Archive for أيلول, 2009

ثمانية حوارات 5 من 8 - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, أيلول 9th, 2009

ثمانية حوارات*

5 من 8

ج. كريشنامورتي

السائل: أجدني أتعلق بالناس تعلقًا مرعبًا وأتكل عليهم. وهذا التعلق يتطور في علاقاتي إلى نوع من التطلب الاستئثاري يولد شعورًا بالسيطرة. وإذ أراني متكلاً، مدركًا لإزعاج ذلك وللألم الناجم عنه، أحاول أن أكون غير متعلق. عندئذ أشعر بالوحشة شعورًا رهيبًا؛ وإذ أعجز عن مواجهة الوحشة، أتهرب منها عن طريق الشراب وبطُرُق أخرى. ومع ذلك، لا أريد لعلاقاتي أن تكون مجرد علاقات سطحية عابرة.

كريشنامورتي: هناك التعلق، ثم هناك الصراع لفك التعلق، ثم يتولد من هذا نزاع أعمق، هو الخوف من الوحشة. فما هي مشكلتك إذن، ما الذي تحاول أن تكتشفه، أن تتعلمه؟ هل هو أن كل علاقة هي قضية اتكال؟ أنت متكل على البيئة والناس. فهل من الممكن لك أن تكون حرًّا، لا من البيئة والناس وحسب، بل أن تكون حرًّا في ذاتك، بحيث لا تتكل على أي شيء أو أي أحد؟ هل من الممكن أن يوجد فرح ليس نتيجة البيئة أو الناس؟ البيئة تتغير، الناس تتغير، وإذا اتكلت عليهم فأنت واقع في مصيدتهم – وإلا فإنك تصير لامباليًا، عنيفًا، متهكمًا، قاسيًا. وإذن أليست القضية قضية إنْ كنت تستطيع أن تحيا حياةَ حريةٍ وفرح ليست نتيجة البيئة، بشريةً كانت أو غير ذلك؟ هذه مسألة هامة للغاية. أغلب البشر عبيد لأسرتهم أو لظروفهم، وهم يريدون تغيير الظروف والناس، آملين بذلك أن يجدوا الفرح، أن يحيوا حياة حرة وأكثر انفتاحًا. لكنهم حتى إذا أوجدوا فعلاً بيئتهم الخاصة أو اختاروا علاقاتهم الخاصة، سرعان ما ينتهي بهم الأمر إلى الاتكال ثانيةً على البيئة الجديدة وعلى الأصدقاء الجدد. فهل الاتكال، مهما يكن شكله، يجلب الفرح؟ وهذا الاتكال هو أيضًا حافز المرء إلى التعبير، الحافز إلى أن يكون شيئًا. فصاحب موهبة أو قدرة بعينها يتكل عليها، وحين تنقص أو تزول برمتها تراه يرتبك ويصير بائسًا وقبيحًا. ومنه فإن الاتكال نفسانيًّا على أي شيء – الناس، الممتلكات، الأفكار، المواهب – مدعاةٌ للأسى. لذا يتساءل المرء: هل هناك فرح لا يتكل على أي شيء؟ هل هناك نور لا يضيئه آخر؟

السائل: فرحي إلى الآن أضاءه دومًا شيء أو أحد خارج ذاتي – فلا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال؛ ولعلي لا أجرؤ حتى على سؤاله، لأنني عند ذاك قد أضطر إلى تغيير أسلوب حياتي. أنا قطعًا متكل على الشراب والكتب والجنس والصحبة.

كريشنامورتي: لكنك حين ترى بنفسك، في وضوح، أن هذا الاتكال يولد مختلف أشكال الخوف والبؤس، ألا تسأل حتمًا السؤال الآخر، الذي ليس عن كيفية التحرر من البيئة والناس، بل بالحري عما إذا كان هناك فرح، غبطة، هي نور ذاتها؟

السائل: قد أسأله، لكنه لا قيمة له. بما أني واقع في شَرَك هذا كله، فهذا كل ما هو موجود فعليًّا لدي.

كريشنامورتي: ما يهمك هو الاتكال، بكل منطوياته، وهو أمر واقع. ثم هناك واقعة أعمق، هي الوحشة، ذلك الشعور بالعزلة. فحين نشعر بالوحشة، نتعلق بالناس، بالشراب، وبسائر أنواع المهارب الأخرى. التعلق مهرب من الوحشة. فهل يمكن لهذه الوحشة أن تُفهم، وهل يمكن للمرء أن يكتشف بنفسه ما يتعداها؟ هذه هي المسألة الحقيقية، لا ما يجب فعله بخصوص التعلق بالناس أو بالبيئة. هل يمكن تجاوُز هذا الإحساس العميق بالوحشة، بالفراغ؟ إن أية حركة بإطلاق بعيدًا عن الوحشة تعزز الوحشة، وبذلك تزداد الحاجة إلى الإفلات منها أكثر من ذي قبل. وهذا يعلِّل التعلق الذي يجلب مشكلاته الخاصة. إن مشكلات التعلق تشغل الذهن إلى حدِّ أن الوحشة تغيب عن نظره فيستخف بها. بذا نستخف بالسبب وننشغل بالنتيجة. لكن الوحشة فاعلة طوال الوقت لأنه لا فرق بين السبب والنتيجة. هناك فقط ماهو؛ وهو لا يصير سببًا إلا حين يبتعد عن ذاته. لذا فمن المهم فهمُ أن هذه الحركة بعيدًا عن ذاته هي ذاته، ومن ثَمَّ فهي نتيجته. لا يوجد، بالتالي، سبب ولا نتيجة بتاتًا، لا حركة إلى أي مكان بتاتًا، بل فقط ماهو. أنت لا ترى الـماهو لأنك تتشبث بالنتيجة. هناك وحشة، والحركة الظاهرة بعيدًا عن هذه الوحشة نحو التعلق؛ ثم يصير هذا التعلق، بكل منطوياته، من الأهمية، من السيطرة، بحيث يحول بين المرء وبين النظر إلى ماهو. والحركة بعيدًا عن الـماهو هي الخوف، ونحن نحاول أن نصرفَه بمهرب آخر. هذه حركة مستديمة، تظهر وكأنها تبتعد عن ماهو، لكنْ فعليًّا ليس هناك حركة بتاتًا. وإذن فوحده ذهنٌ يرى ماهو ولا يتحرك بعيدًا عنه في أي اتجاه ذهنٌ متحرر من الـماهو. وبما أن سلسلة السبب والنتيجة هذه هي فعل الوحشة، فمن الواضح أن الإنهاء الوحيد للوحشة هو إنهاء هذا الفعل.

السائل: سوف يتعين عليَّ أن أتمعن في هذا تمعنًا عميقًا جدًّا جدًّا.

كريشنامورتي: ولكنْ هذا أيضًا يمكن له أن يصير انشغالاً يصير بدوره مهربًا. إذا رأيت هذا كله في وضوح تام فرؤيتك أشبه بطيران النسر الذي لا يترك أثرًا في الجو.


* Krishnamurti, Eight Conversations.
Copyright ©1969 Krishnamurti Foundation Trust, England.

فكر في هذه الأمور 1 من 27 - ج. كريشنامورتي

الثلاثاء, أيلول 8th, 2009

۱

دور التربية*

ج. كريشنامورتي

ج. كريشنامورتي

أتساءل فيما إذا سألنا أنفسنا يومًا عن معنى التربية. لماذا نذهب إلى المدرسة، لماذا نتعلم مواد متنوعة، لماذا نجتاز امتحانات ونتنافس فيما بيننا على درجات أفضل؟ ماذا تعني هذه التربية المزعومة، وما هو أساسها؟ هذه حقًّا مسألة هامة للغاية، ليس للطلاب وحسب، بل وللأهل والمدرسين أيضًا، ولكل مَن يحب هذه الأرض. لماذا نحتمل كل هذه المشقة في سبيل التعليم؟ هل نفعل لمجرد النجاح في بعض الامتحانات والحصول على وظيفة؟ أم أن دور التربية هو تأهيلنا، مادمنا في ريعان الصبا، لفهم سيرورة الحياة بأسرها؟ إن الحصول على وظيفة وكسب العيش أمر ضروري – ولكن هل ذلك كل شيء؟ هل نتربى من أجل ذلك فقط؟ الحياة ليست قطعًا مجرد وظيفة أو صنعة؛ الحياة شيء خارق الاتساع والعمق؛ إنها سرٌّ عظيم، مجال شاسع، نؤدي فيه دورنا كبشر. فإذا كنا نستعد لمجرد كسب العيش، سيفوتنا معنى الحياة ككل؛ وفهم الحياة أهم بكثير جدًّا من مجرد الاستعداد للامتحانات لنصير بارعين جدًّا في الرياضيات أو الفيزياء أو ما شئتم.

إذن، سواء كنا مدرسين أم طلابًا، أليس من المهم أن نسأل أنفسنا لماذا نربي الآخرين أو نتربى؟ وماذا تعني الحياة؟ أليست الحياة شيئًا خارقًا؟ الطيور، الأزهار، الأشجار المزدهرة، السماوات، النجوم، الأنهار وما تحويه من أسماك – هذه الأشياء كلها هي الحياة. والحياة هي الفقراء والأغنياء؛ الحياة هي المعارك المستمرة بين الجماعات والأجناس والأمم؛ الحياة هي التأمل؛ الحياة هي ما نسميه الدين، كما أنها تشمل أيضًا تلك الأشياء الدقيقة الخفية للذهن – الحسد، الطموح، الأهواء، المخاوف، الإنجازات، القلق. هذه كلها وأكثر منها بكثير هي الحياة. لكننا عمومًا نستعد لفهم زاوية واحدة صغيرة منها فقط. نجتاز بعض الامتحانات، فنجد وظيفة، ثم نتزوج، وننجب أطفالاً، ومن ثَمَّ نصير أكثر فأكثر أشبه بالآلات. نظل خائفين، قلقين، مرعوبين من الحياة. إذن، هل دور التربية أن تساعدنا على فهم سيرورة الحياة بأسرها، أم مجرد تأهيلنا على مهنة، على أفضل وظيفة يمكن لنا أن نحصل عليها؟

ماذا سيحدث لنا جميعًا عندما ننمو لنصير رجالاً ونساء؟ هل سألتم أنفسكم يومًا ماذا ستفعلون عندما تكبرون؟ على الأرجح ستتزوجون، وقبل أن تعرفوا أين أنتم، ستجدون أنفسكم آباءً وأمهات؛ وعندئذ ستتقيدون بوظيفة ما، أو بالمطبخ، حيث ستذوون تدريجيًّا. أهذا ما ستكون عليه حياتكم أنتم؟ هل سألتم أنفسكم يومًا هذا السؤال؟ ألا يجب عليكم أن تسألوه؟ إذا كانت أسرتك ثرية فقد تضمن لنفسك سلفًا منصبًا جيدًا نوعًا ما، أو قد يدبِّر لك أبوك وظيفة مريحة، أو قد تصاهر أسرة غنية؛ لكنك هناك أيضًا ستتعفن وتفسد. أتدركون ذلك؟

بالتأكيد، لا معنى للتربية بتاتًا ما لم تساعدكم على فهم مدى الحياة الشاسع، بكل دقائقها، بجمالها الخارق، بأحزانها وأفراحها. قد تنالون شهادات، وقد يكون اسمكم مسبوقًا بسلسلة من الألقاب، فتتصيدون وظيفة مرموقة – لكن ماذا بعد؟ ما فائدة هذا كله إذا صار ذهنكم من جراء ذلك بليدًا، خاملاً، غبيًّا؟ وإذن، ألا يجدر بكم، مادمتم في ريعان الصبا، أن تبحثوا لتكتشفوا ما هو جوهر الحياة؟ ثم أليس دور التربية الحقيقي أن ينمي فيكم الذكاء الذي سيحاول أن يجد الإجابة عن هذه المسائل كلها؟ هل تعلمون ما هو الذكاء؟ إنه قطعًا القدرة على التفكير الحر، من غير خوف، من غير صيغة جاهزة، بحيث تبدأ بالاكتشاف بنفسك ما هو حقيقي، ما هو صحيح؛ لكنك إذا كنت خائفًا فلن تكون ذكيًّا أبدًا. إن أي شكل من أشكال الطموح، روحانيًّا كان أم دنيويًّا، يولد القلق والخوف؛ لذا فإن الطموح لا يساعد على إيجاد ذهن واضح، بسيط، مباشر، ومن ثَمَّ ذكي.

حقًّا إنه من المهم للغاية، كما تعلمون، أن تحيوا، مادمتم في ريعان الصبا، في بيئة لا خوف فيها. فأغلبنا، كلما تقدم بنا العمر، نصير خائفين: نخاف من العيش، من فقدان الوظيفة، نخاف من التقاليد، نخاف مما قد يقوله الجيران أو الزوجة أو الزوج، نخاف من الموت. أغلبنا لديه خوف بشكل ما أو بآخر؛ وحيثما يوجد الخوف لا يوجد ذكاء. أفليس من الممكن لنا جميعًا، مادمنا في ريعان الصبا، أن نكون في بيئة لا خوف فيها، بل بالأحرى في جوٍّ من الحرية – الحرية، لا مجرد حرية أن نفعل ما يحلو لنا، بل حرية فهم سيرورة الحياة بأسرها؟ الحياة حقًّا جميلة جدًّا، وهي ليست هذا الشيء القبيح الذي صنعناه نحن بها؛ ولا يمكن لك أن تقدِّر غناها، عمقها، فتنتها الخارقة، إلا عندما تثور على كل شيء – على الدين المنظم، على التقاليد، على المجتمع الحالي العفن – بحيث تكتشف بنفسك أنت، كإنسان، ما هو حقيقي. لا أن تُقلِّد، بل أن تكتشف – تلك هي التربية، أليست كذلك؟ من السهل جدًّا أن تمتثل لما يأمرك به مجتمعك أو والداك ومدرسوك. هذه طريقة آمنة وسهلة للعيش؛ لكن هذه ليست الحياة، لأن فيها خوف، تحلُّل، موت. الحياة هي أن تكتشف بنفسك ما هو حقيقي، وتراك لا تستطيع أن تفعل هذا إلا عندما توجد حرية، عندما توجد ثورة داخلية مستمرة، في داخلك.

لكنكم لا تشجَّعون على فعل هذا؛ لا أحد يقول لكم أن تتساءلوا، أن تكتشفوا بأنفسكم ما هو الله، لأنكم إذا اتفق لكم أن تتمردوا صرتم خطرًا على كل ما هو زائف. أهلكم والمجتمع يريدونكم أن تعيشوا عيشة آمنة، وأنتم أيضًا تريدون عيشة آمنة. والعيشة الآمنة تعني عمومًا أن تعيشوا مقلِّدين، ومن ثَمَّ في خوف. دور التربية قطعًا هو مساعدة كلٍّ منا أن يعيش في حرية ومن غير خوف، أليس هذا دورها؟ وإيجاد جوٍّ لا خوف فيه يتطلب قدرًا كبيرًا من التفكر من جانبكم، كما ومن جانب المعلم أو المربي.

أتعرفون ماذا يعني هذا – أي شيء خارق هو إيجاد جوٍّ لا خوف فيه؟ ويجب علينا أن نوجِد مثل هذا الجو، لأننا نرى أن العالم مشتبك في حروب لا تنتهي؛ إنه عالم يقوده رجال سياسة يسعون دومًا إلى النفوذ؛ إنه عالم من المحامين ورجال الشرطة والجنود، عالم من الرجال والنساء الطموحين، كلهم يطلب المنصب ويتقاتل للحصول عليه. ثم هناك القديسون المزعومون، الـگورو [المعلمون] الدينيون مع أتباعهم؛ وهم أيضًا يطلبون النفوذ والمنصب، سواء في هذه الدنيا أو في الآخرة. إنه عالم مجنون، مشوش تمامًا، يحارب فيه الشيوعيُّ الرأسمالي، ويقاوم الاشتراكيُّ كليهما، وكل واحد يعادي أحدًا آخر، كادحًا للوصول إلى مكان آمن أو منصب نافذ أو رخاء. العالم تمزِّقه معتقدات متنازعة، تمييزات طائفية وطبقية، انقسامات قومية، وسائر أشكال الحماقة والقسوة – وهذا هو العالم الذي تُربَون على التكيف معه. إنكم تشجَّعون على التكيف ضمن إطار هذا المجتمع الكارثي؛ أهلكم يريدونكم أن تفعلوا ذلك، وأنتم أيضًا تريدون التكيف معه.

والآن، هل دور التربية هو مجرد مساعدتكم على الامتثال لقالب هذا النظام الاجتماعي العفن، أم هو منحكم الحرية – الحرية المطلقة لتنموا وتخلقوا مجتمعًا مختلفًا، عالمًا جديدًا؟ نحن نريد نيل هذه الحرية، ليس في المستقبل، بل الآن – وإلا فقد ندمَّر جميعًا. لا بدَّ لنا فورًا من إيجاد جوٍّ من الحرية، بحيث يمكن لكم أن تحيوا وتكتشفوا بأنفسكم ما هو حقيقي، بحيث تصبحون أذكياء، بحيث تستطيعون مواجهة العالم وفهمه، وليس مجرد الامتثال له، بحيث تكونون داخليًّا، عمقيًّا، نفسيًّا، في ثورة دائمة؛ لأن أولئك الثائرين دومًا وحدهم يكتشفون ما هو حقيقي، وليس المرء الذي يمتثل أو يتبع تقليدًا ما. فقط حين تكون دائم الاستفسار، دائم الرصد، دائم التعلم، تراك تجد الحقيقة أو الله أو المحبة؛ لكنك لا تستطيع الاستفسار والرصد والتعلم، لا تستطيع أن تكون واعيًا وعيًا عميقًا، إذا كنت خائفًا. لذا فإن دور التربية، قطعًا، هو استئصال الخوف – داخليًّا وخارجيًّا على حدٍّ سواء –، هذا الخوف الذي يدمِّر الفكر الإنساني والعلاقة الإنسانية والمحبة.

سؤال: إذا ثار جميع الأفراد، ألا ترى أن ذلك قد يؤدي إلى تفشي الفوضى في العالم؟

كريشنامورتي: أصغوا إلى السؤال أولاً، لأن من المهم جدًّا فهم السؤال، لا مجرد انتظار إجابة. السؤال هو: إذا ثار جميع الأفراد، ألا يؤدى ذلك إلى حدوث فوضى في العالم؟ ولكن هل نظام المجتمع الحالي كامل أصلاً بحيث تنجم الفوضى إذا ثار جميع الناس عليه؟ أليست هناك فوضى الآن؟ هل كل شيء جميل، غير فاسد؟ هل يعيش الجميع حياة سعيدة، ممتلئة، غنية؟ أليس الإنسان معاديًا للإنسان؟ أليس هناك طموح وتنافُس لا يرحم؟ إذن فالعالم أصلاً في فوضى – ذلك أول شيء لا بدَّ من إدراكه. لا تأخذوا قضية أن هذا المجتمع مجتمع منظَّم كقضية مسلَّم بها؛ لا تنبهروا بالكلمات. فسواء هنا أو في أوروبا، في أمريكا أو في روسيا، العالم داخل في طور انحطاط. فإذا كنتم ترون هذا الانحطاط فأمامكم تحدٍّ: والتحدي أمامكم هو أن تجدوا طريقة لحلِّ هذه المشكلة العاجلة. وكيفية استجابتكم لهذا التحدي هامة، أليست كذلك؟ إذا استجبتَ للتحدي كهندوسي أو كبوذي، كمسيحي أو كشيوعي، تكون استجابتك عندئذ محدودة للغاية – وهى مثل عدمها. تستطيع الاستجابة استجابة تامة وملائمة فقط عندما لا يكون فيك خوف، فقط عندما لا تفكر كهندوسي، كشيوعي أو رأسمالي، بل كإنسان كلِّي يحاول أن يحل هذه المشكلة؛ وأنت لا تستطيع حلها ما لم تكن أنت نفسك في ثورة على الوضع كله، على الجشع الطَّموح الذي يقوم عليه هذا المجتمع. عندما تكون أنت نفسك غير طموح، غير جشع، وغير متمسك بأمانك الشخصي، عندئذ فقط تستطيع أن تستجيب للتحدي وتخلق عالمًا جديدًا.

سؤال: الثورة، التعلم، المحبة – هل هذه ثلاث سيرورات منفصلة أم أنها تتم في آنٍ واحد؟

كريشنامورتي: بالطبع ليست ثلاث سيرورات منفصلة؛ إنها سيرورة متكاملة. من المهم، كما ترون، اكتشاف ما يعنيه السؤال. هذا السؤال قائم على التنظير، لا على الخبرة؛ إنه مجرد سؤال لفظي، عقلي، ومن ثَمَّ فلا يصلح. إنسان لا يعرف الخوف، ثائر حقًّا، مجاهد لاكتشاف ما يعنيه التعلم والمحبة – إنسان كهذا لا يسأل إنْ كانت سيرورة واحدة أو ثلاث سيرورات. إننا حاذقون جدًّا في استعمال الكلمات، ونظن أننا بمجرد تقديم تفسيرات نكون قد حللنا المشكلة.

هل تعرفون ما يعنيه التعلم؟ عندما تتعلمون حقًّا، فأنتم تتعلمون طوال حياتكم، ولا يوجد أستاذ خاص بعينه تتعلمون منه. إذ ذاك تتعلمون من كل شيء – من ورقة شجر ميتة، من طائر يحلق، من رائحة، من دمعة، من الأغنياء والفقراء، من الباكين، من ابتسامة امرأة، من غطرسة رجل. إنكم تتعلمون من كل شيء، ومن ثَمَّ ليس هناك مرشد، ولا فيلسوف، ولا گورو [معلم روحي]. الحياة نفسها تغدو معلِّمكم، وأنتم في حال تعلُّم دائم.

سؤال: صحيح أن المجتمع الحالي قائم على الجشع والطموح؛ ولكن إذا لم يكن عندنا طموح ألن نضمحل؟

كريشنامورتي: هذا سؤال هام للغاية حقًّا، وهو يحتاج إلى انتباه كبير.

هل تعرفون ما هو الانتباه؟ فلنكتشف معًا. في غرفة الصف، حين تحدق خارج النافذة أو تشد شعر أحدهم، يأمرك المدرس أن تنتبه. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أنك لست مهتمًّا بما تدرس، فيرغمك المدرس على الانتباه – وهذا ليس انتباهًا بتاتًا. الانتباه يأتي عندما تكون مهتمًّا بشيء ما اهتمامًا عميقًا، لأنك عندئذ تحب اكتشاف كل شيء عنه؛ عندئذ يكون ذهنك كله، كيانك كله، حاضرًا. بالمثل، فإنك لحظة تدرك أن هذا السؤال – إذا انعدم طموحنا ألن نضمحل؟ – سؤال هام للغاية حقًّا، تراك تهتم وتريد اكتشاف حقيقة الأمر.

والآن، أليس الإنسان الطَّموح مدمرًا نفسه؟ ذلك أول شيء لا بدَّ من اكتشافه، وليس السؤال عما إذا كان الطموح صوابًا أم خطأ. أنظر حواليك، لاحظ جميع الناس الطموحين. ماذا يحدث عندما تكون طَموحًا؟ تفكِّر في نفسك فقط، أليس كذلك؟ تكون عديم الرأفة، تنحِّي غيرك من الناس لأنك تسعى في تحقيق طموحك، تسعى في أن تصير شخصًا مهمًّا، فتوجِد بذلك في المجتمع النزاع بين الناجحين وبين المتخلِّفين عن الركب، فتنشب معركة دائمة بينك وبين الآخرين الساعين هم أيضًا في الحصول على ما تريد. فهل هذا النزاع منتج لحياة مبدعة؟ هل تفهم، أم أن هذا أصعب من أن تفهمه؟

هل تكون طَموحًا حين تحب أن تفعل شيئًا من أجل ذاته؟ حين تفعل شيئًا بكيانك كله، لا لأنك تبتغي الوصول إلى منصب ما، ولا لتحقق مزيدًا من الربح، أو نتائج أعظم، بل ببساطة لأنك تحب أن تفعله – في ذلك، لا وجود للطموح، أليس كذلك؟ في ذلك، لا وجود للتنافس: فأنت لا تصارع أحدًا على المركز الأول. ألا ينبغي للتربية أن تساعدك على اكتشاف ما تحب حقًّا أن تفعله، بحيث إنك، من بداية حياتك إلى نهايتها، تعمل على شيء تشعر أنه يستحق العناء وله بنظرك مغزى عميق؟ – وإلا فستكون بائسًا بقية عمرك. فما لم تكن تعرف ما تريد فعله حقًّا، يسقط ذهنك في رتابة بحتة ليس فيها إلا الضجر والاضمحلال والموت. لذلك فمن المهم للغاية أن تكتشفوا، مادمتم في ريعان صباكم، ما هو الشيء الذي تحبون حقًّا أن تفعلوه؛ وهذا هو السبيل الأوحد إلى خلق مجتمع جديد.

سؤال: في الهند، كما في معظم البلدان الأخرى، تخضع التربية لرقابة الحكومة. فهل من الممكن، في ظل ظروف كهذه، تنفيذ تجربة من النوع الذي تصفه؟

كريشنامورتي: إذا لم تكن هناك مساعدة من الحكومة، ترى هل من الممكن لمدرسة من هذا النوع أن تنجو؟ ذاك ما يسأله هذا السيد. إنه يرى أن كل شيء في العالم بأسره يصير أكثر فأكثر خضوعًا لرقابة الحكومات، رجال السياسة، أو الناس من ذوي النفوذ الذين يريدون تشكيل أذهاننا وقلوبنا، يريدوننا أن نفكر بطريقة معينة. الميل السائد، سواء في روسيا أو في أي بلد آخر، هو نحو الرقابة الحكومية على التربية؛ وهذا السيد يسأل عما إذا كان ممكنًا لمدرسة من النوع الذي أتكلم عليه أن تنشأ من دون دعم حكومي.

الآن، ماذا تقول أنت؟ أتدري، إذا اعتقدتَ أن شيئًا ما مهم، أنه يستحق العناء حقًّا، فإنك ستنذر له قلبك، بصرف النظر عن الحكومات وأحكام المجتمع – وعندئذ سوف ينجح. لكن أغلبنا لا ينذرون قلوبهم لأي شيء، ولهذا نطرح هذا النوع من الأسئلة. إذا كنا – أنت وأنا – نشعر شعورًا حيويًّا أن عالمًا جديدًا يمكن له أن يوجد، عندما يكون كل واحد منا في حالة ثورة تامة، داخليًّا ونفسيًّا وروحيًّا، – إذ ذاك سننذر قلوبنا وأذهاننا وأجسامنا في سبيل إنشاء مدرسة ليس فيها شيء يسمَّى الخوف، بكل منطوياته.

سيدي، إن أي شيء ثوري حقًّا يخلقه قلة يرون ما هو حقيقي وينذرون أنفسهم للحياة وفقًا لتلك الحقيقة. لكن اكتشاف ما هو حقيقي يتطلب التحرر من التقليد، ما يعني التحرر من المخاوف كلها.


* J. Krishnamurti, This Matter of Culture, Victor Gollancz Ltd, London, 1974, pp. 9-15.

اليهود في فلسطين - موهنداس ك. گاندهي

الأثنين, أيلول 7th, 2009

اليهود في فلسطين*

المهاتما گاندهي

المهاتما گاندهي

تبلغتُ عدة رسائل تسألني التصريح بنظراتي حول المسألة العربية-اليهودية في فلسطين وحول اضطهاد اليهود في ألمانيا. وإن إقدامي على طرح نظراتي في هذه المسألة العويصة لا يخلو من تردُّد.

أنا متعاطف كليًّا مع اليهود؛ فقد عرفتُهم معرفة حميمة في جنوب أفريقيا، وبعضهم بات رفيق حياة. ومن خلال هؤلاء الأصدقاء، قُيِّض لي أن أعرف الكثير عن تعرُّضهم المديد للاضطهاد. لقد كانوا منبوذي المسيحية؛ والشبه كبير بين معاملة المسيحيين لهم ومعاملة الهندوس للمنبوذين: فقد تذرع القوم بالدين في كلتا الحالتين تبريرًا للمعاملة غير الإنسانية التي أنزلَتْ بهم جميعًا. وإذن فثمة لتعاطفي مع اليهود، إلى جانب الصداقة، سبب أشمل أعم.

لكن تعاطفي لا يعميني عن مقتضيات العدل. فالنداء من أجل الوطن القومي لليهود لا يستهويني كثيرًا؛ إذ هو يجد تسويغًا له في التوراة وفي إصرار اليهود على تمسُّكهم بالعودة إلى فلسطين. فلماذا لا يتأسُّون بشعوب الأرض الأخرى، فيتخذون وطنًا لهم ذلك البلد الذي يولدون فيه ويرتزقون؟

فلسطين ملك للعرب، تمامًا مثلما أن إنكلترا ملك للإنكليز وفرنسا ملك للفرنسيين. فمن الخطل وعدم الإنسانية فرض اليهود على العرب. ما يجري اليوم في فلسطين لا يقبل التبرير بأي ناموس أخلاقي للسلوك؛ وما من تسويغ للانتداب إلا التذرع بالحرب الأخيرة[1]. ولا ريب أنه من قبيل الجريمة ضد الإنسانية أن يُكرَه العربُ الأعزةُ على النزول عن فلسطين لليهود، جزئيًّا أو كليًّا، وطنًا قوميًّا لهم.

قد يكون البديل الأنبل هو الإصرار على معاملة عادلة لليهود حيثما يولدون ويترعرعون؛ فاليهود المولودون في فرنسا فرنسيون بالدقة، تمامًا كما أن المسيحيين المولودين في فرنسا فرنسيون. فإذا لم يكن لليهود من وطن سوى فلسطين، هل سيطيب لهم أن يُكرَهوا على مغادرة الأماكن الأخرى من العالم التي هم فيها مستقرون؟ هل يريدون وطنًا مزدوجًا يقيمون فيه كما يحلو لهم؟ إن هذا النداء من أجل الوطن القومي يقدِّم تبريرًا مدلَّسًا لطرد اليهود من ألمانيا.

لكن اضطهاد الألمان لليهود ليس له، على ما يبدو، نظير في التاريخ. فطغاة الماضي لم يذهبوا قط إلى الحدِّ الذي يبدو أن هتلر ذهب إليه؛ وهو يفعل ذلك بحماسة دينية: إنه يدعو إلى دين جديد قوامه قومية حصرية قتالية يصير باسمها أيُّ انتهاك للإنسانية عملاً إنسانيًّا يثاب عليه فاعلُه دنيا وآخرة. إن إجرام شاب بادي الجنون، لكنه جَسور، مافتئ يُبتلى به قومُه بشراسة لا تصدَّق. فإذا كان مقيضًا لحرب أن تكون مبرَّرة باسم الإنسانية ومن أجلها، فإن حربًا ضد ألمانيا، بهدف الحيلولة دون الاضطهاد التعسفي لشعب كامل، قد تكون مبرَّرة كل التبرير. لكني لا أؤمن بأية حرب. لذا فإن مناقشة الحجج المؤيدة لمثل هذه الحرب والحجج عليها تقع خارج أفقي أو نطاق اختصاصي.

إذا لم يكن بالوسع شنُّ حرب على ألمانيا، حتى ردًّا على مثل هذا الإجرام الذي يُرتكَب بحق اليهود، فلا يصح التحالف معها قطعًا؛ إذ كيف يُعقَد تحالفٌ بين أمَّة تدعي الانحياز إلى العدالة والديمقراطية وبين أمَّة تجاهر بعدائها لكليهما؟ أم أن بريطانيا باتت تنساق إلى الدكتاتورية المسلحة وإلى كل ما تعنيه؟

إن ألمانيا تبيِّن للعالم مدى فعالية استعمال العنف عندما لا يعرقله أيُّ رياء أو ضعف يرتدي رداء الإنسانية؛ وهي تبيِّن أيضًا مبلغ بشاعة ذلك العنف في عريه المروِّع ورعبه.

فهل بوسع اليهود أن يقاوموا هذا الاضطهاد المنظَّم السافر؟ هل من طريق لصون عزة نفسهم من غير أن يشعروا بالعجز أو بالخذلان؟ أراهن أن هناك طريقًا. فما من امرئ مؤمن بإله حي ينبغي أن يشعر بالعجز أو بالخذلان. إن يهوه – إله اليهود – إله شخصي الصفات أكثر من إله المسيحيين أو المسلمين أو الهندوس، على كونه، في الواقع ومن حيث الماهية، مشتركًا بين الجميع، وواحدًا لا شريك له، وعصيًّا على الوصف. ولكن بما أن اليهود ينسبون الشخصية إلى الله ويعتقدون أنه يحكم كل فعل من أفعالهم، فقد وجب عليهم ألا يشعروا بالعجز. فلو كنت يهوديًّا، ولدتُ في ألمانيا وكنت أطلب رزقي فيها، لأعلنتُها وطني بما لا يقل عن أطول الجوييم[2] الجرمان قامةً، ولتحديته أن يرديني قتيلاً أو أن يلقي بي في غيهب سجنه، ولرفضت أن أطرَد أو أخضع لمعاملة تمييزية؛ وفي قيامي بذلك، لما انتظرت أن ينضم إليَّ أصحابي من اليهود في المقاومة المدنية، بل لأيقنت أن الباقين في النهاية لا بدَّ أن يحذوا حذوي…

… والآن أوجِّه كلمة إلى يهود فلسطين. لا ريب عندي أنهم ماضون على ضلال. ففلسطين بالمفهوم الكتابي ليست أرضًا جغرافية؛ إنها في قلوبهم. أما إذا كان لا بدَّ لهم أن يتطلعوا إلى فلسطين الجغرافيا وطنًا قوميًّا لهم، فمن الخطل أن يدخلوها في ظل المدفع البريطاني؛ إذ إن منسكًا دينيًّا لا يصح أن يُتمَّم بمعونة أسنة الحراب أو القنابل. ليس لهم أن يستوطنوا فلسطين إلا بالوفاق مع العرب؛ بل عليهم أن يسعوا إلى كسب قلوب العرب: فالإله نفسه يحكم كلا القلبين العربي واليهودي. بوسعهم أن يواجهوا العرب بالـستياگراها[3] ويقدموا أنفسهم للقتل أو للرمي في البحر الميت من دون أن يرفعوا إصبعًا صغيرًا ضد العرب؛ ولسوف يجدون الرأي العالمي يؤيِّدهم في تشوُّقهم الديني. هناك مئات الطرق للتفاهم مع العرب، شريطة أن يستبعدوا معونة الحراب البريطانية. أما وأن الأمور على ما هي، فهم ضالعون مع البريطانيين في سلب شعب لم يسئ إليهم في شيء.

أنا لا أدافع عن تجاوُزات العرب. أتمنى عليهم أن يختاروا طريق اللاعنف في مقاومة ما يعتبرونه – محقِّين – تعدِّيًا لا مسوِّغ له على بلادهم. ولكن بحسب القوانين المقبولة للحق وللباطل، لا جناح على مقاومة العرب في وجه المظالم الطاغية.

فليبرهن اليهود الزاعمون أنهم "الشعب المختار" على صحة لقبهم باختيارهم طريق اللاعنف تزكيةً لحقِّهم بمكان لهم على الأرض. فكل بلد وطن لهم، بما في ذلك فلسطين، إنما ليس بالعدوان، بل بالخدمة المُحِبة. لقد بعث إلي صديق يهودي كتابًا بعنوان مساهمة اليهود في الحضارة من تأليف سيسل روث، وفيه مسرد بما فعله اليهود إغناءً للأدب والفن والموسيقى والمسرح والعلم والطب والزراعة إلخ. فبالعزيمة يستطيع اليهودي أن يرفض معاملتَه معاملةَ منبوذ الغرب، أن يرفض احتقاره أو التكبر عليه؛ بوسعه أن يستقطب انتباه العالم واحترامه بأن يكون الإنسان – خليقة الله المصطفاة – بدلاً من أن يكون بشرًا سرعان ما يسقط إلى درك البهيمة فيتخلى الله عنه. بوسعهم أن يضيفوا إلى مساهماتهم العديدة مساهمة العمل اللاعنفي الفائقة.

المترجم عن الإنكليزية: ديمتري أڤييرينوس


* Harijan, 26/11/1938.

[1] المقصودة هي الحرب العالمية الأولى (كُتب هذا المقال في العام 1938). (المحرِّر)

[2] كلمة عبرية مفردها جوي، وهي تسمية يطلقها اليهود على غير اليهود. (المحرِّر)

[3] مصطلح سنسكريتي (من ستيا، "الحق"، وأگراها، "قبض" = "الاستمساك بالحق") أطلقه گاندهي على منهاجه اللاعنفي وترجمه بـ"القوة النابعة من الروح". (المحرِّر)

ثمانية حوارات 4 من 8 - ج. كريشنامورتي

الأثنين, أيلول 7th, 2009

ثمانية حوارات*

4 من 8

ج. كريشنامورتي

السائل: عندي عادة واحدة مستحكمة؛ عندي عادات أخرى، لكنها ذات أهمية أقل. مازلت أكافح هذه العادة حصرًا منذ أن وعيت نفسي. أغلب الظن أنها تشكلت في طفولتي المبكرة، ويبدو أن لا أحد اهتم اهتمامًا كافيًا لتصحيحها آنذاك؛ وبالتدريج، مع تقدُّمي في السن، صارت متجذِّرة أكثر فأكثر عمقًا. وهي لا تختفي أحيانًا إلا لتعاود الظهور من جديد. ويبدو أني غير قادر على التخلص منها. أود أن أكون سيدًا عليها تمامًا؛ فقد صار التغلب عليها هوسًا عندي. فماذا يسعني أن أفعل؟

كريشنامورتي: يبدو مما تقول أنك استسلمت لعادة طوال سنين عديدة عديدة، وتراك نمَّيت عادة أخرى، عادة مكافحتها. وإذن فأنت تريد التخلص من عادة بتنمية عادة أخرى هي إنكار الأولى. أنت تكافح عادةً بعادة أخرى. وحين لا تقدر على التخلص من العادة الأولى تشعر بالذنب، بالعار، بالكآبة، وربما بالغضب من نفسك على ضعفك. لكن كلا العادة الأولى والثانية وجه من وجهَي العملة نفسها: من دون الأولى لا وجود للثانية؛ ومنه، فإن الثانية هي حقًّا استمرار للأولى كردِّ فعل. وإذن فلديك الآن مشكلتان، في حين كانت لديك في البداية مشكلة واحدة فقط.

السائل: أعرف ما سوف تقول لأنني أعرف ما تقول عن الوعي، لكنني لا أستطيع أن أكون واعيًا طوال الوقت.

كريشنامورتي: وإذن فلديك الآن عدة أشياء في الوقت ذاته: لديك في البدء العادة الأصلية، ثم الرغبة في التخلص منها، ثم الشعور بالإحباط من فشلك، ثم العزم على أن تكون واعيًا طوال الوقت. وهذه الشبكة نشأت لأنك في قرارة نفسك تريد أن تتخلص من تلك العادة بالذات؛ ذلك هو دافعك الأوحد، وأنت تتأرجح طوال الوقت بين العادة وبين مكافحتها. لست ترى أن المشكلة الحقيقية هي في التعود أصلاً، حسنًا كان أو سيئًا، وليس في مجرد عادة واحدة بعينها. وإذن فإن المسألة حقًّا هي: هل من الممكن كسر عادة ما دون بذل أي جهد، دون تنمية ضدها، دون قهرها عبر المراقبة المستمرة، وهي مقاومة؟ فالمراقبة المستمرة هي ببساطة عادة أخرى، بما أنها تتولد من العادة التي تحاول هذه المراقبة التغلب عليها.

السائل: أتعني أنني أستطيع أن أتخلص من العادة من غير توليد هذه الشبكة المعقدة من ردود الفعل عليها؟

كريشنامورتي: مادمت تريد التخلص منها فإن تلك الشبكة المعقدة من ردود الفعل تعمل فعليًّا. إرادة التخلص منها هي تلك الشبكة الرجعية. وإذن فأنت حقًّا لم توقف ردَّ الفعل العبثي على العادة هذا.

السائل: لكني، مع ذلك، يجب أن أفعل شيئًا حيالها!

كريشنامورتي: ذاك يشير أنك محكوم بهذه الرغبة الواحدة. هذه الرغبة وردود الفعل عليها ليست مختلفة عن العادة؛ إذ إن بعضها يقتات ببعض. الرغبة في التفوق ليست مختلفة عن الدونية؛ فالمتفوق هو المتدني، القديس هو الخاطئ!

السائل: فهل يجب علي فقط ألا أفعل شيئًا حيالها بتاتًا؟

كريشنامورتي: ما أنت فاعله حيالها هو تنمية عادة أخرى في مقابل العادة القديمة.

السائل: فإذا لم أفعل شيئًا، سأظل على العادة، ونعود إلى حيث ابتدأنا!

كريشنامورتي: هل نعود فعلاً؟ حين تعي بأن ما تفعله لكسر العادة هو تنمية عادة أخرى، لا مجال عندك إلا لعمل واحد، وهو ألا تفعل شيئًا ضد تلك العادة بتاتًا. كل ما تفعل يقع ضمن قالب العادات، وبالتالي فإن عدم فعلك شيئًا، شعورك بأنك غير مضطر إلى مكافحتها، هو أعظم أفعال الذكاء. إذا فعلت أي شيء إيجابي فأنت واقع من جديد في مجال العادات. أما إذا رأيت هذا رؤية واضحة جدًّا، يكون هناك شعور فوري بارتياح عظيم وبخفة عظيمة. فأنت الآن ترى أن مكافحة العادة الواحدة بتنمية أخرى لا ينهي العادة الأولى، فتكف عن مكافحتها.

السائل: عندئذ وحدها العادة تبقى، وليس من مقاومة لها.

كريشنامورتي: أي شكل من أشكال المقاومة يغذي العادة – لكن هذا لا يعني أنك ستستمر على العادة. فأنت تصبح واعيًا للعادة ولتنمية ضدها – وهي عادة هي الأخرى –، وهذا الوعي يبين لك أنك مهما فعلت حيال العادة هو من قبيل تشكيل عادة أخرى. فالآن، وقد رصدت هذه السيرورة برمتها، يقول ذكاؤك: "لا تفعل شيئًا حيال العادة، لا تولِها أي انتباه، لا تأبه لها، لأنك كلما أبهت لها صارت أكثر فاعلية." الذكاء الآن يعمل، وهو يشاهد. وهذه المشاهدة مختلفة اختلافًا تامًّا عن مراقبة مقاومة العادة، رد الفعل عليها. فإذا راودك الشعور بهذا الذكاء وهو يشاهد، إذ ذاك فإن هذا الشعور هو الذي سوف يعمل ويعالج العادة، لا رقابة التصميم والإرادة. وإذن فالمهم ليس العادة، بل فهم العادة الذي يولِّد الذكاء. وهذا الذكاء يبقى متيقظًا من غير وقود الرغبة، وهو الإرادة. في الحال الأولى تواجَه العادة بالمقاومة، وفي الحال الثانية لا تواجَه بتاتًا – وذلك هو الذكاء. فعل الذكاء يصعق المقاومة للعادة التي تتغذى عليها العادة.

السائل: هل يعني قولك أني تخلصت من عادتي؟

كريشنامورتي: تأنَّ، ولا تتسرع في افتراضك أنك تخلصت منها. فالأهم من العادة هو هذا الفهم، وهو الذكاء. هذا الذكاء مقدس ويجب، بالتالي، أن يُمسَّ بيدين طاهرتين، لا أن يُستغل في ألاعيب صغيرة تافهة. عادتك الصغيرة لا أهمية لها مطلقًا. إذا كان الذكاء حاضرًا فالعادة تافهة؛ أما إذا لم يحضر الذكاء فإن عجلة العادة هي كل ما لديك.


* Krishnamurti, Eight Conversations.
Copyright ©1969 Krishnamurti Foundation Trust, England.

الشيطان رمز إلى حرية الإنسان - فراس السواح

الأثنين, أيلول 7th, 2009

الشيطان رمز

إلى حرية الإنسان*

الفلسفة حكمة شخص بعينه أما الدين فهو حكمة شعب بأكمله / الأديان كلها متساوية ولا وجود لأديان حقيقية وأخرى زائفة

فراس السواح

يرى المفكر السوري فراس السواح أن الفلسفة تتلخص في كونها "حكمة" شخص بعينه، وهي برأيه نابعة من تكوين نفسي فردي وتربية ومحيط اجتماعي ووسط فكري؛ في حين يرى أن الدين هو حكمة شعب وثقافة بكاملها، تعاونت على صياغتها مغامرات فكرية وخبرات روحية كابدَها عدد كبير من الأفراد والأجيال المتتابعة.

فراس السواح

ويعتبر السواح أن ظاهرة الأديان، التي أسس لها أفراد مميزون وطبعوها بطابعهم، هي ظاهرة حديثة نسبيًّا في تاريخ "دين الإنسان"، لا تعود بتاريخها إلى ما قبل أواسط الألف الأول ق م، عندما ظهر زرادشت في فارس وبوذا في الهند، مشيرًا إلى أن الأديان كلها تقف على قدم المساواة، وتتمتع بدرجة واحدة من المشروعية، حيث لا وجود لأديان "حقيقية" وأخرى "زائفة"، ولا لأديان "بدائية" وأخرى "متطورة".

ح.س.

حسن سلمان: شهدتْ مسيرتك الفكرية منعطفَين أساسيين تنقَّلتَ خلالهما بين الفلسفة ودراسة الأسطورة وتاريخ الأديان، لتستقر في النهاية على المحور الثاني. فما الذي دفعك في البداية إلى دراسة الفلسفة؟ ثم ما سبب لجوئك فيما بعد إلى دراسة الأسطورة والدين؟

فراس السواح: يولد الإنسان ومعه دافع طبيعي إلى التساؤل. هذا الدافع يخبو لدى معظم الناس تحت ضغط الشروط المادية للحياة اليومية، بينما يبقى متأججًا لدى القلة. وأنا من هذه "القلة" التي بقيت أمينة على التساؤل، حتى بعدما رأت أن الأسئلة الكبرى لا جواب عنها، وتحوَّل لديها السؤال إلى ما يشبه الجواب!

ومَن يبقى "أمينًا على السؤال" يبحثْ حوله عن "المتسائلين" من أمثاله، لعله يجد لديهم ما يُعينه على حيرته العقلية والروحية. وهذا ما دفعني في سنوات الفتوة الأولى إلى دراسة الفلسفة، بعد أن تبيَّن لي أن الفيلسوف لا يجيب عن أسئلة متفرقة منعزلة، وإنما عن عدد من الأسئلة الأساسية التي تقود الإجابة عنها إلى تشكيل نظرة كلِّية إلى العالم والإنسان والحياة.

على أني ما لبثت أن ضقت ذرعًا باختلاف الفلسفات وتعارُضها، وتبيَّن لي أن تاريخ الفلسفة قد ترك لنا من الفلسفات عددًا مساويًا لعدد مَن ظهر من الفلاسفة، وأن كل فلسفة تدَّعي لنفسها امتلاك الحقيقة وتهدم ما بنتْه الفلسفات السابقة، وأن كل فيلسوف يعمل على تفنيد مَن سبقوه ليقع بعد ذلك ضحية تفنيد مَن يأتون بعده!

وفي اختصار، فقد تركتْني دراسة الفلسفة في حيرة لا تقل عن حيرتي قبل دراستها، وتلاشى حلمي بفلسفة إنسانية متسقة، تعمل عقول البشر على بنائها في تعاوُن وتناغُم وتجاوُز مبدع، بحيث يكمل كل جيل من حيث انتهى الجيل السابق – وهو حلم مغرق في الرومانسية على كل حال! خيبة الأمل هذه هي التي دفعتْني في اتجاه دراسة تاريخ الأديان.

ح.س.: في السياق ذاته، تقول في أحد الحوارات معك: "الفلسفة هي نتاج فكري لشخص بعينه، سواء كان ديكارت أم كانط أم هيگل أم ابن رشد؛ أما الدين فيمثل حكمة ثقافة بأكملها. فإذا أردنا فهم الإنسان علينا أن نفهم أدبياته الدينية قبل أدبياته الفلسفية." حبذا توضيحك هذه الفكرة.

ف.س.: الدين والفلسفة صنوان من حيث إثارتُهما للأسئلة الأساسية وادعاؤهما تقديم أجوبة نهائية عنها. ولكن ما يميز الدين عن الفلسفة هو أن الفلسفة حكمة شخص بعينه، تحكم نظرتَه شروط ذاتية خاصة، من تكوين نفسي فردي وتربية ومحيط اجتماعي ووسط فكري وما إلى ذلك. أما الدين فهو حكمة شعب وثقافة بكاملها، تعاونتْ على صياغتها مغامرات فكرية وخبرات روحية كابدَها عدد كبير من الأفراد والأجيال المتتابعة.

الدين، من حيث نشأتُه وأصلُه، لا ينطلق من أفكار شخص بعينه في زمان أو مكان محدد. فديانات العالم القديم – مصرية وسورية ورافدينية ويونانية إلخ – لا "مؤسِّس" لها؛ وسؤالك لشخص ما من ذلك العصر عن "البدايات" الأولى لديانته، أو عن عهد "مؤسِّس" تلك الديانة، قد يبدو له بلا معنى، لأن ديانته موجودة منذ البدايات الأولى لظهور الإنسان. وينطبق هذا على العديد من الديانات القديمة التي لا تزال حية إلى اليوم، مثل الهندوسية في الهند والشنتوية في اليابان. فالهندوسي اليوم، مهما أعمل تفكيرَه وتأمل في الماضي، لا يستطيع أن يحدد تاريخًا ما لظهور الهندوسية كديانة تامة التكوين أو أن يعزو تأسيسها إلى شخص بعينه.

إن ظاهرة الأديان التي أسَّس لها أفراد مميزون وطبعوها بطابعهم هي ظاهرة حديثة نسبيًّا في تاريخ دين الإنسان، ولا تعود بتاريخها إلى ما قبل أواسط الألفية الأولى قبل الميلاد، عندما ظهر زرادشت في فارس وبوذا في الهند. ومع ذلك، فإن بوذا أو زرادشت، لو بُعِثَ حيًّا بيننا اليوم، لَما استطاع التعرف إلى تعاليمه الأولى في الديانة المنسوبة إليه! فلقد تعاونت بعدهما عقول أتباعهما على إغناء الموروث القديم وتطويره والإضافة إليه. وتبدو حركية الدين في شكل أوضح عندما ينتقل إلى خارج بيئته الأصلية التي ولد فيها: فبوذية شري لنكا اليوم هي غير بوذية الصين، وهذه غيرها في كوريا أو اليابان.

هذه الخاصية الحركية للدين تنسحب أيضًا على ما اصطُلِح على تسميته بـ"أديان الوحي" أو "الأديان السماوية": فكتاب التوراة يشف عن مستويات متراكِبة من الخبرة الدينية، بحيث نرى أن دين إبراهيم هو غير دين موسى، ودين عصر القضاة مختلف عن دين عصر الملوك؛ وهذا ينطبق على دين ما قبل السبي [البابلي] ودين ما بعده. وفي النهاية، نجد أن يهودية اليوم لا تقوم على أسُس توراتية بقدر قيامها على أسُس تلمودية. فإذا انتقلنا إلى المسيحية، وجدنا أنها مدينة لتعاليم بولس الرسول أكثر منها لتعاليم يسوع الأصلية. كما عبَّر الدين الإسلامي عن حركية لا تقل عن غيره من الأديان، وذلك من خلال المذاهب الفقهية ومدارس علم الكلام والصيغ المتنوعة للطوائف والمذاهب الإسلامية والطرق الصوفية.

وهذا يقودني إلى القول بأن النص المقدس لا يتحكم في مسيرة الفكر اللاحق عليه بقدر ما يقع هو نفسه تحت سلطة ذلك الفكر، من خلال تفسيره وتأويله وفرض معاني جديدة عليه نابعة من سياق التطور التاريخي. ففي حين يبقى النص قابعًا وراء ستارة من القداسة السكونية، فإن الواقع يتجاوزه من خلال فكر دينامي يعلن عدم الإذعان له.

ح.س.: يرى بعضهم أن كتابك مغامرة العقل الأولى[1]، الذي يُعتبَر أحد نماذج نقد الفكر الديني، يكمِّل بشكل أو بآخر ما قام له المفكر صادق جلال العظم في كتابه نقد الفكر الديني[2]. فما رأيك في ذلك؟

ف.س.: تمتعت كلمة "نقد" في الثقافة العربية بتاريخ طويل من السمعة السيئة! وهي تعني اليوم، في أذهان الكثيرين، إظهار الجوانب السلبية للظاهرة المدروسة انطلاقًا من حكم مسبق عليها. أما من حيث الأصل، فإنها تعني الدراسة الموضوعية للظاهرة من أجل تبيين ما لها وما عليها.

كتاب صادق جلال العظم ينطبق عليه المعنى الأول للكلمة: فهو ينطلق أصلاً من موقف مُعادٍ للدين. أما أنا فأنطلق من موقف متعاطف مع الدين، موقف مَن يود فهم الظاهرة الدينية، لا إطلاق حكم قيمة عليها. وأنا في ذلك أستعمل منهجًا فينومينولوجيًّا [ظاهراتيًّا] يقوم على الوصف الموضوعي دون التوصل إلى أحكام. وقد كان كتابي مغامرة العقل الأولى بمثابة الخطوة الأولى في هذا المنهج الذي لم أحِدْ عنه فيما بعد، وبلغ حدَّ النضج في كتابي دين الإنسان[3].

ح.س.: ما الفرق بين الأسطورة والدين؟ وأيهما سبق الآخر؟ وكيف يتبادلان التأثير؟

ف.س.: إن النظرة الفاحصة إلى تاريخ أديان الإنسان تكشف لنا عن بنية موحدة للدين، أنَّى التقينا به كظاهرة ثقافية رائدة ومتى. وهذه البنية تقوم على عدد من المكونات الأساسية التي لا نستطيع التعرف إلى هذه البنية من دونها، وهي: المعتقد والطقس والأسطورة.

يتألف المعتقد من عدد من الأفكار الواضحة والمباشرة، تعمل على رسم صورة ذهنية لعالم المقدسات، وتوضح الصلة بينه وبين عالم الإنسان. وغالبًا ما تصاغ هذه المعتقدات في شكل صلوات وتراتيل.

ولكن الأفكار وحدها لا تصنع دينًا إلا عندما تدفعنا إلى سلوك وفعل، فننتقل من التأمل إلى الحركة، من التفكير في العوالم القدسية إلى اتخاذ مواقف عملية منها، فنتقرب منها أو نسترضيها، نسخِّر قواها لمصلحتنا أو ندرأ غضبها عنا – وهذا هو الطقس. فإذا كان المعتقد حالة ذهنية فإن الطقس هو حالة فعل من شأنها إحداث رابطة: فمن خلال الطقس نقتحم على المقدس "حرمته"، إذا صحَّ التعبير، ونفتح قنوات اتصال معه.

أما الأسطورة فهي، من حيث الشكل، قصة تحكُمُها مبادئ السرد القصصي، من حوادث وحبكة درامية وعقدة وشخصيات وما إليها، وغالبًا ما تجري صياغتها في قالب شعري يساعد على ترتيلها في المناسبات الطقسية وتداوُلها شفاهًا. أما من حيث مضمونُها، فإنها تُعنى برسم صورة للآلهة، توضح شخصياتها ووظائفها ومهماتها وعلائقها بعضها مع بعض ومع عالم الإنسان ومع الطبيعة. فالأسطورة، والحال هذه، تعمل في خدمة الدين وتعمل على توضيح عقائده عن طريق السرد القصصي.

ح.س.: يرى بعضهم صعوبة في التمييز بين مصطلح "الأسطورة" وبين مصطلحات أخرى، مثل "الملحمة" و"الخرافة". فما هو برأيك معيار التفرقة بين هذه المصطلحات؟

ف.س.: هنالك عدة أجناس أدبية شبيهة بالأسطورة، منها الخرافة والحكاية البطولية والحكاية الشعبية والملحمة وحكايات الجن… ولعل الوقت يطول بنا إذا حاولت في هذا المجال الضيق تقديم تعريف بهذه الأجناس؛ لذا سوف أكتفي بإيراد المعيار الأساسي الذي نستطيع من خلاله التمييز بين الأسطورة وغيرها، وهو معيار القداسة.

فالأسطورة حكاية مقدسة ذات مضمون عميق يشف عن معانٍ ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان. ويؤمن أتباع كل دين بصدق الأحداث التي تقصُّها أساطيره وبصحة ما تحاول تقديمه لهم من مضامين. فالأسطورة ترتبط بنظام ديني معين وتتشابك مع معتقدات ذلك النظام وطقوسه؛ وهي تفقد مقومات وجودها كلها إذا انهار ذلك النظام الديني الذي تنتمي إليه، فتتحول إلى حكاية دنيوية تنتمي إلى نوع آخر من الأنواع الأدبية الشبيهة بالأسطورة.

ح.س.: تكلمت في كتابك دين الإنسان على مسألة وحدة الخبرة الدينية. والسؤال هو: ما الفرق بين هذا الرأي وبين ما ذهب إليه فلاسفة الصوفية من القول بـ"وحدة الأديان"؟

ف.س.: في كتاب دين الإنسان حاولت، انطلاقًا من مقاربة ظاهراتية [فينومينولوجية]، البحث عما هو مشترك وعام بين أديان الإنسانية عبر تاريخها، مبتدئًا من أبعد مرحلة في التاريخ أمكن لنا عندها تبيُّن وجود حياة روحية للإنسان، وهي مرحلة إنسان نياندرتال Homo sapiens nianderthalensis، وذلك من أجل الكشف عن البنية الجوهرية للدين والتوصل إلى تعريف جامع له تنضوي تحته الأديان كلها، من أكثرها بساطة إلى أكثرها تركيبًا وتعقيدًا.

وقد توصلت إلى نتيجة مفادها أن الأديان كلها تقف على قدم المساواة، وتتمتع بدرجة واحدة من المشروعية، حيث لا وجود لأديان "حقيقية" وأخرى "زائفة"، ولا لأديان "بدائية" وأخرى "متطورة". ذلك أن المفهوم الحديث للتطور، الذي سيطر على الفكر الحديث منذ أواسط القرن التاسع عشر، لا ينطبق على حياة الإنسان الروحية والعاطفية.

قد يكون المنكاش الحجري أكثر بدائيةً من المحراث المعدني، وهذا بدوره أكثر بدائيةً من الجرار الحديث، وقد يكون السهم الذي يُطلَق من أنبوبة النفخ أكثر بدائيةً من السهم الذي يُطلَق من القوس، وهذا بدوره أكثر بدائيةً من البندقية الحديثة؛ ولكن مَن يستطيع القول بأن الأديان المتأخرة، التي يمتلئ تاريخها بالتعصب والاضطهاد وملاحقة الهراطقة والحروب الشاملة، هي "أكثر تطورًا" من الأديان "البدائية" التي تتسم بالتسامح مع جميع المعتقدات؟!

فراس السواح

أما عن الصوفية التي أشرتَ إليها في سؤالك، باعتبارها نموذجًا لوحدة الأديان، فإنها – لعمري – كذلك! فالصوفي، سواء كان تاويًّا أو هندوسيًّا أو بوذيًّا أو يهوديًّا أو مسيحيًّا أو مسلمًا، قد اخترق بخبرته الروحية المباشرة الأطُرَ الشكلانية للدين المؤسساتي كلها، وأقام في الحقيقة التي تشترك فيها الأديان كلها.

ح.س.: تشير في كتابك الأسطورة والمعنى[4] إلى وجود نزعة توحيدية واضحة في أديان الشرق القديم، التي يقوم معتقدها على الإيمان بإله واحد أعلى خَلَقَ بقية الآلهة. لكنك تقول في عدة محاضرات ألقيتَها: "إما أن تكون كلُّ الديانات سماويةً أو تكون وضعيةً كلُّها." هل يعني ذلك أنك تساوي بين المعتقدات السماوية والمعتقدات الوثنية؟! وما هو الأساس الذي تعتمده في ذلك؟

ف.س.: لا يوجد في أية ديانة توحيدية مفهوم عن إله منفرد يشغل وحده الحيز الماورائي للوجود. فالإله الخالق، عندما أظهر العالم إلى الوجود وقرر الدخول في تاريخه، خلق مع البشر على الأرض كائنات أخرى في السماء، هي الرهط الذي يحيط به وينفذ أوامره ويكون بمثابة الصلة بينه وبين العالم المادي وكائناته، وجعل لكلٍّ من هذه "الملائكة" مهمة ووظيفة.

هذا التصور القائم لعالم الألوهية هو الذي تقوم عليه الديانات التي ندعوها بـ"الوثنية" أيضًا. فالإله الأزلي القديم، عندما قرر خلق العالم، خلق في الوقت نفسه مجموعةً من الآلهة الأصغر ومنَحَها القوة والسلطان على مظاهر الكون المتنوعة.

إن الإله المتربع على سدة الكون في المعتقدات الوثنية يمثل جوهر الألوهية المطلقة؛ أما بقية الآلهة "المخلوقة" فمنه تستمد الوجود والقدرة: إنها أشبه بالشرارات المنبعثة من جذوة نار أزلية متقدة. وهذا، في رأيي، يجعل الحدَّ الفاصل بين معتقد "التوحيد" ومعتقد "الشرك" على غير ما نشتهي من الوضوح!

أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال فأقول: إذا كان الوحي حقيقة قائمة بين الله والناس، فلماذا كان على الله أن ينتظر حتى هذا الوقت المتأخر من تاريخ البشرية لكي يعلن عن نفسه من خلال ثلاثة أديان يحتكر كلٌّ منها لنفسه معرفة الله الحق؟! إذا كان الوحي حقيقة، فقد كان هذا الوحي متصلاً دون انقطاع، والبشر جميعًا عرفوا الله عبر تاريخهم الديني – كل ثقافة بما يتناسب ووضعها في سياق الارتقاء الثقافي.

في هذا الموضوع يقول محيي الدين بن عربي في كتابه فصوص الحكم إن كل المعبودات التي توجَّه إليها البشر، في كل زمان ومكان، لم تكن في واقع الحال غير "مَجالٍ" لأسماء الله، وإن التوجه إليها بالعبادة لم يكن إلا طريقًا إلى معرفة الله الحق، لأن الله قال في كتابه العزيز: "وقضى ربُّك ألا تعبدوا إلاَّ إيَّاه" [سورة الإسراء 23]، ولم يقل "وأمَرَ ربك ألا تعبدوا إلا إياه". فكل "عبادة"، والحال هذه، لغير الله مآلُها في النهاية إليه: "فإن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه مَن يعرفه ويجهله مَن يجهله. فما عُبد غيرُ الله في كل معبود" [ابن عربي، الفصوص]. هذا ما أعنيه بقولي بأن الأديان كلها إما أن تكون سماوية أو أن تكون وضعية.

ح.س.: في كتابك الرحمن والشيطان[5]، ثمة مفهوم ملتبس عن الحرية التي تقول إنها "الأمانة" التي حملها الإنسان، في حين أبَتِ السماوات والأرض والجبال حَمْلَها [سورة الأحزاب 72]؛ ثم تقول في موضع آخر إن الشيطان هو "رمز الحرية في الإنسان"، وهو الذي يعطيها المعنى. كيف تحدد العلاقة بين أقانيم ثالوث الرحمن والشيطان والإنسان؟

ف.س.: يقوم الوجود على تناقُض الأضداد وتعاوُنها. كل شيء يُنتج نقيضَه ويتعاون معه على إنتاج حالة تكامُل وتوازُن واستقرار: النور يقابل الظلام، والجاف يقابل الرطب، والحرارة تقابل البرودة، والحركة تقابل السكون، والسماء تقابل الأرض، والذكر يقابل الأنثى، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية.

وعلى المستوى الأخلاقي، فإن الخير يقابل الشر. وكما هي الحال في جميع المتعارضات، فإنه لا خير بلا شر، والعكس صحيح، لأن كلاً منهما يعمل على إظهار الآخر. وقد قام الفكر الديني الثنوي، الذي تمثل له الغنوصية والزرادشتية والمانوية، بتجسيد النوازع الخيرة والنوازع الشريرة في النفس الإنسانية في إلهين: واحد يحض على الخير وآخر يوسوس بالشر؛ وعلى الإنسان أن يستعمل حريته من أجل الاختيار في سلوكه بين الطريقين. فهو الكائن الحر الوحيد، الكائن الذي لا توجِّهه الغرائز الطبيعية وحدها، وإنما ضمير يعي وجود الخير والشر في العالم.

وقد سارت الديانات التوحيدية بعد ذلك على النهج نفسه، لكنها استبدلت بشخصية إله الشر شخصيةَ الشيطان أو إبليس. وهذا معنى قولي إن الشيطان هو رمز إلى حرية الإنسان، لأنه من دون الشيطان لا يوجد خيار، ومن دون الخيار لا توجد حرية، ومن دون الحرية يتحول الإنسان إلى كائن "طبيعاني" غير عاقل، شأنه شأن بقية كائنات الأرض.

التقاه: حسن سلمان



* عن موقع الأوان: http://www.alawan.org.

[1] راجع: فراس السواح، مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة، طب 1: دمشق، 1978.

[2] راجع: صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، طب 7: دار الطليعة، بيروت، 1994.

[3] راجع: فراس السواح، دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني، طب 1: دمشق، 1994.

[4] راجع: فراس السواح، الأسطورة والمعنى: دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية، طب 1: دمشق، 1997.

[5] راجع: فراس السواح، الرحمن والشيطان: الثنوية الكونية ولاهوت التاريخ في الديانات المشرقية، طب 1: دمشق، 2000؛ راجع كذلك سماوات: http://samawat.org/book_reviews/merciful_satan_sawah_dna.

ثمانية حوارات 3 من 8 - ج. كريشنامورتي

الأحد, أيلول 6th, 2009

ثمانية حوارات*

3 من 8

ج. كريشنامورتي

السائل: أرى أهمية إنهاء الخوف، الأسى، الغضب، وكل كدح الإنسان. أرى أن على المرء أن يحرص على وضع أسُس السلوك الطيب، الذي يدعى عمومًا بالاستقامة، وعلى أن لا توجد في ذلك كراهية ولا حسد ولا شيء من الوحشية التي يعيش فيها الإنسان. أرى كذلك أنه لا بدَّ من الحرية، لا بمعنى التحرر من شيء بعينه، بل الحرية في ذاتها، وأن المرء يجب ألا يبقى دومًا حبيس متطلباته ورغباته. أرى هذا كله رؤية واضحة جدًّا وأحاول – وإنْ تكن ربما قد لا تحب كلمة "محاولة" – أن أعيش على هدي من هذا الفهم. استغرقت في ذاتي إلى حدٍّ ما. لم يعد يقيدني أي شيء من أشياء هذا العالم، ولا أي دين من الأديان. والآن أود أن أسأل: إذا سلَّمنا جدلاً أن المرء حر، ليس خارجيًّا وحسب بل داخليًّا، من كل بؤس الحياة وبلبلتها، ماذا يوجد هناك فيما يتعدى الجدار؟ حين أقول "الجدار"، أعني الخوف، الأسى، والضغط الدائم للفكر. ماذا يوجد هناك مما يمكن أن يُرى حين يكون الذهن هادئًا، وليس ملتزمًا أيَّ نشاط بعينه؟

كريشنامورتي: ماذا تعني بقولك: "ماذا يوجد هناك"؟ أتعني شيئًا يُدرَك، يحَسُّ، يُختبَر، أو يُفهم؟ أتراك تسأل ما هي الاستنارة؟ أم أنك تسأل ماذا يوجد هناك حين يتوقف الذهن عن شروده كله ويؤول إلى الهدوء؟ هل تسأل ماذا يوجد هناك على الجانب الآخر حين يكون الذهن ساكنًا حقًّا؟

السائل: أسأل هذه الأشياء كلها. فحين يكون الذهن ساكنًا يبدو وكأنه لا يوجد شيء. لا بدَّ أن هناك شيئًا على جانب هائل من الأهمية يُكتشَف خلف الفكر كله. البوذا، وواحد أو اثنان سواه، تكلموا على شيء هو من الشساعة بحيث لم يكن بوسعهم التعبير عنه بكلمات. البوذا قال: "لا تقيسوا بالكلمات ما لا يقاس." كلنا عرفنا لحظات كان الذهن فيها ساكنًا سكونًا كاملاً، ولم يكن في الأمر حقًّا شيء بهذه العظمة كلها؛ كان مجرد فراغ. ومع ذلك، ينتاب المرءَ شعورٌ بأن هناك شيئًا شديد القرب، بمجرد أن يُكتشف، يحوِّل الحياة بأسرها. ولعله يبدو، مما قاله الناس، أن ذهنًا ساكنًا ضروري لاكتشاف هذا. أرى، كذلك، أن وحده ذهن غير مزدحم، ساكن، يستطيع أن يكون فعالاً ونافذ البصيرة بحق. لكنْ لا بدَّ أن هناك شيئًا أكثر من مجرد ذهن غير مزدحم، ساكن، شيئًا أكثر بكثير من ذهن طازج، ذهن بريء، أكثر حتى من ذهن مُحِب.

كريشنامورتي: فما هو السؤال الآن؟ لقد صرحتَ بأن ذهنًا هادئًا، حساسًا، يقظًا، ضروري، لا لتكون فعالاً وحسب، بل لتدرك الأشياء من حولك وفي نفسك أيضًا.

السائل: جميع الفلاسفة والعلماء يدركون شيئًا ما طوال الوقت. بعضهم ذكي ذكاءً ملحوظًا، والعديد منهم مستقيم حتى. لكنك حين تنظر في كل ما أدركوه أو اخترعوه أو عبروا عنه، تجده بلا قيمة تُذكَر، وليس فيه قطعًا أي إشعار بشيء إلهي.

كريشنامورتي: أتراك تسأل إنْ كان هناك شيء مقدس فيما يتعدى هذا كله؟ هل تسأل إنْ كان هناك بُعد مختلف يستطيع الذهن أن يحيا فيه ويدرك شيئًا ليس مجرد صياغة عقلية للمُكْر؟ هل تسأل بطريقة مواربة إنْ كان يوجد شيء سام أو لا يوجد؟

السائل: لقد قال عدد كبير من الناس بأكثر ما يمكن من الإقناع بأن هناك كنز هائل هو منبع الوعي. جميعهم متفقون على أنه عصيٌّ على الوصف؛ لكنهم مختلفون على كيفية إدراكه. ويبدو أنهم جميعًا يعتقدون أن الفكر يجب أن يتوقف قبل أن يتاح له أن يتجلى. بعضهم يقول إنه المادة المصنوع منها الفكر بالذات، وهكذا دواليك. جميعهم متفق على أنك لا تحيا حقًّا ما لم تكتشفه. وأنت نفسك، على ما يبدو، تقول نوعًا ما الشيء نفسه. غير أني لا أتبع أية طريقة أو منهج أو گورو [معلِّم] أو معتقَد. لا أحتاج إلى أيٍّ من هذه الأمور لتخبرني بوجود شيء متعالٍ. حين تنظر إلى ورقة نبات أو إلى وجه، تراك تدرك أن هناك شيئًا أعظم بكثير من التفسيرات العلمية أو البيولوجية للوجود. يبدو أنك شربت من هذا الينبوع. نحن نستمع إلى ما تقول. وأنت حريص على تبيين تفاهة الفكر ومحدوديته. ونحن نستمع، نتفكر، ونقع على سكون جديد. النزاع ينتهي فعلاً. ولكن ماذا بعد؟

كريشنامورتي: لماذا تسأل هذا؟

السائل: أنت تسأل رجلاً أعمى لماذا يريد أن يبصر!

كريشنامورتي: لم يُسأل السؤال كمناورة ذكية، أو للفت النظر إلى أن ذهنًا صامتًا لا يسأل شيئًا بتاتًا، بل للتأكد من أنك تبحث فعلاً عن شيء متعالٍ. فإذا كنت تبحث، ما هو الدافع وراء ذلك البحث؟ – الفضول، إلحاح الاكتشاف، أو الرغبة في رؤية جمال لم ترَ مثيله من قبل. أليس مهمًّا بنظرك أن تكتشف بنفسك فيما إذا كنت تطلب المزيد، أم أنك تحاول أن ترى الـماهو بالضبط؟ الإثنان متنافران. فإذا استطعت أن تنحِّي المزيد، فإننا عندئذٍ نكون مهتمَين فقط بالـماهو حين يكون الذهن صامتًا. ماذا يحدث فعليًّا حين يكون الذهن هادئًا حقًّا؟ ذلك هو السؤال الحقيقي، أليس كذلك، وليس ما هو متعالٍ أو ما يكمن أبعد؟

السائل: سؤالي هو عما يكمن أبعد.

كريشنامورتي: ما يكمن أبعد لا يمكن إيجاده إلا إذا كان الذهن ساكنًا. قد يكون هناك شيء، وقد لا يكون هناك شيء بتاتًا. وإذن فإن الشيء الوحيد المهم هو أن يكون الذهن ساكنًا. مرة أخرى، إذا كنتَ مهتمًّا بما يكمن أبعد، فأنت عندئذ لا تنظر إلى ماهية حالة السكون الفعلي. إذا لم يكن السكون بنظرك غير مجرد باب إلى ما يكمن أبعد، فأنت غير مهتم بذلك الباب، في حين أن المهم هو الباب بالذات، هو السكون بعينه. لذا لا يمكن لك أن تسأل ماذا يكمن أبعد. الشيء الوحيد المهم هو أن يكون الذهن ساكنًا. إذ ذاك ماذا يحدث؟ ذاك كل ما يهمُّنا، لا ما يكمن أبعد من الصمت.

السائل: أنت على حق. فليس للصمت من أهمية بنظري إلا كبوابة.

كريشنامورتي: كيف لك أن تعرف أنه بوابة وليس الشيء بحدِّ ذاته؟ الوسيلة هي الغاية، وهما ليستا شيئين منفصلين. الصمت هو الواقعة الوحيدة، وليس ما تكتشف من خلاله. فلنبقَ عند الواقعة، ولنرَ ما هي تلك الواقعة. من عظيم الأهمية – ولعله من أعظم الأهمية – أن يكون هذا الصمت صمتًا بحدِّ ذاته وليس شيئًا محرَّضًا كوسيلة إلى غاية، ليس شيئًا محرَّضًا من خلال المخدرات أو المنهج أو ترداد الكلمات.

السائل: الصمت يأتي من تلقاء ذاته، من غير دافع ومن غير سبب.

كريشنامورتي: لكنك تستعمله كوسيلة!

السائل: لا، فقد عرفتُ الصمت، وأجد أنه لا يحدث شيء.

كريشنامورتي: هذه هي المسألة برمتها. ليس هناك من واقعة أخرى غير الصمت الذي لم يُستدعَ، لم يحرَّض، لم يُسعَ إليه، بل هو النتيجة الطبيعية للرصد ولفهم المرء نفسَه والعالمَ حواليه. وفي هذا لم يكن هناك مِنْ دافع جَلَبَ الصمت. إذا وُجِدَ أي ظل أو شك في وجود دافع، إذ ذاك يكون هذا الصمت موجَّهًا ومتعمَّدًا، وبالتالي فهو ليس صمتًا على الإطلاق. إذا كنت تستطيع أن تقول صادقًا إن ذلك الصمت صمت حر، إذ ذاك فإن ما يحدث فعليًّا في ذلك الصمت هو همُّنا الوحيد. ما هي صفة ذلك الصمت وما هو جوهره؟ هل هو سطحي، عابر، قابل للقياس؟ هل أنت تعيه بعد أن ينتهي أو في أثناء الصمت؟ إذا وعيت أنك كنت صامتًا، فهي ذاكرة وحسب، وبالتالي ميتة. إذا وعيت الصمت وهو يحدث، هل هو صمت؟ إذا لم يكن هناك من راصد – أي ما من حزمة من الذاكرات – هل هو صمت؟ هل هو شيء متقطع يجيء ويذهب بحسب كيمياء جسمك؟ هل يجيء وأنت وحدك، أو مع الناس، أو عندما تحاول أن تتأمل؟ ما نحن نحاول أن نكتشفه هو طبيعة هذا الصمت. هل هو غني أم فقير؟ (لا أعني غنيًّا بالخبرة، أو فقيرًا لأنه غير متعلِّم). هل هو ممتلئ أم ضحل؟ هل هو بريء أم هو مركَّب؟ من شأن الذهن أن ينظر إلى واقعة ولا يرى جمال تلك الواقعة، عمقها، خاصيتها. فهل من الممكن رصد الصمت من غير الراصد؟ حين يوجد الصمت، هناك صمت وحسب، ولا شيء سواه. ثم في ذلك الصمت ماذا يحدث؟ أهذا ما تسأل؟

السائل: أجل.

كريشنامورتي: هل هناك رصد للصمت بالصمت في الصمت؟

السائل: هذا سؤال جديد.

كريشنامورتي: إنه ليس سؤالاً جديدًا لو أنك كنت تتابع. الدماغ بكامله، الذهن، المشاعر، الجسم، كل شيء هادئ. فهل يمكن لهذا الهدوء، لهذا السكون، أن ينظر إلى نفسه، لا كراصد ساكن؟ هل يمكن لكلِّية هذا الصمت أن تشاهد كلِّيتها هي؟ الصمت يصبح واعيًا لذاته. وفي هذا ليس هناك أي تقسيم بين راصد ومرصود. تلك هي المسألة الرئيسية. هذا الصمت لا يستعمل ذاته لاكتشاف شيء يتعداه. يوجد ذلك الصمت وحسب. والآن انظر ما يحدث.


* Krishnamurti, Eight Conversations.
Copyright ©1969 Krishnamurti Foundation Trust, England.

في مفهوم النظرة إلى العالم - معين رومية

الأحد, أيلول 6th, 2009

في مفهوم النظرة إلى العالم

معين رومية*

يستعير هذا المفهوم حاسة البصر لتوضيح معناه: فالعين ترى ضمن حقل أو مجال للرؤية، أي أنها تستطيع مشاهدة ما يقع ضمن هذا الحقل أو المجال فقط؛ أما خارجه فليس في متناولها إلا إذا غيرت من زاوية الرؤية. فإذا ما انتقلنا من البصر إلى الفكر، فإن النظرة إلى العالم Weltanschauung (مصطلح ألماني = "رؤية العالم") تشير إلى حقل التفكير أو الساحة التي يعمل فيها الفكر. ويتفق المفكرون عمومًا على أن ثمة سمات مشتركة للنظرات إلى العالم التي أبدعتْها البشرية تتمثل بما يلي:

* هناك افتراضات عامة مسبقة عن الواقع، بما فيها نظرة الإنسان إلى الطبيعة ومكانته ضمنها.

* هناك قواعد عامة متفَق عليها يمارسها الناس ويقبلون بها لدى مقاربة المسائل والمشكلات التي تواجههم.

* أولئك المشتركون في نظرة ما إلى العالم يشتركون أيضًا في تعريف منطلقات مجتمعهم وأهدافه.

* الإيمان والثقة بأن حلول المشكلات توجد في سياق المنطلقات المسلَّم بها.

* في سياق نظرة ما إلى العالم، تقدَّم الحجج وتتأسس المناظرات والمجادلات بناءً على المعطيات والنظريات التي يقدمها المفكرون أو "الخبراء" في هذه النظرة (قد يكون هؤلاء فلاسفة أو علماء أو رجال دين إلخ).

* تتسم النظرة إلى العالم في حقبة معينة بأنها تهيمن على ميدان الفكر والعمل عمومًا؛ وغالبًا ما يُنبَذ أو يهمَّش مَن يحاولون نقد أسُس هذه النظرة أو الفحص عنها.

يقترب مفهوم النظرة إلى العالم من مفهوم الأنموذج الإرشادي الاجتماعي social paradigm الذي يعرَّف بأنه مجموعة متماسكة من المفاهيم والقيم والمعتقدات والعادات والمعايير التي تشكل إطارًا مرجعيًّا لجماعة من الناس (أمة مثلاً) في حقبة زمنية محددة؛ أي أنه صورة ذهنية عن الواقع الاجتماعي ترشد التوقعات والأهداف في المجتمع وتوجهها إبان فترة زمنية بعينها. ويُعد مفهوم النموذج الإرشادي الاجتماعي تعميمًا لمفهوم النموذج الإرشادي العلمي scientific paradigm الذي طرحه توماس كون وعرَّفه كمجموعة متماسكة من المكتسبات – المفاهيم والقيم والتقنيات – تتشارك فيها جماعة علمية وتستعملها كي تعرِّف المشكلات وحلولها المشروعة. وكما تحدث التغيرات في النماذج الإرشادية في انقطاعات غير متصلة ندعوها نقلات أنموذجية paradigm shifts، كذلك الأمر فيما يخص النظرات إلى العالم: فقد عايشت البشرية نظرات متعددة، كالنظرة الأسطورية والنظرة الدينية والنظرة العلمية الكلاسيكية، أو من ناحية التحقيب الزمني، نظرة القرون الوسطى والنظرة الحديثة.

النظرة الحديثة إلى العالم

نشأت النظرة الحديثة إلى العالم على أنقاض نظرة العصور الوسطى. وقد لعب العلم الكلاسيكي (وأساسه ميكانيكا نيوتن) دورًا رائسًا في بلورة هذه النظرة التي هيمنت على الغرب طوال القرون الثلاثة الماضية وأثرت على سائر أنحاء العالم. ويمكن لنا أن نلخص السمات الرئيسية للنموذج الإرشادي العلمي الكلاسيكي المبطون في هذه النظرة كما يلي:

* في أية منظومة مركَّبة complex، يمكن فهم الكل عن طريق فهم الأجزاء المكونة له: هذا يعني أن ما يتصف به الكل من خصائص ناجم عن خصائص أجزائه، أو بعبارة أخرى، أن الكل هو مجموع أجزائه؛ وبالتالي، ينبغي التوغل في التحليل إلى أجزاء أصغر فأصغر، حتى نصل إلى عناصر أساسية أو "لبنات بناء" أولية نصوغ أو نكتشف مبادئ ترابطها وقوانينه.

* التفكير بحسب البنية structure: ثمة بنى أساسية في الكون وقوى وآليات تتفاعل من خلال هذه البنى، مما يؤدي إلى ظهور السيرورات processes المختلفة.

* الموضوعية objectivity: يمكن لنا فهم ظواهر العالم الخارجي بدقة تامة فهمًا مستقلاً عن الراصد البشري؛ وإن طرائق البحث العلمي تكفل هذا الأمر.

* المعرفة تشبه البناء: ثمة قوانين أساسية أو قواعد تنهض عليها وتنتظم في مستويات معرفية متدرجة.

* المعرفة العلمية يقينية: يمكن، من حيث المبدأ، التنبؤ بالأحداث والتحكم فيها تحكمًا تامًّا.

* موقف الهيمنة على الطبيعة والسيطرة عليها بواسطة المعرفة العلمية.

الطبيعة في النظرة الحديثة إلى العالم

ليس ثمة مفهوم واحد عن الطبيعة جرى تداوُله عبر الزمان والمكان؛ فقد عدَّل الإنسان نظرته إلى الطبيعة عبر العصور. لكن الثابت أن رؤية الإنسان للطبيعة في عصر ما تتوقف على الخيال l’imaginaire المهيمن في ذلك العصر؛ وهذا الخيال تحدده قيود أو ضوابط، مثل شكل التنظيم الاجتماعي والدين والفن ودرجة تطور المعرفة العلمية والتكنولوجيات المستعمَلة إلخ. ومنه فقد تعددت نظرات الإنسان إلى الطبيعة بتعدد النظرات إلى العالم التي مرت على تاريخ البشر وبالتوافق معها. فلقد تزامنت الطبيعة السحرية، مثلاً، مع النظرة السحرية أو الأسطورية إلى العالم: يرى الفكر السحري أن الطبيعة عضوية organism حية، وهو يقوم في نظرته على افتراض أساسي هو التواكل interdependence بين عناصر الطبيعة المتنوعة، بما فيها الإنسان، ويرى في كل شيء يحدث في الطبيعة إشارة أو رمزًا أو أثرًا لمعنى ما.

وقد تزامن مفهوم الطبيعة-الآلة مع المذهب الآلي mechanistic world view في الحقبة الحديثة، أي إبان القرون 17-18-19، ولا يزال يهيمن على نظرتنا إلى الطبيعة حتى اليوم. ويرى المذهب الآلي أن الطبيعة تشبه الآلة: يكفي تفكيكها إلى أجزائها كي نمتلك معرفتها، وبالتالي، نقدر على السيطرة عليها والتحكم بها وتوجيهها نحو ما نريد من غايات. والافتراض الأساسي في هذه النظرة هو انفصال الإنسان عن الطبيعة المادية من حوله وقدرته على معرفتها والظفر بها بواسطة الطرائق العلمية. وقد انسجمت هذه النظرة مع موقف المردودية productivity التكنولوجية، أي استغلال موارد الطبيعة بأكبر قدر ممكن. وهذا الموقف، بدوره، توافَق مع التنظيم الرأسمالي للحضارة الحديثة (والمعاصرة)، الذي من مقوماته الرئيسية النزعة الاستهلاكية consumerism التي تغذي بأثر راجع موقف السيطرة والمردودية، بحيث يتحقق في النهاية هدف المشروع الرأسمالي في الربح غير المحدود.

والمشكلات البيئية التي تحولت إلى أزمة شاملة هي المآل المنطقي لهذه النظرة. ولذلك ثمة اليوم تيارات تدعو إلى نظرة جديدة إلى الطبيعة وإلى علاقة للإنسان بها تكون في نواة نظرة إلى العالم ترث النظرة الحديثة المهيمنة التي فات أوانها. ونقصد بذلك التيارات التي تنضوي تحت اسم التفكير الإيكولوجي ecological thinking الذي نشأ كردِّ فعل على ظهور مشكلات البيئة الطبيعية وتفاقمها إلى الحد الذي بات يهدد سلامة كوكب الأرض وبقاء أشكال الحياة المتنوعة، بما فيها النوع البشري.

النقد الإيكولوجي للنظرة الحديثة إلى العالم

ترجع كلمة إيكولوجيا ecology في أصلها اللغوي إلى اللغة الإغريقية، وتعني "منزل الأسرة" oikos؛ وقد انتقلت الدلالة لتشير إلى منزلنا-الأرض نحن البشر. وهي بذلك تعني دراسة العلاقات التكافلية التي تربط أعضاء منزلنا-الأرض، أي الكائنات الحية المختلفة والبيئات المادية المتنوعة التي تحيط بها. ثم أخذ علم الإيكولوجيا تعريفه النهائي باعتباره العلم الذي يدرس العلاقات التبادلية بين الكائن الحي والبيئة المحيطة به.

ثمة مفهومان رئيسيان تقدمهما الإيكولوجيا هما: المنظومة الإيكولوجية ecosystem والشبكة web. فالمنظومة الإيكولوجية مجتمع من الكائنات الحية وبيئتها المادية يتفاعلان كوحدة إيكولوجية متكاملة غير قابلة للاختزال؛ والشبكة هي النموذج الذي يرتبط وفقًا له أعضاء المنظومة الإيكولوجية. وكوكب الأرض هو المنظومة الشاملة التي تعشش ضمنها المنظومات الأصغر فالأصغر. ويعني نمط الارتباط الشبكي أنه ليس ثمة أسُس أو عناصر أهم من الأخرى، بل جميع أعضاء الشبكة مترابط ومتواكل بعضها على بعض؛ كما يعني أن المنظومة ككل هي أكثر من مجرد مجموع أجزائها لأنها تتصف بخصائص منبثقة منها لا يمكن اختزالها إلى خصائص الأجزاء.

ويرى الفكر الإيكولوجي، بعد أن تلاقَح مع العلوم الإنسانية والفلسفة، أن الترافق بين النظرة الحديثة إلى العالم وبين الفكر الغربي الأوروبي-الأمريكي جعل العواقب البيئية لهذه النظرة مدمِّرة، وذلك كنتيجة لعدة منطلقات أساسية مسبقة وجَّهت الفكر والعمل في سياقها، وهي:

* يختلف البشر اختلافًا أساسيًّا عن جميع المخلوقات الأخرى على الأرض، ولهم عليها سيادة كاملة.

* البشر سادة مصيرهم الخاص، في معزل عن الكائنات الأخرى و"مصالحها": فيمكن لهم اختيار أهدافهم كما يشاءون والقيام بما هو لازم لإنجازها.

* العالم ضخم وواسع، ولذلك فهو يؤمِّن للبشر فرصًا غير محدودة.

من جراء ذلك كله، أضحت للاعتبارات البيئية أهمية فائقة في عصرنا. فنحن نواجه حاليًّا سلسلة كاملة من المشكلات الكوكبية التي تُلحق الأذى بـالنطاق الحيوي ecosphere وبالحياة البشرية بطُرُق تنذر بأنها قد تغدو غير عكوسة irreversible. فإذا تمعنَّا في مشكلات زماننا الرئيسية أدركنا أنها لا يمكن أن يُفهم بعضُها في معزل عن بعض: فهي مشكلات مترابطة ومتواكلة. إن استقرار عدد سكان العالم، على سبيل المثال، سيكون ممكنًا فقط عندما يتناقص الفقر على مستوى العالم ككل، وإن انقراض الأنواع الحية بنسبة كبيرة سوف يستمر مادام نصف الكرة الجنوبي مثقل بالمديونية الباهظة، ومادام يسود مفهوم مشوَّه عن التقدم تعمِّمه الدول الصناعية وتختزله إلى النمو الاقتصادي المتسارع وازدياد المردودية، دونما اعتبار للجوانب الأخرى في الحياة.

يجب أن ننظر إلى مشكلات زماننا على أنها وجوه مختلفة لأزمة واحدة، هي، إلى حدٍّ كبير، أزمة إدراك crisis in perception: إنها تنجم عن إدراك للواقع لم يعد كافيًا للتعامل مع عالمنا المكتظ والمترابط. لذلك يقدِّم الفكر الإيكولوجي نقدًا للنموذج الإرشادي العلمي الكلاسيكي ويدعو إلى تجاوُزه، بما يؤدي إلى انبثاق نظرة جديدة إلى العالم يكون في أساسها:

* الانتقال من الفكر التحليلي الاختزالي إلى التفكير الكلاني holistic thinking: أي أن فهم الكل (ظاهرة معينة مثلاً) لا يتم عبر فهم الأجزاء فقط، بل لا بدَّ من فهم الكل أولاً، ومن خلال ذلك الفهم، العودة إلى فهم الأجزاء، لأن الكل يتصف بخصائص لا يمكن تفسيرها بخصائص الأجزاء، أي لا يمكن اختزالها إلى هذه الخصائص. ويعبِّر الفكر الإيكولوجي عن ذلك بالمبدأ التالي: الكل أكثر من مجرد مجموع لأجزائه.

* الانتقال من التفكير بحسب البنية إلى التفكير بحسب السيرورة: أي أن هناك سيرورات في الكون تتجسد في بنى محددة.

* الانتقال من نموذج المعرفة كبناء إلى نموذج المعرفة كشبكة: بما أن الواقع منظم تنظيمًا شبكيًّا، فإن على المعرفة أن تبني شبكة من المفاهيم المتداخلة والمترابطة لكي تمثل الظواهر المرصودة. فليس في الشبكة قوانين أساسية أو مستويات قاعدية، بل يبدو الجميع كنسيج متماسك متعلق بعضه ببعض، بحيث ليس ثمة ما هو أولي وما هو ثانوي، بل تترابط الأدوار وتتساوى من حيث الأهمية.

* إن المعرفة العلمية الكلاسيكية لا تتعامل مع الواقع (بمعنى التطابق بين الوصف العلمي والظواهر الموصوفة)؛ وبالتالي، لا مناص من التخلي عن وهم يقينية المعرفة العلمية لصالح تاريخية هذه المعرفة وإمكانية نشوء نماذج جديدة منها تشهد ساحة العلم حاليًّا بزوغ براعمها في حقول عديدة.

وهذا يعني أن تجاوز الأزمة البيئية، بل ومشكلات زماننا الأخرى، لن يتم إلا بتغيير المنظورات السائدة وهجر النماذج التي هيمنت على الفكر البشري طوال القرون الثلاثة الماضية وتحريك المخيلة البشرية لإبداع سُبُل جديدة للحياة في العالم.



* باحث في نظرية المعرفة ومترجم في مجال البيئة والفلسفة الإيكولوجية ومحرِّر في مجلة معابر (http://www.maaber.org)؛ من ترجماته: الفلسفة البيئية – من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجيا الجذرية، بتحرير مايكل زيمرمان، في جزئين، سلسلة "عالم المعرفة" 332-333، الكويت، 2006.

ثمانية حوارات 2 من 8 - ج. كريشنامورتي

الجمعة, أيلول 4th, 2009

ثمانية حوارات*

2 من 8

ج. كريشنامورتي

السائل: لدى الناس المتدينين المزعومين جميعًا شيءٌ ما يشتركون فيه، وأرى هذا الشيء نفسه عند معظم الناس القادمين للاستماع إليك. إنهم جميعًا يفتشون عن شيء ما يسمونه بأسماء متنوعة: نيرڤانا، التحرر، الاستنارة، تحقيق الذات، الأبدية، أو الله. هدفهم معين سلفًا، يضعونه نُصْبَ أعينهم في تعاليم مختلفة، ولكلٍّ من هذه التعاليم، من هذه الطرق، مجموعته من الكتب المقدسة، مناهجه، معلِّموه، أخلاقياته، فلسفته، وعوده ووعيده – درب مستقيم ضيق يستبعد باقي العالم ويَعِدُ عند آخره بفردوس ما أو سواه. غالبية هؤلاء الطالبين يتنقلون من طريقة لأخرى، مبدِّلين آخر تعليم بالتعليم الذي تخلوا عنه مؤخرًا؛ يتنقلون من عربدة عاطفية إلى أخرى، غير متبصرين بأن العملية نفسها جارية في هذا البحث كله. بعضهم يبقى ضمن طريقة واحدة مع مجموعة بعينها ويرفض التزحزح؛ وبعضهم الآخر يحسب في آخر المطاف أنه حقق ما كان يريد تحقيقه، ومن ثم يصرف أيامه في غبطة منقطعة ما، مستدرجًا بدوره مجموعة تلامذة يبدءون الدورة برمتها من جديد. وفي هذا كله، نجد الجشع القسري لبلوغ تحقيق ما، وغالبًا، خيبة الإخفاق وإحباطه المريرين. هذا كله يبدو لي غير صحي للغاية. هؤلاء الناس يضحُّون بالعيش العادي في سبيل هدف متخيَّل ما، وهناك شعور كريه للغاية ينبعث من هذا النوع من الأوساط: تعصُّب، هستيريا، عنف، وغباء. ويندهش المرء حين يجد بينهم بعض الكتاب الجيدين الذين يبدون فيما عدا ذلك سليمي العقل نسبيًّا. هذا كله يسمى دينًا؛ والأمر كله يفوح منه النتن حتى السماء العليا! هذا هو بخور التقوى؛ ولقد رصدته في كل مكان. هذا البحث عن الاستنارة يسبب خرابًا هائلاً، والناس يضحَّى بهم في أعقابه. والآن أود أن أسألك: هل يوجد في الواقع شيء ما كالاستنارة، وإذا كان يوجد، ما هو؟

كريشنامورتي: إذا كان هروبًا من العيش اليومي – العيش اليومي بوصفه الحركة الخارقة للعلاقة – عندئذ فإن هذا التحقيق المزعوم، هذه الاستنارة المزعومة، أو أي اسم تود أن تطلقه عليه، هو وهم ونفاق. كل ما ينفي المحبة وفهم الحياة والعمل يؤدي لا محالة إلى إيقاع قدر كبير من الأذى. إنه يشوِّه الذهن، والحياة تغدو قضية مروِّعة. فإذا اتخذنا ذلك كمسلَّمة عندئذ قد نستطيع، ربما، أن نتابع لنكتشف فيما إذا كان يمكن للاستنارة – مهما يكن معناها – أن توجد في فعل العيش بذاته. فالعيش، في النهاية، أهم من أي فكرة أو هدف مثالي أو مبدأ. فلأننا لا نعرف ما هو العيش ترانا نخترع هذه المفاهيم الرؤيوية وغير الواقعية التي تتيح لنا الفرار. المسألة الحقيقية هي: هل يستطيع المرء أن يجد الاستنارة في العيش، في نشاطات الحياة اليومية، أم أن الأمر مخصص فقط للقلة الموهوبين قدرةً ما خارقةً على اكتشاف هذه الغبطة؟ الاستنارة تعني أن يكون المرء نورًا لذاته، لكنه نور ليس ذاتيَّ الإسقاط ولا متخيَّلاً، ليس مزاجيةً شخصيةً ما. ثم إن هذا مافتئ أبدًا تعليم الدين الصحيح، وإنْ لم يكن تعليم الاعتقاد والخوف المنظَّمين.

السائل: تقول تعليم الدين الصحيح! هذا على الفور يخلق معسكر المحترفين والاختصاصيين في مقابل باقي العالم. فهل تعني، إذن، أن الدين منفصل عن الحياة؟

كريشنامورتي: الدين ليس منفصلاً عن الحياة؛ إنه، بالعكس، الحياة ذاتها. إن هذا التفريق بين الدين والحياة هو الذي ولَّد هذا البؤس كله الذي تتحدث عنه. وهذا يعيدنا، إذن، إلى السؤال الأساسي حول إمكانية العيش في الحياة اليومية في حالة دعنا نسمِّها، مؤقتًا، الاستنارة.

السائل: مازلت لا أعلم ما تعنيه بالاستنارة.

كريشنامورتي: حالة نفي. النفي هو الفعل الأكثر إيجابية، لا الجزم الإيجابي. هذا أمر هام للغاية لا بدَّ من فهمه. أغلبنا يقبل العقيدة الإيجابية، يقبل معتقَدًا إيجابيًّا بسهولة بالغة، لأننا نريد أن نكون آمنين، أن ننتمي، أن نتعلق، أن نتكل. الموقف الإيجابي يجزِّئ ويجلب الثنائية. وعندئذ يبدأ النزاع بين هذا الموقف وبين الآخرين. لكن نفي جميع القيم، جميع الأخلاقيات، جميع المعتقدات، بما أنه من غير حدود، فهو لا يمكن له أن يتعارض مع أي شيء. العبارة الإيجابية، من حيث تعريفها نفسه، تفصل، والفصل مقاومة. ونحن معتادون على هذا؛ هذا هو إشراطنا. إنكار هذا كله ليس منافيًا للأخلاق، بل إنكار كل تجزئة ومقاومة هو، بالعكس، ذروة الأخلاق. نفي كل ما اخترعه الإنسان، نفي قيمه وأخلاقه وآلهته جميعًا، هو أن تكون في حالة ذهنية لا ثنائية فيها، وبالتالي، لا مقاومة ولا نزاع بين الأضداد. ففي هذه الحالة لا توجد أضداد، وهذه الحالة ليست نقيض أي شيء آخر.

السائل: فكيف لنا أن نعرف ما هو الخير وما هو الشر؟ أم أنه لا يوجد خير وشر أصلاً؟ ماذا يحول بيني وبين الجريمة أو حتى القتل؟ إذا لم تكن عندي معايير، ماذا يحول بيني وبين يعلم الله أية ضلالات؟

كريشنامورتي: نفي هذا كله هو نفي المرء ذاتَه، والذات هي الكيان المشروط الذي يسعى سعيًا مستمرًّا إلى خير مشروط. يبدو النفي بنظر غالبيتنا وكأنه خواء لأننا لا نعرف النشاط إلا في سجن إشراطنا وخوفنا وبؤسنا. وانطلاقًا من ذلك، ننظر إلى النفي ونتخيل أنه حالة رهيبة ما من النسيان أو الفراغ. فبنظر الإنسان الذي نفى جميع إثباتات المجتمع والدين والثقافة والأخلاقيات، الإنسانُ الذي لا يزال قابعًا في سجن التبعية الاجتماعية هو إنسان شقي. النفي هو حالة استنارة فاعلة في جميع نشاطات إنسان قد تحرَّر من الماضي. فالماضي، بتقليده ومرجعيته، هو الذي يجب نفيُه. النفي حرية، والإنسان الحر هو الذي يحيا ويحب ويعرف ما معنى أن يموت.

السائل: هذا القدر واضح؛ لكنك لا تقول شيئًا عن أي إشعار بالمتعالي، بالإلهي، أو ما تشاء أن تطلق عليه من الأسماء.

كريشنامورتي: الإشعار بذاك لا يمكن له أن يوجد إلا في الحرية، وأي تصريح عنه إنما هو إنكار للحرية؛ أي تصريح عنه يصير تبليغًا لفظيًّا عديم المعنى. إنه موجود، لكنْ لا يمكن العثور عليه أو دعوته، ولا بالأحرى حبسه في أية طريقة، أو الإيقاع به بأية حيلة ذكية من حيل الذهن. إنه ليس في الكنائس ولا في المعابد ولا في المساجد. ما من درب إليه، ولا معلم، ولا طريقة تستطيع أن تكشف عن جماله؛ وَجْدُه يأتي فقط حين توجد المحبة. هذه هي الاستنارة.

السائل: فهل يجلب أي فهم جديد لطبيعة الكون أو الوعي أو الوجود؟ جميع النصوص الدينية تغص بهذا النوع من الأشياء.

كريشنامورتي: هذا أشبه ما يكون بسؤال المرء عن الضفة الأخرى بينما هو يعيش ويشقى على هذه الضفة. عندما تكون على الضفة الأخرى فأنت كل شيء ولاشيء، ولا تسأل أسئلة كهذه أبدًا. جميع الأسئلة المشابهة مصدرها هذه الضفة وحقًّا لا معنى لها بتاتًا. ابدأ بالعيش، وستجد نفسك هناك من غير سؤال، من غير سعي، من غير خوف.


* Krishnamurti, Eight Conversations.
Copyright ©1969 Krishnamurti Foundation Trust, England.

حكيم المغرب والمشرق - ديمتري أڤييرينوس

الخميس, أيلول 3rd, 2009

حكيم المغرب والمشرق

مقدمة موجزة لدراسة حياة الشيخ الأكبر ومذهبه

ديمتري أڤييرينوس

ابن العربي (560-638 هـ/1165-1240 م) ذروة عالية من ذروات التصوف في الإسلام، بل التصوف في العالم قاطبة. ولد في مرسية وتوفي في دمشق: وفي مجرد هاتين الواقعتين الجغرافيتين إشارة إلى تلك السيرورة الغنية وإلى ذلك القَدَر المركَّب اللذين تخللا التأهيل والسلوك الروحيين اللذين كابدهما ذلك الرجل الاستثنائي بين الأندلس والولايات الشرقية للعالم الإسلامي آنذاك.

كان ابن عربي، كما يبين اسمه الكامل: أبو بكر محمد بن العربي (المختصر عادة إلى "ابن عربي") الحاتمي الطائي، بصفته ينتسب إلى قبيلة طي، عربيًّا قحًّا. وقد كان في بدو شأنه متقيدًا بالشريعة والسنَّة، لكن ميله الفطري إلى التصوف وطبيعة سلوكه الروحي قرباه إلى حدٍّ كبير من النمط الشرقي، الفارسي تخصيصًا، من الروحانية، ألا وهو التشيع، على حدِّ ما يذهب إليه الأستاذ هنري كوربان. فمع أنه لم يتشيع رسميًّا قط وظل على مذهب أهل السنَّة حتى وافتْه المنية، فإن العقيدة التي استكمل بناء أركانها بالتوازي مع نضجه العقلي-الصوفي، استنادًا إلى خبراته الرؤيوية الخارقة في عالم المثال[1]، كانت شديدة التساوق مع روحية الإسلام الشيعي الفارسي؛ ودليلنا على ذلك أن ابن عربي وجد العدد الأكبر من مريديه وخلفائه في إيران الشيعية وبين أبناء الطائفة الباطنية الإسماعيلية. وإلى اليوم، تشكِّل إلهيات ابن عربي، إلى جانب – أو بالتآلف مع – إلهيات السهروردي المقتول ("شيخ الإشراق")، أساس النظر العقلي، الحِكَمي-العرفاني، لطالبي المعرفة المسلمين الفرس. والحق أن لقبه "محيي الدين" يتألق بقوته الحية عندما يُنظر إليه بمقتضى الدور الذي لعبه في صيرورة التكوُّن التاريخي للإسلام الإيراني. كذلك فإن لقبه الشهير الآخر – "الشيخ الأكبر"[2] – يقدِّم ابن عربي بوصفه من أقطاب مشايخ الصوفية، إنْ في الروحانية السنِّية أو في الروحانية الشيعية على حدٍّ سواء.

إن ابن عربي، عبر العمق الفريد لخبرته الصوفية، المتميِّزة بوفرة من الصور "العينية" archetypal، وأسلوبه العويص في عرض مذهبه، ولغته المبهمة عن قصد، هو من الصوفية الذين لا تذعن مذاهبهم لأي عرض مبسط. لذا فإن المقاربة المدرسية المعتادة بطريق العرض المنهجي (الحياة، الأعمال، الأفكار) تكاد تكون هنا بلا طائل يُذكَر، من حيث إنها تختزل بحرًا خضمًّا إلى سبخة راكدة. إن كل واقعة من وقائع حياة الشيخ الأكبر الخارجية تتصف بقيمة رمزية تحيل إلى جانب معين من جوانب خبرته الصوفية أو الرؤيوية؛ وبالمثل، فإن كل جانب من جوانب تلك الخبرة مترع بالمعاني الروحية الباطنة. ومنه فإن هذه العناصر كافة تندرج في كلٍّ عضوي واحد متماسك؛ ومن ثَمَّ فلن نتمكن في هذا المقام إلا من تقديم نبذة موجزة عن حياة ابن عربي الخارجية-الداخلية، وذلك بتقسيمها تعسفيًّا إلى ثلاث مراحل كبرى:

  1. التأهيل العقلي-الروحي في الأندلس؛
  2. خبرة الحب في أثناء طوافه حول الكعبة؛ و
  3. مرحلة النضج الصوفي-الميتافيزيقي.

1. الأيام الأولى في الأندلس

تلقى ابن عربي تعليمه الإسلامي المبكر في ذلك المركز العقلي والروحي الكبير الذي كانتْه إشبيلية التي وفد إليها، وعمره آنذاك لا يتجاوز الثماني سنين، وأقام فيها نحو ثلاثين سنة. وهناك كرس نفسه، على بعض أكابر علماء المدينة، لدراسة العلوم النقلية: القرآن، الحديث، فقه الشريعة، الكلام، والفلسفة. وقد كانت إشبيلية أيضًا من أهم مراكز التصوف، يقيم فيها عدد من مشاهير مشايخ الصوفية. وهكذا فقد انجذب ابن عربي انجذابًا جدَّ طبيعي إلى سلوكهم ورياضاتهم الروحية وتعاليمهم. ولدى بلوغه العشرين، كان مكتمل الإدراك لطبيعة "بعثته" الروحية الفريدة، وشرع في سلوك طريق الصوفية سلوكًا لا رجعة عنه.

ومما يستلفت النظر بصفة خاصة، بهذا الصدد، لقاؤه مع الولية الشيخة فاطمة القرطبية التي ظهرت له في رؤيا محاطةً بهالة سماوية. كان يشعُّ من شخصها باستمرار جوٌّ من الجمال الباهر، بحيث كانت تترك في ناظرها انطباعًا بأنها لم تتخطَّ عقدها الثاني، على ما يروي ابن عربي؛ فكلما مَثُلَ الفتى محمد بين يديها تعذَّر عليه ألا تحمرَّ وجنتاه حياءً في حضرتها. وقد قالت له فاطمة: "أنا أمُّك الإلهية"، معترفةً به ابنًا روحيًّا؛ وبذلك، بصفته واحدًا من مريديها المقربين، بويِع بأول أسرار الطريقة. وإنه لذو مغزى أن مبايعته بطريقة التصوف تمت عبر خبرة حبٍّ روحي من هذا المستوى؛ إذ إن أولى خبرات محيي الدين في الحب تدل سلفًا على إلهيات المحبة التي بسطها فيما بعد في مكة طائفًا حول الكعبة الشريفة.

كان ابن عربي لا يزال فتى أمرد حين اعتنق حياة الدَرْوَشة، وطفق يقوم بسياحات طويلة في إسبانيا وشمال أفريقيا – قرطبة، ألمرية، تونس، فاس، مراكش – حيث اجتمع بكبار مشايخ التصوف فيها. وتجدر الإشارة خصوصًا إلى زيارته لقرطبة، حيث كان بينه وبين ابن رشد، الفيلسوف المشائي الكبير، ممثِّل التيار الأرسطي الصحيح في الفلسفة الإسلامية، لقاء عجيب. فالمقابلة التي حصلت بينهما (بمبادرة من ابن رشد) كانت حاسمة الأهمية لكلا الصوفي الشاب والفيلسوف الكهل، من حيث إنها ألقت الضوء على أوجُه الائتلاف والاختلاف بين طريق النظر العقلي-المنطقي وبين طريق الخيال العرفاني، مما كان لا بدَّ له أن يؤدي إلى انشعاب الفكر الإسلامي برمته فيما بعد[3]. زدْ على ذلك أن واقعة أنه كانت للصوفي الرائي اليدُ الطولى على الفيلسوف النظري في تلك الحادثة، تاركًا الأخير في النهاية مُفحَمًا حائرًا، تجيز لنا وضع إصبعنا بدقة على الفيصل بين مذهب ابن عربي وبين خبرة الصوفية، فيتبين لنا كيف يرتبط التصوف كحياة والمذهب المعبِّر عنه واحدهما بالآخر في الإدراك الروحي: فالأمر لم يكن مجرَّد غلبة التصوف على الفلسفة؛ إذ إن خبرات ابن عربي الصوفية الرؤيوية كانت وثيقة الصلة إلى حدٍّ كبير بنظر عقلي بالغ الدقة، متكئة عليه ومدعِّمة له على حدٍّ سواء. فابن عربي صوفي كان، في الآن نفسه، معلِّمًا حقيقيًّا في الفلسفة، في شقيها المشائي والأفلاطوني، بحيث إنه استطاع – أو بالحري كان لا بدَّ له – أن ينظِّر لخبراته الروحية في مذهب كلِّي يشمل الكون بأسره، كما سوف نحاول أن نبين في إيجاز، ولاسيما فيما يتعلق ببنيان إلهياته في وحدة الوجود التي ستكون لنا عودة إليها في سياق المقال.

2. الطواف حول الكعبة

فيما كان ابن عربي يدنو من منتصف العقد الثالث من عمره قرَّ رأيه على مغادرة مسقط رأسه إلى الأبد. وقد حضَّه جزئيًّا على اتخاذ هذا القرار الوضع الديني-السياسي المضطرب في المغرب الإسلامي (الأندلس وشمال أفريقيا)، حيث لم يدعْ تزمتُ العلماء و"فقهاء الرسوم" وتعصبُهم أي مجال لانبساط منظور لاهوتي جديد، ولكن على الأخص بسبب رؤيا رآها في العام 1198 في مرسية، حيث أمره طائر يطير حول العرش الإلهي المحمول على أعمدة من نور بشدِّ الرِّحال من فوره نحو مشرق العالم الإسلامي. وبذلك بدأ الطور الثاني من حياته الخارجية-الداخلية الممتد من العام 1200 حتى 1223: 23 سنة من التجوال في الشرق الأدنى، حتى استقراره أخيرًا في دمشق.

في العام 1201 – وكان له من العمر يومذاك 36 سنة – زار ابن عربي للمرة الأولى مكة المكرمة، وفيها نزل ضيفًا على أسرة فارسية أصفهانية شريفة. ولقد كان ربُّ الأسرة نفسه شيخًا صوفيًّا هاجر من إيران إلى الحجاز وشغل منصبًا رفيعًا في مكة. وبحسب رواية ابن عربي نفسه، كانت لهذا الشيخ الفارسي بنت اسمها نظام، لقبها "عين الشمس والبهاء"، فتاة باهرة الجمال، ذات باع عقلي كبير وخبرة روحية عميقة؛ وسِحْرُ لَحْظِها، وحلاوة منطقها، وتواضع هيئتها اللطيف، كما يقول، كانت من العظمة بحيث إن حضورها كان يفتن كل مَن يجالسها. وهكذا وقع ابن عربي في حبِّها من فوره. وقد عبَّرت نفسه المفتونة عن هذه الخبرة في ديوانه الشهير ترجمان الأشواق.

يبدو ترجمان الأشواق من حيث الظاهر – أي لدى قراءته قراءة سطحية – وكأنه مجموعة قصائد غزل عادية مفعمة بصور عشقية دنيوية. والواقع أن غالبية العلماء والفقهاء فهموه على هذا النحو؛ وهو أمر أتاح لمن كانوا دومًا في ارتياب من صحة تعاليم ابن عربي إسلاميًّا ذريعة لرميه بالفساد الأخلاقي. لكن هؤلاء، باتخاذهم، هذا الموقف من قصائد الديوان، فضحوا جهلهم بأن صورة الفتاة الفارسية الجميلة نظام، إذ ترتقي من عالم الأجسام إلى البُعد الرؤيوي أو "الخيالي" للوعي، تتحول إلى تجسيد عيني للـ"أنثى الأزلية"، فتصبح صورة متجلِّية للحكمة الخالدة Sophia æterna، بما يشبه بياتريتشه، حبيبة دانتي في الكوميديا الإلهية. والديوان كلُّه، بهذه المثابة، هو التعبير الغزلي لإنسان مُسارَر بـ"دين الحب"، أو بما يدعوه هنري كوربان البُعد "الحِكَمي" sophianique للحب.

وبقصد توضيح هذه المسألة، كتب ابن عربي نفسه شرحًا مستفيضًا على الترجمان. وهذا المصنف ذو أهمية باطنية قصوى، من حيث إنه يلقي ضوءًا على واحد من المبادئ الأساسية الحاسمة في تعاليم ابن عربي: التأويل، الذي يعني حرفيًّا "إرجاع الشيء إلى أوَّله"[4]. وهو يشير، اصطلاحًا، إلى طريقة معينة لتعليل شيء – مهما كان المرئي منه على السطح، وسواء كان نصًّا كاملاً أو مقطعًا أو عبارة أو حتى كلمة واحدة – بالرجوع إلى معناه "الخام"، غير المرئي على السطح.

يُفهَم من ذلك أن استعمال التأويل لم يكن، من أي وجه من الوجوه، مقتصرًا على شرح قصيدة غزلية، بل على العكس: إذ بعدما يرسخ المبدأ، كان يتيح منهاجًا تفسيريًّا ذا تطبيق واسع مرن لجميع المهتمين باستنباط المعاني الباطنة المكنونة في أعماق نصٍّ بعينه. ولقد استعمل ابن عربي هذا المنهاج في تأويل القرآن الكريم والحديث الشريف. والواقع أن التعاليم التي صاغها ابن عربي في النصف الثاني من حياته تُعتبَر ثمرة تطبيق مبدأ التأويل على القرآن والحديث اللذين كان يستنبط معانيهما الباطنة في ضوء خبراته الرؤيوية.

ولقد توارث مبدأ التأويل عدد من مشايخ الصوفية والعارفين الكبار في العصور اللاحقة. ففي التشيُّع، احتل التأويل المنزلة الأرفع في التأمل الفلسفي، بحيث إنه أصبح سمة نوعية للبنيان العقلي الشيعي برمته وخاصية من خاصياته الأساسية.

على أنه لا بدَّ لنا من أن نشير هاهنا إلى أن التأويل لم يكن عند ابن عربي مجرد مسألة تفسير لغوي، لفظي، بل كان يتسم بمغزى أونطولوجي: فعنده أن كل ما هو موجود في عالم الحس يستر في أعماقه الأونطولوجية حقيقة باطنة، الأمر الذي يعني أن كل ما في الوجود تجلٍّ خاص. بعبارة أخرى، فإن كل شيء صورة ظاهرة يتجلَّى عبرها الحق غير المرئي؛ وعالم الوجود الخارجي ("عالم الشهادة") ليس على الحقيقة إلا صورة ظاهرة على السلَّم الكوني لعالم الغيب، يتجلَّى من خلالها الحق برهةً باسمه "الباطن" عبر صور لا نهاية لها من التعيُّنات.

3. نضج التعاليم

يُنسَب إلى ابن عربي عددٌ ضخم من المؤلفات (200 ونيف على الأقل)، تتراوح بين المقالات القِصار والرسائل التي لا تتجاوز بضع صفحات وبين المصنفات الضخمة التي تضم آلاف الصفحات. وبين مؤلفاته يُعتبَر اثنان منها بخاصة جليلان بحق، إذ يشتملان على تعاليمه على أكمل وجه (وثانيهما خلاصة للأول): الفتوحات المكية وفصوص الحِكَم.

رُسِمَت الخطوط العريضة للـفتوحات وبدئ بتدوينه بمناسبة زيارته الأولى لمكة في العام 1201، وانتُهيَ من وضعه في دمشق بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عامًا في العام 1237. والفتوحات، الذي كثيرًا ما أطلق المستشرقون عليه تسمية "إنجيل باطن الإسلام"، عبارة عن موسوعة للتصوف بحق، تتناول – وإنْ بغير ترتيب منهجي – نظريات في الإلهيات والكونيات، وخبرات صوفية، وعلومًا باطنية متنوعة، ورؤى وتأملات، ناهيكم عن الفقه الشرعي.

غير أن زبدة تعاليمه في الإلهيات، قولاً واحدًا، مكنونة في الفصوص الذي ألَّفه في العام 1229 قبل وفاته بعشر سنين؛ وهو مصنف صغير بالقياس إلى الفتوحات، لكنه واسع بما لا يقاس في مبناه ومعانيه: ففيه نجد نظرية ابن عربي في النبوة، حيث يوصَف كلُّ نبي، ورد ذكرُه في القرآن أم لم يَردْ، بدءًا من آدم، في علاقاته بالأسماء والصفات الإلهية التي يختص بها، ويظهر في "مقامه" الروحي الفريد. وفي آخر سلسلة الأنبياء نجد نبي الإسلام الذي يؤول ابن عربي شخصيته في ضوء الحديث: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني الصلاة". وإن سلسلة الشروح على الفصوص التي كتبها مريدوه وأتباعه تشكِّل تاريخًا للحكمة في حدِّ ذاتها[5]. والعرض الموجز التالي لأسس تعاليمه مستمَد أساسًا من الفصوص.

التأويل

يحتل ابن عربي في تاريخ التصوف منزلة إمام مذهب ما يُعرَف اصطلاحًا بـوحدة الوجود. و"وحدة الوجود" موقف صوفي محدَّد هو نتاج للتطبيق الأونطولوجي لمبدأ "التأويل" السابق ذكره من خلال الخبرة الصوفية. والتأويل، كما ألمعنا، يبدأ كمنهاج في التفسير اللفظي، يذهب من ظاهر تعبير لغوي متوغلاً إلى باطن معناه؛ وهو، إذ يُطبَّق أونطولوجيًّا، يشي بكونه منهاج عرفان إلهي ينطلق من ظاهر الأشياء إلى باطنها. والتأويل الأونطولوجي للبنيان الباطن للوجود يتم عبر سلوك الصوفي سلسلةً من مراحل الخبرات الكشفية ("أحوال" و"مقامات")، يتصف كلٌّ منها برؤيا وجودية معينة.

إن منطلق السيرورة برمتها هو عالم الأجسام، كما يُرى بعين الإنسان العادي الذي يرى الكثرة الأونطولوجية في كل مكان، ولا يرى شيئًا سواها. وهو لا يعرف العالم الجسماني إلا على هذا النحو: ففيه توجد الأشياء متشعبة إلى ما لا نهاية، بما فيها هو، حيث كلُّ موجود قائم بذاته ومختلف في الأساس عما سواه؛ إنه لا يستطيع أن يرى الوحدة التي تكتنف الكثرة إلا بالعقل المجرد فقط؛ وعالم الوجود ليس في نظره إلا صعيدًا واحدًا من الصور والألوان، لا شيء وراءه أو فيما يتعدَّاه.

غير أن ابن عربي، عبر تطبيق التأويل الأونطولوجي، يمضي إلى ما يتخطى الأفق الأونطولوجي والعقلي للبشر العاديين ("العوام")، فيما يتعدى الظاهر؛ إذ إنه على يقين بأن للحقيقة بُعدًا أونطولوجيًّا هو الباطن، هو حصرًا ما ينبغي للمؤوِّل الغوص فيه. لكن هذا يتطلب سلوك طريق روحي معين، وإلا فإن البُعد العميق المُلازم لـ"باطن" الحقيقة التي يتم السلوك إليها لا ينفتح أبدًا.

جدلية الفناء والبقاء

في نظر ابن عربي، لا يستطيع الإنسان العادي رؤية الحق في صوره المتنوعة بسبب التفرع الأصلي لوعيه إلى ذات وموضوع؛ إذ إن الذات المتميِّزة عن الموضوع – الأنيَّة – مجعولة بحيث إنها لا تتعرف في عالم الظواهر إلا إلى تكتلات من الأشياء المتكثِّرة بوصفها موضوعات عديدة للمعرفة. بذلك فإن على المرء، لكي يتخطى صعيد الكثرة الأونطولوجية، أن "يمحق" وعي أنيَّته. وإن السلوك الروحي الشاق، المحفوف بالأهوال، باتجاه هذا المقصد يقود المرء أخيرًا إلى اختبار ما يصطلح الصوفية على تسميته بـالفناء. والفناء، اصطلاحًا، يعني اضمحلال الوعي "الأنوي"، وينطوي على تلاشي عالم الوجود بأسره؛ إذ إنه حيثما لا توجد أية ذات عارفة لا يوجد، بالتالي، أي موضوع معروف. والفضاء المطلق الذي يتحقق فيما يتعدى تفرُّع الوعي البشري إلى ذات وموضوع يتراءى بوصفه حقيقة سابقة على الوجود في لاتعيُّنها الغيبي، يدعوها ابن عربي الأحدية.

و"الأحدية"، المشتقة من الاسم الإلهي الأحد، نفيٌ كلِّي غير مقيَّد للأشياء كلها دونما استثناء؛ وهي الغيب المطلق قبل أن يتجلَّى في شكل محدَّد، هي اللاتعيُّن قبل أن يتعين، واللامتصوَّر قبل أن يتصور في صورة بعينها. وحتى الله، باعتباره نسبيًّا، هو واحد من الصور المتعيِّنة للأحدية المطلقة[6].

بذلك لا يدرك الصوفي الذي بلغ حال الفناء إلا الأحدية، فيرى الأحدية في كلِّ شيء، ولا يرى شيئًا سواها. وفي حال الإدراك الإلهي هذه يتحول العالم بأسره إلى "الأحد" من دون أدنى أثر للتصور أو للتعيُّن. تلكم هي، بالمصطلح الصوفي، وحدة الشهود، التي كان أبو منصور الحلاج أبرز ممثِّليها. لكن الصوفي، كما يُحاجِج ابن عربي، ينبغي ألا يتوقف عند هذا الشوط من الخبرة الصوفية؛ إذ إن الذي لا يرى إلا الأحد، الذي يرى العالم برمته راجعًا إلى حالة أونطولوجية من اللاتمايُز التام، لا يزال ناقص الإدراك. لذا فعلى الصوفي الكامل أن يخطو خطوة أخرى ليصبح ذا العينين، أي الإنسان القادر بحق على رؤية عالم الوجود بوصفه الجامع بين الضدَّين: الوحدة والكثرة؛ وإن حال الحقيقة هذه تتحقق بالخبرة في حال البقاء التي تتخطى حال الفناء.

من الواضح بأن الكثرة، في هذا السياق، تشير إلى البُعد الظواهري للوجود، عالم الأشياء الظاهرة المتعيِّنة في تنوع لانهائي؛ إلا أن من الجلِّي أيضًا أن الكثرة، كما تتحقق في خبرة البقاء، ليست "الكثرة" بوصفها ضد "الوحدة". ولعل بوسعنا تقريب هذا "الجمع بين الضدَّين" coincidentia oppositorum إلى الأذهان – على الرغم من تعذُّر ذلك – بالقول إن "ذا العينين"، بالمصطلح الصوفي، هو القادر على رؤية الحق في الخلق وعلى رؤية الخلق بالحق؛ أو باستعمال استعارة أثيرة إلى ابن عربي، بوسعنا القول إن "ذا العينين" هو القادر على رؤية كلا المرآة والصور المنعكسة فيها، حيث الحقُّ والخلق يلعبان، على التناوب، دور المرآة ودور الصور المنعكسة. إن رؤية الكثرة الملوِّنة للأشياء الظاهرة ليست، كما هي لدى العامة، "حجابًا" أونطولوجيًّا يحول دون رؤية الصوفي للحق المحض في حالة لاتعيُّن قصوى. كذلك لا تحول رؤية الأحد دون ظهور الكثرة؛ فعلى العكس، يتمِّم كل واحد منهما الآخر في إظهار البنيان الكلِّي للحقيقة، من حيث إنهما وجهاها الأصليان: الوحدة تمثِّل مظهر الإجمال، بينما تمثِّل الكثرة مظهر التفصيل. ومادمنا لا ندرك على هذا النحو جدلية العلاقة بين الوحدة والكثرة في فعل معرفة إلهي-أونطولوجي، فإننا نبقى محرومين من رؤية كلِّية للحقيقة كما هي حقًّا.

التجلِّي

إن ما حاولنا أن نترسَّمه لتوِّنا في بسط العلاقة بين اللامتعيِّن والمتعيِّن، كواقع من وقائع الخبرة العرفانية للحقيقة، يعيِّن البنيان الكلِّي لوحدة الوجود: فهي مذهب خاص يقوم على رؤيا إلهية يختبرها الصوفي بوصفها التفاعل بين الوحدة والكثرة. والمصطلح الدال على هذا التفاعل هو التجلِّي، الذي يدعى في مذهب ابن عربي التعيُّن أيضًا.

وبالنسبة إلى تأرجُح الوعي بين حالَي الفناء والبقاء، يمضي الأحد المطلق متدرِّجًا، متحولاً إلى الكثرة الظاهرية، عبر فعل تجلِّيه وتعيُّنه؛ وبعبارة أخرى، ثمة في الوحدة نزوع أصلي (= ضرورة أونطولوجية) أو نوع من الطاقة المبدعة، التي يرمز إليها الأمر الإلهي كُنْ، هي التي يطلق عليها ابن عربي اسم الحب أو المحبة. فعالم الوجود بأسره يُعتبَر بهذه المثابة تجليًا لـنَفَس الرحمن.

جدير بالذكر هنا أن أول مظاهر الطاقة المبدعة للوحدة هي الوحدة نفسها؛ أي أن بنيان الوحدة، في حدِّ ذاته، ذو بعدين، ويحمل بهذه المثابة اسمين اثنين: الأحد والواحد. وهذان الاسمان المشتقان من الجذر نفسه ليسا مترادفين في لغة ابن عربي الاصطلاحية، حيث "الأحد" هو الوحدة المحضة – حقيقة الوجود في حالة لاتعيُّن مطلقة –، بينما "الواحد" هو حقيقة الوجود نفسها في طور تبدأ فيه بالتوجُّه إلى الظهور.

بذلك يكون الأحد هو الوحدة فيما يتعدى التعيُّنات كلها والصفات كلها؛ وبالتالي، فهو عصيٌّ على أي علم، إنسانيًّا كان أو إلهيًّا. وبلغة الإلهيات، يمكن وصف الأمر بالقول إنه حتى الله عندئذٍ لا "يعرف" نفسه، ذلك أن وعي الله لنفسه لا يظهر إلا عند عبور وصيد الواحدية. الأحد، بهذه المثابة، غيب؛ بل هو الغيب المطلق أو غيب الغيب.

أما الواحد، على العكس، فهو الوحدة مضافةً إليها الصفات الإلهية؛ وهذه الصفات، المنطوى عليها في الوحدة، تتحقق بوصفها أعيانًا ثابتة أونطولوجية. وهذه الأعيان الثابتة (أو "الأنماط البدئية" archetypes، بالمصطلح الفلسفي) تعيِّن الصور التي تتمخض بها الطاقة المبدعة للحقيقة المطلقة باستمرار عن أشياء عالم الظواهر عند الطور التالي من التجلِّي الإلهي.

تلكم هي الخطوط العريضة لسيرورة "تجلِّي" المطلق، كما انكشفت لابن عربي، بدءًا من غيب الغيوب نزولاً حتى عالم الشهادة. وأهم نقطة يجدر الوقوف عندها بهذا الصدد هي أن الوحدة، بمقتضى ميلها الذاتي الباطن، تتفتح عن الكثرة – أو، بدقة أكبر، تتحول إليها – عبر سيرورة متدرِّجة من التجلِّي. فعلى الوحدة، بالضرورة الحتمية، أن تتجلَّى في صور ظاهرية؛ بعبارة أخرى، فإن الله لا يستطيع إلا أن "يخلق". والمطلق-النسبي لا يستطيع أن يستغني عن عالم الظواهر، مثلما أن هذا الأخير لا يستطيع أن "يبقى" إلا بفعل تجلِّي المطلق في الظواهر النسبية.

تجديد الخلق مع الأنفاس

ما يهمنا من كل ما تقدَّم هو المستفاد منه لفهم نظرية الخلق عند ابن عربي، فيما يدعوه تجديد الخلق مع الأنفاس – وهو ذو صلة مباشرة مع جدلية الفناء والبقاء. إن الأعيان الثابتة، أو الممكنات المحضة التي يتجلَّى فيها الحق لنفسه، تظل في حكم العدم؛ إذ وحدها مظاهرها المتعيِّنة – جميع النسب الممكنة التي تنطوي عليها – تسري في الكون. وهذه التعيُّنات في الحقيقة لا "تخرج" من أعيانها، ولا يُستهلَك تنوعُها أو يُستنفَد، مثلما أن مويجات النهر لا تني تغيِّر من شكلها فيما هي، في الوقت نفسه، تنصاع للقانون المفروض عليها برسم مجرى النهر.

في تشبيه النهر هذا – وهو ناقص بالضرورة – يمثل ماء النهر فيض الوجود المتواصل، ويمثل مجرى النهر العين الثابتة، بينما تُقابل المويجات الصورة (المحسوسة أو اللطيفة) الناجمة عن هذه القطبية الأونطولوجية. وبالوسع كذلك مقارنة العين الثابتة بموشور عديم اللون، يحلِّل ضوء الوجود الأبيض إلى أشعة ألوان قوس قزح جميعًا، بحيث يتوقف لون الأشعة على طبيعة كلٍّ من الضوء والموشور.

إن تنوع انعكاسات عين ثابتة واحدة في العالم الذي يتعدى الصور (عالم الأرواح أو الجبروت) يظهر كـ"غنى" في مظاهره المحتوى بعضها في بعض، شأنها في ذلك شأن المظاهر المنطقية العديدة المنطوية في حقيقة واحدة أو الجمالات اللانهائية المحتواة في جمال واحد. وإن تنوعها على مرتبة الوجود هذه هو أبعد ما يكون عن التكرار لأنه يعبِّر تعبيرًا مباشرًا عن الواحدية الإلهية. في الوقت نفسه، فإن الأعيان المختلفة يشتمل بعضها على بعض؛ أما في عالم التعيُّن فإن انعكاسات العين الواحدة تتجلَّى على التوالي لأن تعيُّن الصور يتدخل هاهنا ليفرز المظاهر بعضها عن بعض. إن هذا العالم – وهو يشتمل على صور نفسانية مثلما يشتمل على صور جسمانية – هو الذي يدعى عالم المثال لأن الصور التي تتجلَّى فيه على التوالي، أو في آنٍ معًا، يماثل كلٌّ منها الأخرى من جراء كونها مماثلة لعينها المشتركة.

وإذا نُظِرَ إلى تنوع انعكاسات عين واحدة على التوالي، يقال إن "خلع" هذه العين على الوجود يتجدد كل آنة تجددًا لا تلبث فيه حالة الوجود هذه على حال واحدة: فكأنها تنعدم وتتجدد، تفنى في لحظة، لتُخلَق من جديد في اللحظة التي تليها، دون انقطاع زمني بين الحالتين؛ ترتد إلى الذات الإلهية في كلِّ لحظة من لحظات القبض، لتعود إلى الظهور والتجلِّي في حالة البسط.

أما الأنفاس فهي كيفيات لـنَفَس الرحمن، الذي يُفهَم منه، بحسب اصطلاح ابن عربي، المبدأ الإلهي الذي "ينفِّس" عن الممكنات النسبية أو ينشرها بدءًا من الأعيان الثابتة. وهذا "التنفيس" لا يظهر كذلك إلا من وجهة نظر نسبية تظهر فيها حالة بطون الممكنات باعتبارها كَرَبًا. وإن النَّفَس الرحماني متصل بصفة الرحمة الكلِّية التي يعيِّنها الاسم "الرحمن"، من حيث إن الوجود يفيض بالرحمة أعيانًا لا حصر لها[7].

هذا ويربط ابن عربي جدلية الفناء والبقاء بتجديد الخلق، بما يحلُّ إشكالية التعارض الظاهري بين القائلين بوحدة الشهود وبين القائلين بوحدة الوجود: الفريق الأول يختبر الحق لحظة انعدام التجلِّي في الذات فقط، فلا يُثبت إلا الحق، بينما يختبره الفريق الثاني لحظة انعدامه ولحظة إيجاده على التوالي، فيرى الوجود "واحدًا" (= وحدة الوجود)، ويُثبت الخلق أيضًا كما يُثبت الحق.

* * *

يبقى أن مذهب ابن عربي لا يزال مدار جدل كبير. فلقرون طوال، ظل العديد من الفقهاء – وعلى رأسهم ابن تيمية – يعتبرون الشيخ الأكبر زنديقًا و"ماحي الدين"[8]. لكنْ على الرغم من هذا النقد المستمر، تخللت عقائده التصوف اللاحق برمته؛ وحتى الصوفية الذين لم يوافقوه على مذهبه لم يتورعوا عن إدراج تعريفاته الدقيقة في تصانيفهم. وتأثيره هو الذي يضفي على الآداب الصوفية، ولاسيما الشعر المقروض في حلقات الدراويش، تجانُسه معنًى ومبنى.

مراجع مختارة

- ابن عربي (محيي الدين)، الفتوحات المكية، بتحقيق وتقديم عثمان يحيى وتصدير ومراجعة إبراهيم مدكور، طب 3، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1987.

- ابن عربي، محيي الدين، ترجمان الأشواق، دار صادر، بيروت، 1966.

- ابن عربي، محيي الدين (منسوب إلى)، تفسير القرآن، بتحقيق وتقديم مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت، طب 3: 1981.

- ابن عربي، محيي الدين، ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق؛ ويليه الأمر المحكم المربوط في ما يلزم أهل طريق الله من الشروط، بتحقيق وتعليق محمد بن عبد الرحمن الكردي، مطبعة السعادة، القاهرة، 1968.

- ابن عربي، محيي الدين، رسائل ابن العربي، مطبعة جمعية دائرة المعارف الإسلامية، حيدر آباد الدكن، 1948.

- ابن عربي، محيي الدين، فصوص الحكم، في جزأين، بتحقيق وشرح أبي العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت، طب 2: 1980.

- أبو زيد، نصر حامد، هكذا تكلم ابن عربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، طب 2: 2004.

- الجيلي، عبد الكريم، الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، مكتبة صبيح، القاهرة، 1960.

- الحكيم، سعاد، المعجم الصوفي: الحكمة في حدود الكلمة، دندرة للطباعة والنشر، بيروت، 1981.

- الشيبي، كامل مصطفى، صفحات مكثفة من تاريخ التصوف الإسلامي، دار المناهل، بيروت، 1997.

- الكاشاني، عبد الرزاق، اصطلاحات الصوفية، بتحقيق وتقديم وتعليق عبد الخالق محمود، دار المعارف، القاهرة، طب 2: 1984.

- نصر، سيد حسين، ثلاثة حكماء مسلمين، بترجمة صلاح الصاوي ومراجعة وتنقيح ماجد فخري، دار النهار، بيروت، 1971.

- يحيى، عثمان، مؤلفات ابن عربي: تاريخها وتصنيفها، بترجمة أحمد محمد الطيب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001.

- ‘Addas, Claude, Ibn ‘Arabī ou la Quête du soufre rouge, Gallimard, Paris, 1989.

- Chodkiewicz, Michel, Le Sceau des saints : prophétie et sainteté dans la doctrine d’Ibn ‘Arabī, Gallimard, Paris, 1986.

- Chodkiewicz, Michel, Un océan sans rivage : Ibn ‘Arabī, le Livre et la Loi, Seuil, Paris, 1992.

- Corbin, Henry, Face de Dieu, face de l’homme : herméneutique et soufisme, Flammarion, Paris, 1983.

- Corbin, Henry, L’imagination créatrice dans le soufisme d’Ibn ‘Arabī, 2e éd., Flammarion, Paris, 1976.

- Nasr, Seyyed Hossein, Living Sufism, Allen & Unwin, London, 1980.



[1] أو "عالم الخيال": مصطلح غنوصي المنشأ، وجد فيه الأستاذ كوربان المكافئ العربي الدقيق للمصطلح اللاتيني Mundus imaginalis.

[2] المكافئ العربي للمصطلح اللاتيني Doctor maximus الذي يُطلَق على آباء الكنيسة من اللاهوتيين الكبار.

[3] للاطلاع على تحليل يتناول الأبعاد الفلسفية لهذا اللقاء التاريخي وملابساته، راجع: نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، ص 163-199.

[4] في اللغة: "أوَّل الشيء": رجَّعه؛ ويقال "أوَّل الله عليك": ردَّ عليك ضالتك وجمعها لك؛ و"أوَّل الكلام": دبَّره وقدَّره وفسَّره؛ و"أوَّل الرؤيا": عبَّرها.

[5] أكثر من مئة، بحسب المرحوم عثمان يحيى، محقِّق الفتوحات؛ راجع: عثمان يحيى، مؤلفات ابن عربي، ص 479-500.

[6] بخصوص الإله النسبي المقيد بـ"مألوهاته"، راجع: الأستاذ إيكهرت، "في الفقر بالروح"، سماوات: http://samawat.org/texts/spiritual_poverty_meister_eckhart. (المحرِّر)

[7] بهذا المعنى يؤوِّل ابن عربي الآيتين 17 و18 من سورة التكوير: "والليل إذا عَسْعَس والصبح إذا تنفَّس"، حيث ترمز "عسعسة" الليل إلى انعدام الموجودات في العلم الإلهي، فيما يرمز "تنفُّس" الصبح إلى انخلاع التعيُّنات عن الأعيان الثابتة وإيجادها في الكون.

[8] كذلك يتهمه مفكِّرون (أو بالأحرى "مكفِّرون"!) معاصرون، منهم فضل الرحمن، برمزية "شبه جنسية" parasexual، ويزعمون أن مذهبه يلغي التمييز بين الخير والشر. وقد مُنِعَ الفتوحات المكية أكثر من مرة في مصر، كان آخرها في العام 1979.

ثمانية حوارات 1 من 8 - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, أيلول 2nd, 2009

ثمانية حوارات*

1 من 8

ج. كريشنامورتي

السائل: ليتني أجد نفسي، فجأة، في عالم مختلف تمامًا، رفيع الذكاء، سعيد، ذي حسٍّ عظيم بالمحبة. أود أن أكون على الشاطئ الآخر من النهر، لا أن أضطر إلى قطع طريقي جاهدًا، سائلاً الخبراء أن يدلوني على الطريق. لقد جُبْتُ العديد من أنحاء العالم المختلفة، ونظرت إلى مساعي الإنسان في مختلف مجالات الحياة. لا شيء جذبني إلا الدين. وإني مستعد لأن أفعل أي شيء للوصول إلى الشاطئ الآخر، للدخول إلى بُعد جديد ورؤية كل شيء كما لو للمرة الأولى بعينين صافيتين. أشعر شعورًا قويًّا جدًّا بأنه لا بدَّ من وجود اختراق مفاجئ لكل بهرجة الحياة هذه – لا بدَّ من وجوده!

حين كنتُ في الهند مؤخرًا، سمعتُ جرس معبد يرن، وكان له أثرٌ عجيب علي. شعرت فجأة بإحساس خارق بالوحدة والجمال كما لم أشعر به من قبل. كان حدوث الأمر من المفاجأة بحيث إنه أصابني بالدوار؛ وكان حقًّا، وليس من قبيل الشطح أو الوهم. ثم جاءني دليلٌ وسألني إنْ كان يستطيع أن يريني المعابد، وفي تلك اللحظة عدت إلى عالم الضجيج والابتذال من جديد. أريد أن أقبض عليه مرة أخرى، لكنه بالطبع، كما تقول، مجرد ذاكرة ميتة، ومن ثَمَّ لا قيمة له. فماذا أستطيع أن أفعل، أو لا أفعل، كي أصل إلى الشاطئ الآخر؟

كريشنامورتي: ما من طريق إلى الشاطئ الآخر. ما من عمل، ما من سلوك، ما من وصفة جاهزة تفتح الباب إلى الآخر. ليس الأمر سيرورة تطورية؛ إنه ليس نهاية طريقة؛ مُحالٌ شراؤه أو منحُه أو دعوتُه. إذا كان هذا واضحًا، إذا نسي الذهن نفسه ولم يعد يقول "الضفة الأخرى" أو "هذه الضفة"، إذا توقف الذهن عن تلمُّس طريقه والتفتيش، إذا كان هناك فراغ ومساحة تامَّان في الذهن نفسه، إذ ذاك، وإذ ذاك فقط، يكون هناك.

السائل: أفهم ما تقول لفظيًّا، لكني لا أستطيع الكف عن التلمُّس والحنين، لأني في أعماق سريرتي لا أؤمن بأنه ما من طريق، ما من طريقة، ما من عمل سوف ينقلني إلى الشاطئ الآخر.

كريشنامورتي: ماذا تعني بقولك "لا أؤمن بأنه ما من طريق؟" هل تعني أن معلِّمًا سوف يأخذ بيدك ويحملك إلى هناك؟

السائل: لا. غير أني آمل بأن أحدهم ممن يفهمون سوف يدل عليه مباشرة، لأنه لا بدَّ أن يكون موجودًا فعليًّا طوال الوقت، بما أنه حق.

كريشنامورتي: هذا كله قطعًا من قبيل الافتراض. لقد حصل لك ذاك الشعور المفاجئ بالحق حين سمعتَ جرس المعبد، لكن تلك ذاكرة، كما قلتَ، ومنها أنت تستنتج بأنه لا بدَّ أن يكون موجودًا دومًا لأنه حق. الحق شيء عجيب؛ إنه يكون موجودًا حين لا تنظر؛ لكنك حين تنظر جَشِعًا فإن ما تقبض عليه هو نفاية جشعك، وليس الحق. الحق شيء حي ولا يمكن القبض عليه، ولا يمكن لك أن تقول إنه دومًا موجود. هناك درب فقط إلى ما هو مستتب، إلى نقطة ثابتة، ساكنة. أما الشيء الحي، المتحرك على الدوام، الشيء الذي ليس له مكان يستقر فيه، فكيف يمكن أن يوجد دليل أو درب إليه؟ الذهن من التلهف إلى بلوغه، إلى القبض عليه، بحيث إنه يجعله شيئًا ميتًا. وإذن، هل تستطيع أن تنحِّي ذاكرة تلك الحالة التي حصلت لك؟ هل تستطيع أن تنحِّي المعلم، الدرب، الغاية، أن تنحِّيها تنحية تامة، بحيث يفرغ ذهنك من هذا السعي كله؟ إن ذهنك في الوقت الحاضر من الانشغال بهذا الطلب الغامر بحيث إن هذا الانشغال بالذات يصير عائقًا. أنت تطلب، تسأل، تتوق إلى السير على الشاطئ الآخر. الشاطئ الآخر يقتضي وجود هذا الشاطئ، ومن هذا الشاطئ، للوصول إلى الشاطئ الآخر، هناك مكان وزمن. وهذا ما يكبحك ويجلب عليك هذا التوق الموجع إلى الشاطئ الآخر. وتلك هي المشكلة الحقيقية – الزمن الذي يجزِّئ، المكان الذي يفصل، الزمن الضروري للوصول إلى هناك، والمكان الذي هو المسافة بين هذا وذاك. هذا يريد أن يصير ذاك، فيجده غير ممكن بسبب المسافة والزمن المطلوب لقطع تلك المسافة. وفي هذا لا توجد المقارنة وحسب، بل القياس أيضًا، وذهن قادر على القياس ذهن قادر على الوهم أيضًا. هذا التقسيم للمكان والزمن بين هذا وذاك هو طريق الذهن، الذي هو الفكر. حين توجد المحبة، كما تعلم، يختفي المكان ويختفي الزمن. فقط حين يتدخل الفكر والرغبة توجد هوة زمنية لا بدَّ من ردمها. حين ترى هذا، يكون هذا هو ذاك.

السائل: لكني لا أراه. أشعر بأن ما تقوله صحيح، لكنه يتملص مني.

كريشنامورتي: سيدي، أنت شديد نفاد الصبر، وفي نفاد صبرك هذا تكمن عدوانيته نفسها. أنت تهاجم، تجزم. لستَ هادئًا لتنظر، لتسمع، لتشعر بعمق. تريد الوصول إلى الشاطئ الآخر بأي ثمن، فتسبح سباحة مسعورة، غير عالم أين يوجد الشاطئ الآخر. الشاطئ الآخر قد يكون هذا الشاطئ، وإذن فأنت تسبح مبتعدًا عنه. إذا أجزت لي أن أقترح، كفَّ عن السباحة. وهذا لا يعني أنك يجب أن تصير بليدًا، فتعيش عيشة خاملة ولا تفعل شيئًا، بل بالحري أنك يجب أن تكون منفعل الإدراك من غير أي اختيار، مهما كان، ولا قياس. ثم انظر ما يحدث. قد لا يحدث شيء، لكنك إذا كنت تتوقع من ذلك الجرس أن يرن مرة أخرى، إذا كنت تتوقع عودة ذلك الشعور والبهجة كلهما، فأنت تسبح في الاتجاه المعاكس. الهدوء يتطلب طاقة عظيمة؛ والسباحة تبدِّد تلك الطاقة. وأنت في حاجة إلى طاقتك كلها لصمت الذهن، وفقط في الفراغ، في الفراغ التام، يمكن لشيء جديد أن يكون.


* Krishnamurti, Eight Conversations.
Copyright ©1969 Krishnamurti Foundation Trust, England.