخيرًا، لا يسعني إلا أن أتمثل في نفسي مقولةَ تيرنس القرطاجي، العبد السابق والكاتب المسرحي من القرن الثاني ق م: "أنا إنسان، ولا شيء إنساني غريب عني"!



* نُشِرَ هذا "الرأي"، بعد حذف بضع فقرات منه، في مجلة شباب لك، العدد 14، حزيران 2006.

** كاتب ومترجم ومدرس للترجمة؛ محرِّر في مجلة معابر: www.maaber.org.

مذهب الباطن في الإسلام - رونيه گينون

الخميس, حزيران 25th, 2009

مذهب الباطن في الإسلام

التصوُّف: ملامح عامة*

guenon_05_1925

رونيه گينون**

لعل العقيدة الإسلامية، من بين العقائد النقلية جميعًا، أوضحها اختصاصًا بقسمين متمايزين ومتكاملين، تصح تسميتُهما بمذهب الظاهر exotérisme ومذهب الباطن ésotérisme. وهذان القسمان هما، على حدِّ الاصطلاح العربي، الشريعة (حرفيًّا: "الطريق العريض"[1])، وهي مشتركة بين عامة الناس [العوام][2]، والحقيقة، وهي ما يختص به صفوةُ القوم [الخواص]، لا بمقتضى قرار اعتباطي نوعًا ما، بل بحُكْم طبيعة الأشياء نفسها، من حيث إن جميع الناس لا يتصفون بالقابلية أو بـ"المؤهلات" المطلوبة لبلوغ معرفتها. وهما كثيرًا ما يشبَّهان، تعبيرًا عن طابعهما "الظاهري" و"الباطني"، بـ"القشر" و"اللب"، أو حتى بمحيط الدائرة ومركزها. فالشريعة تتضمن كل ما تُطلَق عليه بلغة الغرب صفةُ "ديني" بحصر المعنى، وبالأخص ذلك الجانب الاجتماعي والشرعي الذي يندرج، في الإسلام، في الدين جملةً. ولنقل إن الشريعة هي، قبل كل شيء، قاعدة للعمل، في حين أن الحقيقة معرفة خالصة – على أن يُفهَم من ذلك تمام الفهم أن هذه المعرفة هي التي تضفي على الشريعة معناها السامي والعميق، بل هي علَّة وجودها الحقيقية، بحيث إن منزلتها من الشريعة منزلة المبدأ حقًّا، مثلما أن المركز هو من محيط الدائرة مبدؤها، على الرغم من أن الوعي بذلك ليس من نصيب عموم المشتركين في المنقول.

لكن هذا ليس كل شيء: يصح كذلك قولنا بأن مذهب الباطن لا يتضمن الحقيقة وحسب، بل يتضمن الوسائل المخصصة للوصول إليها أيضًا؛ ومجموع هذه الوسائل هو ما يُسمَّى الطريقة، أي "النهج" أو "الدرب" الذي يقود من الشريعة إلى الحقيقة. فإذا عدنا إلى الصورة الرمزية لمحيط الدائرة، يمثَّل للطريقة بالشعاع [نصف القطر] الذاهب منها إلى المركز؛ وعندئذٍ يستبين لنا ما يلي: كل نقطة من نقاط محيط الدائرة يقابلها شعاع، والأشعة جميعًا – وهي أيضًا ذات عدد كبير غير معيَّن – تؤدي بالمثل إلى المركز. ويصح قولنا إن عدد هذه الأشعة بعدد الطرق الملائمة للكائنات "الواقعة" عند مختلف نقاط محيط الدائرة، وذلك بحسب تنوع طبائعهم الشخصية؛ لذا يقال إن "الطرق إلى الله كنفوس بني آدم". بذا فإن "الطرق" عديدة، واختلافها فيما بينها يكون أشد كلما كان النظر إليها أقرب إلى نقطة انطلاقها على المحيط؛ لكن الغاية واحدة، لأنه ليس ثمة إلا مركز واحد وحقيقة واحدة. وبقول أدق، تُمَّحى الاختلافات الابتدائية بامِّحاء "الإنِّية" (من "أنا")، أي لدى بلوغ مراتب الوجود العليا، حيث تفنى صفات العبد أو الخلق (الفناء)، التي ليست إلا قيودًا فحسب، ولا تبقى إلا الصفات الإلهية (البقاء)، فيتصف الكائن بها في "فرديته" أو "ذاته".

يُصطلَح بالعربية على تسمية مذهب الباطن عمومًا – منظورًا إليه على هذا النحو بوصفه يتضمن الطريقة والحقيقة، أي بما هو الوسائل والغاية جميعًا – بـالتصوف، الذي لا يؤديه [بالفرنسية] إلا مصطلح "مُسارَرة" initiation تأدية دقيقة (ستكون لنا عودة إلى هذه النقطة لاحقًا). لقد نحت أهل الغرب كلمة "صوفية" çûfisme [أو soufisme] للدلالة على مذهب الباطن في الإسلام تخصيصًا (في حين يجوز لكلمة "تصوف" أن تنطبق على كلِّ عقيدة باطنية ésotérique أو مُسارَرية initiatique، أيًّا كان الشكل النقلي الذي تنتمي إليه)؛ لكن هذه الكلمة، عدا عن كونها تسمية اتفاقية مبتذلة تمامًا، تبدي سيئةً مؤسفةً بعض الشيء: إذ إن آخرها isme يوحي إيحاءً يكاد أن يكون حتميًّا بفكرة مذهب خاص بـ"مدرسة" بعينها، في حين أنه لا شيء من ذلك في الواقع وأن "المدارس" ليست هنا سوى طُرُق، أي – اختصارًا – مناهج متنوعة، من غير أن يكون ثَمَّ في حقيقة الأمر أي اختلاف عقيدي، وذلك لأن "التوحيد واحد"، كما يقال.

أما فيما يخص اشتقاقات هذه التسميات فمصدرها قطعًا كلمة صوفي. لكن بخصوص هذه الكلمة لا بدَّ بدايةً من إيراد الملاحظة التالية: لا يحق لأحدهم أبدًا أن يدَّعي أنه "صوفي"، اللهم إلا عن جهل مطبق، لأنه بذلك يبرهن أنه ليس كذلك حقًّا، من حيث إن هذه الصفة بالضرورة "سر" بين الصوفي المتحقق وبين الله؛ يجوز للمرء فقط أن يصف نفسه بأنه "متصوف"، وهو مصطلح ينطبق على كلِّ داخل في سلك التصوف، مهما تكن الدرجة التي بلغها منه. أما الصوفي، بالمعنى الحق لهذه الكلمة، فهو فقط مَن بلغ أعلى الدرجات.

لقد عَزَتِ المزاعمُ إلى كلمة "صوفي" نفسها أصولاً بالغة التنوع؛ لكنْ أغلب الظن أن هذه المسألة متعذرة الحل من وجهة النظر التي يؤخذ بها في أغلب الأحيان. لذا نسارع إلى القول بأن لهذه الكلمة من الأصول المفترَضة، التي لا يفوق أيٌّ منها الأصولَ الأخرى أو يقل عنها جوازًا، أكثر من أن يكون لها حقيقةً أصلٌ بعينه؛ إنما ينبغي، في الحقيقة، أن يُرى فيها بالحري تسميةٌ رمزيةٌ صرف أو، إنْ شئت، أثرُ ضرب من "الجفر" chiffre، لا حاجة له، بما هو كذلك، إلى اشتقاق لساني حصرًا، ولاسيما أن هذه الحالة ليست إلى ذلك فريدة من نوعها؛ إذ إن بالوسع إيجاد حالات أخرى مشابهة في منقولات أخرى. أما "الاشتقاقات" المزعومة فليست في حقيقة الأمر إلا نظائر صوتية تُقابلها فضلاً عن ذلك فعلاً، وذلك تبعًا لقوانين رمزيةٍ بعينها، صلاتٌ بين أفكار شتى أتت كذا لتتجمع تجمعًا عَرَضيًّا نوعًا ما حول الكلمة التي نحن بصددها.

لكنْ هنا، بالنظر إلى خاصية اللسان العربي (وهي إلى ذلك خاصية يشترك فيها مع اللسان العبري)، لا بدَّ من استنباط المعنى الأول والأساس من الأعداد: ما هو في الواقع جدير بالملاحظة على وجه الخصوص هو أننا بجمعنا القيم العددية للحروف التي تتألف منها كلمة صوفي نجد أن مجموعها يساوي مجموع القيم العددية لحروف "الحكمه الإلهيه"[3]. الصوفي الحق، إذن، هو المتحقق بهذه الحكمة أو هو، بعبارة أخرى، "العارف بالله"، لأن الله لا يُعرَف إلا بذاته – وتلكم هي فعلاً الدرجة العليا و"التامة" في معرفة الحقيقة[4].

بوسعنا أن نستخلص من كل ما تقدَّم بضع نتائج هامة: أولاها أن "الصوفية" ليست بتاتًا شيئًا "مضافًا" إلى عقيدة الإسلام، شيئًا لعله أتى والتحق بها فيما بعد ومن خارج، بل هي بالعكس قسم أساسي منها، بما أن هذه العقيدة تصير من دونها واضحة النقص، بل حتى ناقصة من "أعلاها"، أي من حيث مبدؤها نفسه. إن الافتراض المجاني تمامًا بوجود أصل أعجمي للتصوف (يوناني أو فارسي أو هندي) يناقضه مناقضةً صريحةً كونُ وسائل التعبير التي يختص بها مذهبُ الباطن في الإسلام وثيقة الصلة بتكوين اللسان العربي نفسه؛ وإذا كانت ثمة بلا مراء تشابهات مع عقائد من الرتبة نفسها موجودة في أماكن أخرى، فتعليل ذلك تعليل طبيعي تمامًا من غير ما حاجة للُّجوء إلى "اقتباسات" افتراضية، لأنه بما أن الحقيقة واحدة فإن جميع العقائد النقلية متماثلة بالضرورة من حيث جوهرُها، مهما يكن تنوع الصور التي تكتسي بها. إلى ذلك، فيما يخص مسألة الأصول هذه، سيان إنْ تكن كلمة صوفي نفسها ومشتقاتها (تصوف، متصوف) وُجدت في اللغة منذ البداية أو لم تظهر إلا في فترة متأخرة نوعًا ما، وهو موضوع جدل كبير دائر بين المؤرخين؛ فقد يكون أن الأمر وُجِدَ فعلاً قبل الكلمة الدالة عليه، إما بتسمية أخرى وإما من غير أن يستشعر القومُ حاجةً إلى إطلاق تسمية عليه.

على كل حال – وهذا يجب أن يكفي للبتِّ في المسألة بنظر كل مَن لا ينظر فيها "من خارج" وحسب –، يشير المنقول صراحة إلى أن مذهب الباطن، شأنه شأن مذهب الظاهر، يصدر مباشرة من تعليم النبي [محمد] نفسه، حيث إن لكل طريقة أصيلة ونظامية في الواقع سلسلة إسناد لانتقال البركة ترتقي في النهاية دومًا إليه عبر عدد متفاوت الكبر من [المشايخ] الوسطاء. وحتى إذا اتفق لاحقًا لبعض الطرق أن "تقتبس" فعليًّا – والأصح منه قولُنا "تطوِّع" – بضعة تفاصيل من مناهجها الخاصة (مع أن بالإمكان فعلاً، هاهنا أيضًا، تعليل التشابهات تعليلاً سليمًا بحيازة المعارف نفسها، بالأخص فيما يتعلق بـ"علم الأنفاس" بفروعه المختلفة)، ليس لهذا إلا أهمية جد ثانوية ولا يؤثر على الجوهر في شيء. فالحقيقة هي أن "الصوفية" عربية عروبة القرآن نفسه الذي تستمد منه مبادئها المباشرة؛ بيد أن إيجاد هذه المبادئ يقتضي أن يُفهَم القرآنُ ويؤوَّل تبعًا للحقائق التي تكوِّن معناه العميق، وليس بمجرد التدبُّرات اللغوية والمنطقية والكلامية التي يتبعها علماء الظاهر ("علماء الرسوم"، كما يسميهم الصوفية) أو فقهاء الشريعة الذين لا تشمل صلاحية كفاءتهم إلا مجال الظاهر. فنحن هنا بالفعل بصدد مجالين مختلفين اختلافًا بينًا، ولهذا لا يمكن أبدًا لأي تناقض أو خلاف فعلي أن ينشب بينهما؛ ذلك أن من الواضح، إلى ذلك، أنه لا تجوز من أي وجه المقابلةُ بين مذهب الظاهر ومذهب الباطن، بما أن المذهب الثاني، على العكس، يتخذ من الأول قاعدته ونقطة استناده الضرورية، وأن كلاً منهما ليس في الحقيقة سوى أحد جانبَي أو وجهَي العقيدة الواحدة ذاتها.

ثم لا مناص لنا من لفت النظر إلى أن مذهب الباطن في الإسلام، على العكس من رأي شديد الشيوع حاليًّا بين أهل الغرب، لا يمت بصلة إلى "السرَّانية" mysticisme – وكل ما بينَّاه حتى الآن لممَّا ييسِّر فهم أسباب ذلك. فالسرَّانية، أولاً، تبدو في الواقع شيئًا تختص به المسيحية حصرًا، ولا يمكن ادعاء الوقوع في غيرها على مكافئات دقيقة نوعًا ما إلا من جراء مقارنات باطلة؛ وأغلب الظن أن بعض التشابهات الخارجية في استعمال بعض العبارات هي في الأصل من هذا اللبس، لكنما لا يجوز لها أن تبررها بتاتًا مع وجود اختلافات من حيث الجوهر كلِّه. فالسرَّانية برمَّتها تنتمي، بالتعريف حتى، إلى المجال الديني، وهي، بالتالي، من صلاحية مذهب الظاهر حصرًا؛ ناهيكم أن الغاية التي ترمي إليها هي جزمًا من أبعد ما يكون عن رتبة المعرفة الخالصة. من ناحية أخرى، فإن "السرَّاني" le mystique لا يختص بمنهج، من حيث إن موقفه موقف "منفعل" passif ويقتصر بالنتيجة على تلقي ما يطرأ عليه "عفوًا"، إذا صح القول، ومن غير أية مبادرة [فاعلة] من جانبه؛ وبالتالي، فإنه من المحال أن توجد "طريقة" سرَّانية، لا بل إن مثل هذا الأمر لا يُعقَل لأنه عمقيًّا من قبيل التناقض. علاوة على ذلك، فإن السرَّاني، بحُكْم كونه منعزلاً دومًا، وذلك من جراء الخاصية "المنفعلة" لـ"تحقُّقه"، لا شيخ له، أي لا "مرشد روحيًّا" (الأمر الذي لا يمت بالطبع بصلة إلى مفهوم "مرشد الضمير" directeur de conscience بالمعنى الديني مطلقًا)، ولا سلسلة تنتقل إليه عبرها "لطيفة روحانية" influence spirituelle (نحن نستعمل هذه العبارة لتأدية معنى كلمة بركة العربية بأدق ما يمكن)، حيث ثاني هذين الأمرين [حصول البركة] هو النتيجة الفورية للأول [وجود الشيخ]. ذلك أن انتقال "اللطيفة الروحانية" انتقالاً نظاميًّا هو ما تتسم به "المُسارَرة" أصلاً، بل هو حتى عمادها الأساس، وهذا ما يبرِّر استعمالنا هذه الكلمة أعلاه ترجمةً لكلمة "تصوف". فمذهب الباطن [التصوف] الإسلامي، مثله إلى ذلك كمثل كل مذهب باطن حق، ذو خاصية "مُسارَرية"، ولا يجوز أن يكون شيئًا غير ذلك؛ وحتى من غير التوغل في مسألة اختلاف الغايات – وهو اختلاف ناجم إلى ذلك من اختلاف المجال نفسه الذي يرجع إليه كل منهما – يجوز لنا القول إن "الطريق السرَّاني" و"الطريق الصوفي" متنافرين جذريًّا، وذلك بحُكْم خصائص كلٍّ منهما[5]. وهل لنا، برهانًا على ذلك، أن نضيف أن العربية تعدم كلمة تصح بها ترجمةُ كلمة mysticisme ترجمة تقريبية حتى، وذلك من فرط ما تمثل الفكرةُ التي تعبِّر عنها هذه الكلمة شيئًا غريبًا كل الغرابة عن المنقول الإسلامي؟

إنما العقيدة الصوفية من حيث جوهرُها، عقيدة ميتافيزيقية بحتة، بالمعنى الحقيقي والأصلي لهذه الكلمة؛ لكنها في الإسلام، كما في الأشكال النقلية الأخرى، تشتمل بالإضافة إلى ذلك، بمثابة تطبيقات مباشرة نوعًا ما على سائر المجالات العَرَضية contingents، على جملة معقدة كاملة من "العلوم النقلية" sciences traditionnelles؛ وهذه العلوم، بمقتضى تعلقها بالمبادئ الميتافيزيقية التي تتوقف عليها وتُشتق منها اشتقاقًا تامًّا، وبحُكْم استمدادها من هذا الارتباط، ومن "التوضيعات" transpositions التي يتيحها، قيمتَها الحقيقية كلها، إنما تشكل بذلك، وإنْ يكُ على مرتبة ثانوية وتابعة للأولى، جزءًا لا يتجزأ من العقيدة نفسها، وليست البتة إضافات مفتعلة نوعًا ما أو نافلة. ثمة هاهنا شيء يبدو مستعصيًا بصفة خاصة على أفهام أهل الغرب، أغلب الظن لأنهم يعدمون عندهم أية نقطة مقارنة بهذا الخصوص. غير أن مثل هذه العلوم وُجِدَ في الغرب، في العصور القديمة وفي العصر الوسيط، لكن هذه أمور يتناساها المُحدَثون كل التناسي، فيجهلون طبيعتها الحق وكثيرًا ما لا يتصورون وجودها حتى؛ وخصوصًا منهم الذين يلتبس عليهم مذهب الباطن بالسرَّانية، لا يدرون ما يمكن أن يكون عليه دور هذه العلوم ومنزلتها، من حيث إن هذه العلوم تمثل بالطبع معارف هي من أبعد ما يكون عن انشغالات السرَّاني، مما يجعل إدراجها في "الصوفية" بنظرهم من قبيل اللغز المبهم.

كذا هو علم العدد والحروف [حساب الجُمَّل] الذي أشرنا أعلاه إلى مثال عليه تأويلاً لكلمة "صوفي" والذي لا نقع عليه في صورة مشابهة إلا في القبالة العبرية بالنظر إلى التقارب اللصيق بين اللسانين اللذين يفيدان للتعبير عن هذين المنقولين الباطنيين [التصوف الإسلامي والتصوف الإسرائيلي]، وهما لسانان يمكن لهذا العلم وحده أن يتيح فهمهما العميق حتى. كذا هي أيضًا سائر العلوم "الكوسمولوجية" [= الكونية] الداخلة جزئيًّا تحت باب ما يشار إليه باسم "الهرمسية"؛ ولا مندوحة لنا من الإشارة بهذا الصدد إلى أن الخيمياء alchimie لا يفهمها بمعنى "مادي" بحت إلا الجهلة الذين ليست الرمزية symbolisme عندهم إلا حرفًا ميتًا، أولئك بالذات الذين نعتَهم خيميائيو العصر الوسيط الحقيقيون بوصمة "النافخين" و"حارقي الفحم" والذين كانوا الرواد الأصلاء للكيمياء الحديثة، حتى إذا لم يكن لهذه أن تتشرف كثيرًا بمثل هذا الأصل! بالمثل، فإن علم النجوم astrologie – وهو علم كوسمولوجي آخر – هو في الواقع شيء مختلف كل الاختلاف عن "فن التكهُّن" أو "العلم الظنِّي" الذي لا يريد المُحدَثون أن يروا فيه غير ذلك؛ ذلك أن هذا العلم يتصل قبل كل شيء بمعرفة "القوانين الدورية" التي تؤدي دورًا هامًّا في العقائد النقلية كافة.

هناك، إلى ذلك، توافق معيَّن بين جميع هذه العلوم التي هي، من وجهة نظر معينة، وبحُكْم أنها تنبثق أصلاً من المبادئ نفسها، أشبه بالتمثيلات المختلفة للشيء الواحد نفسه: بذا فإن علم النجوم والخيمياء وحتى علم الحروف ليست، إذا جاز القول، إلا ترجمة للحقائق نفسها إلى اللغات الخاصة بمختلف رُتَب الحقيقة، يجمع بينها قانون القياس الكلِّي analogie universelle الذي هو من كلِّ توافق رمزي أسُّه وأساسُه؛ وبمقتضى هذا القياس بالذات تجد هذه العلوم، عبر توضيع مناسب، تطبيقاتها في مجال "العالم الصغير" وفي مجال "العالم الكبير" على حدٍّ سواء، وذلك لأن سيرورة المُسارَرة تستعيد السيرورة الكوسمولوجية نفسها في أطوارها كافة[6].

ولا مناص، إلى ذلك، لكي يُتحصَّل على وعي تام بهذه الترابُطات كلِّها، من بلوغ مرتبة عالية جدًّا من مراتب التصوف، وهي مرتبة تسمَّى مرتبة الكبريت الأحمر[7]؛ والواصل إلى هذه المرتبة يستطيع، عبر العلم المسمَّى سيمياء (وهي كلمة لا يجوز أن تلتبس بالكيمياء)، وبإجرائه تحويلات معينة على الحروف والأعداد، أن يؤثر على الكائنات والأشياء التي توافق هذه الحروف والأعداد في النظام الكوني. وما الجفر – وهو، بحسب المأثور، علم يعود بأصله إلى سيدنا الإمام علي نفسه – غير تطبيق لهذه العلوم بعينها على التنبؤ بأحداث المستقبل؛ وهذا التطبيق، الذي تتدخل فيه بالطبيعة "القوانين الدورية" التي ألمحنا إليها لتوِّنا، علم يلبي، لمَن يفهمه حق فهمه ويعلم تأويله (لأن ثمة هاهنا ضربًا من "الكتابة السرية" cryptographie، الأمر الذي ليس إلى ذلك أعجب في الحقيقة من تدوين رموز علم الجبر)، كل ما يلبيه العلم المضبوط والرياضي من شروط الصرامة العلمية. وبالوسع إيراد العديد من "العلوم النقلية" الأخرى التي ربما بدا بعضها أغرب حتى في أعين الذين لم يتعودوا هذه الأمور؛ لكننا يجب أن نكتفي بما أوردنا، إذ لا نقدر أن نتوسع في الأمر أكثر من غير أن نتخطى إطار هذا العرض، حيث يضطرنا المقام إلى التزام العموميات.

أخيرًا، لا بدَّ لنا من إضافة ملحوظة أخيرة بالغة الأهمية لفهم الخاصية الحقيقية للعقيدة الصوفية حق فهمها، ألا وهي أن هذه العقيدة ليست بتاتًا قضية "تبحُّر" ولا يصح تعلمُّها مطلقًا بمطالعة الكتب على غرار تحصيل المعلومات العادية و"الدنيوية" profanes. ذلك أن كتابات أكبر المشايخ نفسها لا تفيد إلا "حوامل" supports للتفكر وحسب؛ فالمرء لا يصير متصوفًا البتة لمجرد أنه قرأها، وهي تبقى أصلاً مستغلقة غالبًا على أفهام مَن ليسوا "مؤهلين" كل الأهلية. فبالفعل، لا بدَّ، قبل كل شيء، من الاتصاف باستعداد أو قابلية فطرية معينة ليس بمقدور أي جهد أن يقوم مقامها؛ ولا بدَّ بعدئذٍ من الانتساب إلى سلسلة نظامية، لأن نقل "اللطيفة الروحانية" الذي يُتحصَّل عليه عبر هذا الانتساب هو، كما أسلفنا، الشرط اللازم الذي لا تتم مُسارَرة من دونه البتة، وإنْ يكُ على أولى الدرجات. وهذا النقل، إذ يُكتَسب اكتسابًا لا يزول، يجب أن يكون منطلَقًا لعمل محض باطني، لا يمكن للوسائل الخارجية بأسرها أن تكون له أكثر من عون وسند، لكنهما يبقيان ضروريين مادام يجب أن تؤخذ بالحسبان طبيعةُ الكائن البشري كما هو بالفعل؛ فبهذا العمل الباطني وحده يستطيع الكائن أن يرتقي من درجة إلى درجة، إذا كان ذلك بمستطاعه، حتى ذروة مراتب التصوف، حتى مرتبة "الهوية المطلقة" lʼIdentité Suprême، وهو مقام مطلق الديمومة وغير مشروط، يتعالى عن قيود كل وجود عَرَضي زائل – مقام الصوفي الحق.

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس


* Cahiers du Sud, 1947, pp. 153-154 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 13-28.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه الفضول إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المأثورات "الدينية" الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] الشريعة: "الظاهر المستقيم من المذاهب"، بحسب القاموس المحيط. (المحرِّر)

[2] ما بين معقوفتين [...] من تدخل المترجم لبيان المقصود. (المحرِّر)

[3] وفقًا لحساب الجُمَّل، الحكمه الإلهيه = (1 + 30 + 8 + 20 + 40 + 5) + (1 + 30 + 1 + 30 + 5 + 10 + 5) = صوفي = 90 + 6 + 80 + 10 = 186. (المحرِّر)

[4] في كتاب في التصوف موضوع بالعربية، لكنه ذو ميول حديثة للغاية، عنَّ لمؤلف سوري، بلغ إلى ذلك من قلة معرفته بنا أنه حسبنا "مستشرقًا"، أن يوجِّه إلينا نقدًا غريبًا في بابه نوعًا ما: فهو، إذ قرأ – لا ندري كيف – "الصوفية" بدلاً من صوفي (العدد الخاص من Cahiers du Sud للعام 1935 حول الإسلام والغرب)، خُيِّل إليه أن حسابنا مغلوط؛ ولما أراد من بعدُ أن يتولى الحساب على طريقته، توصل بفضل عدة أغلاط في القيم العددية للحروف إلى إيجاد (وهذه المرة كمكافئ لـ"الصوفي" [بأل التعريف]، وهو غلط أيضًا) الحكيم الإلهي [= (1 + 30 + 8 + 20 + 10 + 40) + (1 + 30 + 1 + 30 + 5 + 10) = 186]، من غير أن ينتبه، فضلاً عن ذلك، إلى أن لهاتين الكلمتين، بما أن الياء الواحدة تساوي هاءين، المجموع العددي نفسه لكلمتَي الحكمه الإلهيه بالضبط! نحن على علم بأن تعليم المدارس الحالي بات يجهل استعمال الأبجد ولم يعد يستعمل إلا تسلسل الحروف النحوي الصرف [أ، ب، ت، ث، إلخ]، لكن مثل هذا الجهل عند شخص يتنطح لمعالجة هذه المسائل لمما يتخطى الحدود المسموح بها… مهما يكن من أمر، فإن "الحكيم الإلهي" و"الحكمه الإلهيه" كليهما ينطوي على المعنى نفسه في حقيقة الأمر؛ بيد أن لأولى هاتين العبارتين خاصية غير مألوفة بعض الشيء، في حين أن الثانية – تلك التي أشرنا إليها نحن – على العكس نقلية تمامًا.

[5] لا نرى من جانبنا أي حرج في اعتماد مصطلح سرَّانية (باليونانية: mustikismos، وأصلها من mustêrion، "سر"، ومن mustês، "مُسارَر") للدلالة على ما يميز التصوف عن تديُّن عامة المسلمين، على أن يتضمن هذا المصطلح المعنى الذي قصده به، مثلاً، "العارفون بالله" من الآباء الشرقيين الأوائل ومن سار على نهجهم في الغرب، مثل الصوفي الألماني الكبير يوهَنْ (الأستاذ) إكْهَرْت (1260-1327)؛ إذ إن هؤلاء استعملوه حصرًا للدلالة على كل ما يتصل بمعرفة "الأسرار" mustêria (اللاهوتي الروسي ڤلاديمر لوسكي، مثلاً، لا يتردد في استعمال عبارة "الإلهيات السرَّانية" mustikê theologia). لكن تفصيل هذا الرأي يحتاج إلى إفراد بحث خاص ليس هاهنا مجاله. (المحرِّر)

[6] مثلما أن المبدأ يتجلَّى "نزولاً"، في سيرورة الفيض الكوني عن الواحد، عبر مراتب الوجود كافة، من المرتبة العليا إلى المرتبة الدنيا (من نقطة الدائرة إلى محيطها)، كذلك يستعيد المُسارَر في معراجه الصوفي "صعودًا" – كون العالم الصغير صورة مختصرة عن العالم الكبير – مراتب الوجود كافة، من الدنيا إلى المبدأ (من محيط الدائرة إلى نقطتها). (المحرِّر)

[7] "الكبريت الأحمر" من ألقاب الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي. (المحرِّر)

أصول الفلسفة العربية - فيليپ ڤالا

السبت, حزيران 20th, 2009

أصول الفلسفة العربية*

فيليپ ڤالا**

اسمحوا لي أن أستهل هذه المحاضرة معرفًا بالكلمات التي استعملتُها في عنوانها، لعلِّي بذلك أتمكن من استجلاء مضمونها بعض الشيء.

بادئ ذي بدء، ماذا ينبغي لنا أن نستشف من كلمة أصول؟ لعل الأصح بالعربية أن نتكلم على نَسَب الفلسفة العربية أو نسبتها بدلاً من الكلام على "أصولها" المفترَضة. فبـ"نَسَب" الفلسفة العربية أعني بالفعل معرفة أسلاف هذه الفلسفة الذين كان الفلاسفة العرب أنفسهم يطلقون عليهم تسمية "القدماء من اليونانيين" أو "القدماء" وحسب، بمعنى الأسلاف. وأسارع إلى لفت أنظاركم إلى أن هذه الإشارة تلميح من العرب إلى أنهم كانوا يعدُّون أنفسهم بمثابة "ورثة" هؤلاء الأسلاف الإغريق أو "أخلافهم"، إذا جاز لي القول؛ وبعبارة أخرى، كانوا يجاهرون بصحيح انتسابهم شرعًا إلى العقل اليوناني. ففي العصر الذي نحن بصدده ما كان لأحد أن يطلق تسمية "أجداد" أو "أسلاف" على أناس مختلَف على ميراثهم أو مشكوك فيه.

وبـ"نَسَب" الفلسفة العربية أعني، من ناحية أخرى، كيفيات انتقال معرفة الإغريق إلى العرب: ما هي المسالك التاريخية والجغرافية التي وصلت بواسطتها علوم الإغريق إلى العالم العربي؟ ومَن هم الأفراد أو، عند الاقتضاء، ما هي المؤسسات التي تُرجِمَتْ بواسطتها الفلسفةُ المكتوبةُ باليونانية إلى اللسان العربي؟ هذان سؤالان جوهريان لا مناص من الإجابة عنهما إذا ما شئنا أن نتبين ما كانت عليه الفلسفة العربية، في بواكيرها على الأقل.

هناك نقطة ثانية لا بدَّ من توضيحها في العنوان: ما المقصود بـ"الفلسفة العربية"؟ حتى يُفهَم معنى هذا السؤال يجب التمعن في كلمة فلسفة. وبما أنه لا يوجد لدينا بعدُ معجم تاريخي للِّسان العربي، لا أستطيع أن أحدد تاريخًا دقيقًا لظهور مفردة فلسفة، لكن بوسعنا أن نرجِّح ظهورها بدءًا من القرن الثاني للهجرة (القرن الثامن للميلاد). مهما يكن من أمر، فالمؤكد أن كلمة فلسفة تعريب للكلمة اليونانية philosophia. غير أن التعريب يختلف عن الترجمة، ومن شأن هذه المسألة اللسانية أن تذكِّرنا بأنه لم يكن في الثقافة العربية أصلاً ما يكافئ الفلسفة اليونانية، وهو سبب استشعار العرب الحاجة إلى تعريب الكلمة اليونانية مباشرة، لكنْ في صورة تشي بأصلها اليوناني، بحيث يكون بالإمكان تبيان هذا الأصل عند الاقتضاء، كما فعل أبو نصر الفارابي، كبير فلاسفة القرن الرابع للهجرة، على سبيل المثال، بادئًا بالإشارة، كما فعلتُ لتوِّي، إلى أن "اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل في العربية"، على حدِّ قوله. وهذا بالضبط ما أخذه على الفلسفة جميعُ خصومها حتى القرن الرابع عشر على الأقل: هي "دخيلة" على اللسان العربي بوصفه لغة القرآن، وبالتالي، "دخيلة" على الوحي نفسه.

والحال، فقد كان بوسع العرب أن يترجموا كلمة philosophia اليونانية ولا يكتفوا بتعريبها إلى فلسفة. لا ريب أن ثمة محاولات لترجمتها، بدءًا قطعًا بكلمة "حكمة"، لا بل "حكمة إلهية". لذا لا مناص، توضيحًا للأمور ودرءًا للالتباسات الممكنة بقدر المستطاع، من تدقيق فوري لمعنى كلمة فلسفة وتبيان ما يميزها من مصطلح الحكمة الإلهية. فالفلسفة كانت بنظر جمهور أكابر الفلاسفة الناطقين بالعربية (الكندي، الفارابي، فلاسفة "مدرسة بغداد"، ابن سينا، ابن ميمون، ابن باجة، ابن رشد)، قبل كل شيء، نهجًا يقوم على قواعد في البرهان شديدة الصرامة، قواعد وضع صيغتها النهائية أرسطاطاليس (أرسطو)، تلميذ أفلاطون. بعبارة أخرى، لم تكن الفلسفة، في مقدماتها على الأقل، تمت بصلة إلى حكمة مستعلية، يشير إليها مصطلح الحكمة الإلهية إشارة صريحة. لذا تقتضيني الأمانةُ على فكرهم وتدقيقُ موضوع محاضرتي ألا أتكلم على الحكمة الإلهية، بل على ذلك النهج العقلاني المأثور عن أرسطو فحسب.

كما أن هناك نقطة أخيرة لا بدَّ من توضيحها في عنوان هذه المحاضرة: لِمَ الكلام على "فلسفة عربية"، وليس على "فلسفة إسلامية"، حسبما درج عليه الاستعمالُ اليوم؟ السبب الأول – وهو السبب الأجلى أيضًا – هو أن الفلاسفة لم يكونوا جميعًا مسلمين، بل هيهات: فبين وجهائهم كان هناك أيضًا يهود ومسيحيون كتبوا بالعربية، ناهيكم عن الوثنية منهم، مثل ثابت بن قرة، وعن منكري الوحي، مثل أبي زكريا الرازي، وعن المشككين، مثل ابن الراوندي. فحتى يشملهم المصطلحُ الذي يشار به إلى النشاط العقلي الذي زاولوه جميعًا، لا بدَّ لهذا المصطلح من أن يجتنب التلون المِلِّي، حتى إذا كان من البديهي أن جميع هؤلاء الفلاسفة عاشوا في مجتمع إسلامي جزمًا.

إلى هذا السبب الأول لاجتناب مصطلح فلسفة إسلامية يضاف سببٌ ثانٍ لا يقل عنه وجاهة من حيث المضمون: حين كان المسلمون واليهود والمسيحيون والصابئة وغيرهم يشتغلون بالفلسفة فإنهم لم يفعلوا ذلك أصلاً لتأويل القرآن أو التوراة أو العهد الجديد، بل فعلوه سعيًا منهم في تعيين ما يتيسر للبشر أن يفهموه بخصوص العالم والإنسان. بذا، كانت منطلقاتهم المشتركة، نظريًّا على الأقل، عناصر معرفية يقبلها كل إنسان، ألا وهي معطيات العقل البشري، دون التماس أي وحي بعينه. وإذا أجزت لنفسي الإصرار على هذه النقطة فلأن الفلاسفة الذين أحدثكم عنهم اتخذوها عقيدة، إذا جاز القول، وكانوا جميعًا، أو أغلبهم، يستنكرون فكرة الانطلاق من أشياء أخرى غير معطيات العقل، كما فعل مثلاً في الإسكندرية، في القرن السادس، المسيحي يوحنا فيلوپونس، المعروف بالعربية باسم يحيى النحوي، الذي أجمع جمهور فلاسفتنا، أو كادوا يُجمعون، على السخرية منه بوصفه "الأسوة السيئة" التي يجب الحرص على عدم التأسي بها! فبالفعل، كان يوحنا فيلوپونس قد ارتكب في نظرهم خطيئة لا تُغتفر، حينما عارض أرسطو باسم الاعتقاد (المشترك، إلى ذلك، بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة) بخلق العالم؛ إذ إن معارضة أرسطو على هذا النحو كانت برأيهم معارضةً للعقل بالذات، باسم اللاعقلاني في أسوأ الأحوال، وفي أحسنها، باسم لغة شاعرية غير متماسكة من حيث الأساس.

زبدة القول إن الفلاسفة كانوا يميزون تمييزًا قاطعًا بين الفلسفة والدين تمييزَهم بين منطلقات كلٍّ منهما: إما معطيات العقل فيما يخص الفلسفة، وإما معطيات الوحي فيما يخص علم الكلام. فالخلط بين المقدمات والمنهجيات الخاصة بكلٍّ من هذين النهجين يقود لا محالة، على حدِّ رأيهم، إلى خراب الفلسفة كنهج مستقل؛ إذ إن استقلالية الفلسفة والعقل – وهذه نقطة على غاية من الأهمية – كانا العماد الأساس الذي يقوم عليه طلبُهم العلم، في مواجهة نظيره عند المتكلمين الذين كانوا يقصدون بـ"العلم" شيئًا مختلفًا كل الاختلاف. وبعيدًا عن أية مفارقة منطقية، لا نجد هذه الصرامة المنهجية فقط عند المناطقة من ذوي المراس الصعب، كأبي نصر الفارابي، لكننا نجدها أيضًا عند اللاهوتيين من الفلاسفة، مثل المسيحي يحيى بن عدي واليهودي موسى بن ميمون.

ثمة قطعًا طيف كامل من التلاوين لا بدَّ من إضافته إلى هذه اللوحة، لأنني لا أنتوي اختزال تاريخ الفلسفة العربية إلى تعارُض لا يلين بين أنصار العقل الأرسطي وبين فقهاء الدين. بيد أنه لا مندوحة لنا من الانطلاق من هذا الإطار المفهومي – من هذه "المواجهة"، إذا شئتم – حتى نفهم الظاهرة الثقافية التي هي قوام "الفلسفة العربية".

أما وقد قيل ذلك، فإن مصطلح فلسفة عربية حتى هو في الواقع من أردأ ما يكون، لأن أغلب الفلاسفة الذين أتيت على ذكر أسمائهم لم يكونوا، كما تعلمون، من غير العرب وحسب، بل كتبوا أحيانًا في ألسُن غير اللسان العربي، كثابت بن قرة الذي كتب بالسريانية أو ابن سينا الذي كتب بالفارسية، على سبيل المثال لا الحصر. لذا فإن مصطلح "فلسفة عربية"، مأخوذًا على الإجمال، هو من قبيل التقريب ليس إلا. فحتى نتقيد بالصرامة التامة، ينبغي لنا أن نضيف إلى كلمة "فلسفة" صفة مستقاة من رجوعهم المشترك إلى أرسطو وأن نتكلم على الفلسفة الأرسطية أو المشائية باللسان العربي، مؤجلين التعريف الدقيق بـ"أرسطية" كلٍّ منهم على حدة. أيًّا ما كان الأمر، فإني مكلِّمكم على أصول هذه الفلسفة بعينها.

* * *

لا بدَّ أنكم استنتجتم أنه يجب الرجوع إلى أرسطو نفسه، أو بالأحرى، إلى تكوين بنيان النصوص الأرسطية لمعرفة ما ورثه العرب بالضبط. لقد استقر هذا البنيان على الصورة التي وصلتنا تقريبًا بفضل رجل يدعى أندرونيقوس الرودي، الخليفة الحادي عشر على رأس المدرسة المؤسَّسة في أثينا، أخذ على عاتقه ترتيب المقالات ونَشَرَها للمرة الأولى قبل حلول العصر المسيحي بعدة عقود، بعد زهاء 250 عامًا على موت أرسطو. ولقد كابدت هذه النصوص قبل نشرها للمرة الأولى، كما ونصوص تلميذه الأول ثاوفرسطس، حوادث من قبيل الخيال. فقد حُفِظَتْ في الواقع مدفونةً تحت تَلْعة طوال زهاء قرن، بين أواسط القرن الثالث والنصف الأول من القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك اجتنابًا لمصادرتها. فالأسرة التي ورثتْها والتي لم تستفد منها البتة، اللهم إلا الحَجْر عليها، أرادت من ذلك بالفعل الحيلولة بينها وبين أسرة پرغامون (حاضرة توجد أطلالها اليوم في منطقة إزمير في تركيا) المَلَكية التي كانت تسعى آنذاك في اقتناء مكتبة. فإذا صح وجود "عناية ربانية" ترعى الفلاسفة يبدو أنها تدخلت في تلك اللحظة من التاريخ بالذات تدخلاً محسوسًا. وإننا بالفعل لنتساءل عَرَضًا عما كان سيؤول إليه التاريخ الفكري للبحر متوسط وأوروبا لولا هذا الاكتشاف!

أخذت نصوص أرسطو فور نشرها، كما هو متوقع، تغذي النظر العقلي لمفكري المدرسة الأرسطية، ولاسيما الإسكندر الأفروديسي، الوارد ذكره مرارًا في المصادر العربية، وكذلك، بصفة عامة، جملة النظر الفلسفي في العالم اليوناني. والأمر الذي يهمُّنا بالأكثر من منظار ظهور الفلسفة العربية هو ما جرى بعدئذٍ. فمنذ القرن الثالث الميلادي، ضُمِّنَ بنيانُ النصوص الأرسطية، وبالأخص المقالات في المنطق، في برنامج لدراسة الفلسفة على شوطين: كان الشوط الأول عبارة عن دراسة مصنفات أرسطو، بدءًا بالضبط من المقالات في المنطق؛ أما الشوط الثاني، الذي لم يكن أرسطو غير مدخل إليه، فكان عبارة عن دراسة كتب أفلاطون. والمدرسة التي وُضِعَ لها هذا البرنامجُ الدراسيُّ سميت بعد ذلك بوقت طويل بالمدرسة الأفلاطونية المُحدَثة التي كان مؤسِّسها، أو مؤسِّساها بالأصح، فيلسوفين متنافسين، وكلاهما، إلى ذلك، سوري الأصل: كان الأول يدعى فرفيريوس الصوري، وقد عاش، فيما نعلم، بين العامين 234 و305؛ أما الثاني، يمليخا الأفامي، فقد عاش بين العامين 230 و330 قادمًا من قنَّسرين، الواقعة حاليًّا في لبنان، كما برهن على ذلك برهانًا حاسمًا زميلُنا جوليان أليكو، النزيل العلمي في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى.

كلا هذين الفيلسوفين مذكور في المصادر العربية. وقد كتب أولهما مقالة ممهِّدة لمنطق أرسطو، درسها العرب وعلقوا الشروح عليها حتى القرن السابع عشر على الأقل، سواء مباشرةً، اعتبارًا من ترجمتها العربية، أو على نحو غير مباشر، اعتبارًا من الخلاصة التي وضعها الأبهاري في القرن الثالث عشر للشرح الذي وضعه ابن سينا بنفسه على هذا النص.

* * *

كانت للمدرسة الأفلاطونية المُحدَثة خصائص عدة يجدر بنا أن نسلط عليها انتباهنا. أولى هذه الخصائص من حيث الأهمية (مع أن أهل الاختصاص حتى كثيرًا ما يمرون بها مرور الكرام) هو أن برنامج هذه المدرسة كان يتخطى بكثير إطار الفلسفة البحتة. فالأمر كان بالفعل في ذهن فرفيريوس، وأكثر منه في ذهن يمليخا ومريديه، عبارة عن تأليف رصين ومنهجي بين فلسفة أفلاطون وبين جوانب التراث اليوناني كافة منذ هوميروس: فالأديان والروحانيات والأدب والشعر والفلسفة والعلوم والفنون وسائر مكوِّنات الثقافة اليونانية كانت مدعوة إلى الائتلاف في كنف أفلاطون وفيثاغورث في سبيل نَظْم ردٍّ متسق على الدين الحديث الظهور والوقوف صفًّا واحدًا أمامه، ذلك الدين الذي كان يزعم تارةً بأنه فلسفة الكلمة Logos الإلهي نفسه، وطورًا يندِّد بالمماحكات الهلينية – وبهذا الدين نعني المسيحية طبعًا.

عديدون هم أعضاء المدرسة الأفلاطونية المُحدَثة، من فرفيريوس حتى أواخر ممثليها في القرن السادس، ولاسيما من مدرسة أثينا، ممَّن اشتهروا بمعارضتهم العنيدة لهذا الدين الذي كان بنظرهم صيغة محرَّفة، شعبية وفظة، للعلم اليوناني الذي كانوا يعدون أنفسهم وحدهم ممثِّليه الشرعيين.

فهل هذه الصيغة للتراث اليوناني بعينها هي التي ورثها العرب؟ نعم ولا، كما سنرى.

الخاصية الثانية لهذه المدرسة، أو لفرعها المستقر في الإسكندرية على الأقل، هي أن التشديد فيها، على ما يبدو، كان على تأويل مقالات أرسطو، وبالأخص على مقالاته في المنطق. وهذه النقطة تتيح الإصرار على عامل كان حاسمًا للشكل الذي اتخذته الفلسفة في القرون التالية، عند العرب وعند اللاتين على حدٍّ سواء.

كان الشرح الاتباعي على النصوص الفلسفية هو النشاط الفكري المفضل عند الفلاسفة منذ القرن الأول قبل الميلاد، وليس الإبداع المذهبي الحر، يقوم له أفرادٌ يعتبرون أنفسهم خالصين من ديون سابقيهم، كما قد يُظن؛ فالوفاء للقدماء – أفلاطون وأرسطو – كان على العكس القاعدة الذهبية المعمول بها، بحيث كان التفكر يجري انطلاقًا من معطيات موجودة سلفًا من أجل الكشف عن معانيها، وذلك من غير الحياد عن مقاصد المؤسِّسَين الأصلية. ولعلكم ستلحظون معي أن الاشتغال بالفلسفة كان بذلك أقرب إلى الهيكلية التي نجدها في فقه "أديان الكتاب".

النتيجة الأولى لهذا النشاط التفسيري كانت ترتيب مذاهب الأقدمين وتنسيقها على نظام معين أغلب الظن أن أفلاطون وأرسطو لم يجتهدا في تقعيدها وتنسيقها على هذا النحو. مهما يكن من أمر، فقد درجت العادة منذ ذلك العصر على تصور النشاط العقلي كمجرد تفسير حرفي لبنيان النصوص كما قيَّدها على صورتها النهائية، فيما كان يُظن، المؤسِّسان الكبيران. ولقد ظل أساتذة مدرسة الإسكندرية ورثة هذه الممارسة حتى القرن السادس، لكن أعضاءها، أكثر من أعضاء أية مدرسة أخرى، قيَّدوا جميع قواعدها وأشواطها وتفاصيلها، بحيث طوَّعوا العلم للتعليم وأضفوا بذلك أكثر ما يمكن من الاتساق على برنامج التحصيل الذي كلمتكم عليه لتوِّي، فصارت معهم الفلسفةُ حقيقةً تعليمًا مخصصًا للطلاب، غايتها التأهيل على قواعد المعرفة العقلانية التي وضعها أرسطو قبل نحو عشرة قرون. وهذا كله، كما ستلحظون معي، موافق للمثال الإغريقي الذي كان يطلق تسمية "جامعة" universitas على مجموع مدارس الفلسفة في أثينا.

ها قد صرنا الآن في صلب المكوِّنين الرئيسين لما أضحى "الفلسفة العربية" فيما بعد: فعن مدرسة أثينا ورث الفلاسفة العرب، في جملة ما ورثوا، فكرة أن الفلسفة مسعى عقلي وروحي في آنٍ معًا، وبالتالي، مالوا إلى اعتبارها دينًا مستقلاً، دينًا للخاصة من أهل العقل؛ وعن مدرسة الإسكندرية تعلموا كل شيء تقريبًا عن الفلسفة نفسها، أي أرسطو والشروح على مقالاته وفنون التأويل والشرح جميعًا. بيد أن هذه الشروح الإسكندرانية كانت قد تلقفت نتائج نشاط تأويلي يعود، كما رأينا، إلى القرن الأول قبل الميلاد؛ وهذا يعني أن المادة المفاهيمية المتراكمة كانت مما لا يُستهان به. وما تبقَّى من الفلسفة بحصر المعنى مما انتقل إلى العالم العربي إما ضُمِّن، بصورة أو بأخرى، تضمينًا متناغمًا في مخطط العلوم وفي الهيكلية التعليمية للعلم الموروث عن أساتذة الفلسفة في مدرسة الإسكندرية، وإما أقحِم فيه قسرًا؛ وهذان – كلا الهيكلية والمخطط – ظلا مثالاً علميًّا وقدوة في الصرامة المنهجية يُحذى حذوُهما طوال الفترة التي دام فيها الانصراف إلى شرح أرسطو، أي حتى القرن الثاني عشر الميلادي.

* * *

أما وقد بانت لنا الخطوط الكبرى لما انتقل إلى العالم العربي، يجدر بنا أن نتبيَّن طُرُق انتقال هذا الإرث اليوناني وكيفياته. أما طُرُق هذا الانتقال فأرى له، من جانبي، طريقين اثنين: أولهما – وهو الذي نعرف عنه بعض الشيء، وسوف أتكلم عليه على الفور – طريق أوساط أرباب الأدب والدين السريان أو السوريين؛ والثاني – وهو الذي نكاد لا نعرف عنه شيئًا والذي يدور حوله سجالٌ بين أهل الاختصاص – هو طريق أوساط صابئة مدينة حرَّان الواقعة شمال بلاد الرافدين، شمال حلب وشرقها على الجانب التركي من الحدود الحالية.

إن أخذ العالم العربي للفلسفة اليونانية لم يتم مباشرة عن الإغريق الوثنيين قطعًا لأن هؤلاء، كما هو معلوم، كانوا في القرن الثاني الهجري قد اندثروا منذ قرن على الأقل. إلى ذلك، فإن هذا النقل لعلوم الإغريق إلى الشرق بدأ في وقت لم تكن الإمبراطورية العربية الإسلامية موجودة بعدُ بوصفها كذلك. فكان لا بدَّ من وجود وسيط رئيس، وهذا الوسيط هو العالم الناطق بالسريانية متمثلاً، والحال هذه، إما بأفراد من رجال الدين على الأغلب، وإما بأعلام علمانيين مرموقين، منهم سرجيوس (سركيس) الراشعيني الذي سأقول فيه بضع كلمات لأنه يقدم لنا مَعْلَمًا تاريخيًّا وجغرافيًّا منورًا.

تبوأ سركيس رئاسة الطب في مدينة من شمال سورية واقعة عند منابع الخابور، ونحن لا نعرف إلا تاريخ وفاته في العام 536 م. وما نعرفه عن حياته العلمية يجيز لنا أن نتعرف في شخصه إلى واحد من ممثلي التيار الفكري الذي كان يرى في المسيحية فلسفةً ودينَ وحي على حدٍّ سواء. فهو بالفعل ناقل ديونيسوس الأريوپاغي الذي تأثرتْ كتاباتُه بالأفلاطونية المُحدَثة تأثرًا جمًّا؛ ويقال فيه أيضًا إنه كان قارئًا متبحرًا في أوريجينس، عالِم اللاهوت المسيحي الذي نشط في القرن الثالث للميلاد وكان مقربًا جدًّا، من حيث العديد من المباحث، من الفلسفة الأفلاطونية. إلى ذلك، عُرفتْ عن سركيس ترجماتُه إلى السريانية لثلاثين مقالة من مقالات الطبيب الإغريقي جالينوس (131-201 م). وأغلب الظن أنه حصَّل علمه في هذا المجال حتى أتقنه في الإسكندرية؛ وفي مدرسة الإسكندرية الأفلاطونية المُحدَثة تابع تحصيله للفلسفة، مطَّلعًا بالأخص على كتاب المقولات لأرسطو، الذي كان المدخل إلى تحصيل المنطق والمدخل إلى الفلسفة عمومًا.

كان سركيس ممثلاً لانفتاح العالم السرياني على التأثير اليوناني ولاستقلالية الفكر التي كانت تسري فيه منذ القرن الرابع. وبالفعل، فإنه اعتبارًا من القرن الرابع، وبمقدار ما كانت المسيحية السريانية تزداد ثقة بنفسها ويقل شعورها بخطر الوثنية التي كانت آيلة إلى الانحطاط، راح الموقف المناوئ للهلينية سابقًا ينقلب إلى مودة عقلية متعاظمة؛ وبذلك انتقل القوم، حتى القرن السابع، وفيما يتعداه، حتى القرن الثالث عشر، من موقف النابذ للميراث اليوناني ولمثاله في التأهيل العقلي paideia إلى موقف تبنِّيهما المتحمس. فبنظر سركيس، باتت ترجمة المصنفات اليونانية وتأليف المقالات الفلسفية يصبان في مطمح واحد، ألا وهو استملاك المعرفة العلمية والفلسفية الهلينية.

وفي صورة أعم، تكاثرت بؤر الثقافة اليونانية أو اليونانية-السريانية في العالم السرياني إبان القرن الخامس. بذا حافظت مدارس علم اللاهوت في الرها ونصيبين وطيسفون سلوقية وحرَّان على تعليم النحو وعلم البيان بوصفهما لازمين لتحصيل اللاهوت؛ وكانت الأديرة مراكز لترجمة علوم الإغريق وتعليمها أيضًا، فكان دير قنَّسرين على الفرات ودير مار متى قرب الموصل، على سبيل المثال، ذائعَي الصيت في القرنين السابع والثامن.

وبين الأعلام الكبار الذين وسموا بسِمَتهم نقل الآداب العلمية اليونانية إلى السريانية، وبالأخص ترجمة أرسطو وتأويله، لا بدَّ من ذكر الأسماء التالية: پروبا (القرن السادس)، بولس الفارسي (القرن السادس)، ثاودوروس من كرخ جُدَّان، الذي كان صديقًا وزميلاً لسركيس الراشعيني، سويرس النصيبيني (السبختي، ت 667 م)، أطناس (أثناسيوس) البلذي (ت 686 م)، جرجيس العرب أو أمة العرب (القرن السابع)، يعقوب الرهاوي (ت 709 م)، ثاوفيلس الرهاوي (ت 791 م).

ويبدو أن هؤلاء المصنِّفين اطلعوا من الشروح الإسكندرانية الكبرى على منطق أرسطو، وخصوصًا الشروح على كتب المقولات والعبارة De interpretatione والتحاليل الأولى، غير أنهم لم ينهضوا لترجمتها، بل اكتفوا بالاستفادة منها. كما يبدو أنهم كانوا مطلعين أيضًا على كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، غير أنهم، في المقابل، لم يطلعوا على ما يبدو على مقالات أرسطو في الطبيعيات والأخلاق.

خلاصة القول إن في إمكاننا أن نميز في عملهم جميعًا سمة بارزة، ألا وهي الأهمية التي أوْلوها للمنهجية وللقواعد الأرسطية في التعقل، حيث أجمعوا على الاعتراف بمكانة أرسطو أستاذًا بلا منازع للمعرفة العلمية والمنطق، كما ولمنهجية هذه المعرفة، أيًّا كان العلم المعتبَر.

بذا فإن هذا الرأي وخيارات القراءة المتفرعة عنه كانت إرهاصات لحركة الترجمة الكبرى إلى العربية التي بدأت في القرن الثامن. وإذن فإن الفلسفة العربية ليست مدينة للسريان وحدهم بالمحاولة الأولى لتطويع مصطلحات الفلسفة اليونانية للغات الساميَّة، بل هي مدينة أيضًا لخيار حاسم يتعلق بأساس الاجتهاد الفلسفي، وهو خيار عاد العرب وأخذوا به، فجددوه وأضفوا عليه بُعدًا لا يقارَن بكل ما عُمِل قبلئذٍ. وبعبارة واحدة، صار أرسطو حقيقةً "المعلم الأول" للفلاسفة العرب، مثلما بدأ بإصابة هذه المكانة عند السريان.

قبل أن أتناول ما سُمي عن حق بـ"النقل التحصيلي" translatio studiorum (وهو مصطلح لاتيني المقصود منه أن النصوص ليست وحدها ما يُنقَل، بل منهج قراءتها وتأويلها أيضًا)؛ قبل أن أتطرق إلى ذلك، أقول، لا بدَّ لي أيضًا من قول كلمة في الطريق الثاني التي وصل العلم اليوناني بواسطته إلى العالم العربي.

في العام 529 أو 530 للميلاد – مازال أهل الاختصاص مختلفين على التاريخ –، أغلِقَتْ مدرسةُ أثينا الأفلاطونية المُحدَثة على أثر إبرام فرمان إمبراطوري يحرِّم على جميع سكان أثينا – وثنيين ومسيحيين – تعليم الفلسفة في هذه المدينة؛ الأمر الذي اضطر أساتذة المدرسة – وجميعهم من الوثنيين المناضلين، ونصفهم سوري الأصل – إلى اتخاذ طريق المنفى. ونحن نعلم أنهم لجأوا إذ ذاك إلى طيسفون، حيث بلاط كسرى الأول أنوشروان الذي حكم بين العامين 531 و578 بعد الميلاد. غير أنهم لم يلبثوا هناك إلا سنة أو سنتين على الأكثر وعادوا إلى ديار الروم، من غير أن نستطيع البت في المكان الذي استقروا فيه يومذاك. وإني لأعفيكم من سماع تفصيل الأسباب، الممل بعض الشيء، التي تحملني على الظن بأن واحدًا منهم على الأقل ألقى عصا الترحال في ديار مضر، في حرَّان تحديدًا، وهي مدينة كانت تجتمع فيها ميزتان على الأقل: كانت داخلة ضمن حدود الدولة الساسانية وغير بعيدة عن حدود الدولة البيزنطية. حسبي أن ألحظ أن تلك المدينة شهدت قطعًا ازدهار معرفة نقلية وثنية حتى القرن الرابع للهجرة (القرن العاشر للميلاد). بذا فإن عوامل بعينها، وبالأخص الأهمية التي يبدو أن دراسة الرياضيات احتفظت بها، ترجِّح أن الفلسفة اليونانية الأثينية الأخيرة قد خلَّفتْ ذرية في حرَّان[1]. أيًّا ما كان الأمر، فقد كان في مقدور الفيلسوف والرياضي ثابت بن قرة، الصابئي الحرَّاني الأصل والعالم الذي لا يضارع باليونانية وآدابها، أن يظل، في عزِّ القرن العاشر، على ثنائه للفكر الوثني، العلمي منه والديني، الذي كان في نظره منبع جميع الخيرات التي أنعِمَ بها على البشر منذ فجر الأزمان؛ ثناء كان – ويجدر التنويه بذلك – مبطَّنًا بنقد مباشر للمسيحية، بالضبط على غرار الخطابات المعادية للمسيحية للمأثور الأثيني الأفلاطوني المُحدَث. إلى ذلك أضيف أن هذا الثناء على الوثنية والانتصار لها في القرن التاسع يُنسَب إلى رجل عاش في بغداد في العصر العباسي.

* * *

لنأتِ الآن إلى حركة الترجمة الكبرى التي مكنت من ظهور ثقافة عالمة عربية حصرًا وتمخضت عنها حياةٌ عقليةٌ فيها من العزم والغنى ما يستحق الكثير من الإعجاب.

لن أولي اهتمامي طبعًا إلا للفلسفة ولمترجميها، لكنْ لا بدَّ من الإشارة إلى أن هذه الحركة الواسعة تخص جميع العلوم اليونانية أيضًا: الطب والرياضيات، ومنها الجومطريقى (الهندسة) والأرثماطيقى (الحساب) وعلم الفلك والموسيقى؛ وكذلك البصريات والفلاحة (الزراعة) وعلم الحيل (الميكانيكا). لقد كان جانب من هذه العلوم، إلى ذلك، جزءًا لا يتجزأ من برنامج تحصيل الفلسفة نفسها، ولاسيما الرياضيات التي كانت، إلى جانب علوم أخرى، تفيد تعليمًا ممهِّدًا لدراسة الفلسفة بحصر المعنى.

لقد تواصلت الحركة الأولى لترجمة الأعمال اليونانية إلى السريانية – تلك الحركة التي قادتنا حتى أواخر القرن السابع – إبان القرن العاشر، بعد عدد من الصدامات والتخلفات الناجمة عن الفتوحات الإسلامية، لكنها لم تبلغ تلك السعة التي وصفتُها لتوِّي إلا في القرن التاسع، قبل أن تتوقف نهائيًّا في القرن العاشر – هذا فيما يخص الإطار الزمني.

إن أقدم ترجمة لكتاب من كتب أرسطو إلى العربية تشي، أولاً، بما كان مأمولاً في البداية من الفلسفة اليونانية، ثم بالسياق التاريخي لاستقبالها الأول. والترجمة التي نحن بصددها هي ترجمة الطوپيقى، وهي مقالات يستعرض فيها أرسطو ويعرِّف بشروط الجدل أو بمختلف الأشكال التي يمكن للحِجاج الفلسفي أن يتخذها، وبعبارة واحدة، ما عُرف بالعربية بـصناعة الجدل. وهذه الترجمة تعود إلى العام 782، ويقال إن الخليفة العباسي المهدي (ت 785) عهد بها إلى الجاثليق (الأسقف) النسطوري طيماثاوس الأول الذي قام بنفسه بترجمة سريانية للمقالات عن اليونانية، ثم نقلها إلى العربية آنذاك صديقٌ له يدعى أبا نوح.

إن استعمال المسيحيين لهذا النص أصلاً في مناظراتهم مع المسلمين – حول التثليث، مثلاً لا حصرًا – هو ما يفسِّر اختيار المسلمين نصًّا أقل ما يقال فيه إنه يشق على الترجمة، إذ كان ينبغي لهم أن يردوا على أسئلة مناظريهم المحرجة مستعملين الأسلحة الديالكتيكية نفسها؛ وهذا ما يسوغ الترجمة السريانية الجديدة، فالعربية، لمقالة كانت نسخة سريانية أخرى منها متوفرة منذ القرن السابع. وبوسعنا إبداء الملاحظات نفسها في خصوص مقالة أرسطو الثانية التي تُرجمت إلى العربية في الثلث الأول من القرن التاسع، ألا وهي السوفسطيقى أو الخطابة، حيث نجد وصفًا لمختلف أنماط السفسطة المستدَل عليها في كلام أحد المحاورين وسُبُل تفنيدها. وهاتان الترجمتان معاصرتان للمناظرات الدينية بين المسيحيين والمسلمين التي كان أرسطو يقوم فيها مقام الحَكَم غير المتحيز، إذا جاز التعبير.

* * *

تسنَّمت حركة الترجمة ذروتها في القرن التاسع مع أسرة حنين بن اسحق: الأب حنين وابنه اسحق وابن أخيه حُبيش، مع أعوانهم، أمثال ابن الجوهري وعيسى بن يحيى؛ ثم تألفت عصبة المترجمين المجتمعين حول أول الفلاسفة العرب الكبار، أبي يوسف الكندي (ت 873 م)، الذي كان يموِّل الترجمات ثم يصلحها، مع أنه لم يكن ملمًّا باليونانية. ثم تواصلت ترجمة مقالات أرسطو فيما يُعرف (بشيء من الشطط) بـ"مدرسة بغداد" في القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر.

فلنبدأ بأسرة حنين بن اسحق الذي توفي في العام 260 للهجرة (873 م). كان حنين، وكذلك ابن أخيه حُبيش وزميلهما الصابئي ثابت بن قرة، أشبه ما يكونون بموظفين لدى أسرة بني موسى، وهم أنفسهم من كبار العلماء ويحظون برعاية الخليفة المأمون. إننا على جهل تام بنسب بني موسى، وحتى بملَّتهم، وهذا على الرغم من اسمهم؛ أما موظفوهم فنعلم أنهم كانوا مأجورين متفرغين "للنقل والملازمة". وحنين نفسه قد توفر على نقل مصنفات طبية وعلمية، لكنْ من غير أن ينصرف إليها بالكلية، بما أننا ندين له بجوامع compendium مقالة أرسطو كتاب الآثار العلوية التي تتناول الظواهر السماوية، كما يشير عنوانها. تضاف إلى هذه الترجمتان السريانيتان الجديدتان لـمقولات أرسطو وكتاب العبارة، حيث قام ابنه اسحق بنقل هاتين المقالتين إلى العربية عن السريانية.

ومع اسحق بن حنين لم تعد الترجمة المنهجية إلى العربية تقتصر على مؤلفات أرسطو، بل راحت تشمل الشروح عليها أيضًا. وبين الفلاسفة الآخرين الذين ترجم لهم اسحق لا يرد ذكر الإسكندر الأفروديسي وثامسطيوس وحسب، بل أفلاطون ونماسيوس الحمصي (ت 390 م)، واضع كتاب في طبيعة الإنسان De natura hominis، وپروقلس، الأفلاطوني المُحدَث الكبير من القرن الخامس.

وندين كذلك لحنين وابنه اسحق بوضعهما جملة مفردات سريانية تفيد دراستها فائدة جمة لتوضيح تشكُّل المصطلحات الفنية التي نصادفها في الترجمات العربية للمصنفات في المنطق وفي مقالات المناطقة العرب.

أما فيما يخص المترجمين المجتمعين حول الكندي، فقد استخدم هذا الفيلسوف أفرادًا مؤهلين استطاعوا، من غير أن يكونوا أنفسهم مناطقة أو فلاسفة متمرِّسين، أن يترجموا مع ذلك جملة من النصوص الهامة، بدءًا من كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو وكتاب مختارات من الإلهيات للأفلاطوني المُحدَث پروقلس الذي سبق ذكره. وبالإضافة إلى هذه النصوص، طوَّعوا إلى العربية أيضًا كتابين حظي ثانيهما بنصيب هائل من الشهرة، إنْ بالعربية وإنْ باللاتينية – وأعني كتاب في محض الخير أو كتاب في الخير المحض، الذي عُرف باللاتينية بعنوان Liber de causis. فهذا الكتاب تطويع توحيدي لمقاطع مستقاة هي الأخرى من مختارات من الإلهيات لپروقلس، وكذلك ربما لكتاب آخر من كتب پروقلس بعنوان إلهيات أفلاطون. أما الكتاب الآخر الهام الذي طوعوه للعربية فهو تاسوعات أفلوطينس (بعنوان أثولوجيا أرسطاطاليس، منسوبًا إلى "الشيخ اليوناني" دون تسمية المؤلِّف)، الفيلسوف من القرن الثالث الميلادي الذي يُعد مؤسِّس الأفلاطونية المُحدَثة وواحدًا من أعلام النظر العقلي إبان العصور القديمة المتأخرة.

والكندي نفسه وضع، انطلاقًا من عمل فريق مترجميه، كتابًا كان مطمحه الأول، بالإضافة إلى التباري مع الإغريق، صياغة الفلسفة بحسب قواعد البرهان الرياضي more geometrico، أي البرهان كما نجده مثلاً في الأصول والأركان لإقليدس، الرياضي الإغريقي الكبير من القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد. وفيما يخص الاصطلاح، وضع الكندي فضلاً عن ذلك مقالة في التعريفات أسهمت بعض الشيء في تحديد مصطلحات المفاهيم بالعربية، حتى إذا لم يُحذَ حذوُه في خياراته إلا فيما ندر، كما يجب أن نقر.

* * *

أنتقل الآن إلى المدرسة المعروفة باسم "مدرسة بغداد" التي خرَّجت واحدًا من ألمع عباقرة الفلسفة العربية، وأعني به أبا نصر الفارابي، الذي يجوز لنا أن نعتبره أستاذ كلٍّ من ابن سينا وابن رشد على حدٍّ سواء. وباستثناء الفارابي نفسه، الذي كان دينه أقرب ما يكون إلى دين الفلاسفة الأغارقة، كان جميع أعضاء المدرسة المذكورة يدينون بالمسيحية، سواء في ذلك أساتذة الفارابي والذين غدوا طلابه فيما بعد. وبين أساتذته، الذين يُسنِدُ سلسلتهم دون انقطاع حتى الإسكندرية، في رواية هي أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ، لا بدَّ لنا من ذكر متى بن يونس ويوحنا بن هيلان (أو غيلان)، الذي أخذ على يديه تحصيله التام للدراسات الأرسطية كما صيغت وعُلِّمت في الإسكندرية – وهو تحصيل كان فيلسوفنا شديد الافتخار به. وعلى حدِّ علمنا، لم يشارك الفارابي بنفسه في العمل الفيلولوجي (الفقهي اللغوي) لتدقيق ترجمات أرسطو الذي اشتغل عليه أساتذتُه وطلابُه هو من بعد. من هذا المنظار، يشغل الفارابي من هذه المدرسة منزلةً أشبه بمنزلة الكندي بين زملائه المترجمين، بمعنى أنه لم يكن على ما يبدو أوفر من الكندي أهليةً للمشاركة في هذا العمل الفيلولوجي، على معرفته الأكيدة بالسريانية.

ولقد علمنا بهذا العمل الذي نحن بصدده مصادفة بفضل مخطوطة تعود، إذا صح التقدير، إلى فترة إنجاز العمل المذكور نفسها في بداية القرن الحادي عشر. وهذه المخطوطة، المحفوظة في باريس، تكشف عن عمل عدة أجيال من العلماء الذين عنوا بمقارنة مختلف الترجمات السريانية المتوفرة لجميع مقالات أرسطو في المنطق، إما للاحتفاظ بدروسها ولترجمتها إلى العربية مباشرة، وإما لتنقيح النص السرياني على الأصل اليوناني، بحيث يحصلون بعده على الترجمة العربية الأكثر أمانة للأصل. ونجد في هذه المخطوطة، إلى وفرة الحواشي الفقهية، تسجيلاً، في أمكنة بعينها، لتأويل الأفلاطونيين المُحدَثين الإسكندرانيين. وهذه الاستعانة بالشروح الإسكندرانية، التي كانت إذن معروفة هي الأخرى، إما بالعربية وإما، على الأرجح، بالسريانية، تبين أن علماءنا لم يألوا جهدًا في محاولة إضاءة معنى النص الذي كانوا بصدد تحريره. وفي أيامنا هذه، يتبع مترجمو أرسطو هذا النهج بحذافيره، وإنْ يكُ فقه اللغة قد سار منذ ذلك الوقت أشواطًا بعيدة قُدُمًا.

وما صنعه أعضاء مدرسة بغداد بجملة مقالات أرسطو في المنطق صنعوه أيضًا، اعتبارًا من مادة أفقر، بمقالة أرسطو الكبرى في الفيزياء، المعروفة بالعربية بعنوان كتاب السماع الطبيعي. وهاهنا أيضًا وصلتنا على الأقل مخطوطة جيدة جدًّا لعملهم التحريري؛ وهذه المخطوطة محفوظة في ليدن، وقد نُشرت، كسابقتها، منذ بضعة عقود بعناية العالِم المصري عبد الرحمن بدوي.

حتى ننهي كلامنا على مدرسة بغداد لا بدَّ لنا أيضًا من الإشارة إلى أمرين اثنين: من جهة، كان هؤلاء المترجمون جميعًا، في الوقت نفسه، شارحين لأرسطو أيضًا، وقد وضع أغلبهم مقالات أكثر شخصية، أكان ذلك في الفلسفة أو في الإلهيات أو حتى في الطب؛ ومن جهة ثانية، فإن المدرسة الشهيرة التي يُنسَبون إليها جميعًا تيسيرًا للبحث لم توجد قط بوصفها مؤسسة، واجتهادُهم، وإنْ يكُ حظي أحيانًا بدعم أنصار رسميين، ظل مع ذلك أشبه بالمغامرة الفردية – وهذان الأمران خطيران، كما سنبينه في خلاصة استنتاجاتنا.

* * *

قبل أن نصل إلى التأملات العامة المتعلقة بخصائص المسار التاريخي الذي اقتفيناه لتوِّنا جاهدين، لا بدَّ لي من إبداء بضع ملاحظات على مآل العمل الذي نهضت له الأجيال الأولى من المترجمين الفلاسفة.

فلنلحظ، بادئ ذي بدء، أن مثال الصرامة والدقة العلميتين الذي وُضع في متناول الناطقين بالعربية بفضل هذه الترجمات قُيض له أن يشهد من الخسوف ما قُيض له من الانبعاث؛ إذ يجوز لنا الكلام مثلاً على "خسوف" فيما يخص الفترة التي انتصر فيها هذا المثال – ويا للمفارقة! – في الأدب الفلسفي. والأدب الفلسفي تيار أدبي أمست فيه الفلسفة ثيمة بيان مبهرج، إذا جاز التعبير، تناسب تزويق أحاديث الصالونات. وأبو حيان التوحيدي خير ممثل للتيار المذكور؛ لكن بوسعنا أن نسمي أيضًا مسكويه الذي، وإنْ كان صاحب مزاج أكثر فلسفية من مُعاصره التوحيدي، لم تكن معرفته بالفلسفة أعمق من معرفة أبي حيان.

أما ابن سينا والمنقول الذي استهلَّه فشأنهما شأن آخر تمامًا، حيث تطاول هذا المنقول حتى القرن السابع عشر في شرق ديار الإسلام. فمع أن الفلسفة عانت قُبيل ابن سينا من انحطاط عابر فإنه من جانبه يمثل للتفتح الكامل للفكر الفلسفي في الإسلام. فهو من كلِّ وجه وريث العمل التحريري والتقعيدي الذي أنجزتْه قبله أجيالُ العلماء الذين كلمتكم عليهم، حتى إن بعضهم كتب مؤخرًا أن ابن سينا يجسد ذروة الفلسفة المنبثقة في المحصلة من مدرسة الإسكندرية نفسها. لكنه "وريث" من نوع خاص بعض الشيء. وبالفعل، فإن أبا علي لا يشرح أرسطو أو يكاد لا يشرحه: إذ لم يصلنا من الشروح التي وضعها غير شروح وجيزة نوعًا ما على المقالة في النفس وعلى ما بعد الطبيعة؛ وهذه الشروح لا يُعتَد بها إذا ما قيست إلى بقية مؤلفاته الضخمة. ذلكم أن ابن سينا تخيَّر نموذجًا آخر، ليس نموذج شرح القدماء، بل نموذج صهر مذاهبهم وإعادة سبكها من جديد. ابن سينا يعيد النظر والتفكر في أرسطو وفي شارحيه ويعيد كتابتهم في آنٍ معًا؛ وإذا اتفق له أن يستبقي شيئًا من عناوين مصنفات أرسطو الذي يعيد كتابته فهو يفعل من غير أن يستشهد به أبدًا. جملة القول إن الفلسفة العربية، مع ابن سينا والناسجين على منواله، لم تعد أرسطية، بل سيناوية بحتة. لقد طُويت صفحة الاقتباس عن العلم اليوناني؛ إذ إن ابن سينا هَضَمَه.

* * *

هذه الملاحظة الأخيرة تقودني إلى خاتمتي. لقد تبين لنا سريعًا نسبيًّا من أي طُرُق وبأية وسائل تشبَّع العالم العربي بالثقافة اليونانية من القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر؛ ويجب علينا الآن أن نتساءل عن خصائص هذا "النقل التحصيلي".

في المقام الأول، لا بدَّ أنكم لاحظتم أنني لم أكلمكم البتة على بيت الحكمة المبالغ في شهرته. فبحسب رواية تأريخية معينة، كان بيت الحكمة الشهير هذا هو المؤسسة الخليفية التي قام فيها عدد من العلماء، بدءًا من العام 830 وبتكليف من الخلفاء أنفسهم، بإنجاز جميع الترجمات من اليونانية إلى العربية أو بعضها على الأقل. لكننا بتنا نعلم، اعتبارًا من التحقيق في أقدم النصوص التي ذُكر فيها بيتُ الحكمة، أن الأمر لم يجر على هذا النحو. فلئن صح أن الخلفاء، وبالأخص الخليفة المأمون، أيدوا حركة الترجمة هذه إلى حدٍّ ما، الأصح أن غالبية مموِّلي المترجمين كانوا أفرادًا من مصلحتهم – لأسباب خاصة، مهنية أو سياسية أو حتى مذهبية – أن تكون للعلم اليوناني مكانته في المجتمع المسلم. على كل حال، كلما عدنا بالزمن إلى الوراء تلاشت الصلة المفترَضة بين بيت الحكمة وحركة الترجمة الكبرى التي وصفتُها لكم. بعبارة أخرى، "بيت الحكمة" عبارة عن أسطورة متأخرة.

بوسعنا، إلى ذلك، تعميم هذه الملاحظة وإثبات أن العالم الإسلامي لم يُقِمْ في أي وقت من تاريخه مؤسسات لنقل المعرفة الدنيوية، سواء كانت العلوم أو الطب أو الفلسفة – وذلك لسبب أصيل: لقد ساد الاعتقاد بالفعل بأن هذه المعرفة لا تُنقل أفضل النقل إلا من الأستاذ إلى مريديه، الأمر الذي لم يكن يتطلب إقامة "مؤسسة" بعينها لهذه الغاية.

أمر آخر تجدر الإشارة إليه في خصوص هذا النقل: باستثناء بضعة مترجمين أفراد ممَّن ذكرتُهم، ما من عالم عربي أو ناطق بالعربية واحد بذل جهدًا لتعلُّم اليونانية. فضلاً عن ذلك، ليس هناك غير مثال فريد معروف، في العصر الكلاسيكي، على عالِم مسلم تعلَّم لسانًا أعجميًّا غريبًا عن الإسلام؛ بيد أن هذا اللسان ليس اللسان اليوناني، بل اللسان السنسكريتي الذي أتقنه أبو الريحان البيروني حتى صار قادرًا على الترجمة من العربية إلى السنسكريتية قدرته على الترجمة من السنسكريتية إلى العربية.

بذا، لئن صح بلا أدنى ريب أن مجتمعًا بأكمله تتلمذ على مدرسة قدماء الإغريق العظام، الصحيح أيضًا، على ما يبدو، أن الحاجة إلى تعلُّم لسان هؤلاء لم تلح على أحد. كذلك فإن الإعراض عن اللسان نفسه كان أصلاً أمرًا مفعولاً في الطريقة التي عامل بها بعض المترجمين على الأقل من اليونانية إلى السريانية المخطوطاتِ اليونانيةَ متى انتهوا من الاشتغال عليها: فبدلاً من أن يحتفظوا بهذه المخطوطات كانوا يمحون المكتوب عليها بالحك لكي يكتبوا عليها شيئًا آخر. أما العلماء المسلمون فإن البيروني هذه المرة أيضًا – ويا للمفارقة! – هو الذي يبين لنا أسباب قلة اكتراثهم هذه باليونانية، في جانب منها على الأقل. فقد كتب: "وإلى لسان العرب نُقلتْ العلومُ من أقطار العالم، فدانت وحلَّتْ في الأفئدة وسَرَتْ محاسنُ اللغة منها في الشرايين والأوردة"[2]. بعبارة أخرى، صار اللسان العربي من العلم المنقول بمثابة اللحم والدم وفاق بجماله اللسان الأصل.

كان من شأن هذه الصلة المخصوصة بالماضي وبمصادر العلم التي يشي بها الموقفُ من اليونانية أنْ تعذَّر الرجوعُ إلى الأعمال المترجَمة في نصها الأصلي، ومعه تعذَّر رجوع العقل الفلسفي إلى غرضه الأول. وبذلك حكمت الفلسفة العربية على نفسها بأن لا تستقي من بعدُ إلا من مَعينها وحده، الأمر الذي فعلتْه حقًّا طوال مدة طويلة.

أشكر لكم حسن استماعكم.

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس

للاستزادة راجع:

- بدوي، عبد الرحمن (نصوص حققها وعلق عليها)، أفلاطون في الإسلام، دار الأندلس، بيروت، طب 3: 1982.

- بدوي، عبد الرحمن (حققه وقدم له)، أفلوطين عند العرب، وكالة المطبوعات، الكويت، طب 3: 1977.

- بدوي، عبد الرحمن (دراسات لكبار المستشرقين ألف بينها وترجمها)، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، وكالة المطبوعات، الكويت/دار القلم، بيروت، طب 4: 1980.

- بدوي، عبد الرحمن، دراسات ونصوص في الفلسفة والعلوم عند العرب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، طب 1: 1981.

- عباس، إحسان، ملامح يونانية في الأدب العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، طب 2: 1993.

- غوتاس، ديمتري، الفكر اليوناني والثقافة العربية، بترجمة وتقديم نقولا زيادة، المنظمة العربية للترجمة/مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طب 1: 2003.

- قنواتي، جورج شحاته، المسيحية والحضارة العربية، دار الثقافة، القاهرة، طب 2: 1992.



* نص محاضرة ألقِيت في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق في 2009/01/13.

** باحث لدى وزارة الخارجية الفرنسية وعضو مشارك في "مخبر الدراسات حول أديان التوحيد" (المركز الوطني للبحث العلمي). صدر له في العام 2004 كتاب الفارابي ومدرسة الإسكندرية: من مقدمات المعرفة إلى الفلسفة السياسية. اختصاصه الفلسفة العربية الكلاسيكية، وهو حاليًّا نزيل علمي في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (دمشق).

[1] في أثناء تنقيح الترجمة وقعنا على نص للبيروني يؤيد تمامًا ما يذهب إليه فيليپ ڤالا في محاضرته عن دور صابئة حرَّان في انتقال التراث اليوناني إلى العالم العربي، كونهم آنذاك الورثة الباقين لدين الإغريق وروحانياتهم: "ويوجد أكثر هذه الطبقة بسواد العراق، وهم الصابئون بالحقيقة، وهم متفرقون غير مجتمعين ولا كائنين في بلدان مخصوصة بهم دون غيرهم، ومع ذلك غير متفقين على حال واحدة، كأنهم لا يُسندونها إلى ركن ثابت في الدين من وحي أو إلهام أو ما يشبههما، وينتمون إلى أنوش [أخنوخ] بن شيث بن آدم. وقد يقع الاسم على الحرَّانية الذين هم بقايا الدين القديم المغربي البائنون عنه بعد تنصُّر الروم اليونانيين، وينتسبون إلى أغاذيمون وهرمس وواليس ومابا وسوار، ويتدينون بنبوتهم ونبوة أمثالهم من الحكماء. وهذا الاسم أشهر بهم من غيرهم، وإن كانوا تسمَّوا به في الدولة العباسية في سنة ثمان وعشرين ومائتين ليُعَدُّوا في جملة مَن يؤخَذ منه ويُرعى له الذمَّة، وكانوا قبلها يُسمَّون الحنفاء والوثنية والحرَّانية" (أبو الريحان البيروني، كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية، بتحقيق إدوارد زخاو [نسخة بالأوفست عن طبعة لايپزيش: 1923]، دار صادر، بيروت: ب ت، ص 318). (المترجم)

[2] نقلاً عن مقدمة كتاب الصيدنة في الطب، بتحقيق الحكيم محمد سعيد، كراتشي، 1974، ص 12.

الدين والفلسفة في حياة پروقلس ومذهبه - فارس جلون

الجمعة, حزيران 19th, 2009

الدين والفلسفة في حياة

پروقلس ومذهبه

مدخل إلى نظريته في الخيال*

فارس جلون**

تأثرت الفلسفة الأفلاطونية المُحدَثة بعد القرن الرابع بمذهب الفيلسوف يمليخا الأفامي الذي أظهر من الاهتمام بالوثنية ما جعل الأفلاطونيون المُحدَثون بعده تقاةً لا يتعبدون للآلهة فلسفيًّا وحسب، بل وعلى غرار المتدينين الروحانيين، فاستعملوا الفلسفة لتأويل القَصص المأثور عن هوميروس والخبرات الروحية والرموز والشعائر السرَّانية لعلم الباطن. إن الغرض من هذا البحث هو تعليل انعطاف الأفلاطونية المُحدَثة المتأخرة نحو الدين بدوافع فلسفية.

قبل الدخول في صلب المواضيع العقلية، لا مناص لي من التذكير بضرورة التزام حياة الفيلسوف وأخلاقياته وبأهمية الدين "الوثني" في حياة پروقلس ومذهبه الفلسفي. فلقد بين پيار هادو، في كتابه عن "الفلسفة القديمة"[1]، أن تلك الفلسفة لم تكتفِ بمجرد الخطاب الفلسفي، بل أصرت كذلك على ضرورة انسجام سلوك الفيلسوف مع فكره، فوضع كل مذهب فلسفي قواعد في المناقب والسلوك؛ إذ لم يفصل الفلاسفة آنذاك بين النظر theoria والعمل praxis. من هنا كان پروقلس يؤالف في حياته بين النظر العقلي العميق وبين التعبد للآلهة.

proclos

ولد پروقلس في العام 411 م وتوفي في العام 487، وقد ترأس المدرسة الأفلاطونية في أثينا. وهو لم يكن فيلسوفًا وحسب، بل رجل دين أيضًا – وسأورد على الفور بعض المعلومات لتبيان ذلك: ففي حوزتنا تفاصيل كثيرة عن حياة پروقلس، إذ دوَّن مريدُه مارينوس[2] سيرته، وفيها نقرأ عن رجل يتوضأ ويداوم على الصلاة فجرًا وظهرًا ومساءً، يصوم صومًا منتظمًا، ويحتفي لأعياد جميع الأديان الوثنية التي يعرفها. وقد كان من المتعبدين للإلهة أثينا، إلهة الحكمة عند الإغريق، وكان يخلص لها العبادة. ويروي مارينوس أن أستاذه رأى أثينا في المنام وأنها طلبت منه أن يؤويها في بيته بعد أن خلع المسيحيون صنمها من هيكل الپارثينون الشهير المكرس لعبادة أثينا "البتول"؛ ناهيكم أنه وضع عددًا من الصلوات والابتهالات المرفوعة للآلهة – وهذا شيء نادر. كان پروقلس يعتبر أن دور الفيلسوف لا يقتصر على الكهانة لدين بعينه، بل للأديان قاطبة؛ فعليه أن يكرِّم آلهة الأمم جميعًا، وبذلك يصير "كاهنًا للعالم كلِّه". نستخلص من هذه المعلومات أن حياة پروقلس كانت مكرسة للآلهة[3].

لم يكن أفلوطين، مؤسِّس الأفلاطونية المُحدَثة، يولي تلك الأمور أهمية تُذكَر، غير أن الأفلاطونيين المتأخرين عادوا وأدرجوها في فلسفتهم. وقد تعجَّب المفسرون الحديثون من هذه الظاهرة عند الفلاسفة الأفلاطونيين، إذ لمسوا تناقضًا بين فكرهم العميق وبين تديُّنهم. لكن التعجب هو بداية الفلسفة وليس نهايتها! إذ إن التعجب في حدِّ ذاته ولد من مسلَّمة أخذ بها الغرب الحديث، تلتبس فيها العقلانيةُ بالمعقولية. على الفلسفة أن تتحلى بالمعقولية، في حين أن المذهب العقلاني صنف من الفلسفة ينفي وجود معرفة تفوق العقل (روحانية). إن سبب تعجُّب المفسرين المذكورين هو إسقاطهم مفاهيم فلاسفة القرن السابع العشر الأوروبي (ديكارت ونظرائه) على الفكر الأفلاطوني المُحدَث. غير أن تعجبهم كان ليزول قليلاً لو أنهم قارنوا مذهب پروقلس بمذهب ابن عربي، مثلاً، بدلاً من مقارنته بمذهب اسپينوزا، كما فعل فستوجيار[4].

المذهب العقلاني غريب عن الأفلاطونية التي تميز بين noûs، وسيلة المعرفة الكشفية المباشرة، وبين dianoia، وسيلة المعرفة الاستدلالية المنطقية. والمشكلة في اللسان العربي أن كلتا هاتين الكلمتين تُترجَم بـ"العقل". لذا فإن التمييز بين العقلانية والمعقولية هو الخطوة الأولى في سبيل تعليل انعطاف الأفلاطونية باتجاه الدين.

في ثنايا هذا البحث، سوف أترجم مصطلح noûs بـ"الروح"، كما فعل جان ترويار، أحد مترجمي پروقلس إلى الفرنسية[5]، أو بـ"العقل"، كما فعل مترجمو تاسوعات أفلوطين إلى العربية بعنوان أثولوجيا أرسطاطاليس[6] في القرن التاسع، وهو نص كان له بالغ الأثر في الفلاسفة العرب. فالـnoûs ليس جزءًا من النفس الإنسانية ووسيلة للمعرفة وحسب، بل هو، أولاً، ماهية عالم الوجود. أما الـdianoia فلن أتكلم عليها في هذا المقام، لكني سأنتهز المناسبة وأقترح ترجمتها بمصطلح "المنطق" (النفس الناطقة) لكي نميزها من الـnoûs.

الخطوة الثانية في تعليل انعطاف الأفلاطونية باتجاه الدين هي الفحص عن مفهوم التوسط أو "الصلة" to meson الذي يبدو لي مركزيًّا. فكل فكر ديني يقتضي وجود "علاقة" بين الإله والإنسان: الإله يخلق الخلق عبر واسطة، وليس مباشرة، وإلا صار الاثنان شيئًا واحدًا. ومن هنا ضرورة وجود صلة بين الخالق والخلق، وكذلك صلة بين الخلق والخالق.

سأتطرق إلى هذا المفهوم بمعنييه في الأفلاطونية المُحدَثة. ويمكن لنا من هذا القبيل التمثيل لإيجاد الكون بالفيض proodos والتمثيل لإعدامه بالرجوع epistrophê. وسأحاول تتبُّع تلك الحركة الكونية المزدوجة على شوطين: في الشوط الأول، سأبين ظهور مفهوم الصلة في نظرية الفيض عن الواحد، وفي الشوط الثاني، سأبين ضرورة هذا المفهوم للرجوع إلى الواحد، وفيه سأشرح نظرية الخيال بوصفه وسيلة الارتقاء إلى عالم فوق عالم الهيولى؛ إذ إن الخيال هو مرحلة تمهيدية للعروج إلى العالم الروحاني أو عالم الـnoûs. فالكون ينقسم إلى ثلاث مراتب: عالم الـnoûs، وهو عالم العقل الكلِّي أو الروح المحض، يليه العالم النفساني، فالعالم الحسي (الهيولي) أخيرًا.

1. الفيض والصلة

تتميز الأفلاطونية المُحدَثة بتأمل عبارة مأخوذة من جمهورية أفلاطون (509 ب) يصف بها الخير أو الواحد بأنه "فوق الوجود" epekeina tês ousias؛ كما تتميز بتأويل خاص للـپرمنيدس، إذ تعتبر أن هذه المحاورة تتضمن خلاصة الإلهيات الأفلاطونية. وأفلوطين هو أول من عرَّف بقضايا الـپرمنيدس والحقائق الكونية، غير أنه لم يشرح قضايا المحاورة كلها، بل الثلاث الأولى منها فقط، وقابل بينها وبين الواحد to hen والعقل الكلِّي noûs والنفس الكلِّية psuchê. أما الأفلاطونيون المُحدَثون اللاحقون فقد قاموا بتهذيب شرح الـپرمنيدس وأصروا على تأويل القضايا التالية، إذ تتضمن المحاورة ككل تسع قضايا.

سأتكلم الآن على مفهوم الرجوع الفلسفي إلى الواحد من خلال الإلهيات السالبة (النافية) théologie apophatique التي أسُّها قول ما ليس الواحد بدلاً من قول ما هو (الليس دون الأيس). فللكون علَّة ليست منه، فإن كانت كونية لَما كانت علَّة الكون؛ إذ لا يجوز أن تكون علَّة الكون ضمن الكون في حدِّ ذاته. بذا يثبت الأفلاطونيون أنطولوجيتهم التي تنبسط عبر فيض متدرِّج عن مبدأ "فوق الوجود". تقابل هذه الإلهيات السالبة القضية الأولى في الـپرمنيدس، حيث يُستنبَط من الإثبات "إنْ كان واحدًا" أنه ليس كلاً منقسمًا، ولا ذا بداية ووسط ونهاية إلخ. بذا يمكن لنا القول إن تعليل الكون يبدأ من جهلنا علَّته (أصله). فهل يلزم عن استحالة الكلام على أصل الوجود إثباتًا أن يلوذ الفيلسوف الأفلاطوني بالصمت لتعذُّر الكلام؟ لا، بل إن السكوت عن أصل الوجود هو بالعكس شرط الكلام على الوجود. فطريق التنزيه الذي يبدو للوهلة الأولى كالحًا في نفيه، إذ ينأى بنا عن الواحد، ينعكس في جزالة الكون، وما كنا ننزِّه عنه أصلَ الوجود بالنفي نثبتُه في الوجود. كذلك الأمر في الـپرمنيدس: كل ما يُنفى في القضية الأولى يُثبت في القضية الثانية؛ والصمت الذي كنَّا نستبعد فيه الواحد يتحول إلى كلام على سائر الكائنات.

ننتقل الآن إلى الحديث عن نظرية الفيض. لحظ المفسرون أن الحقائق قد تكاثرت مع تنامي المذهب الأفلاطوني المُحدَث: فيمليخا، مثلاً، يقول بأن الواحد تتبعه الآلهة، ثم الملائكة، ثم الجان، فالأبطال، فالأنفُس؛ ونجد عند پروقلس المزيد من الحقائق الجديدة بالقياس إلى مراتب أفلوطين التي لا تضم غير ثلاث حقائق: الواحد والعقل والنفس.

يقيس أفلوطين إمكان خبرة الاتحاد على التشابه بين النفس ومبدئها: "ومادامت النفس كذلك شيئًا شريفًا وإلهيًّا فتوكَّلْ عليها [...] في سيرك إلى الإله [الواحد]، وارتقِ إليه معتصمًا بحبلها. فإنك [...] لن تبرح بعيدًا وليس بينك وبينه أوساط كثيرة" (مقتبس من التاسوع الخامس، التاسوعات 5: 1، 3، بترجمة فريد جبر). في كتابه مختارات من الإلهيات يرد پروقلس على أفلوطين قائلاً: "كل نفس فردية تهبط في الفساد تهبط كلها ولا يبقى منها شيء فوق عندما يقع شيء في الأسفل" (پروقلس 211). يعتبر پروقلس كل كائن في ذاته، لا باعتبار علَّته؛ فثمة بين كلِّ مرتبتين كونيتين، من الواحد إلى الهيولى، عبر العقل والنفس الكلِّيين، تفاوت وانقطاع كوني: "في الكائنات التي تليه [الواحد] على المراتب كلِّها تختلف العلَّة عن معلولها تمامًا" (إلهيات أفلاطون 2: 62). يريد پروقلس بذلك تجنب الخلط بين مراتب الكون؛ غير أن ذلك يوقعه في مشكلة أخرى، ألا وهي عزل كلِّ كائن ونسيان وحدة الوجود ووضع سدٍّ أمام فيض الكون. لذا تعيَّن عليه أن يوفِّق بين لازمين: أولاً، التمييز بين الحقائق تمييزًا دقيقًا – وهذا التمييز هو الذي يجعل بين الكائنات علاقة تغايُر؛ وثانيًا، حرية فيض الكون معقولاً في وحدته – وهذه العلاقة تجعل الكائنات على علاقة تشابُه.

إن مفهوم البرزخ to meson هو الذي يؤدي هذا الدور، إذ يمكِّن من تمييز الكائنات ومن بقاء الفيض على اتصال بكلِّيته. وبهذا الاتصال بين مراتب الكون يمكن الرجوع إلى المبادئ. إن كتاب پروقلس مختارات من الإلهيات يعج بكائنات متوسطة دورها توحيد نظامها الكوني من أعلى إلى أسفل.

والنفس الكلِّية هي "البرزخ" بامتياز، إذ تؤدي هذا الدور بعينه، ليس في نظام كوني بعينه وحسب، بل في الكون كلِّه. ينقسم الكون، كما رأينا، إلى ثلاثة أنظمة: عقلي (أو روحاني) ثم نفساني ثم هيولي، والنفس بهذه المثابة تكفل تماسُك الكل. يقول فيها پروقلس إن الأعلى يوجد فيها في مظهر سفلي والأسفل في مظهر علوي؛ أي أنها ترمز إلى المعقولات وهي معلولتها، وهي النموذج المثالي للمحسوسات. النفس هي المحل حيث المعقولات المجردة من الصورة وغير المنقسمة تتصف بالصورة وتنقسم وتصير كذلك نماذج الكائنات المتجسِّمة.

هنا لا بدَّ من التذكير بمحاورة طيماوس لأفلاطون، حيث الإله الباري (المصوِّر) يصوِّر العالم الحسي وهو يتأمل المعقولات. وهذا يبين أن الباري هو الذي يضفي الصورة التي نتجت عن تأمُّله. وفي هذه المحاورة يمثل للباري عالمُ النفس.

في المختارات يقول پروقلس بأن النفس هي "حقيقة الحقائق": المحسوسات من حيث النموذج والمعقولات من حيث التصور. فيها توجد وجودًا غير هيولي مبادئ الكائنات الهيولية، وتوجد وجودًا غير متجسِّم مبادئ الكائنات المتجسِّمة. ملفت للنظر أن هنري كوربان علَّق على هامش النسخة التي كانت في حوزته بالعربية إلى جانب كلام پروقلس: "عالم المثال"؛ إذ يبدو أنه رأى عنده نظرية وقع عليها في الفكر العربي الإسلامي، هي نظرية الصور المجردة والمعقولة بالخيال.

2. نظرية پروقلس في الخيال

يتيح مفهوم الخيال استيعاب التجلِّيات وتأويل القَصص والرموز السرَّانية. فمنزلة المخيلة من النفس الفردية كمنزلة النفس الكلِّية من الكون. وقد سبق لنا القول إن النفس برزخ متوسط بين عالم العقل (أو الروح) وبين عالم المحسوسات؛ فكذلك المخيلة في النفس الفردية برزخ بين أعلاها، أي عقلها noûs، وبين أسفلها، أي قسمها المرتبط بالمحسوسات.

سنورد الآن نظرية أرسطو في الخيال؛ فهي تعاكس نظرية پروقلس معاكسةً تامة. ففي كتابه في النفس يعدد أرسطو ملكات النفس، بادئًا بالحس، صاعدًا إلى العقل عبر المخيلة. لكنه قبل أن يتكلم على المخيلة يتطرق إلى مسألة الحس المشترك الذي يتيح وحدة الإحساس: فلو لم يكن هناك حسٌّ مشترك لتكاثر الإدراك بعدد الحواس. على سبيل المثال، إذا أبصرتُ وردة ولمستها وشممتها فإن الحس المشترك هو الذي يتيح لي نَسْبَ مدركات الحواس إلى غرض واحد بعينه (الوردة). الحس المشترك، إذن، هو الذي يوحِّد الأحاسيس الخارجية وينقل حصيلتها إلى ملكات النفس العليا، وهو يتعين كلِّية بالأحاسيس الخارجية.

أما پروقلس فالحس المشترك عنده ليس استدلاليًّا، بل قبْلي، سابق للتجربة. فاشتراك الحواس بنظره أصل في الموضوع. يتفق أرسطو وپروقلس على وحدة الحس المشترك، غير أنه بنظر پروقلس ليس حاسة موحِّدة، بل مبدأ الحس وسابق للانفصال. وهذه النظرية تتيح شرح بعض التجلِّيات التي تستغني عن الحواس الظاهرة، كظاهرة صوت "جني" daimon سقراط الذي كان وحده يسمعه. ويفسر پروقلس ذلك في شرحه على محاورة ألقبيادس لأفلاطون.

ننتقل الآن إلى مذهب أرسطو في المخيلة، التي يعيِّنها بنقلة يولِّدها الحس، وبذلك يجعل المخيلة قابلة للخطأ؛ إذ لا يوجد علم فردي بينما الإحساس فردي. فالخيال عنده، إذن، تابع لعالم الحس. أما مذهب پروقلس في هذه المسألة فهو عينه مذهبه في الحس المشترك. ففي حين يقول أرسطو بأنه لا يوجد في العقل شيء لم يكن محسوسًا من قبلُ يقول پروقلس بأنه لا يوجد في النفس شيء إلا وله أصل في عالم المُثُل.

نخلص من هاتين النظريتين إلى أن للتخيل منحيين: الأول مادي، والثاني تابع لنور العقل الذي يحوله إلى صور ورموز.

فلنحاول الآن الفحص عن نظرية پروقلس عبر مسألتين: كيف تعبِّر تلك النظرية عن التجلِّيات الإلهية؟ وكيف تُستعمَل لتأويل قَصص هوميروس؟

يقول پروقلس إن الآلهة تتجلَّى في السرَّانية وفي الأحلام وحتى في اليقظة أحيانًا، ويشرح إمكان ذلك بتأويله بيتًا لهوميروس يقول فيه: "الآلهة، كغرباء مقبلين من بعيد، يتخذون مظاهر مختلفة ويتنقلون من مدينة إلى أخرى". لقد انتقد أفلاطون هذا البيت في الجمهورية ورفضه لأنه يشي بفكرة غير صحيحة عن الآلهة، إذ يُظهرها وكأنها متعددة ومتغيرة. فالآلهة واحدة في ذاتها وليست قابلة للتغير، إذ لا يمكن لمبادئ الكون أن تكون غير ثابتة. يحاول پروقلس أن يوفِّق بين قيومية الآلهة وبين ما جاء في بيت هوميروس، إذ يعتبر أن كليهما – هوميروس وأفلاطون – موحى إليه. وإذن فإن الإله قيوم لا يتغير، لكن المُسارَر initié تتراءى له صورٌ متباينة؛ فإنْ لم تكن هذه الصور في المتجلِّي فهي لا محالة في المتجلَّى له، وكل تغير نعزوه للآلهة نجده في الحقيقة في طبيعتنا نحن. فلصور التجلِّي أصلان: أولاً، الإله الذي يشع بنوره من غير أن تتغير ذاته؛ وثانيًا، طبيعة الإنسان الذي تتراءى له تلك الصور. وقد كتب پروقلس أن طبيعتنا تعيِّن صفات الآلهة بحسب إمكاناتنا أو استعداداتنا. وهو لا يقصد بذلك أن الإنسان يخلق الإله، بل إنه يخلق الصورة التي يتجلَّى بها الإله. إن صورة التجلِّي متوسطة بين طبيعة الإله المنزَّهة عن الصور وبين طبيعتنا ذات الصورة والمرتبطة بالهيولى. فالصورة التي تتجلَّى منزَّهةٌ عن المادة، مثل الإله، غير أن لها صورة، مثل الإنسان. وإذن، يتجلَّى نور الإله من دون صورة، ثم نصوِّر ذلك النور بحسب استعداد طبيعتنا. يقول پروقلس: "لا يمكن لمُشاهد التجلِّي أن يرى الإله من دون صورة، ولذلك يراه بحسب طبيعته، أي ذا صورة". إن تصور الإله ضروري؛ فإذا لم نضفِ على نوره صورةً لن يقيَّض لنا أن نراه أبدًا. والصورة ليست حجابًا لذات الإله، بل هي الكشف عنه أيضًا؛ إذ إن الإله متعالٍ (تنزيه)، لكنه يظهر أيضًا بالتجلِّي (تشبيه).

هي ذي أهمية الخيال إذن: إنه يمكِّننا من رؤية الآلهة، ليس في ذاتها بالطبع، بل من خلال تصورنا لنورها؛ فلا نرى ذلك النور إلا ونحجبه بمخيلتنا. أما إذا أردنا رؤية الإله نفسه فلن نرى شيئًا لأن نوره الباهر يعمينا. وتعميمًا، مُحال علينا أن نستوعب شيئًا من الكون ما لم نعيِّن إطارًا لاستيعابنا. فكما الأمر في الموسيقى – من دون سلَّم الأنغام والمقامات والإيقاعات وقوانين الموسيقى لما كانت الموسيقى؛ لكن الموسيقى ليست هذه كلها وحسب، بل تتطلب عنصرًا روحانيًّا – كذلك الأمر فيما يخص صور التجلِّي: إنها ليست عين الإله، لكنها تتطلب نوره لتتحقق.

في نصٍّ آخر، يريد پروقلس أن يثبت فعالية القَصص الهوميري على النفس؛ إذ إنه يعتبر هوميروس نبيًّا ويعتبر كلامه موحى به. وهو لهذا القصد يضع مقايسة analogia بين النفس والقصة mythos، إذ إن لكلٍّ منهما قسمين.

للنفس كونان: كونها الأول هو ذروتها العقلية التي تشارك المعقولات في عالم الـnoûs، وهذا الكون أزلي؛ وكونها الثاني هو الجسم الأول الذي يجعله لها الكونُ الأولُ عندما تهبط النفس إلى عالم المحسوسات؛ كما يوجد جسمٌ ثانٍ، وهو هيولي بالكلِّية، بعكس الجسم الأول المجرد من الهيولية. النفس، إذن، مؤلفة من عقل، هو ذروتها، ومن جسمين: الأول غير هيولي، ويسمَّى باليونانية "مركبة" ochima، والثاني هيولي؛ والـochima هو الذي يمكِّن النفس من الحياة الدنيا، وهو متوسط بين عقل النفس وبين الجسم الهيولي، وهو ذو عقل أيضًا يسمِّيه پروقلس بالعقل المتخيِّل أو المخيلة noûs phantastikos، وهذا "العقل" لا يعقل المعقولات، بل يصوِّرها (يحولها إلى صور).

هاهنا أيضًا نرى كم يفترق پروقلس عن نظرية أرسطو في الخيال، إذ يسمِّي المخيلة "عقلاً" ويعيِّنها بالمعقولات بدلاً من المحسوسات. لكنه ليس عقلاً فاعلاً محضًا مثل عقل النفس في ذروتها، بل هو عقل منفعل بعقل النفس المحض الذي يتكون من المبادئ المكتسَبة من اشتراك ذروة النفس في العالم الروحاني. يسمِّي پروقلس العقل المتخيِّل بالعقل المنفعل؛ إذ إن المخيلة، بسبب من موقعها البرزخي المتوسط، هي "عقل" لأنها تشترك في العقل المحض، غير أنه عقل منفعل كالأحاسيس.

أما القصة فلها كذلك وجهان: باطن وظاهر، يقابلان قسمَي النفس اللذين ذكرناهما، أي العقل والمخيلة. يقول پروقلس: "إن القَصص تحوي نور الحق العقلي في الباطن، لكنها تلقي إلى الخارج مظهرًا وهميًّا يحجب ذلك النور من جراء مشابهة، إذ إن مخيلتنا تُظلم عقلنا". القصة، إذن، ذات حقيقة عقلية، لكنها محجوبة بالوهم "من جراء مشابهة". وعندما يقول پروقلس بأن المشابهة تحجب الحق، نفهم من ذلك أن المغايرة هي التي تحجب الحق لأن مفهوم المشابهة ينطوي على مفهوم المغايرة، ولولا ذلك لما كانت المشابهة "مشابَهة" بل مماثَلة. و"الظلم" هو ظلم تلك المغايرة. تنطبق المخيلة على المغايرة في الأسطورة، فيما ينطبق العقل على حقيقتها العقلية.

توجد، إذن، مقايسة بين القصة والنفس: موقع المخيلة من النفس كموقع مظهر القصة الوهمي من حقيقتها العقلية. وتوجد إذن حركتان: أولاً، يطبع العقل الحقيقة العقلية في المخيلة التي تحولها إلى صورة وهمية؛ ثانيًا، تُظلم المخيلةُ العقلَ، إذ تغدو الحقيقة العقلية مزورة حين تهبط إلى مرتبة الخيال. هاتان الحركتان هما حركتا الكشف والسَّتْر. وبوسعنا اعتبار أن القصة تحجب الحقيقة فيما هي تكشف عنها في الوقت نفسه. فالقصة كاشفة وساترة في آنٍ معًا؛ إذ إن الكشف سَتْر والسَّتْر كشف. وبذلك تظل المخيلة ملتبسة بين المشابَهة والمغايَرة.

كذلك الكون نفسه: فهو، من ناحية، يحجب الله فلا نراه في العالم؛ ومن ناحية أخرى، هو خير الرموز إلى الله ويكشف عنه، إذ لا نرى من الله إلا خلقه. لقد لحظ پروقلس وبعض الأفلاطونيين وجود مقايسة بين القصة والكون: فأصل الكون، أي الواحد، فوق الوجود، وحجابه هو عين وجوده، تمامًا كما يحجب مظهرُ الأسطورة الوهمي حقيقتَها العقلية. وبذا ندنو من نظرية ابن عربي الذي كان يعتبر الخلق مفعول الخيال الإلهي في الكون.

خلاصة

نخلص مما سبق إلى ثلاث نقاط:

1. الفكر الأفلاطوني المُحدَث بعد يمليخا فكر ديني.

2. يؤلف هذا الفكر بين الدين والفلسفة عبر مفهوم الخيال الذي يتيح شرح الخبرات الدينية والعناصر الوثنية.

3. بحثي هذا يفتح الباب للمقارنة بين الأفلاطونية الوثنية والأفلاطونية الإسلامية. وقد بين هنري كوربان في أبحاثه العديدة أهمية نظرية الخيال وعالم المثال (الملكوت) في الفكر الإسلامي.

أشكر لكم صبركم وحسن استماعكم.


* محاضرة ألقِيت ضمن أعمال الندوة الدولية حول "دمسقيوس والمسار السوري للأفلاطونية المحدثة" التي انعقدت في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى بدمشق (27-28/10/2008).

** باحث شاب في "المدرسة التطبيقية للدراسات العليا"، باريس.

[1] Cf. Pierre Hadot, Quʼest-ce que la philosophie antique ?, Coll. « Folio Essais », Gallimard, Paris, 2005.

[2] من المحتمل أن مارينوس النابلسي كان سامري الأصل، لكن هناك مَن يقول بيهوديته. وقد اعتنق أسلوب الحياة اليوناني وانتسب إلى "أكاديمية" أثينا، حيث تتلمذ على پروقلس الذي كان يرأسها آنذاك قبل تحريم الفلسفة بفرمان يوسطنياني في العام 529 م. وقد خلفه مارينوس على رأسها في العام 485؛ وفي الكتاب الذي وضعه عن سيرة أستاذه ذكر أن پروقلس كان ملهَمًا وأنه حين كان يتفلسف "كان محياه يشع بنور خارق للطبيعة". (المحرِّر)

[3] Cf. Marinus, Proclus ou Sur le bonheur, édité et traduit par H.D. Saffrey et A.-Ph. Segonds avec la collaboration de C. Luna, les Belles Lettres, Paris, 2001.

[4] Cf. Proclus, Commentaire sur la République, 3 vols., trad. A.-J. Festugière, Paris, Vrin, 1970 ; Commentaire sur le Timée, 5 vols., trad. A.-J. Festugière, Paris, Vrin, 1968 ; Céline, Lacroix, « La notion de Providence chez Spinoza et Proclus », Studia Spinozana, vol. 12, Königshausen & Neumann, Würzburg, 1996.

[5] Cf. Proclos, Éléments de Théologie, trad. Jean Trouillard, Aubier, Paris, 1965.

[6] راجعه في: أفلوطين عند العرب، نصوص حققها وقدم لها عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، طب 3: 1977.

الانتقام ليس حقًا من حقوق الإنسان! - جان-ماري مولر

الأربعاء, حزيران 17th, 2009

الانتقام ليس حقًّا من حقوق

الإنسان!

muller

جان-ماري مولِّر*

لن أعرِّف بالانتقام بوصفه إرادتي الحصولَ من المسيء إليَّ على تعويض عن الإساءة التي كبَّدني إياها، بل بوصفه رغبتي في تكبيده إساءةً بغرض أن أؤلمه وحسب [= نقمة]**. فأنا، حين أنتقم، ما من نية عندي سوى أن أردَّ rétorquer الإساءة التي تكبدتُها على صاحبها. الانتقام، إذن، محض ردِّ الفَعْلَة بفَعْلَة من جنسها ré-torsion. لكن الانتقام لا يعوِّض عن شيء أبدًا؛ إذ هو لا ينتوي التعويض، بل التقويض. ومنه فإن الانتقام ليس فعل دفاع شرعي عن النفس. فما يختص به هو أنني، حين أمارسه، لا يبدي عدوي أية خطورة فعلية عليَّ ولا يمارس ضدي أي تهديد مباشر؛ إنه حينذاك لا يعود يجابهني. لذا فإن الانتقام يحصل دومًا من الخلف – عن جبن. ومنه لا يجوز للانتقام أن يستفيد من تأييد العدالة. فهو لا يريد أن يردَّ لي حقوقي، ولا يقدر على ذلك أصلاً، بل يبتغي فقط إيلام مَن آلمني. لذا فإن عنف الانتقام ليس حقًّا أبدًا؛ إذ ليس ثمة أي "حق" في الانتقام. إنه دومًا غير مبرَّر، دومًا جائر، دومًا جريمة ضد الإنسانية. وبما أن الانتقام وليد الحقد والضغينة والصدود والكراهية فهو ليس نبيلاً أبدًا، بل خسيس دومًا.

لقد زُعِمَ طويلاً أن من واجب المرء، كي يذود عن شرفه، أن ينتقم للإساءات التي تكبَّدها بأن يحمل بالطعن على المسيء إليه. ولكن أي "شرف" في التفنن في إيذاء faire du mal العدو وفي إيلامه faire mal؟! أي "شرف" في إساءة الفعل mal faire؟! أي "شرف" في إرواء رغبة وبيلة mal-sain من حيث الأساس؟! أليس هذا وضعًا للشرف في الموضع السيئ، بل في الموضع الأسوأ؟ إذا كان الانتقام مسألة شرف honneur فإن فيه، بهذا المعنى حصرًا، خزيًا dés-honneur للذي يمارسه.

إلغاء شريعة "العين بالعين"

غاية شريعة "العين بالعين" قَوْنَنَة codifier النقمة فحسب بأمرها بتكبيد المسيء mal-faiteur الإساءةَ نفسَها التي كبَّدها غيرَه:

ومَن قتل إنسانًا يُقتَل قتلاً. [...] وأيُّ رجل أحدث عيبًا في قريبه، فليُصنَع به كما صنع: الكسرُ بالكسر والعينُ بالعين والسنُّ بالسن، كالعيب الذي يُحدِثُه في الإنسان يُحدَث فيه. [...] ومَن قتل إنسانًا يُقتَل. (سفر الأحبار 24: 17-21)

يقال عمومًا إن شريعة "العين بالعين" تستهدف كظم النقمة التي ترغب أن تُنزل بالمؤذي أذى أكبر من الأذى الذي فعله هو. هذا جائز. لكن هذه الشريعة، حين تأمر بـ"قتل بقتل"، فإنه يصعب الزعم، لهذا السبب حصرًا، أنها تحدُّ من مدى الانتقام. كل قتل فهو عنف غير محدود. لذا فإن شريعة "العين بالعين" ترسِّخ في الواقع حق الانتقام؛ ومفعولها أنها تشرعن الانتقام وتديمه وتُمأسِسُه، وبذلك تحبس الفرد والمجتمع في منطق العنف.

لذا فإن قيام حكيم من فلسطين بإلغاء شريعة "العين بالعين" في بداية العهد المسيحي يمثل واحدة من أكثر الثورات الأخلاقية جذريةً في تاريخ الإنسانية. فهو، حين أمر البشر بعدم دفع السوء بالسوء، فقد حثهم على عدم مقاومة الشر بمحاكاة الشرير. لم يَدْعُهم إلى الكف عن بغض أعدائهم وحسب، بل إلى محبتهم: "أحبوا أعداءكم" (إنجيل متى 5: 44). لم يُسمَع بمثل هذا من قبل! يكاد هذا الكلام أن يكون غير مسموع؛ وإلى اليوم، لا يزال الذين "يسمعونه" قلة قليلة. وفي الحاصل، مَن ذا يستطيع أن يباهي بأنه "سمعه"؟ أحيانًا؟ هيهات…

لقد كتبت سيمون ڤايل: "النقمة رغبة في التوازن." أريد أن أوازن ألمي بأن أكبِّد المسيء إلي ألمًا يضارعه. لكني بإعادتي التوازن إلى نصابه لا أقيم العدل. فلكي أتغلب على هذه الرغبة لا بدَّ لي من "قبول عدم التوازن"[1]. ذلك أن من المؤكد أنني لن أستفيد خيرًا من الشر الذي أكبِّد عدوي إياه، بل تراني أتخيل أن هذا سوف يسرِّي عني. تراني أتخيل أن الانتقام سوف ينصفني منه؛ أتخيل أني بدفعي السوءَ بالسوء أزيل السوء الذي تكبدته، وكأن محصلة القضية، إذا صح القول، تؤول بذلك إلى الصفر. ولكن هذا ليس إلا من بنات المخيلة، من بنات الوهم. فالانتقام لا يقتلع الشر، بل يضاعفه. لذا كتبت سيمون ڤايل أيضًا:

السعي في التوازن سيء لأنه متخيَّل. الانتقام! حتى إذا اتفق للمرء أن يقتل عدوه فعلاً أو يعذبه فهذا بمعنى ما متخيَّل.[2]

أتخيل أيضًا أن الانتقام سوف يفرِّج عني وسوف يلذ لي. أما في الواقع، فإن من شأن الانتقام، حالما يُقترَف، أن يولد القرف بدلاً من الارتياح. فإذا اتفق لي أن أتذوق الانتقام حق تذوقه سأفطن إلى أن للانتقام مذاقَ أمرِّ السموم!

قبول عدم التوازن إنما يعني احترام إنسانية مَن لم يحترم إنسانيتي. ولذلك فإن النزول عن الانتقام يقتضي استبعاد هاجس المعاملة بالمثل réciprocité تمامًا. وبحسب عمانوئيل ليڤيناس، تنفرض عليَّ مسؤوليتي نحو الآخر مهما يكن موقفه مني. فالعلاقة مع الآخر علاقة "غير متناظرة"، من حيث

[...] إني مسؤول عن الآخر دون أن أتوقع منه أن يعاملني بالمثل، وإنْ كلفني ذلك حياتي. فالمعاملة بالمثل قضيته هو.[3]

إذا أساء الآخر التصرف نحوي فإن قضيتي أنا، إذ ذاك، هي أن أحسِنَ التصرف نحوه. قد يتفق لي ألا أفلح في بلوغ هذا الأرب، غير أن هذا هو ما يأمرني به الشرف. فإذا كان هذا محالاً عليَّ من ساعتي فإن مطلوبي إذن هو المحال؛ وأنا ملزَم بالإصرار على طلبه حتى أجعله ممكنًا – في شهر، في سنة، ذات يوم. فالشقي méchant [= الشرير] لا يستحق انتقامي؛ ذلك أن الشقي [= نقيض السعيد] هو المنحوس أيضًا.

وبالفعل، يعلِّمنا علم الاشتقاق أن الشقاء méchanceté [= ضد السعادة] والنحس malchance [= نقيض السعد] من أصل واحد. فكلمة méchant بالفرنسية القديمة (اسم فاعل من فعل mescheoir القديم، المؤلف من أداة النفي mes ومن فعل cheoir، الذي صار choir، "وَقَعَ") مؤداها [بالعربية "مَن ساءت وقعتُه"، أي زَلَّ وعَثَرَ، ومنه "مَن نَحَسَ طالعُه"، أي أدبر؛ إذ إن الطالع عند أصحاب الفأل: ما يُتفاءل به أو يُتشاءم بطلوع الكواكب أو أفولها من السعد أو النحس]. بالمثل، تذكِّر كلمة chance [في الفرنسية] بكيفية وقوع عُظيمات القرعة أو حجارة النرد. ولكلمة تعيس mal-heureux (المشتقة من كلمة heur التي تعني الحظ [أي النصيب من الخير أو الشر، حيث تَعَسَ أو تَعِسَ بالعربية: عَثَرَ ووقع على وجهه]) دلالة مصطلح عاثر الحظ mal-chanceux نفسها. الشقي منحوس الطالع وتعيس الحظ في آن معًا – وهما سببان وجيهان لكظم نقمتنا.

إخفاق العدالة الانتقامية

إعمال المغفرة وحده يتيح تقويض النقمة على أتم وجه. ومنه فإن الغفران ليس حقًّا من حقوق المعتدي. الغفران ليس دَينًا، بل هبة؛ فهو لا يُستحَق. بوسع الفرد أن يقرر النزول عن الانتقام من عدوِّه، لكنْ من غير أن يطفئ نقمته كلَّها. فهذا يتطلب وقتًا، بل يتطلب عمومًا وقتًا طويلاً. تستطيع العدالة أن تنهى عن الانتقام، لكنْ ليس في مستطاعها أن تأمر بالغفران. تستأثر الدولة بالقصاص حتى لا يتولى الأفراد الاقتصاص لأنفسهم بأنفسهم. لكن مهمة الدولة ليست إرواء غليل النقمة عند المواطن المعتدى عليه؛ فلا يجوز لنا أن نقرَّ للدولة بأي استئثار بالانتقام الشرعي. وظيفة الدولة، من ناحية، إنصاف الضحية بحمايته وبإحقاق حقوقه، ومن ناحية ثانية، كف أذى المسيئين بقصد الدفاع عن النظام العام وضمان أمن الأشخاص وصون الممتلكات؛ فلا تجوز لها من أي وجه ممارسةُ الانتقام، مهما يكن من جانبه مقدار ضغط الرأي العام في هذا الاتجاه.

لكن عدالة الدولة، بكل أسف، هي من قبيل الانتقام في أغلب الأحيان. ولقد كتبت سيمون ڤايل واصفةً ضرار المنظومة القضائية وصفًا على غاية من الحزم:

هناك شيء واحد فقط في المجتمع الحديث يفوق الجريمة شناعة، ألا وهو العدالة القمعية. [...] فكلما تكلم أحدهم من أبناء اليوم على القصاص أو العقاب أو المجازاة أو العدالة بالمعنى التأديبي فإن المقصود بذلك هو أكثر أنواع الانتقام وضاعة وحسب [التشديد من تدخل الكاتب].[4]

وبذلك فإن سيمون ڤايل تندِّد تنديدًا قويًّا بالعنف الذي تؤدي الدولة به مهمة الحسيب، مؤكدة أن

[...] جهاز العدالة الجزائية قد بلغ من التلوث بالشر مبلغًا [...] يجعل من الحُكم في الغالب تحويلاً للشر من الجهاز الجزائي إلى المحكوم عليه، جريمة في حق المحكوم عليه [التشديد من تدخل الكاتب].[5]

بذا فإن المجتمع، متذرعًا بوصم الجريمة، يحتقر المجرم المسحوق تحت وطأة تعسه:

ابتداءً من اللحظة التي يقع فيها امرؤ في أيدي الجهاز الجزائي حتى اللحظة التي يخرج فيها منه لا يكون أبدًا محل رعاية. كل شيء يُدبَّر، حتى في أدق التفاصيل، حتى في تغيير نبرات الصوت، ليجعل منه، في أنظار الجميع وفي نظره هو، شيئًا خسيسًا، حثالة.[6]

نحن أحوج ما نكون إلى عدالة من غير جلاد

وظيفة العدالة ليست المعاقبة على ذنب، بل الحكم على جنحة؛ ليست الاقتصاص من المذنب، بل حماية المجتمع. من هنا فإن الزجر الجزائي يجب أن يخلو من جميع أنواع القصاص والإذلال والعنف الجسدي ضد الجانح. فغاية الزجر الجزائي إنما هي الوقاية من وقوع جُنَح جديدة، وذلك بالحيلولة دون الجانح والعودة إلى الإجرام، من جهة، وبردع الجانحين بالقوة عن الإقدام على الفعل، من جهة أخرى. ليس بالإمكان تنظيم مجتمع القانون من غير تعيين جُنَح وتدابير زاجرة؛ لكن على الزجر الجزائي، فيما هو يسمح للمجتمع بأن يحمي نفسه، أن يتيح للجانح، الذي يبقى مواطنًا تام الأهلية، إمكانية الالتحاق بالمجتمع من جديد. فإذا فقد الجانح بعضًا من حقوقه فإن المجتمع لا يفقد أي واجب من واجباته نحوه. وليس المقصود من ذلك مناقشة ما إذا كان الجانح يستحق أن يعامَل معاملةً إنسانية؛ إذ إن من واجب المجتمع عليه أن يعامله معاملةً إنسانية. وبذا يُرَدُّ على لاإنسانية الجنحة بإنسانية التأديب. وإذا كان يجدر الحكم على الجريمة بحسب صرامة العدالة فلا مناص من معاملة المجرم بحسب مقتضيات الطيبة. وليس المقصود من ذلك التساهل مع المجرم، بل التزام الطيبة.

لذا يجب على الدولة التي ترفض الانقياد لمنطقها هي أن يؤنبها ضميرُها على تقصيرها دومًا في إحقاق العدل؛ عليها دومًا أن توبخ نفسها على قسوة عقوباتها. إن ضرورة إحقاق العدل تحت غطاء قوانين الدولة لا تعفي الإنسان من مسؤوليته نحو الإنسان الآخر:

إن دولة تسري فيها القوانين في عموميتها ويحدو النطقَ بالأحكام فيها هاجسُ العالمية، بمجرد أن تقول العدالةُ قولَها في دولة كهذه، يحتفظ الشخص، بوصفه فريدًا ومسئولاً، بإمكانية الاستجارة بشيء يراجع صرامة العدالة هذه القاسية دومًا. والتلطيف من هذه العدالة والإصغاء إلى هذه الاستجارة الشخصية هو دور كل واحد. [...] ثمة هذه الاستجارة بالرحمة وراء العدل [التشديد من تدخل الكاتب].[7]

كل تأسيس لنظام اجتماعي قائم على المراتبية hiérarchie لا ينتج، بنظر ليڤيناس، غير عدالة ناقصة. هو ذا يؤكد:

عندي أن العنصر السلبي، عنصر العنف في الدولة، في نظام المراتب، يظهر حتى عندما يكون أداء المراتب على أحسن ما يرام، حتى عندما ينصاع الجميع للأفكار العالمية. هناك فظاعات رهيبة لأن مصدرها بالدقة هو النظام العاقل. هناك دموع ليس في مستطاع الموظف الحكومي أن يراها: دموع الآخر. [...] وحدها الأنا تستطيع أن تلمح "الدموع الخفية" للآخر التي يتسبب في جريانها ذلك الأداء العقلاني بعينه لنظام المراتب. لذا لا غنى عن الذاتية لضمان هذا اللاعنف نفسه الذي هو [...] من مساعي [الدولة] أيضًا.[8]

وعلى العدالة أن تكسر مسلسل العنف:

العنف يجر العنف. لكن لا مناص من وقف ردِّ الفعل المتسلسل هذا. تلك هي طبيعة العدالة. [...] ليس الإنسان في حاجة إلى عدالة متجرِّدة من الهوى وحسب، بل نحن أحوج ما نكون إلى عدالة من غير جلاد.[9]

الفريضة الأخلاقية للغفران

تظهر للعيان الأهميةُ الحاسمةُ للفريضة الأخلاقية للغفران في الصلات البشرية عبر ما يجعله انتفاؤها ممكنًا دومًا: التسلسل عديم الرحمة للأفعال الانتقامية والثأرية (كلمتا "انتقام" و"ثأر" مترادفتان). فالانتقام معاملة بالمثل متشدِّدة هي محض محاكاة لعنف الخصم. يأتي الغفران، فيكسر أولاً هذه المعاملة بالمثل وهذه المحاكاة. ففي حين أن الضغينة والحقد والكراهية تكبل الفرد بقيود الماضي يأتي الغفران فيعتقه منها ليسمح له بالدخول في المستقبل. أما الانتقام فيطيل العواقب المدمِّرة للفعل الضار المرتكَب في ظروف لم تعد موجودة الآن ويرجِّعها في المستقبل. فالانتقام غير مؤاتٍ، في غير محلِّه، وفي غير أوانه؛ إنه يأتي دومًا في الوقت غير المناسب.

أما الذي يصفح فهو لا يتجاهل النقمة، لكنه يقرر أن يتغلب عليها وأن يتخطاها. وقرار الصفح لا يمكن له أن يُتخَذ إلا بالدقة لأن النقمة موجودة، حاضرة فينا فعلاً، وترغب أن تفرض نفسها على إرادتنا. ولهذا السبب حصرًا يتطلب الغفران شجاعة كبيرة. إنما الغفران واجبٌ صعبٌ لأن الانتقام مرغوب. الغفران ليس ثمرة ميل من ميول النفس، ولا هو يتجذَّر في مجرد شعور، بل في قرار إرادي؛ إنه فعل، عمل، حدث يطرأ على التاريخ فيغير مجراه.

الغفران أمل في بدء جديد

الغفران قطعًا لا يفقد ذاكرة الماضي – فالنسيان ليس فضيلة، إنما هو سهو وحسب –، بل ينصرف عازمًا إلى المستقبل. هناك "واجب تذكرة" الماضي، هو تيقُّظ للمستقبل، لكن من شأن المداومة على تذكُّر الشر أن تعرقل المستقبل. الغفران لا يمحو الذكرى، بل هو رهان على المستقبل. قد يُخسَر هذا الرهان، لكنه لا يخسر بذلك معناه. الغفران لا شروط له، وبالتالي لا ضمانة له. إنه لا يُسترَد. فحتى يصبح قرار الصفح نافذًا في الصيرورة التاريخية لا بدَّ له من أن يستديم. وفي حين أن الانتقام شكل من أشكال اليأس فإن الغفران يحييه برمَّته الأملُ في بدء جديد.

منزلةُ الغفران من فريضة اللاعنف قلبُها. إذ إن المغفرة، في الحاصل، هي دومًا الصفح عن عنف. المغفرة قرار من طرف واحد بكسر سلسلة أفعال العنف التي لا تنتهي والتي يسوغ بعضها بعضًا؛ هو رفض مواصلة الحرب إلى أجل غير مسمَّى؛ هو إرادة التسالُم مع الآخرين إرادةَ التسالُم مع النفس. إذ إن المشغول بهاجس الانتقام لنفسه ليس في سلام مع نفسه. المغفرة هي إحلال المرء السلامَ في مستقبله، رافضًا أن يبقى حبيس دورة العنف المستديمة. فالانتقام يجعل الحياة متعذرة حقًّا والموت مرجَّحًا.

بيد أن إعمال المغفرة لا يكتفي برفض الانتقام: عليها أيضًا أن تعيد بناء صلة جديدة بين المعتدى عليه والمعتدي. لذا يجدر هنا التمييز بين الغفران الشخصي، حين يمس الاعتداءُ مباشرةً بعلاقة بين شخص وشخص، وبين الغفران الجماعي، حين يمس الاعتداءُ بعلاقة جماعة بأخرى، أي يتوضع على الصعيد الاجتماعي أو السياسي. والمقصود في الصلة الشخصية الصفح عن القريب، فيما المقصود في العلاقة السياسية الصفح عن الغريب. وفي كلا الحالين، إذا لم يمكِّن الغفران من المصالحة réconciliation فهو يمكِّن من التوفيق conciliation على الأقل؛ أي أنه يتيح إعادة صلات قائمة على العدل أو عقد مثل هذه الصلات. ولكن صيرورة هذه الصلات أمرًا مفعولاً تقتضي من المسيء أن يعترف بمسؤولياته ويدخل هو نفسه في تاريخ الغفران ويشارك في ديناميَّته.

العلاقة بين فريضتَي العدل والغفران ليست علاقة تضاد؛ إنهما ليستا متناقضتين، بل على العكس تقترنان لتسهما معًا في إيجاد دينامية سلام. إعمال العدل يفسح في المجال للمغفرة، والعكس بالعكس.

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس


* فيلسوف فرنسي اختصاصي في اللاعنف عمومًا وفي حياة المهاتما گاندهي وفكره خصوصًا. وضع في اللاعنف مؤلفات عديدة أصبح بعضها كتبًا مرجعية. آخر مؤلفاته: قاموس اللاعنف، دمشق، معابر للنشر/بيروت، الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية، 2007.

** ما بين معقوفتين [...] في المتن من إضافتنا لتوضيح معاني الألفاظ الفرنسية وتأدية ما يوازيها بالعربية. (المترجم)

[1] Simone Weil, Cahiers II, Œuvres complètes, Tome VI, Paris, Gallimard, 1997, p. 137.

[2] Ibid., p. 142.

[3] Emmanuel Lévinas, Éthique et infini, Paris, Le Livre de Poche, 1992, Biblio-Essais, 1991, p. 121.

[4] Simone Weil, Écrits de Londres, Paris, Gallimard, 1957, pp. 40-41.

[5] Simone Weil, Cahiers III, Paris, Plon, 1956, p. 319.

[6] Simone Weil, Attente de Dieu, Paris, Le Livre de poche chrétien, 1963, p. 142.

[7] Emmanuel Lévinas, in François Poirié, Emmanuel Lévinas, Besançon, Éditions de la Manufacture, 1992, p. 96.

[8] Emmanuel Lévinas, Cahier de l’Herne, Paris, Éditions de l’Herne, 1991, pp. 63-64.

[9] Emmanuel Lévinas, Difficile liberté, Paris, Le Livre de Poche, Biblio-Essais, 1990, p. 23.

اعرف نفسك بنفسك - رونيه گينون

الأحد, حزيران 14th, 2009

اعرف نفسك بنفسك

وهو بحث فلسفي صوفي*

رونيه گينون**

كثيرًا ما تقال هذه الجملة: "اعرف نفسك بنفسك"، وكثيرًا ما يخفى القصدُ منها؛ وبين هذا القول وذاك الغموض يعترضنا سؤالان: أولهما، ما هو المصدر الأصلي للجملة؟ وثانيهما، ما مدلولها الحقيقي وإلامَ ترمي من أغراض؟

قد يُخيَّل لبعض القراء، عند أول وهلة، أن السؤالين مفترقان، لا رابطة بينهما ولا صلة تجمعهما؛ لكنْ عند تدقيق النظر، والبحث والتمحيص، سيثبت لهؤلاء أن السؤالين مترابطان كل الترابط.

إذا سألنا أغلب دارسي الفلسفة اليونانية عن الإنسان الذي فاه بهذه الحكمة لَما تردَّد فريق منهم في الإجابة بأن قائلها سقراط، بينما يقول فريق ثان: أفلاطون، ويقرر فريق ثالث بأنه فيثاغورث. ومن هذا التضارب في الرأي وذلك التباين في القول نستطيع الحكم بأن الجملة لا تَرد في كتاب لأحدهم بعينه باعتباره مصدرها. وقد يبدو حكمُنا هذا جائرًا، لكنه في الحق حُكم صحيح، تَثبُتُ للقارئ صحتُه عندما يعلم أن اثنين من أولئك الفلاسفة – هما فيثاغورث وسقراط – لم يخلِّفا شيئًا مسطورًا أو منقوشًا؛ أما ثالثهم، أفلاطون، فما من أحد – بالغًا ما بلغ من العلم بالفلسفة – يستطيع أن يميِّز على التحديد ما قاله هو نفسه أو ما قاله على لسان أستاذه سقراط الذي لم نعرف أكثر آرائه إلا بواسطة أفلاطون؛ وقد يكون أن أفلاطون استقى من مدرسة فيثاغورث بعض التعاليم التي بثَّها في محاوراته، كما استقى من سقراط نفسه. من هذا نرى أن من الصعب جدًّا تحديدُ نسبة بعض العبارات إلى أحد الثلاثة بالذات: فما يُنسَب إلى أفلاطون قد يُنسَب إلى سقراط، بينما قد يكون سابقًا لوقت كليهما جميعًا، فيكون صَدَرَ عن المدرسة الفيثاغورثية، إنْ لم يكن من فم فيثاغورث نفسه.

pythagoras

والحق هو أن المصدر الحقيقي لهذه الجملة لَأقدم تاريخًا من أولئك الفلاسفة أنفسهم، بل لَأقدم من تاريخ الفلسفة نفسها؛ وأكثر من هذا وذاك إنها أسمى مجالاً من مجال الفلسفة ذاته. فهذه العبارة وُجِدَتْ منقوشةً على باب هيكل أپولون في دلفي، واتخذها سقراط، كما اتخذها غيرُه، قاعدةً لتعاليمهم، وإن اختلفت التعاليم وتباينت المقاصد؛ ومن المحتمل جدًّا أن فيثاغورث استعملها قبل سقراط نفسه.

socrates

والذي نفهمه من هذا هو أن أولئك الفلاسفة حاولوا أن يُظهروا لنا – بل أظهروا لنا بالفعل – أن تعاليمهم لم تكن من تلقاء أنفسهم، بل كانت من مصدر أسمى ومنزلة أرفع يتناسبان مع مصدر الوحي ومنزلة الإلهام. لهذا نراهم مختلفين جدَّ الاختلاف عن الفلاسفة المحدَثين الذين يحاولون جهد طاقتهم أن يقولوا شيئًا "جديدًا" يدَّعون أنه من بنات أفكارهم الخاصة، وأن ما يبدونه من آراء وقفٌ عليهم – كأن الحقيقة ملك لشخص معيَّن! والحال، لماذا كان الفلاسفة القدماء يحرصون أن يربطوا تعاليمهم بهذه العبارة أو بعبارات تماثلها؟ ولماذا يجوز لنا أن نقول إن هذه العبارة أسمى منزلةً من الفلسفة نفسها؟

للجواب عن الفقرة الأخيرة من هذا السؤال نقول إنه منحصر في المعنى الأصلي المقصود من اشتقاق كلمة "فلسفة" نفسها التي قيل إن أول من استعملها فيثاغورث: فكلمة فيلوسوفيا philosophia تعني بالدقة "حب الحكمة" والميل إلى طلبها؛ وقد استُعمِلتْ لتدل دائمًا على كل تأهيل لطالب الحكمة، وعلى الأخص لمُحبِّها، حيث تساعده على أن يصير سوفوس sophos، أي "حكيمًا". وكما أن الوسيلة لا تؤخذ على محمل الغاية، كذلك "حب الحكمة" ليس هو الحكمة بذاتها. فبما أن "الحكمة" هي بذاتها المعرفة الحقيقية الباطنة فإنه يجوز القول بأن المعرفة الفلسفية إنْ هي إلا المعرفة السطحية الظاهرية؛ فليست لها قيمة في نفسها أو من نفسها، وما هي إلا درجة أولية على الطريق المؤدية إلى المعرفة السامية الحقة التي هي الحكمة.

معلوم لِمَنْ درسوا الفلسفة أن معظم الفلاسفة القدماء كان لهم في مدارسهم نوعان من التعليم: ظاهر وباطن. أما الأول فهو ما كان مكتوبًا؛ وأما الثاني فتصعب علينا معرفةُ طبيعته على التحقيق، وذلك لقِصَره على القليلين، أولاً، ولطابعه السري، ثانيًا؛ وهذا الطابع وتلك القلة دليلان على وجود مقصد أسمى من تعلُّم الفلسفة التي لا تستطيع الإحاطة به. على أنَّا نعتقد، في الآن نفسه، أن لهذا التعليم السري صلةً مباشرةً قويةً بالحكمة ذاتها؛ إذ ما كان عمادُه، على كل حال، العقل أو الاستدلال المنطقي، شأن الفلسفة التي تعتمد عليهما، وبهما سُمِّيت "النظر العقلي" theoria. ومسلَّم عند الفلاسفة القدماء بأن النظر العقلي (أي الفلسفة) ليس المعرفة العليا الحقة، وبعبارة أخرى، ليس الحكمة ذاتها.

لكنْ هل يمكن للحكمة أن تعلَّم كما تعلَّم المعرفةُ الظاهريةُ بواسطة التلقين أو الكتب؟ هذا مستحيل كل الاستحالة – وسترى سبب ذلك. والذي يمكن لنا أن نقرِّره هو أن التأهيل الفلسفي البحت ما كان ليكفي مطلقًا، لأنه لا يختص إلا بقوى محدودة هي قوى النفس العاقلة، بينما يُستمَد التأهيل للحكمة من الكون الكلِّي للإنسان نفسه. وإذن فهناك تأهيل آخر للحكمة أسمى منزلةً من التأهيل الفلسفي، لا يُلجأ فيه إلى القوة العاقلة، بل إلى النفس والروح. وهذا ما نستطيع تسميته بالتأهيل الباطني، الذي عُرفَ أنه من الصفات التي امتاز بها تلامذة الفيثاغورثية الممتازون والذي استمرَّ حتى أكاديمية أفلاطون، بل وصل حتى إلى الأفلاطونية المحدَثة بمدرسة الإسكندرية التي ظهر فيها ذلك التأهيل في وضوح تام، كما ظهر جليًّا، في الوقت نفسه، عند أتباع الفيثاغورثية المحدَثة.

في مثل هذا التأهيل الباطني، تُستعمَل الكلماتُ على أنها صور رمزية لإحدى الوسائل التي تساعد على تركيز التأمل الباطني؛ وبهذا التأمل ينتقل الإنسان إلى بعض أحوال نفسية وروحية يمكن له فيها أن يسمو فوق درجة النظر العقلي التي سبق له أن وصل إليها. وبما أن هذه الحالات فوق مستوى العقل فإنها – منطقيًّا – فوق مستوى الفلسفة؛ إذ يستحيل علينا أن نعزو إلى الفلسفة معنى غير المعنى المعروف عنها: فالقصد منها دومًا تعيينُ ما يبحث فيه العقل فقط. ومن العجب أن "الفلاسفة" المحدَثين لا يقيدون الفلسفة بهذا القيد، كأنها كاملة في حدِّ ذاتها – فلقد غاب عن أذهانهم أن فوق فلسفتهم ما هو أسمى بكثير!

وقد عُرف هذا النوع من التعليم الباطني في الأقطار الشرقية قبل أن يُعرَف عند اليونان، حيث كان معروفًا عندهم باسم mustêria أي "المساتير" [= الأسرار][1]. وقد أدخل أولئك الفلاسفة – وخاصة فيثاغورث – تلك المساتير في تعاليمهم لأنها كانت بنظرهم نوعًا جديدًا للمذاهب القديمة ومعنى حديثًا لها. فقد كانت توجد أنواع كثيرة من تلك المساتير ذات مصادر مختلفة، لكن المساتير التي استلهمها فيثاغورث وأفلاطون كانت على صلة بشعائر هيكل أپولون.

delphi_temple_apollon

وقد احتفظت المساتير دومًا بطابع سري، ولذلك صار اسمها مرادفًا للستْر: فالمعنى الأصلي لتلك الكلمة هو الصمت التام؛ فكل الأمور التي تتصل بالغيبيات [= المساتير] غير قابل للتفسير بواسطة الكلمات، وبهذا لم يكن لها من طريقة لتعليمها غير الصمت. ثم جاء الفلاسفة المحدَثون، فلم يعرف أكثرهم تلك الطريقة، فتهربوا خلف استعمال الكلمات التي ابتدعوها من طريق التعليم الظاهري. ويمكن لنا أن نؤكد أن هذا التعليم الصامت كانت طريقته الصور والرموز ووسائل أخرى يراد منها تهيئة الإنسان لأحوال باطنية يمكن له فيها – بعد خطرات متتابعة – أن يصل أخيرًا إلى المعرفة الحقيقية – وهذا هو المقصد الأساسي العام من المساتير وما يشابهها مقصدًا.

أما المساتير المتصلة بشعائر أپولون أو بأپولون نفسه فإنه ينبغي لنا أن نشرح للقراء بأنه كان معروفًا في عرف الإغريق بأنه رب الشمس والنور، بالمعنى الروحي للنور: فهو المبدأ المشرق الذي منه تنبعث كل المعارف من علوم وفنون. وقد قيل إن الشعائر الروحية لهيكل أپولون جاءت من الأقطار الشمالية؛ وقد ثبت هذا في الكتب المقدسة، كالڤيدا Veda الهندي والأڤستا Avesta الفارسي. وكانت دلفي معروفة بأنها المركز العام، وقد عُثِرَ في هيكلها على حجر يسمَّى أمفالوس Omphalos، يُرمَزُ إليه بأنه "مركز العالم".

delphi_omphalos

ويظهر أن قصة فيثاغورث – بل واسم "فيثاغورث" نفسه – على صلة وثيقة بشعائر أپولون الروحية[2]: فقد كان يلقَّب بپيثيوس Pythios، أي "الپيثي"؛ وقد قيل إن پيثو Pythô هو الاسم الأقدم لدلفي[3]، وإن الكاهنة التي كانت تتلقى وحي الآلهة oracle في الهيكل كانت تُلقَّب بپيثية Pythia؛ ومعنى پيثا-غوراي Pytha-gorai هو "دليل الپيثية"، ودليل الپيثية هو فيثاغورث نفسه[4]. وقيل أيضًا إن الپيثية هي التي أعلنت أن سقراط "أحكم الرجال"؛ ومنه نستطيع أن نفترض أن لسقراط اتصالاً خاصًّا بالمركز الروحي في دلفي، كفيثاغورث أيضًا.

apollon_slaying_python_delphi_museum

أضف إلى ذلك أن العلوم كلها كانت تُنسَب إلى أپولون، وبخاصة الهندسة والطب؛ وقد كان أپولون نفسه يمثَّل كأنه يمارس هذه العلوم بعامة والهندسة منها بوجه خاص. وفي مدرسة فيثاغورث كانت الهندسة وسائر فروع الرياضة هي الجزء العام من التأهيل للمعرفة العليا. وعند بلوغ عتبة هذه المعرفة ما كان لتلك العلوم أن تُنحَّى، بل كانت تُستعمَل رموزًا إلى الحقيقة الروحية. وقد كانت الهندسة عند أفلاطون تحضيرًا لا غنى عنه لكل فرع من فروع تعليمه، حتى صحَّ عنه قولُه الذي نقشَه على مدخل أكاديميته: "لا يدخلها إلا عالِم بالهندسة". ويظهر معنى هذه الكلمات جليًّا إذا ما قورنت بقول آخر لأفلاطون نفسه: "الإله لا يني يُهندِس" – وهنا لا بدَّ من ذكر أن أپولون هو المقصود بـ"الإله المهندس". وإذن فلا غرو أن نرى الفلاسفة القدماء يستعملون تلك الجملة المنقوشة على مدخل هيكل دلفي بعدما عرفنا صلة الوصل بينهم وبين شعائر مساتير أپولون.

platon

من كل ما تقدَّم، يمكن لنا أن ندرك في سهولة ما المقصود الحقيقي من هذه الجملة، كما يمكن لنا أن ندرك خطأ الفلاسفة المحدَثين فيها؛ وأساس خطئهم هذا ناجم عن أنهم أخذوا الجملة على أنها صادرة عن أحد الفلاسفة الذي كثيرًا ما ينسبون إليه فكرةً كفكرتهم، مع أن الحقيقة هي أن الفكرة القديمة كثيرًا ما تختلف عن الفكرة الحديثة كل الاختلاف؛ لذا يعزو العديد منهم إلى هذه الجملة معنى پسيخولوجيًّا [= نفسانيًّا]، مع أن علم النفس يقتصر على دراسة الظواهر الذهنية فحسب، أي دراسة الوصف الظاهري – لا الذاتي – للكائن العاقل. ويرى بعض المحدَثين – وخصوصًا الذين ينسبونها إلى سقراط – أنها وُضِعَتْ لغرض خُلُقي هو البحث عن قانون داخلي لاستعماله في الحياة العملية.

إن أقل ما يقال في هذه التفسيرات الظاهرية (وإنْ لم تكن باطلة دومًا) هو أنها غير كافية تمامًا ولا تؤدى الحُرْمة التي كانت لهذه الجملة في أول الأمر، وهي التي لها معنى أعمق بكثير من هذه التفسيرات الظاهرية. إذ إنها، أولاً، تفيد أن التعليم الظاهري لا يمكن له أن يؤدي إلى معرفة حقيقية، وهي التي يجدها الإنسان في نفسه فقط؛ فلا يخفى أن المعرفة – أية معرفة – لا يمكن نوالها إلا بالإدراك الذاتي، ومن دونه لا تكون للتعليم نتيجة فعالة؛ والتعليم الذي لا يوقظ فيمَن يتلقاه ما يناسبه لا يمكن له أن يفضي إلى أية معرفة بتاتًا. لذلك قال أفلاطون بأن كل ما يتعلمه الإنسان هو في قرارة نفسه أصلاً، وبأن خبراته وما يحيط به من الخارج ما هي إلا أسباب تُعِينه على أن يصير عالِمًا بما في نفسه؛ وهذا التيقظ الهام يُسمَّى بـأنمنيسِس anamnêsis، أي "تذكُّر". فلئن صح هذا على أية معرفة، الأحرى به أن يصح على المعرفة الأسمى والأعمق. فإذا نذر المرء نفسه لنيل تلك المعرفة فإن كل الوسائل الخارجية الحسية تصير، شيئًا فشيئًا، غير كافية، حتى إنها تكون أخيرًا عديمة الفائدة؛ ومع أنها قد تُعِين على الاقتراب عدة درجات نحو الحكمة فإنه لا يمكن بواسطتها نيلُها تمامًا. ومن الشائع في الهند أن الـگورو guru الحقيقي، أي "الشيخ"، يقيم في نفس الإنسان ولا ينبغي البحث عنه في العالم الخارجي. أما العون الخارجي فربما كان ضروريًّا له في البداءة، وذلك لتحضيره ليصير قادرًا على أن يجد في نفسه بنفسه ما لا يمكن له أن يجده في العالم الخارجي، وخصوصًا ما كان منه فوق مستوى النظر العقلي: فإنه يحتاج إلى تحقيق أحوال تتعمق دومًا في باطن الكائن وتتجه نحو المركز المرموز إليه بأنه القلب. وعنده لا بدَّ من ارتقاء إحساس الإنسان حتى يصير قادرًا على نيل المعرفة الحقيقية؛ وهذه الأحوال التي كانت تتحقق في المساتير كانت درجات في الانتقال من العقل إلى القلب. وقد كان في هيكل دلفي حجر يُسمَّى بالأمفالوس يمثِّل لمركز الكائن الإنساني، وفي الوقت نفسه، لمركز العالم، وذلك نظرًا للصلة القائمة بين "العالم الأكبر" makrokosmos و"العالم الأصغر" mikrokosmos، أي الإنسان؛ لذا تجد أن كل ما في أحدهما يتصل اتصالاً تامًّا بما في الآخر. ولقد قال ابن سينا:

وتحسبُ أنك جرمٌ صغيرٌ * وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ

ومن الطريف حقًّا هذا الاعتقاد الذي ساد قديمًا بأن الأمفالوس كان قد هوى من السماء. وإنك لتدرك قوة اعتقاد قدماء الإغريق بهذا الحجر إذا علمتَ أنه يقترب من اعتقادنا نحن بالحجر الأسود في الكعبة الشريفة. وهذه المقايسة بين العالم الأكبر والعالم الأصغر (الإنسان) هي التي تجعل من أحدهما صورة تامة للآخر؛ وهذا الاتصال بين العناصر التي يحويها كلاهما يبيِّن لنا أن على الإنسان أن يعرف نفسه أولاً لكي يتمكن من معرفة كل ما حوله، وذلك لأنه يستطيع أن يجد كل شيء في نفسه. ولهذا السبب تجد أن لبعض العلوم – وخاصة تلك التي كانت جزءًا من المعرفة القديمة والتي كادت أن تصير مجهولة عند المحدَثين – معنَيَين: ففي الشهود العيني تشير هذه العلوم إلى العالم الأكبر، فتُعتبَر صحيحة من هذه الوجهة؛ كما يوجد لها في الوقت نفسه معنى أعمق، وهو يشير إلى الإنسان وإلى الطريق الباطني الذي يمكن له بواسطته إدراكُ المعرفة الحقيقية في نفسه، أي إدراك كونه الخالص. وقد قال أرسطو في ذلك: "الكائن هو كل مَن يعرف ماهيته". ولذلك حيث توجد المعرفة الحقيقية – لا ظواهرها ولا شبحها – تندمج المعرفة والكون ويصيران شيئًا واحدًا.

أما "الشبح" فقد فسَّره أفلاطون بأنه كل معرفة بالحس، بما فيها معرفة النظر العقلي: فهذه، ولو أنها تتكون على درجة أعلى من مصدرها، فإن مصدرها الأول هو الحس. وأما المعرفة الحقيقية فهي فوق مستوى العقل؛ ولهذا نرى أن تحقيقها أو تحقيق ماهية الكائن نفسه يقايس تكوين العالم أو يطابقه، كما أسلفنا. لذا فإن بعض العلوم المعنية بمعرفة ظواهر هذا التكوين قد استعملت المساتير القديمة على هذا المعنى المثنَّى، الذي وُجِدَ أيضًا في سائر أنواع التعاليم التي كانت ترمي إلى المقصد نفسه بين الأمم الشرقية. وفي الغرب، يبدو أن مثل هذه التعاليم وُجِدَتْ في زمن القرون الوسطى، ولو أنها فُقِدَتْ تمامًا، حتى إن غالبية الغربيين ليس عندهم أقل فكرة عن طبيعتها أو وجودها أو مكانها.

مما سبق، ترى أن المعرفة الحقيقية ليس طريقها العقل، بل طريقها النفس والروح؛ ويمكن لنا أن نضيف إليهما الكون الكلِّي، لأنها ليست غير الإدراك الكلِّي لهذا الكون في حالاته كلِّها – وهذا هو غاية المعرفة وكمالها ونوال الحكمة السامية. وحقيقة كل ما يختص بالنفس، وما يختص بالروح أيضًا، تظهر فقط على درجات هذا الطريق إلى الجوهر الباطني، أي النفس الحقيقية. وهذا يمكن إدراكه فقط عندما يصل الكائن إلى مركزه الخاص، متحدةً أجزاء فؤاده كلها ومركزَه في نقطة واحدة. عندئذٍ تظهر له الأشياء كلها تحتويها جميعًا تلك النقطة كما كانت في مبدئها الأول. وهذا [الكائن] يمكن له أن يعرف الأشياء كلَّها كما هي في نفسه ومن نفسه، كما يظهر الوجود الكلِّي الأوحد في وحدة جوهر الفرد. ومن السهل أن نرى الفارق بين هذا وبين علم النفس بالمعنى الحديث: فإن الأول يسمو على الثاني بمعرفة للنفس أصح وأعمق، بينما الثاني ما هو إلا خطوة أولى على الطريق. ولا بدَّ هنا من ملاحظة أن المعنى لا ينبغي أن يُقصَر على النفس، لأن كلمة "نفس"، المستعمَلة في اللسان العربي بما يطابقها في اليونانية: پسيخي psychê، لا يظهر معناها إلا في الجملة الأصلية التي تبحثها؛ ففي مثل هذه الحالة لا يجوز أن يسري لهذه الكلمة المعنى الدارج، بل لا بدَّ أن يكون لها معنى أسمى يجعلها مطابقة لكلمة "ذات" ويجعلها تُطابق النفس الحقيقية.

ولدينا ما يثبت هذا المعنى في الحديث الشريف الذي يُطابق الجملة اليونانية: "مَن عَرَفَ نفسَه فقد عَرَفَ ربَّه". فعندما يعرف الإنسان نفسه – يعرفها حقًّا في جوهره الباطن، أي في مركز وجوده – عندئذٍ يعرف ربَّه؛ فإذا عرف ربَّه عرف الأشياء كلها التي منه تصدر وإليه تُرجَع، عرف الموجودات كلَّها في أحدية المبدأ الألوهي [= الحق] الذي لا يخرج عنه شيء على الإطلاق. وهذا معنى قول سيدي محيي الدين بن عربي في الفتوحات: "فخلو وجه الحق عن شيء من العالم محال"؛ وفي فصوص الحكم: "ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود".


* مقال مكتوب رأسًا بالعربية ومنشور في مجلة المعرفة القصيرة الأجل، عدد مايو 1931.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه الفضول إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المأثورات "الدينية" الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] لم نعثر على ترجمة دقيقة تؤدي المقصود من كلمة mustêria. وقد راجعنا في هذا الأستاذ فريد بك وجدي، فعبَّر عنها بكلمة "مساتير"، وكنا نرى أنها قد تكون "الغيبيات" أو "الرموز" أو "الخفائية"… فلعل أحد حضرات القراء يجد لها تعبيرًا أدق.

[2] يروي الفيلسوف يمليخا الأفامي في كتابه عن سيرة فيثاغورث أن الپيثية تنبأت لأمِّه الحامل به بأنها ستلد "رجلاً جميلاً وحكيمًا ونافعًا للبشر إلى أعلى حد". (المحرِّر)

[3] من "پيثون" Pythôn، وهو اسم ثعبان خرافي أرداه أپولون بسهامه، لأنه حال بينه وبين دخول هيكل ربة الأرض جي Gê، ورمى بجثته في شق الأرض تحت موضع نزول الوحي، فلُقِّب منذئذٍ بأپولون الپيثي، "قاتل الپيثون". (المحرِّر)

[4] فسَّر أرستيپُّس الفيثاغورثي اسم فيثاغورث بقوله: "كان يتكلم agor بالحق لا أقل من الپيثية Pyth." (المحرِّر)

على خطى غاندي (حوارات) - لنا عبد الرحمن

الجمعة, حزيران 5th, 2009

على خـطـى غـانـدي

حوارات مع مناضلين روحيين اجتماعيين

بحثًا عن الحقيقة والحرية والسلام

لنا عبد الرحمن

عن دار "معابر للنشر" صدر كتابُ على خطى غاندي[*]، ضامًّا بين دفَّتيه مجموعة "حوارات مع مناضلين روحيين اجتماعيين" – كتابٌ أقل ما يوصف به أنه "ملهِم" لكلِّ مَن يبحث في هذه الحياة عن الحقيقة والحرية والسلام.

on_the_footsteps_of_gandhi

أجرت الحوارات الصحافيةُ الأمريكيةُ كاثرين إنغرام؛ وهي صحافية مختصة في الصحافة الروحية، دأبت خلال عملها على إعداد تقارير حول الشخصيات الكبرى والحركات الروحية والاجتماعية، وبالأخص حول مسألة محورية هي حقوق اللاجئين. من هنا قادتْها هذه القناعات إلى الطواف حول العالم للتحاور مع أصحاب الأسماء الواردة في الكتاب، بغضِّ النظر عن عروقهم وانتماءاتهم؛ لكنْ يظل المشترك بينهم، كما يبين من عنوان الكتاب، هو أن حياة المهاتما غاندي ونضاله وكتاباته كانت منارةً ملهِمة لهم جميعًا.

في مقدمتها للكتاب، تتحدث كاثرين إنغرام عن الظرف الزماني والمكاني الذي دفعها لإجراء هذه الحوارات ثم جمْعِها في كتاب. لم يكن من اليسير صدورُه على الإطلاق، لأن مثل هذه النوعية من الكتب الزاخمة بالمعرفة تحتاج أيضًا إلى نوعية معينة من القراء، سواء في الغرب أو في الشرق؛ لذا توجِّه كلمة شكر لناشر الكتاب ولكلِّ مَن ساعد على ظهوره. وتقول في مقدمتها:

إبان السنوات التالية، وأنا أواصل البحث، حاورتُ معلِّمين روحيين ومناضلين يجسِّدون حالةً من اليقظة بقدر ما يجسِّدون التزام التخفيف من ألم العالم.
[...] إننا نعيش عصرًا خطرًا. إن جهلنا وجشعنا [...] قد باتا حليفين لقدرتنا على تدمير أنفسنا، لا نحن وحسب، بل البيئة التي نعيش فيها جميعًا على الكوكب. لم يعد يجوز لنا أن نسمح لأنفسنا بعقود أخرى من الوفرة على حساب فقراء الأرض. (ص 12، 14)

بيد أن الكاتبة لا تكتفي بالحوارات التي تجريها، بل تقوم بجهد بحثي، تمثَّل في جمع مادة وافية عن حياة كلِّ شخصية من الشخصيات التي تُحاورها، ظروف نشأتها، المكونات الاجتماعية، ودوافع التحول نحو العمل الروحي. وهذه المقدمة البحثية المسهبة قبل كلِّ حوار ضرورية جدًّا لأنها تقدم للقارئ جوانب شخصية لا تَرِدُ في الحوار، لكنها أساسية في إلقاء ضوء كافٍ على شخصية المُحاوَر ونضاله.

مسار الحوارات في هذا الكتاب ينبش عميقًا تحت المجرى المعتاد للعمق؛ بل إن الأكثر تميزًا هو أن مسار الحوارات كلها يتوضع على المستوى ذاته من العمق، بحيث لا يمكن المفاضلة فيما بينها. فالمحاوِرة تمكنت، في ذكاء شديد، من اختيار النقاط المحورية في حواراتها مع كلِّ شخصية على حدة، ومن إبراز الجانب الذي تحقَّق فيه نضالُ هذه الشخصية. فهي، في حين تناقش الدالاي لاما في جوهر ممارسته الروحية وارتباطها بالتزامه الاجتماعي والسياسي مبدأ اللاعنف، تحكي مع المناضل الفلسطيني مبارك عوض عن رؤيته للاحتلال الإسرائيلي، بينما تتحدث مع المغنية الأمريكية جوان بيز عن أثر الفن في نضالها ضد العنف.

تناقش حوارات كتاب على خطى غاندي، بلا مواربة ولا التفاف، أفكارًا وسياسات خطيرة هزت العالم، غيرت اتجاهاته، وتركت آثارها السلبية على سكان هذا الكوكب، على بيئتهم، حياتهم، مرضهم، وموتهم. إنها الحروب، القنابل النووية، سباق التسلح، الأسمدة الكيميائية، الاستعباد، الفقر، الجوع، الظلم، الاضطهاد، عمالة الأطفال، وغيرها من إساءات البشر بعضهم لبعض – كل ذلك يحضر في مقابل وعي أناس آخرين يطالبون بسياسة اللاعنف في مواجهة عنف العالم، جنونه، وغفلته.

يجمع بين سلسلة الحوارات الموجودة في الكتاب نسيجٌ مشتركٌ حيك من خيط واحد، تُمسِكُ به المحاوِرة بقوة ليمتد بينها وبين أبطال كتابها الذين تصفهم قائلة:

إن الرجال والمرأة الذين حاورتُهم في هذا الكتاب بعضٌ من أبطالي ومن أوليائي الشخصيين لأنهم يجسِّدون المُثل التي تبدو لي الأكثر ضرورة في عالمنا. [...] إنهم يخبروننا أيضًا بأن قلبنا يعرف من الآن ما الحق، وبأن عصرًا مضطربًا كالذي نعيشه اليوم هو نداء للإصغاء بانتباه أكبر لهذا "الصوت الخافت" الداخلي والسلوك بمقتضاه. (ص 14-15)

تؤكد مجمل الحوارات أن مشكلات هذا العالم لا ينفصل بعضها عن بعض أبدًا وأننا، بإصرارنا على ممارسة هذا الفصل، نزيد من حدة الأزمة، فيزداد الفقر والتلوث، الجوع والمرض، حيث لا يمكن للعالم أن يتغير من دون أن يُستوعَب أنه لا يوجد بلدٌ في إمكانه أن يعيش معزولاً عن غيره من البلدان؛ وبالتالي، فمن الطبيعي أن تتكل كل دولة، بشكل أو بآخر، على غيرها في العديد من احتياجاتها. هنا لا تكمن الحاجة على المستوى الاقتصادي فقط؛ إذ إن نظرة شمولية تكشف عن أكثر من مفهوم للاحتياج، بما يفرض، بالتالي، التفكير مرارًا قبل إيقاع أيِّ أذًى بالآخر، لأن هذا الأذى سيرتد مع الوقت على فاعله. والأمثلة على ذلك كثيرة في الكتاب، سواء كانت سياسية، مثل حرب أمريكا في ڤيتنام أو حربها على العراق، أم اقتصادية، مثل معرفتنا أن اليابان التي تُعتبَر "معجزة آسيا الاقتصادية" تتكل في احتياجاتها الغذائية على الاستيراد بنسبة 70%. فهل يمكن إذن فصل مشكلات العالم بعضها عن بعض؟!

هناك أيضًا المصالحة بين شقَّي العالم: المادي والروحي. وليس المقصود هنا بكلمة "روحي" غير الجانب القيمي السلوكي من الإنسان، لا الجانب العقائدي، حيث إن القيم العليا هي التي ستؤدي حتمًا إلى شيوع الرحمة والمودة، تقبُّل الآخر، التفكير فيه، فالعمل من أجله، ثم الوصول إلى تخفيف جزء ضئيل من معاناة البشر.

يضم الكتاب كلمة توطئة لرامتشاندرا غاندي، حفيد المهاتما غاندي، يقول فيها:

إنني لواثق من أن المهاتما غاندي، لو كان حيًّا، لبارك العمل الجبار الذي أنجزه الرجال والنساء الأفذاذ الذين حاورتْهم كاثرين إنغرام في هذا الكتاب. (ص 7)

كما يضم الكتاب ثمانية حوارات مع الشخصيات التالية، على التسلسل: قداسة الدالاي لاما، الزعيم الروحي والسياسي للتيبت، مبارك عوض، المناضل اللاعنفي الفلسطيني، جوان بيز، مغنية أمريكية، الراهب البوذي الڤيتنامي تيك نات هَنْه، سيزار تشاڤيز، أول رجل في تاريخ الولايات المتحدة يؤلِّف نقابة للعمال الزراعيين، أهنگمگي تودور آريارتْنِه، مناضل من شري لانكا مسئول عن جمعية تهتم لتنفيذ برامج تخص التربية والصحة والزراعة، الأخ ديڤيد شتايندل راست، الراهب "المسكوني"؛ وآخر الحوارات كان مع أسقف جنوب أفريقيا دزموند توتو.

إن ما ينبغي قوله بشأن هذه الحوارات أن أصحابها قد كرسوا حياتهم لهدف نبيل، صاغوا عمرهم كله في سبيل تحقيقه، من دون أي تردد أو خشية رفض اجتماعي أو سياسي، بل في تحدٍّ وإصرار تام على الاستمرار، على الرغم من كل المكابدات التي تعرضوا لها، وعلى الرغم من أن بعضهم كان مدرِكًا أن نهاية المسار لن تكون نتائجها على يديه وفي زمنه، كما تقول جوان بيز: "[...] لا أعتقد بأني سأرى، خلال حياتي، نتائج كل المعارك التي خضناها [...]" (ص 112)؛ وهذا أيضًا ما يوافق عليه الراهب البوذي تيك نات هَنْه حين يقول: "إذا كانت السعادة موجودة هنا حقًّا فسيكون لنا مستقبل" (ص 157)؛ وفي عبارة أخرى: إن مسيرة عملنا فقط هي التي تَعِدُنا بالوصول إلى نتائج.

ملفتٌ في هذا الكتاب الجهدُ الملموسُ الذي قام به المترجم أديب الخوري، سواء على مستوى الترجمة أم في تذييله الكتاب بخاتمة كتبها حول رؤيته لمفهوم اللاعنف وتلامُسه مع الواقع العربي. يقول:

انسحبت أمريكا من ڤيتنام مهزومة، لكنها تمارس اليوم عنفًا لا يقل شراسةً عن عنفها في ڤيتنام، إنْ لم يفقْه، في العراق وأفغانستان، وفي أماكن أخرى أيضًا.
[...] يبدو، إذن، أن "أولي الأمر" في "البلد الأعظم" لم يتعلَّموا شيئًا من درس ڤيتنام [...]. فالذين يموتون في أركان العالم الأربعة ليسوا أولادهم، بينما تستمر خزائنهم وأهراؤهم بالامتلاء!
هل يعني هذا أن جهود جوان بيز، وكل مَن ناضل معها، وكل مَن يجاهد اليوم، وكل الملايين التي تظاهرت في عشرات مدن العالم في يوم واحد عشية الحرب على العراق، قد ذهبت عبثًا وأدراج الرياح؟ (ص 280-281)

يحكي أديب الخوري عن كارثة السلاح النووي الذي يسبب تخزينُه مباشرةً إنضاب الموارد الرئيسية للأرض، كما يتناول المخاطر الاجتماعية والأخلاقية للهندسة الوراثية والاستنساخ، ثم يختم كلمته بفكرة "الفداء"، حيث فضيلة التخلي والتنازل، ولو عن وجبة طعام واحدة، قادرة على فعل الكثير، ليس على مستوى الجوع المادي وحسب، بل في منح الروح الانعتاق أيضًا.

هذا الكتاب هو الإصدار الورقي الثالث لدار "معابر للنشر"، بعد إصدارها كتابين متميزين هما: قاموس اللاعنف لجان-ماري مولِّر (بالتعاون مع "الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية") والتأمل للحكيم الهندي كريشنامورتي. هذا وقد عُرِفَتْ معابر في العالم العربي عبر الموقع الثقافي الإلكتروني www.maaber.org، الذي يتميز بوجود مكتبة هامة، وبحرصه أيضًا على نشر القضايا التي تتصل مباشرة بجوهر الإنسان وتوازُن علاقته مع الكون.


[*] كاثرين إنغرام، على خطى غاندي: حوارات مع مناضلين روحيين اجتماعيين، بترجمة أديب الخوري ومراجعة ديمتري أڤييرينوس، معابر للنشر، دمشق، 2008.

لماذا “معابر”؟ - ديمتري أڤييرينوس

الجمعة, حزيران 5th, 2009

لماذا "معابر"؟*

ديمتري أڤييرينوس

لماذا مجلة جديدة؟ ولماذا مجلة جديدة على الـInternet حصرًا؟ ألا يلبي الحشد الحالي من المطبوعات الصادرة دوريًّا بالعربية، من المحيط إلى الخليج، الحاجات الثقافية والفكرية للمثقف العربي؟ ألا تكفي الصحف والمجلات الحالية لـ"تنوير" القارئ العربي وإحاطته علمًا بكل ما يجري في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة في البلدان العربية وفي العالم، ولاستيعاب النتاج "الإبداعي" للأدباء والمفكرين العرب؟ أي خطاب يمكن أن يكون لدى فريق معابر (على افتراض أن لديهم خطابًا ما أصلاً)، وبم يختلف خطابهم عن الخطابات المطروحة حاليًّا في "سوق الفكر"؟

لسنا هنا في صدد تقديم بيان نظري حول المنحى الفكري والثقافي الذي يتبناه لفيف من الأصدقاء المتقاربين في أشواقهم وتطلعاتهم الإنسانية والروحية – على اختلافهم في قليل أو كثير من التفاصيل؛ كما أننا لسنا نزعم أن كل مَن شارك أو سيشارك في معابر سوف يتبنى هذا المنحى بحذافيره. كل ما يمكن لنا قوله هو أن معابر وليدة حاجة قديمة، عميقة لدى فريقها الحالي، إلى التواصل مع "الآخر"، المختلف بالضرورة، وإلى مشاركته خلاصة تأملاتهم وتبصُّراتهم ورؤاهم وفهمهم المتواضع للحياة بأبعادها كافة: السياسية (بالمعنى الأرسطي النبيل) والاجتماعية والثقافية والروحية إلخ، دون أي ادِّعاء بامتلاك الحقيقة، ولا حتى على الصعيد النسبي، وبالتالي، دون أية رغبة في الإقناع من أي نوع.

* * *

لقد وجد كلٌّ من هؤلاء الأصدقاء نفسه ذات يوم، وقد أراد أن يحقق إنسانيته، ضائعًا وسط حشد هائل من المتناقضات، عاجزًا عن الاستيقان من كل ما يطوِّقه من أفكار ومعتقدات ومذاهب ومناهج. لقد كان كل منهم – على اختلاف الخبرات والتجارب الفردية التي خوَّض فيها –، كلما تبيَّنت له معالمُ طريق ما، سرعان ما يتحول عنه، إذ لا يجد فيه، في التحليل النهائي، إلا التحجر والانغلاق والتعصب.

يومئذٍ، أدرك هؤلاء، كلٌّ بطريقته، علَّة مأساة الإنسان، وعرف أن الإنسان غالبًا ما يستسهل تقييد نفسه بالمعتقدات والمذاهب التي ينشأ عليها، ويستعذب الجمود في قوالب جاهزة تعفيه من مجهود التفكير الإبداعي ومن مشقة الاختبار الفردي. يُشرطه المجتمع (طائفةً أو فئةً أو طبقة) بأحكامه وبالتربية الخاضعة لهذه الأحكام – تلك التربية الرهيبة المدمِّرة التي تبذر في الإنسان، منذ الصغر، كل الأنا المنتفخة للمجتمع؛ فلا يلبث، مهما كان رصيده الشخصي من انفتاح الذهن وقابليته للتفتح على إيقاعه الخاص، أن يصير حاملاً حيًّا-ميتًا لقيود مجتمعه وإشراطاته، متأهبًا، عند استنفاره، لتنفيذ أحكام الطائفة أو المذهب أو الفئة التي "ينتمي" إليها، مهما كانت تتناقض وشعورَه الإنساني العميق – حتى التدمير والقتل!

* * *

وشاهد الأصدقاء المشاركة السياسية والاجتماعية لغالبية الناس تقوم، في ذروتها، على تفويض الوهم الذي تحرص على تغذيته بخصوص مكانتها إلى أشخاص غير مسئولين غالبًا، يستهويهم "عُصاب السلطان"، فيستعملونه باسم "الأغلبية"، لا في سبيل الخير العام، بل في سبيل مصلحتهم الخاصة ومصلحة الفئة أو الطائفة أو المذهب أو اللوبي الذي يمثلون.

وشاهد الأصدقاء أيضًا فئة أخرى من البشر، وقد هالها المشهدُ المروِّع للبشرية المتخبِّطة في شقائها، تنفعل به وتشهق ألمًا. لكنها سرعان ما تحاول التملُّص من هذا الألم، أو سترَه، أو الاحتيال عليه، بالانخراط في جماعة ما ناشطة في وضع برامج للإصلاح أو التخطيط للثورة.

لقد أدرك الأصدقاء أن جلَّ ما يؤدي إليه مثل هذا الانخراط هو عزل الأفراد عن الواقع الحي، والتهدئة من روعهم، والحؤول دون وقوف كل منهم وقفة صدق مع نفسه من شأنها أن تُشعِره بحصَّته من المسؤولية عما وصلت إليه حالُ العالم ككل.

أدرك الأصدقاء، إذن، أن التماهي مع جماعة – أية جماعة – هو بمثابة "مخدِّر معنوي" (التعبير لميخائيل نعيمه) يغيِّب المشكلة نفسها، ويوهم أن الحلَّ بات "قاب قوسين أو أدنى"، فيدفع المتماهين مع عقيدة الجماعة إلى الدَّوس، بكلِّ تفانٍ وإخلاص، على كل ما و/أو كل مَن يذكِّرهم بلاجدوى مساعيهم، متدثِّرين بيوطوپياتهم، مشيِّدين الصروح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعقائدية التي يتوهمونها غير قابلة للصدأ، لكي يقفزوا منها، يومًا ما، إلى "أرضهم الموعودة". بيد أن هؤلاء، إذ يشعرون بالشك يقف لهم دومًا بالمرصاد، مختبئًا بين ثنايا حلولهم الوهمية، يبذلون ما في وسعهم لـ"تقنينه" أو يُعْمِلون أدمغتهم في ابتكار أنجع الوسائل وأسرعها لتناسيه أو الهرب منه. وهل من وسيلة للهرب من الشك أنجع من تدعيم الصرح المتداعي لليقينيات الواهية والممتلكات الزائلة والأمن المزيف؟!

هكذا خرج كل واحد من أصدقاء معابر بنتيجة مفادها أن البحث عن مخرج أو عن خلاص من هذا الوضع الاختزالي للكيان الإنساني متعذر مع بقاء هذه القيود والإشراطات، خاصة بوجود هذا السيل المتراكم من المعلومات التي تبقى للأكثرية الساحقة من البشر المصدر الرئيس لقراءة الواقع وفهمه، والتي كثيرًا ما تكرِّس الانغلاق والتعصب والتحجر.

* * *

لكن الإنصاف يدعو هؤلاء الأصدقاء إلى الشهادة لوجود "سلالة" جديدة من البشر، يتمتع بعضهم بعلم واسع، بينما لم يدخل بعضهم الآخر مدرسة – بشر بسطاء القلب، يحيون في قلب هذا العالم، لا يميِّزهم عن سواهم غير قلب نقي ووجه وضَّاح مشرق بنور الألوهة، يشعرون بألم هذا العالم شعورًا يجعلهم يغوصون فيه حتى الجذور، واعين أن ما من يوطوپيا، ما من منهج جاهز، ما من معتقد، ما من مذهب، ما من مخدِّر إيديولوجي، ما من مفرٍّ "صوفي"، من شأنه أن يروي ظمأهم إلى الفهم والعمل. وبدلاً من أن يحلموا بوصفة عجائبية تبدِّل واقع حالهم، أي ألمهم، إلى ما "ينبغي" أن يكون، أي سعادة البشرية الموهومة؛ بدلاً من أن يلجأوا إلى مثال من بنات مخيلتهم ويتعبدوا له، وبالتالي لأنفسهم؛ بدلاً من أن يندبوا مصيرهم ومصير البشرية التعس؛ بدلاً من ذلك كلِّه، يجلس هؤلاء البشر، بهدوء وبروية، ويتفكرون…

أجل، يتفكرون، منطلقين في الرحلة الكبرى، رحلة استكشاف محتويات وعيهم وجذور ألمهم، مسترشدين بمكتشفات الآخرين حينًا، متجاهلينها أحيانًا، مناقشين المذاهب كلها، والمحرَّمات كلها، والمقدسات كلها، والأنبياء والمعلِّمين كلهم، ضاربين عرض الحائط بالوصفات الجاهزة جميعًا، السياسية منها والفلسفية والأخلاقية والدينية، غير مكتفين بـ"الحقائق" الممضوغة المستهلَكة، رافضين كل سلطة – ما خلا سلطة الروح، معتذرين عن ممارسة أية سلطة – ما عدا سلطة الضمير الحي. هذه الحفنة من "المساكين"، الموسومين غالبًا بالجنون، هي "ملح الأرض"، هي خميرة عالم جديد، عالم بلا حدود، بلا مصالح، بلا طبقات، بلا عنصريات، بلا قوميات، بلا مذاهب، بلا تحزُّبات، عالم خالٍ من العنف، تبلغ فيه الإنسانية سنَّ رشدها.

ويدرك الأصدقاء، كلٌّ بخصوصيته، أنْ وحده الإنسان الواقف بمفرده، وقد نفض عنه كل أوهامه القتَّالة، عميق الثورية وعميق التديُّن، وحده الإنسان المتجرِّد من كل انتماء عقائدي ضيق، من كل تماهٍ نفسي مع الممتلكات المادية والإيديولوجية والمذهبية، إنسان قادر على المشاركة الحقيقية في خطِّ مسيرة الإنسانية. وإن البشرية اليوم، أكثر من أي يوم مضى، لفي أمسِّ الحاجة إلى مثل هذا الإنسان وإلى مثل تلك المشاركة.

* * *

ويلوح أيضًا للأصدقاء أن ميدان الحرب الممتد، بواسطة وسائل الدمار الفائقة التطور، على وجه المسكونة كله، هو محصلة الإسقاط الخارجي لصراعاتنا الداخلية، لمخاوفنا، لبحثنا عن أمان زائف، لطموحنا الذي ليس إلا اسمًا آخر للجشع، لشهواتنا التي لا تعرف الشبع، لكراهيتنا وكبريائنا وغباوتنا، إلخ – وبذلك يدركون أن كل واحد منهم مسؤول شخصيًّا عما يجري في العالم. إنهم يعون الآن أنهم، ماداموا لم يفهموا هذا المسؤولية الشاملة ويتحملوها، وماداموا لم يشعروا بما تنطوي عليه أفعالهم وخياراتهم الأنانية من نتائج، ومادامت أسس سلوكهم نفسها لم تتصدع من جراء هذا الوعي وتلك المسؤولية، فيحيوا، على هديهما، بمحبة وبفطنة – فطنة القلب، لا الذهن –، ماداموا لم يفهموا، ولم يشعروا، ولم يتحملوا مسؤوليتهم، ستبقى الأدوية كلها أسوأ من الداء نفسه!

* * *

هكذا أراد لفيف الأصدقاء، ورفاق لهم، عربًا وغير عرب، أن يُشركوا قارئهم الافتراضي في نتائج بحثهم – المؤقتة – في ميادين اهتمامهم المختلفة، من فلسفة وعلم وأسطورة وبيئة ودين وطب وشعر وقصة إلخ، محاولين، كلُّ بحساسيَّته الخاصة، أن يعبِّر عن خبرته الشخصية وذائقته الخاصة وسعيه الفردي إلى التكامل الداخلي والفهم. لكن القارئ الأريب لا بدَّ له أن يلحظ أن هناك، فيما يتعدى التعبيرات والخبرات والذائقات المختلفة، خيطًا خفيًّا ينتظم خرزات معابر، بحيث يخرج زائر الموقع بانطباع إجمالي نأمل أن يكون واحدًا – وواضحًا – يكون له زادًا على طريقه الشخصي، الفريد، في الحياة.

هذا "الخيط"، لن نحدِّده الآن، بل سنترك للزائر تلك المهمة.

* * *

أخيرًا، نجيب عن السؤال: لماذا على الـInternet حصرًا؟ – ببساطة، لأن استخدام الفضاء السيبري cyberspace يتيح اليوم حرية في الانتشار لا تتيحها الطريقة التقليدية في النشر – هذا أولاً؛ وثانيًا، لأن الإمكانات المادية للأصدقاء لا ولن تسمح لهم بأكثر من هذا، في المستقبل المنظور على الأقل.

* * *

يبقى أن نشكر الأصدقاء والرفاق الذين أسهموا بجهدهم الفكري والفني في إخراج هذا الإصدار إلى النور، ولاسيما الصديق أكرم أنطاكي الذي تجشم بمحبة مشقة بناء الموقع نفسه.


* افتتاحية إصدار معابر (www.maaber.org) الأول، تشرين الثاني 2000.