Archive for تشرين الثاني, 2009

اليأس - ألان

الأحد, تشرين الثاني 29th, 2009

في اليأس*

alain_2

ألان**

قال أحدهم: "الماكر لا يقتل نفسه لسبب بهذه التفاهة." إنها ليست أول مرة، ولا آخر مرة، يظن فيها امرؤ شريف أنه مجلل بالعار، فينتحر، فيبكيه أولئك بعينهم الذين كان يظنهم يحتقرونه. تراني لا أزال أبحث، بخصوص هذه الفاجعة التي سوف تبقى ماثلة طويلاً في ذاكرتنا، عما يجعل امرءًا يريد أن يكون بارًّا وعاقلاً يبدو غالبًا كأنه لم يروض بعض الأهواء إلا لتهاجمه أهواء أخرى وتصرعه؛ ولا أزال أبحث كذلك عن الخواطر التي يمكن له بها أن يكافح اليأس.

تقدير موقف، طرح مشكلة صعبة، البحث عن حلٍّ لها، عدم إيجاد هذا الحل بتاتًا، الاحتيار في القرار على رأي، الدوران في الخواطر نفسها كما يدور الحصان في ميدان ترويض الخيل، – ذاك وحده، تقول، عذاب مبرِّح، وللعاقلة رؤوس مدببة أيضًا تَخِرُنا بها. لا، بتاتًا. يجب بالضبط البدء بعدم الوقوع في هذا الغلط بالذات. ثمة مشكلات كثيرة لا يتبين فيها المرء شيئًا؛ وهو يتصبر على ذلك بلا عناء. كثيرًا ما يتفق لمجلس، أو لمأمور تصفية [قضائي]، أو لقاض، أن يقرروا بأن قضية ما لا رجاء منها، أو حتى بأنه ليس في المستطاع تقرير شيء، من غير أن يُفقدهم ذلك شهيتهم أو يؤرقهم. إن ما يجرحنا في مسألة مستعصية على الحل ليس استعصاؤها على الحل، بل بالحري نوع من مصارعة ذلك الاستعصاء بالذات أو مقاومته، أو إنْ شئت، رغبة في أن لا تكون الأمور كما هي. في كل حركة هوى، أظن أن هناك مقاومة للمُحال إصلاحه. على سبيل المثال، إذا كان أحدهم يتعذب من جراء حب امرأة حمقاء، أو مغرورة، أو باردة، فذاك لأن إرادته تصر على أن لا تكون هذه المرأة كما هي. بالمثل، حين يكون خراب ما محتمًا، ويعلم المرء ذلك في قرارة نفسه، فإن هواه يريد أن يأمل، فيأمر الفكر، إذا صح القول، بأن يسلك مرة أخرى الطريق نفسها، لعله واجد فيها تفرعًا ما يقود إلى مكان آخر. لكن الدرب قد سُلِكتْ وانتهى الأمر؛ والمرء منها حيث هو بالضبط؛ وفي دروب الزمن، ليس بالوسع العودة القهقرى، ولا سلوك الطريق الواحد نفسه مرتين. ومنه، أقول بأن صاحب الطبع الشديد هو الذي يقول لنفسه أين هو من الأمر، ما هي الوقائع، ما هو المُحال إصلاحه بالضبط، فيمضي من هناك قُدُمًا نحو المستقبل. لكن هذا ليس سهلاً، ولا بدَّ من التدرب عليه في الأمور الصغيرة؛ وإلا صار الهوى كالأسد المحبوس في قفص، يراوح الخطى طوال ساعات أمام القضبان، وكأنه لا يزال يأمل، لدى بلوغه أحد الطرفين، بأنه لم يمعن النظر في الطرف الآخر. قصارى القول إن هذا الغم المولود من تأمُّل الماضي لا يجدي نفعًا، بل هو شديد الضرر حتى، لأنه يجعلنا نتفكر عبثًا ونبحث سدًى. يقول اسپينوزا[1] إن الندم خطيئة ثانية.

لكن المغتم، إذا كان قد قرأ اسپينوزا، يقول: "لكني لا أستطيع دومًا أن أكون مرحًا إذا كنت مغتمًّا؛ فذاك يتوقف على أمزجتي، على تعبي، على سنِّي، وعلى حال الطقس." طيب. قل ذلك لنفسك، قله لنفسك عن جِدٍّ؛ أرجع الغم إلى أسبابه الحقيقية؛ إذ يبدو لي أن من شأن ذلك أن يطرد خواطرك المغمومة كما تطرد الريح الغيوم. ستكون الأرض مثقلة بالأوجاع، لكن السماء ستكون صافية؛ وهذا دومًا مكسب بحدِّ ذاته؛ إذ تكون قد أرجعت الغم إلى الجسم؛ وبذلك تكون خواطرك كأنها قد نُظِّفَتْ. أو لنقل، إنْ شئت، إن الفكر يعطي للغم جناحين ويجعل منه كآبة محلِّقة؛ في حين أني بتفكُّري، إذا كان يجيد التسديد، أحطم الجناحين، فلا تبقى عندي غير كآبة زاحفة. إنها تلبث قابعة عند قدميَّ، لكنها لا تعود ماثلة نصب عينيَّ. بيد أننا – وهي ذي العقبة الكأداء – نريد دومًا كآبة تطير عاليًا جدًّا.

31 تشرين الأول 1911

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Du désespoir », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 145-147.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو الفيلسوف الهولندي باروخ اسپينوزا (1632-1677)، صاحب الرسالة اللاهوتية-الفلسفية (1670) والأخلاق (نُشر بُعيد وفاته)؛ اتخذ هدفًا أساسيًّا نقلَ رسالة محرِّرة من أنواع العبودية كافة، مبينًا كيف أن حرية الإنسان ممكنة (في إطار الضرورة)، كما رأى أن المعرفة التي يمكن للحكيم أن يحصِّلها عن الجوهر (الله = الطبيعة) لا بدَّ أن تقوده إلى الغبطة. (المحرِّر)

تحت المطر - ألان

السبت, تشرين الثاني 28th, 2009

تحت المطر*

alain_1

ألان**

هناك، على كل حال، ما يكفي من الأوجاع الواقعية؛ لكن ذلك لا يحول دون إضافة الناس المزيدَ عليها عبر نوع من اجترار المخيلة. تراك تصادف كل يوم رجلاً واحدًا على الأقل يشتكي من المهنة التي يمتهنها، فيبدو لك في كلامه دومًا ما يكفي من التماسك، لأن ثمة ما يقال في كل شيء، وما من شيء كامل.

أنت، يا ذا المدرس، عليك، كما تقول، أن تعلِّم فتية شرسين لا يفقهون شيئًا ولا يكترثون بشيء؛ وأنت، أيها المهندس، غائص في بحر من الأوراق؛ وأنت، أيها المحامي، تترافع أمام قضاة يهضمون طعامهم غافين بدلاً من أن يستمعوا إليك. أغلب الظن أن ما تقوله صحيح، وأنا آخذه على محمل الصدق؛ ففي هذه الأمور دومًا ما يكفي من الصحة لكي يجوز قولها. وإذا كنت، فوق ذلك، تعاني معدة عليلة، أو كان حذاؤك يسرِّب الماء، فأنا أتفهمك كل التفهم؛ حسب ذلك مدعاةً لِلَعْن الحياة، والبشر، وحتى الله، إنْ كنت تؤمن بوجوده.

في هذه الأثناء، لاحِظْ أمرًا، وهو أن ذلك لا نهاية له، وأن الحزن يولِّد الحزن. فأنت، إذ تندب مصيرك كل هذا الندب، تراك تزيد من أوجاعك، وتعزل عن نفسك سلفًا كل أمل في الضحك، ومعدتك نفسها تسوء حالها أكثر من جراء ذلك. لو كان لك صديق، وكان يشكو مُرَّ الشكوى من كل شيء، لحاولت، أغلب الظن، أن تهدئ من روعه وأن تجعله يرى العالم من منظار آخر. فلم لا تكون صديقًا صدوقًا لنفسك؟ أجل، عن جِدٍّ، أقول إن على المرء أن يحب نفسه قليلاً وأن يُحسِنَ معاملة نفسه. إذ إن كل شيء غالبًا ما يتوقف على موقف أول يتخذه. قال مؤلف قديم بأن لكل حَدَث مقبضين، وبأنه ليس من الحكمة، عند حَمْلِه، اختيارُ المقبض الذي يجرح اليد. لقد درجت اللغة الشائعة على إطلاق تسمية "فلاسفة" على الذين يختارون في كل مناسبة أحسن الكلام وأكثره تقْوية – وهذا رأي سديد. فالمقصود، إذن، هو الترافع عن النفس، لا ضد النفس. ونحن جميعًا من إجادة الترافع، ومن حماس الفصاحة، بحيث إننا واجدون لا محالة أسبابًا للسرور، على أن نسلك ذلك الدرب. كثيرًا ما لحظت أن البشر لا يشتكون من مهنتهم إلا سهوًا، وربما بعض الشيء على سبيل المجاملة أيضًا. فإذا حثثتَهم على الكلام عما يفعلون وعما يبتكرون، لا عما يتكبدون، تراهم يصبحون شعراء، بل شعراء جذلون.

هو ذا مطر خفيف يهطل؛ أنت في الشارع، فتفتح مظلتك؛ حسبك هذا. إذ لا خير في قولك: "بئس هذا المطر الخسيس!"؛ فذلك لن يؤثر بتاتًا في قطرات الماء، ولا في الغيمة، ولا في الريح. فلم لا تقول بالقدر نفسه من العزم: "آه، ما أطيبه مطرًا خفيفًا!" أسمعك تقول إن ذلك لن يؤثر بتاتًا في قطرات الماء – صحيح؛ لكن أثره سيكون طيبًا فيك أنت؛ بدنك برمته سينتفض ويدفأ حقيقة – فكذا هو أثر أصغر حركة فرح؛ وها أنت ذا على ما ينبغي لك أن تكون لتستقبل المطر من غير أن تصاب بالرشح.

يجدر بك أن تتلقى البشر أيضًا كما تتلقى المطر. "ذاك ليس بالأمر اليسير"، تقول. بلى، هو أيسر بكثير جدًّا من تلقِّي المطر. إذ إن ابتسامتك لا تؤثر في المطر، لكن أثرها كبير في البشر، وبمحض محاكاتهم الابتسامة، تجعلهم سلفًا أقل حزنًا وأقل إملالاً. فضلاً عن أنك ستجد لهم أعذارًا بسهولة، على أن تنظر في نفسك. كان من عادة مرقس أوريليوس[1] أن يقول كل صباح: "سألتقي اليوم مغرورًا، كذابًا، ظالمًا، ثرثارًا مملاً؛ إنهم هكذا من جراء جهلهم."

4 تشرين الثاني 1907

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Sous la pluie », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 159-161.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل فيه إنه أنقذ العديد من القراء من اليأس.

[1] إمبراطور روماني وفيلسوف كبير (121-180)؛ ترك خواطر وضعها باليونانية تشي باعتناقه المذهب الرواقي في صورته الأكثر صوفية: الإله هو مبدأ الموجودات ومنتهاها، وهو العقل الكلي الذي يندمج فيه الوعي الفردي بعد موت الجسم؛ وهذا يتم، بحسب فيلسوفنا، عند بلوغ الكمال الداخلي عن طريق التطهر الخلقي بمراقبة النفس والتجمُّل بالتواضع والزهد في أمجاد الدنيا، وثبات الجنان عند الشدائد بتفهُّم حتمية الضرورة التي تحكم العالم. (المحرِّر)

صداقة - ألان

الأربعاء, تشرين الثاني 25th, 2009

صـداقـة*

alain_1

ألان**

في الصداقة أفراح رائعة. نفهم ذلك من غير عناء إذا ما لحظنا أن الفرح يسري. حسب حضوري أن يوفر لصديقي القليل من الفرح الحق حتى يجعلني مشهد فرحته هذه أشعر بدوري بفرحة؛ وبذا فإن كل واحد يسترجع الفرح الذي يبذله؛ في الوقت نفسه، يُطلَق سراحُ كنوز من الفرح، وكلاهما يقول للآخر: "كانت بي سعادة لم أكن أفعل بها شيئًا."

ينبوع الفرح في الداخل، أقرُّ بذلك؛ ولا شيء محزن أكثر من رؤية أناس ساخطين على أنفسهم وعلى كل شيء، يدغدغون بعضهم بعضًا ليتضاحكوا. لكنْ لا بدَّ من القول أيضًا إن الإنسان المسرور، إذا كان وحده، سرعان ما ينسى أنه مسرور؛ فرحه كله سرعان ما يخمد؛ فينتهي به الأمر إلى نوع من البلادة يكاد أن ينعدم فيها الحس. الشعور الداخلي بحاجة إلى حركات خارجية. إذا اتفق لأحد الطغاة أن يسجنني لكي يعلِّمني احترام السلاطين، لاتخذت لنفسي قاعدة للصحة أن أضحك وحدي كل يوم، ولخصصت لفرحي من الرياضة ما أخصص لساقيَّ.

هاكم حزمة من الأغصان اليابسة. إنها جامدة في الظاهر كالتراب؛ وإذا تركتموها هناك صارت ترابًا. غير أن توقدًا خفيًّا يكمن فيها قد استمدتْه من الشمس. قرِّبوا منها أصغر لهب، وسرعان ما تحصلون على أجيج نار زافرة. كان يكفي هزُّ الباب فقط لإيقاظ السجين.

هكذا لا بدَّ من نوع من الشروع في العمل لإيقاظ الفرح. حين يضحك الرضيع للمرة الأولى، فإن ضحكته لا تعبِّر عن شيء البتة؛ إنه لا يضحك لأنه سعيد؛ أقول بالأحرى إنه سعيد لأنه يضحك؛ الضحك يلذ له، كما يلذ له الأكل؛ لكنه يجب أن يأكل أولاً. لكن هذا لا يصح على الضحك وحسب؛ فالمرء بحاجة إلى الكلام أيضًا لكي يعرف ما يفكر فيه. مادام المرء وحده ليس بوسعه أن يكون نفسه. المغفلون من فقهاء الأخلاق يقولون بأن المحبة هي نسيان النفس: نظرة مغالية في السذاجة؛ كلما خرج المرء من نفسه أكثر كان نفسَه أكثر، وشعر بنفسه حيًّا أكثر أيضًا. لا تترك حطبك يتعفن في قبوك.

27 كانون الأول 1907

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Amitié », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 193-194.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها.

السأم - ألان

الأثنين, تشرين الثاني 23rd, 2009

الســأم*

alain_2

ألان**

حين لا يبقى عند الرجل من شيء يبنيه أو يهدمه، تراه يغدو شديد التعاسة. أما النساء – وأقصد المشغولات منهن بأعمال المنزل وبالعناية بالأطفال – فأغلب الظن أنهن لن يفهمن أبدًا تمام الفهم لماذا يذهب الرجال إلى المقهى ويلهون بالكوتشينة. العيش مع النفس والتأمل في النفس لا قيمة لهما.

في رواية گوته البديعة ڤلهلم مايستر[1]، ورد ذكر "جمعية زاهدين" تحرِّم على أعضائها التفكير في المستقبل وفي الماضي. هذه القاعدة، بقدر ما يستطاع التقيدُ بها، قاعدة حسنة جدًّا. ولكنْ، حتى يستطاع التقيدُ بها، لا مناص للأيدي وللعيون من أن تكون مشغولة. فالإدراك والعمل هما العلاجان الحقيقيان. على العكس، إذا قعد المرء عن العمل، سرعان ما يقع فريسة التخوف والتحسر. التفكير ضرب من اللهو ليس صحيًّا للغاية دومًا؛ فبوجه العموم، يدور المرء في مكانه من غير أن يتقدم. لذا كتب جان-جاك الكبير[2]: "امرؤ يتأمل حيوان منحط."

الضرورة تنتشلنا من ذلك – في أغلب الأحيان. أكثرنا عنده مهنة يزاولها، وهذا حسن جدًّا. لكن ما ينقصنا هي مهن صغيرة تريحنا من الآخر. كثيرًا ما حسدتُ النساء على ممارستهن حبك الصوف أو التطريز: ترى عيونهن مشدودة إلى شيء واقعي تتبعه؛ ومن شأن هذا أن يجعل صور الماضي والمستقبل لا تلح في الظهور إلا كاللوامع. أما في هذه الاجتماعات التي يُهدَر فيها الوقت، فإن الرجال لا عمل لهم، فتراهم يطنون طنين الذباب في قارورة.

ساعات الأرق، إلا في حال المرض، لا يخشاها المرء كل هذه الخشية، على ما أظن، إلا لأنها تطلق العنان لمخيلة تعدم أغراضًا واقعية تتمعن فيها. يأوي الرجل إلى فراشه في العاشرة، فيظل، حتى ينتصف الليل، يتلوى كالشبوط ضارعًا إلى إله النوم. وهذا الرجل بالذات، في الساعة عينها، لو كان في المسرح، لتناسى وجوده كل التناسي.

من شأن هذه الخواطر أن تعين على فهم الانشغالات المتنوعة التي تملأ حياة الأغنياء. إنهم يفرضون على أنفسهم ألف واجب وألف عمل ويهرعون إليها كما [تهرع الفراشة] إلى النار. إنهم يقومون بعشر زيارات في اليوم الواحد ويراوحون بين حفلة الموسيقى والمسرح. ذوو الدم الفائر منهم يرتمون في الصيد والحرب والأسفار المحفوفة بالمهالك. وسواهم يسرعون بالسيارة وينتظرون بفارغ الصبر فرصةً لتهشيم عظامهم بالطيارة. لا غنى لهم عن أعمال جديدة وإدراكات جديدة. إنهم يريدون أن يعيشوا في العالم، لا في أنفسهم. فكما كانت الفيلة الضخمة المنقرضة تقطم الغابات، تراهم يقطمون العالم بأعينهم. وأبسطهم عقلاً يلعبون لعبة تلقِّي اللكمات العنيفة في أنوفهم وفي بطونهم؛ فذلك يعيدهم إلى الأشياء الحاضرة، ويجدون فيه لذة ما بعدها لذة. ولعل الحروب هي أولاً دواء للسأم؛ بذا قد يُفسَّر لماذا أكثر الناس استعدادًا لقبول الحرب – إنْ لم نقل لطلب نشوبها – هم في الغالب الذين عندهم ما يخسرونه أكثر من غيرهم. الخوف من الموت فكرة يختص بها البطَّال، وسرعان ما يمحوها عملٌ ملحٌّ، مهما كان مقدار الخطر فيه. أغلب الظن أن المعركة واحدة من الظروف التي يكون فيها التفكير في الموت أقل ما يكون. ومنه هذه المفارقة: كلما أحسن المرء ملء حياته، قلَّ خوفُه من فقدانها.

29 كانون الثاني 1909

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « L’ennui », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 99-101.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي تخصص فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها.

[1] تُعَد هذه الرواية نموذجًا لرواية التأهيل على الحياة؛ مؤلفة من جزأين: سنوات تعلُّم ڤلهلم مايستر (1796) وسنوات سفر ڤلهلم مايستر (1821). (المحرِّر)

[2] هو بالطبع جان-جاك روسو (1712-1778). جدير بالذكر أن روسو هو الفيلسوف الوحيد الناطق بالفرنسية الذي يشار إليه تقليديًّا باسمه الأول فقط. (المحرِّر)

انظر إلى المدى البعيد - ألان

السبت, تشرين الثاني 21st, 2009

انظرْ إلى المدى البعيد*

alain

ألان**

السوداوي، ليس عندي غير شيء واحد أقوله له: "انظرْ إلى المدى البعيد." فالسوداوي يكاد دومًا أن يكون امرءًا يغالي في القراءة. العين البشرية لم تُصنَع لمثل هذه المسافة بتاتًا؛ فالأمداء البعيدة هي ما ترتاح إليه. حين تعاين النجوم أو أفق البحر، فإن عينك تكون مستريحة تمامًا؛ وإذا كانت العين مستريحة كان الرأس حرًّا والمشية أكثر ثباتًا؛ كل شيء يستريح ويلين حتى الأحشاء. لكنْ لا تحاولنَّ البتة أن تليِّن نفسك عامِدًا؛ فالإرادة فيك، حين تطبِّقها على نفسك، تشدُّ كل شيء بالوَرْب وينتهي بها الأمرُ إلى خنقك. لا تفكرْ في نفسك؛ انظرْ إلى المدى البعيد.

الصحيح أن السوداوية داء؛ والطبيب يقدر أحيانًا أن يخمن سببه ويصف الدواء؛ لكن هذا الدواء يعيد انتباهك مركوزًا في جسمك، وهمُّك أن تتبع نظام الحِمْية من شأنه بالضبط أن يُبطل مفعوله؛ لذا فإن الطبيب – إذا كان حكيمًا – يحيلك إلى الفيلسوف. لكنك، حين تهرع إلى الفيلسوف، ماذا تجد؟ تجد امرءًا مغاليًا في القراءة، يفكر كصاحب النظر الحسير، وحزينًا أكثر منك.

على الدولة أن تَصلُح مدرسةً للفلسفة ومدرسةً للطب أيضًا. وكيف ذلك؟ بالعلم الحق، الذي هو تأمُّل الأشياء، وبالشعر العظيم عظمة العالم. إذ إن آلية عيوننا، التي ترتاح إلى الآفاق العريضة، تعلِّمنا حقيقة عظيمة: على الفكر أن يطلق سراح الجسم ويعيده إلى الكون، الذي هو موطننا الحقيقي. هناك صلة قربى عميقة بين مصيرنا كبشر وبين وظائف جسمنا. الحيوان، ما إنْ تتركه الأشياءُ المجاورةُ وشأنه، يستلقي وينام؛ أما الإنسان فيفكر؛ فإذا كان تفكيره تفكير حيوان فالويل له: تراه يزيد من أوجاعه ومن حاجاته؛ تراه تنهشه الخشية والأمل؛ الأمر الذي يجعل جسمه لا يكف عن التوتر، عن التهيج، عن الاندفاع، عن كبح نفسه، وذلك بحسب ألاعيب المخيلة؛ تراه مرتابًا دومًا، متربصًا دومًا بالأشياء وبالناس من حوله. وإذا أراد أن ينطلق، تراه يغوص في الكتب، وهي عالم مغلق هو الآخر، شديد القرب من عينيه، شديد القرب من أهوائه. الفكر يتحول إلى سجن والجسم يعاني؛ إذ إن قولنا إن الفكر يضيق وقولنا إن الجسم يعمل ضد نفسه هو قولنا الشيء نفسه. الطَّموح يعيد صياغة خطاباته ألف مرة، والعاشق يعيد تلاوة صلواته ألف مرة. على الفكر أن يسافر وأن يتأمل إذا شئنا أن يكون الجسم على ما يرام.

هذا ما سيقودنا إليه العلم، شريطة ألا يكون طَموحًا، ولا ثرثارًا، ولا نافد الصبر؛ شريطة أن يصرفنا عن الكتب وينقل نظرتنا إلى مدى الأفق. العلم، إذن، يجب أن يكون إدراكًا وسفرًا. فالغرض، عبر الروابط الحقيقية التي تكتشفها فيه، يقودك إلى غرض آخر وإلى ألف غرض آخر، ودوامة النهر هذه تحمل فكرك حتى الرياح، حتى السحب، حتى الكواكب. فالمعرفة الحق لا ترجع أبدًا إلى شيء صغير ما قريب من العيون؛ إذ إن المعرفة هي فهم كيف أن أصغر شيء مرتبط بالكل؛ لا شيء تكمن علته في ذاته، وبذا فإن الحركة الصائبة تبعدنا عن أنفسنا؛ وذلك لا يقل صحةً للذهن عنه صحةً للعينين. بذا فإن فكرك سيرتاح في هذا الكون الذي هو مجاله، وسينسجم مع حياة جسمك المرتبطة هي الأخرى بالأشياء كلها. حين كان المسيحي يقول: "السماء موطني"، لم يكن يحسَب أنه يحسن القول إلى هذا الحد. انظرْ إلى المدى البعيد.

15 أيار 1911

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس


* Alain, « Regarde au loin », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 131-133.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي تخصص فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الحاذقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها.

البيئة والنزاع - ج. كريشنامورتي

السبت, تشرين الثاني 14th, 2009

البيئة والنزاع*

krishnaji

ج. كريشنامورتي

يبدو لي هامًّا فهمُ أن النزاع، من أي نوع كان، لا يثمر تفكيرًا مبدعًا. فإلى أن نفهم النزاع وطبيعة النزاع، وما هو الشيء الذي يتنازع المرء معه، فإن مجرد التصارع مع مشكلة، أو مع خلفية أو بيئة بعينها، لا جدوى منه إطلاقًا. فكما أن جميع الحروب تسبب التدهور وتثمر حتمًا مزيدًا من الحروب، مزيدًا من البؤس، كذلك مصارعة النزاع تقود هي الأخرى إلى مزيد من البلبلة. بذا فإن النزاع ضمن النفس، مُسقَطًا على الخارج، يسبب البلبلة في العالم. لذا من الضروري – أليس كذلك؟ – فهمُ النزاع ورؤيةُ أن النزاع، من أي نوع كان، ليس مثمرًا لتفكير مبدع، لكائنات إنسانية سليمة. ومع ذلك، فإن حياتنا برمتها مهدورة في الصراع، وترانا نظن أن الصراع جزء ضروري من الوجود. هناك نزاع ضمن النفس ومع البيئة – البيئة بوصفها المجتمع، الذي بدوره هو علاقتنا مع الناس ومع الأشياء ومع الأفكار. هذا الصراع يُعتبَر حتميًّا، وترانا نظن أن الصراع لا غنى عنه لسيرورة الوجود. والآن، هل الأمر كذلك فعلاً؟ وهل ثمة طريقة حياة تستغني عن الصراع، وتوجد فيها إمكانية الفهم من دون النزاع المعتاد؟ لا أدري إنْ كنت لحظت أنك كلما أمعنت في مصارعة مشكلة نفسانية، تراك تزداد بلبلة وتَعْلَق فيها أكثر، وأن الفهم لا يأتي إلا حين يكف الصراع، حين تتوقف سيرورة الفكر برمتها. وإذن، فعلينا أن نتحرى عما إذا كان النزاع لا غنى عنه، وعما إذا كان النزاع مثمرًا.

والآن، نحن نتكلم على النزاع في أنفسنا ومع البيئة. البيئة هي ما هو المرء إياه في نفسه. أنت والبيئة لستما سيرورتين اثنتين مختلفتين؛ أنت البيئة، والبيئة أنت – وهذه واقعة واضحة. أنت مولود ضمن جماعة من الناس بعينها، سواء في الهند أو أمريكا أو روسيا أو إنكلترا، وتلك البيئة بالذات، بمؤثراتها الناجمة عن المناخ والتقاليد والأعراف الاجتماعية والدينية، هي التي تخلقك – وأنت تلك البيئة. وللتحري عن وجود شيء أكثر من مجرد نتاج البيئة، عليك أن تتحرر من البيئة، أن تتحرر من إشراطها. ذلك واضح، أليس كذلك؟ إذا نظرت في نفسك متأنيًا، سترى أن ولادتك في هذا البلد جعلت منك – مناخيًّا، اجتماعيًّا، دينيًّا، واقتصاديًّا – ثمرته أو نتاجه. أي أنك مشروط. وللتحري عن وجود شيء أكثر، شيء أعظم من مجرد نتاج شرط، عليك أن تتحرر من ذلك الشرط. أما وأنك مشروط، فإن الاستفسار عن وجود شيء أكثر، شيء أعظم من مجرد ثمرة البيئة، لا معنى له. من الواضح أننا يجب أن نتحرر من الشرط، من البيئة، وعندئذ فقط يمكن لنا أن نكتشف إذا كان هناك شيء أكثر. والجزم بوجود شيء أكثر أو بعدم وجوده هو قطعًا طريقة مغلوطة في التفكير. على المرء أن يكتشف بنفسه، وليكتشف، عليه أن يختبر.

*

إذن، ونحن نتمعن في هذه المسائل، فلنضعْ – رجاءً – نصب أعيننا أننا ننهض لرحلة معًا لاكتشاف الأشياء معًا؛ لذا، لا خطر هنا من علاقة التلميذ والمعلم. أنت لست هنا بصفتك المُشاهد لتراني أمثِّل دورًا؛ كلانا يمثِّل، وبالتالي، ما من أحد منا يستغل الآخر.

نيودلهي، 28 تشرين الثاني 1948


* From the Verbatim Report of the second public talk in New Delhi, 28 November 1948, in Collected Works of J. Krishnamurti, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation of America, pp. 15-16.

معرفة النفس - ج. كريشنامورتي

الخميس, تشرين الثاني 12th, 2009

في معرفة النفس*

ج. كريشنامورتي

حسبنا أن ننظر إلى العالم من حولنا حتى نرى البلبلة والبؤس والرغبات المتنازعة. وأغلب الناس المبالين والجديين، – لا الناس الذين يلعبون لعبة التظاهُر، بل الناس المهتمون حقًّا، – إذ يدركون هذا العماء العالمي، سوف يرون بطبيعة الحال أهمية التفكر في مشكلة العمل. هناك العمل الجماهيري والعمل الفردي؛ و"العمل الجماهيري" صار مفهومًا مجردًا، مَهْربًا ملائمًا للفرد. فالفرد، إذ يظن أن هذا العماء، – هذا البؤس، هذه النكبة التي لا تنفك تتصاعد، – يمكن للعمل الجماهيري أن يحوِّله أو أن يُحِلَّ فيه النظام، تراه يصير غير مسئول. "الجماهير" قطعًا كيان متخيَّل؛ فالجماهير هي أنت وأنا. ففقط حين لا نفهم – أنت وأنا – علاقة العمل الصحيح، ترانا نلوذ بالمفهوم المجرد المسمى بـ"الجماهير" – وبذا نصير غير مسئولين في عملنا. ومن أجل الإصلاح في العمل، نبحث إما عن قائد وإما عن العمل المنظم الجماعي، وهو عمل "جماهيري" هو الآخر. وعندما نلوذ بقائد طلبًا للتوجيه في العمل، ترانا لا محالة نختار شخصًا نظن أنه سوف يعيننا على تجاوز مشكلاتنا نحن، بؤسنا نحن. لكن القائد نفسه – لأننا نختار قائدنا اعتبارًا من بلبلتنا – قائد مبلبل هو الآخر. فنحن لا نختار قائدًا إلا ويشبه أنفسنا؛ إذ لا نستطيع… لا نستطيع إلا أن نختار قائدًا مبلبلاً مثلنا؛ لذا فإن أمثال هؤلاء القادة، أمثال هؤلاء المرشدين والـگورو [المعلمين] الروحيين المزعومين، يقودوننا لا محالة إلى مزيد من البلبلة، إلى مزيد من البؤس. وبما أن ما نختار لا بدَّ أن نختاره اعتبارًا من بلبلتنا، فإننا حين نتبع قائدًا ترانا لا نتبع إلا إسقاطنا الذاتي المبلبل. لذا فإن مثل هذا العمل، مع أنه قد يثمر عن نتيجة فورية، يقود لا محالة إلى مزيد من النكبات.

ومنه، نرى أن العمل الجماهيري – مع أنه قد يكون ذا قيمة في بعض الحالات – يقود حتمًا إلى النكبة، إلى البلبلة، ويجلب انعدام المسئولية من جانب الفرد، وأن التبعية لقائد لا بدَّ أن تزيد من البلبلة هي الأخرى. ومع ذلك، علينا أن نحيا. الحياة هي العمل؛ الوجود هو العلاقة. لا عمل ثمة من دون علاقة، ولا يمكن لنا أن نحيا معزولين. ليس هناك شيء اسمه العزلة. فالحياة هي أن نعمل وأن نكون على علاقة. ومنه، حتى نفهم العمل الذي لا يفتعل المزيد من البؤس، المزيد من البلبلة، علينا أن نفهم أنفسنا، بكل تناقضاتنا، بعناصرنا المتضادة، بأوجُهنا العديدة التي لا تنفك يتصارع بعضها مع بعض. فإلى أن نفهم أنفسنا، لا بدَّ للعمل من أن يقود حتمًا إلى مزيد من النزاع، إلى مزيد من البؤس.

مشكلتنا، إذن، هي العمل المصحوب بالفهم؛ وذاك الفهم لا يمكن له أن يحصل إلا عبر معرفة النفس. فالعالم، في النهاية، هو إسقاط لنفسي: ما أنا إياه يكونه العالم؛ العالم ليس مختلفًا عني، العالم ليس مضادًّا لي. العالم وأنا لسنا كيانين اثنين منفصلين. المجتمع هو نفسي؛ ليست هناك سيرورتان مختلفتان. العالم امتداد لنفسي، ولفهم العالم، علي أن أفهم نفسي. الفرد ليس متعارضًا مع الجماهير، مع المجتمع، لأن المجتمع هو الفرد بالذات. المجتمع هو العلاقة بينك وبيني وبين الآخر. لا يوجد تضاد بين الفرد والمجتمع إلا حين يصير الفرد غير مسئول. مشكلتنا، إذن، لا يُستهان بها. هناك أزمة مهولة تواجه كل بلد، كل شخص، كل جماعة. فما هي طبيعة علاقتنا – أنت وأنا – بتلك الأزمة، وكيف سنعمل؟ من أين نبدأ من أجل أن نُحدِث تحولاً؟ كما قلت، إذا لذنا بالجماهير لن نجد مخرجًا، لأن الجماهير تقتضي وجود قائد، والجماهير يستغلها دومًا السياسي والكاهن والخبير. وبما أنك وأني نصنع الجماهير، لا مناص لنا من تحمُّل المسئولية عن عملنا؛ أي أن علينا أن نفهم طبيعتنا نحن، علينا أن نفهم أنفسنا. وفهم أنفسنا لا يتم بالانسحاب من العالم، لأن الانسحاب يقتضي العزلة، ولا نستطيع أن نعيش معزولين. ومنه، علينا أن نفهم العمل في العلاقة، وذاك الفهم يتوقف على وعينا طبيعتنا نحن، المتنازعة والمتناقضة. أعتقد أن من الحمق أن نتصور حالاً يسودها السلام بوسعنا أن نتطلع إليها. لا يمكن أن يوجد سلام وطمأنينة إلا حين نفهم طبيعة أنفسنا ولا نفترض سلفًا حالاً لا نعرفها. قد تكون هناك حال سلام، لكن مجرد التكهن حولها لا جدوى منه.

من أجل العمل السليم، لا بدَّ من التفكير السليم؛ ومن أجل التفكير السليم، لا بدَّ من معرفة النفس؛ ومعرفة النفس لا تحصل إلا عبر العلاقة، لا عبر العزلة. التفكير السليم لا يمكن له أن يأتي إلا بفهم أنفسنا، الذي ينبجس منه العمل السليم. العمل السليم هو العمل الذي ينبع من فهم أنفسنا: لا فهم جزء واحد من أنفسنا، بل فهم محتوى أنفسنا برمته، طبائعنا المتناقضة، كل ما نحن إياه. ونحن، حين نفهم أنفسنا، يتم العمل السليم؛ ومن ذلك العمل توجد السعادة. وفي الحاصل، فإن السعادة هي ما نريد، هي التي يطلبها أغلبنا عبر أشكال متنوعة، عبر مختلف المهارب – مهارب النشاط الاجتماعي، مهارب العالم البيروقراطي، التسلية، العبادة وتكرار العبارات، الجنس، ومهارب أخرى لا تُحصى. لكننا نرى أن هذه المهارب لا تجلب سعادة مستديمة، بل تجلب تسكينًا مؤقتًا وحسب. فما من شيء حقيقي فيها، ما من بهجة مستديمة أساسًا. أعتقد أننا سنجد تلك البهجة، تلك النشوة، فرح الوجود المبدع الحقيقي ذاك، فقط حين نفهم أنفسنا. لكن فهم أنفسنا هذا ليس سهلاً، بل يتطلب تيقظًا، وعيًا معينًا. وذاك التيقظ، ذاك الوعي، يمكن له أن يأتي فقط حين لا ندين، حين لا نبرِّر، لأنه لحظة ندين أو نبرِّر، نضع حدًّا لسيرورة الفهم. حين ندين أحدهم، نكف عن فهم ذلك الشخص، وحين نتماهى مع ذلك الشخص، نكف عن فهمه أيضًا. والأمر مماثل مع أنفسنا. رَصْدُ نفسك، وعيُ ما أنت إياه وعيًا سالبًا، من أصعب ما يكون، ولكن من ذاك الوعي السالب يأتي فهم، يأتي تحوُّل للـماهو، ووحده ذاك التحول يفتح الباب للحق.

مشكلتنا، إذن، هي العمل والفهم والسعادة. ولا أساس للتفكير الصحيح ما لم نعرف أنفسنا. من غير أن أعرف نفسي لا أساس عندي للتفكير – بوسعي فقط أن أعيش في حال تناقُض، كما يفعل معظمنا. حتى أحدِثَ تحولاً في العالم – وهو عالم علاقتي – لا بدَّ لي من أبدأ بنفسي. رُبَّ قائل يقول: "إحداث تحوُّل في العالم بتلك الطريقة يستغرق وقتًا طويلاً لا ينتهي." إذا كنا نطلب نتائج فورية، فبطبيعة الحال سنظن أن الأمر يستغرق وقتًا أطول مما ينبغي. النتائج الفورية يَعِدُ بها الساسة، أما الإنسان الذي يطلب الحقيقة فأخشى ألا توجد عنده نتيجة فورية. الحقيقة هي التي تحوِّل، لا العمل الفوري؛ ووحده اكتشاف كلِّ واحد للحقيقة سيجلب السعادة والسلام إلى العالم. الحياة في العالم، لكنْ من غير أن نكون من العالم، هي مشكلتنا؛ وإنها لمشكلة سعي مخلص، لأننا لا نستطيع أن ننسحب، لا نستطيع أن نزهد، بل علينا أن نفهم أنفسنا. فهم المرء نفسَه هو بداية الحكمة. وفهم المرء نفسَه هو فهمُه علاقتَه مع الأشياء والناس والأفكار. فإلى أن نفهم مغزى علاقتنا كاملاً مع الأشياء والناس والأفكار ومعناها التام، فإن العمل – وهو العلاقة – سيجلب حتمًا النزاع والصراع. لذا فإن الإنسان المخلص حقًّا لا بدَّ له أن يبدأ بنفسه؛ عليه أن يكون واعيًا وعيًا سالبًا بكل أفكاره ومشاعره وأفعاله. للمرة الثانية، هذه ليست قضية زمن. فمعرفة النفس لا نهاية لها. معرفة النفس هي فقط من لحظة للحظة، وبالتالي، هناك سعادة خلاقة من لحظة للحظة.

*

حين أتعامل مع أسئلتكم، رجاءً لا تنتظروا جوابًا؛ لأني وإياكم سوف نتفكر في المسألة معًا ونجد الجواب في المسألة. إذا انتظرتم جوابًا وحسب، أخشى ما أخشاه أن أملكم سوف يخيب. فالحياة ليس عندها "نعم" أو "لا" قاطعتان، مع أن هذا ما نتمنى. الحياة أعقد من ذلك وأرهف. ومنه، حتى نجد الجواب، علينا أن نتدارس المسألة؛ ما يعني أننا يجب أن نتحلى بالصبر والذكاء للتعمق فيها.

سؤال: ما هي مكانة الدين المنظم في المجتمع الحديث؟

كريشنامورتي: دعنا نتحرى عما نعنيه بـ"الدين" وما نعنيه بـ"المجتمع الحديث". ماذا نعني بالدين؟ ماذا يعني الدين بنظرك؟ إنه يعني – ألا يعني؟ – جملة معتقدات، شعائر، عقائد، خرافات عديدة، پوجا [عبادة]، تكرار كلمات، آمالاً مبهمة، غير مستجابة، محبَطة، قراءة كتب بعينها، تبعية للـگورو [المعلمين الروحيين]، الذهاب إلى المعبد في بعض المناسبات، إلى ما هنالك. ذاك كله، قطعًا، هو الدين بنظر أكثر الناس عندنا. ولكن هل ذاك هو الدين؟ هل الدين عرف، عادة، تقليد؟ الدين، قطعًا، شيء أبعد من هذا كله بكثير، أليس كذلك؟ الدين يقتضي البحث عن الحق، وهو لا يمت بأية صلة إلى الاعتقاد المنظم، المعابد، العقائد، أو الشعائر؛ ومع ذلك، فإن تفكيرنا، قوام وجودنا بالذات، عالق، واقع في شَرَك المعتقدات والخرافات إلى ما هنالك. من الواضح أن الإنسان الحديث ليس ديِّنًا؛ لذا فإن مجتمعه ليس مجتمعًا صحيحًا، متوازنًا. قد نتبع مذاهب بعينها، أو نتعبد لصور بعينها، أو نبتكر دين دولة جديد، لكن من الواضح أن هذه الأشياء كلها ليست من الدين في شيء. قلت إن الدين هو البحث عن الحق، لكن ذاك الحق غير معلوم؛ إنه ليس الحق القابع في الكتب، ليس خبرة الآخرين. وللعثور على ذاك الحق، للكشف عنه، لدعوته، لا بدَّ للمعلوم من أن يتوقف؛ كما يجب إمعان النظر في المغزى من جميع التقاليد والمعتقدات، فهمها، ونبذها. ولفعل هذا، لا معنى لتكرار الشعائر. لذا من الواضح أن الإنسان الديِّن حقًّا لا ينتمي إلى أي دين، إلى أي تنظيم؛ إنه ليس هندوسيًّا ولا مسلمًا؛ إنه لا ينتمي إلى أية طبقة.

والآن، ما هو العالم الحديث؟ العالم الحديث قوامه التقنية وفعالية التنظيمات الجماهيرية. هناك تقدُّم هائل في التكنولوجيا، مع سوء توزيع لحاجات الجماهير؛ وسائل الإنتاج حكر على أيدي ثلة صغيرة. هناك جنسيات متنازعة، حروب متكررة على الدوام تفتعلها حكومات "ذات سيادة"، إلى ما هنالك. ذاك هو العالم الحديث، أليس كذلك؟ هناك تقدُّم تقني من غير تقدُّم نفساني مساو له في الحيوية، وإذن، فهناك حالة اختلال توازن؛ هناك إنجازات علمية خارقة، وفي الوقت نفسه، بؤس بشري، قلوب خاوية، وأذهان فارغة. والعديد من التقنيات التي تعلمناها يتصل ببناء الطائرات، بقتل بعضنا بعضًا، إلى ما هنالك. وإذن، فذاك هو العالم الحديث، الذي هو أنت نفسك. العالم ليس مختلفًا عنك. عالمك – الذي هو أنت نفسك – هو عالم العقل النامي والقلب الخاوي. إذا أمعنتم النظر في أنفسكم، سترون أنكم بالذات نتاج المدنية الحديثة: أنتم تعرفون كيف تؤدون بضع حيل، – حيل تقنية، مادية، – لكنكم لستم كائنات إنسانية مبدعة. أنتم تنجبون أطفالاً، لكن هذا ليس من الإبداع في شيء! فحتى يستطيع المرء أن يبدع، يحتاج إلى غنى داخلي خارق، وذاك الغنى لا يمكن له أن يحصل إلا حين نفهم الحقيقة، حين نكون قادرين على استقبال الحقيقة.

وإذن، فالدين والعالم الحديث متلازمان، كلاهما ينمِّي القلب الخاوي – وذاك هو الجانب المؤسف من حياتنا. نحن سطحيون، لامعون عقليًّا، قادرون على اختراعات عظيمة وعلى إنتاج أكثر الوسائل تدميرًا لتصفية بعضنا بعضًا، وعلى إيجاد مزيد ومزيد من الانقسام بين بعضنا بعضًا، لكننا لا نعرف ما معنى أن نحب، ليست هناك أغنية في قلوبنا. ترانا نعزف الموسيقى، نستمع إلى الراديو، ولكن لا غناء ثمة، لأن قلوبنا خاوية. لقد خلقنا عالمًا مبلبلاً تمامًا، بائسًا، وعلاقاتنا مهلهلة، سطحية. أجل، الدين المنظم والعالم الحديث متلازمان، لأن كلاهما يقود إلى البلبلة، وبلبلة الدين المنظم والعالم الحديث هذه هي جنى أيدينا. إنهما التعبيران المسقَطان ذاتيًّا عن أنفسنا. ومنه، لا مجال لأي تحوُّل في العالم الخارجي ما لم يحدث تحوُّل في صميم كلِّ واحد منا؛ وإحداث ذاك التحول ليس مشكلة الخبير أو الاختصاصي أو القائد أو الكاهن، بل مشكلة كلِّ واحد منا. إذا تركناها للآخرين، بتنا غير مسئولين، وبالتالي فإن قلوبنا تصير خاوية. والقلب الخاوي مع عقل تقني ليس كائنًا إنسانيًّا مبدعًا؛ ولأننا أضعنا حالة الإبداع تلك، أنتجنا عالمًا بائسًا، مبلبلاً تمامًا، تحطِّمه الحروب، تمزِّقه التمييزات الطبقية والعرقية. وإنها لمسئوليتنا أن نُحدِث تحولاً جذريًّا في أنفسنا.

نيودلهي، 14 تشرين الثاني 1948


* From the Verbatim Report of the first public talk in New Delhi, 14 November 1948, in Collected Works of J. Krishnamurti, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation of America, pp. 4-10.

الفقر - رونيه گينون

الأحد, تشرين الثاني 8th, 2009

الفـقـر*

رونيه گينون**

يجوز لنا التعريف بالكائن العَرَضي l’être contingent بوصفه الموجود غير واجب الوجود بذاته؛ ومنه، فإن مثل هذا الموجود لاشيء بحدِّ ذاته، ولا شيء مما هو إياه يخصُّه بالذات. وتلك هي حالة الإنسان، بوصفه فردًا، كما وحالة جميع الموجودات المتجلية، كائنةً ما كانت حالُها، لأنه مهما يكن الفارق بين مراتب الوجود الكوني فإن هذا الفارق دومًا بحُكم العدم في مرأى من المبدأ[1]. وهذه الموجودات، بشرية كانت أو غير بشرية، هي إذن، في كل ما هي إياه، متكلةٌ اتكالاً تامًّا على المبدأ الذي "لا موجود لما سواه بالحقيقة… فوجودُ الموجودات وعدمُها سيَّان"[2]؛ ووعي هذا الاتكال هو ما تشير إليه بالضبط عدة منقولات بوصفه "الفقر الروحي". في الوقت نفسه، فإن النتيجة المباشرة لهذا الوعي، بنظر الكائن الذي بلغه، هي التجرد من جميع الأشياء المتجلية، وذلك لأنه يعرف مذ ذاك أن هذه الأشياء هي الأخرى لاشيء، وأن أهميتها بكل دقة معدومة بالنسبة إلى الحق المطلق. وهذا التجرد، في حالة الإنسان، يقتضي أساسًا وقبل كل شيء عدم الاكتراث بثمار العمل، كما تعلِّم الـبهگڤدگيتا، وهو عدم اكتراث يفلت به الموجودُ من التسلسل غير المنتهي لعواقب هذا العمل: إنه "العمل عديم الرغبة" (نِشْكاما كرما nishkāma karma)، بينما "العمل المدفوع بالرغبة" (سَكاما كرما sakāma karma) هو العمل المؤدى بقصد نيل ثماره.

بذلك التجرد يخرج الموجود إذن من الكثرة؛ إنه، بحسب العبارات التي تستعملها العقيدة الطاوية، يفلت من تقلبات "تيار الأشكال"، من تناوب أحوال "الحياة" و"الموت"، "التكثف" و"التبدد"[3]، عابرًا من محيط دائرة "العجلة الكونية" إلى مركزها، الذي يشير لاو-تسُه إليه بالذات بوصفه "الفراغ (غير المتجلي) الذي يضم الأشعة ويجعل منها دولابًا"[4]. ويقول لاو-تسُه أيضًا:

مَن يبلغ أقصى الفراغ فذاك يثبت ثباتًا راسخًا في الراحة… الرجوع إلى الجذر (أي إلى المبدأ، الأصل الأول للموجودات كافة وغايتها الآخِرة في آن معًا) هو دخول في حال الراحة.[5]

ويقول لِيه-تسُه:

السلام في الفراغ حال تستعصي على التعريف، لا تؤخذ ولا تُعطى، بل يُتوصل إلى الرسوخ فيها.[6]

هذا "السلام في الفراغ" إنما هو السكينة في التصوف الإسلامي[7]، التي هي في الوقت نفسه "الحضرة الإلهية" في مركز الكائن، الداخلة في الاتحاد مع المبدأ، وهو اتحاد لا يمكن له أن يتم فعلاً إلا في هذا المركز بالذات:

المقيم في اللامتجلِّي تتجلى له الموجودات كلها… إنه، متحدًا بالمبدأ، متناغم، به، مع الموجودات كافة. إنه، متحدًا بالمبدأ، يعرف كل شيء بالعلل العامة العليا، ومن ثَم لا يعود يستعمل مختلف حواسه ليعرف خصوصًا وعلى التفصيل. علةُ الأشياء الحقيقيةُ غير مرئية، لا يُحاط بها، مستعصية على التعريف والتعيين. وحده الروح الذي استعاد مقامه في حال البساطة الكاملة يستطيع بلوغها في المشاهدة العميقة.[8]

و"البساطة" – وهي عبارة عن توحيد قدرات الكائن جمعاء – هي التي يتصف بها الرجوع إلى "الحال القديمة" l’état primordial؛ وإننا لنرى هنا كل الفارق الفاصل بين معرفة الحكيم المتعالية وبين العلم العادي و"الدنيوي" profane. وهذه "البساطة" هي أيضًا المشار إليها في غير مكان بوصفها حال "الطفولة" (بالسنسكريتية باليا bālya)، مفهومةً بالطبع بالمعنى الروحي، التي تُعتبَر في العقيدة الهندوسية شرطًا مسبقًا لاكتساب المعرفة بامتياز. وهذا يذكِّر بالكلام المشابه الوارد في الإنجيل:

مَن لا يقبل ملكوت الله مثل الطفل لا يدخله.[9]
أحمدك يا أبتِ، ربَّ السموات والأرض، على أنك أخفيتَ هذه الأشياء على الحكماء والأذكياء، وكشفتَها للصغار.[10]

"الطفولة" و"الصغر" هنا، عمقيًّا، مكافئان لـ"الفقر"، الذي كثيرًا جدًّا ما يرد في الإنجيل أيضًا والذي يُساء فهمُه للغاية عمومًا: "طوبى للفقراء بالروح، فإن لهم ملكوت السموات"[11]. وهذا الفقر يؤدي، بحسب التصوف الإسلامي، إلى الفناء، أي إلى محق "الأنية"[12]؛ وبهذا "الفناء" يتم بلوغ المقام الإلهي، الذي هو نقطة المركز التي يتم فيها تجاوُز جميع التمييزات الملازمة للمنظورات الخارجية، حيث تتلاشى جميع التعارُضات وتنحل في توازن كامل:

في الحال القديمة، كانت هذه التناقضات معدومة. فكلها مشتق من تكثُّر الكائنات (الملازم للتجلي والعَرَضي مثله) ومن ارتباطاتها الناتجة من الدوران الكلِّي (أي من دوران "العجلة الكونية" حول محورها)… وهي تكف من فورها عن التأثير في الكائن الذي اختزل أنيَّته المميزة وحركته الخاصة إلى لاشيء تقريبًا.[13]

هذا الاختزال لـ"الأنية المميزة"، التي تنتهي إلى التلاشي باختصارها إلى نقطة واحدة، هو عينه الفناء وعينه "الفراغ" الذي ورد ذكره أعلاه؛ ومن الجلي، إلى ذلك، بحسب رمزية العجلة، أن تباطؤ "حركة" الموجود يتناسب طردًا مع اقتراب هذا الموجود من المركز:

هذا الكائن لا يعود ينازع أي كائن آخر لأنه راسخ في اللانهاية، ممحو في اللامنتهي[14]. لقد بلغ نقطة انطلاق التحولات وهو واقف فيها، وهي نقطة محايدة لا نزاعات فيها. فبتركيزه طبيعتَه، وبتغذيته روحَه الحيوي، وباستجماعه قدراته كلها، اتحد بمبدأ التكونات كلها. وبما أن فطرته تامة (مجموعة إجمالاً في الوحدة المبدئية) وروحه الحيوي سليم، ليس بمقدور أي موجود أن يمسَّ به.[15]

إن "البساطة" التي ورد ذكرها أعلاه تقابل الوحدة "بلا أبعاد" للنقطة القديمة التي تفضي إليها حركةُ الرجوع إلى الأصل:

الإنسان المطلق البساطة يثني ببساطته الموجودات كلها، … بحيث إن لا شيء يعارضه في أقاليم الفضاء الستة، ولا شيء يعاديه، والنار والماء لا يؤذيانه.[16]

إنه يقف، بالفعل، في المركز الذي تصدر منه – إشعاعًا – الجهاتُ الست وتأتيه، عبر حركة الرجوع، ليحيِّد بعضُها بعضًا مثنى مثنى، بحيث إن تَعارُضها المثلث، في هذه النقطة المفردة، يتوقف تمامًا، ولا شيء مما ينجم عن هذا التعارض أو يقع فيه يقوى على المساس بالكائن المقيم في الوحدة السرمدية. فهذا الكائن، إذ لا يعارض شيئًا، لا يقوى أي شيء على معارضته، لأن التعارض بالضرورة علاقة متبادلة تتطلب وجود حدين متعارضين، وهي، بالتالي، لا تتوافق مع الوحدة المبدئية؛ و"العداء"، الذي ليس غير عاقبة للتعارض أو تجلٍّ خارجيٍّ له، لا يمكن له إلا أن ينعدم حيال موجود بات خارج كل تعارُض وتخطاه. والنار والماء، اللذان هما نمط الأضداد في "عالم العناصر"، لا يمكن لهما أن "يؤذياه" لأنهما، والحق يقال، لم يعودا موجودين بنظره أصلاً بوصفهما ضدين، إذ قد رجعا، – وقد توازَنا وحيَّد كلٌّ منهما الآخر باجتماع خصائصهما المتعارضة في الظاهر، لكنْ المتكاملة في الواقع، – إلى لاتمايز "الأثير القديم".

رمز "عجلة الأشياء" في الطاوية: الدائرة والجهات الست المنطلقة من محيطها إلى المركز

نقطة المركز هذه التي يتم بها، لدى الكائن البشري، الاتصال مع الأحوال العليا أو "السماوية" هي أيضًا "الباب الضيق" في رمزية الإنجيل[17]؛ وبالوسع مذ ذاك فهم ما هم "الأغنياء" الذين يعسر عليهم الدخول منه[18]: إنهم الكائنات المتعلقة بالكثرة والعاجزون، بالتالي، عن الارتقاء من المعرفة التفصيلية إلى المعرفة الإجمالية. فهذا التعلق، بالفعل، مضاد مباشرة للتجرد الذي ورد ذكره أعلاه، مثلما أن الغنى مضاد للفقر، ومن شأنه أن يقيِّد الموجود إلى المتوالية غير المنتهية لدورات التجلي[19]. والتعلق بالكثرة هو أيضًا، بمعنى من المعاني، "الغواية" الكتابية التي، إذ تذيق الكائن ثمرة "شجرة معرفة الخير والشر"، أي المعرفة الثنوية والتفصيلية بالأشياء العَرَضية، تبعده عن وحدة المركز الأصلية وتمنعه من بلوغ ثمرة "شجرة الحياة"[20]؛ فبهذا، بالفعل، يخضع الكائن لتناوب الطفرات الدورية، أي للولادة والموت. وسلوك الشوط غير المنتهي للكثرة ممثل بالدقة بلفات الحية الملتفة حول جذع الشجرة الذي يرمز إلى "محور العالم": إنه طريق الضالين بالمعنى الاشتقاقي للـ"ضلال"، في مقابل الصراط المستقيم، الصاعد شاقوليًّا على طول المحور نفسه والمذكور في فاتحة القرآن الكريم[21].

"الفقر"، "البساطة"، "الطفولة"، مصطلحات مؤداها واحد؛ و"التجريد"[22] الذي تعبِّر عنه هذه الكلمات كلها يفضي إلى "فناء" هو، في الواقع، ملء الوجود[23]، مثلما أن "اللافعل" (وُو-وي wou-wei) [في العقيدة الطاوية[24]] هو كمال الفعل، بما أن منه تُشتق سائر النشاطات الخاصة: "المبدأ دومًا غير فاعل، غير أن كل شيء يتم به"[25]. وبهذا يكون الموجود الذي بلغ نقطة المركز قد حقق بذلك بالضبط تكامُل الحال الإنسانية: إنه "الإنسان الحق" (تشِن-جِن tchenn-jen) في الطاوية؛ وحين، انطلاقًا من هذه النقطة وارتقاءً إلى الأحوال العليا، يحقق محصلة إمكاناته كاملةً، يكون قد صار "الإنسان الإلهي" (تشُن-جِن tcheun-jen)، وهو الإنسان الكامل في التصوف الإسلامي. بذا يجوز لنا القول بأن "الأغنياء" من منظار التجلي هم "الفقراء" حقًّا في مرأى من المبدأ، وعكسه بعكسه؛ وهذا أيضًا ما يعبِّر عنه بوضوح ناصع قولُ الإنجيل: "هكذا يصير الأولون آخِرين، والآخِرون أولين"[26]. وبهذا الخصوص، لا بدَّ لنا من أن نعاين، مرة أخرى أيضًا، التوافق التام بين جميع العقائد النقلية، التي ليست غير تعبيرات متنوعة عن الحقيقة الواحدة.

مصر، 11-12 ربيع الأول 1349 هـ (مولد النبي).

الترجمة عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Le Voile d’Isis, octobre 1930, pp. 714-721 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 44-53.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المأثورات "الدينية" الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] يقصد رونيه گينون، في لغته الاصطلاحية، بكلمة "مبدأ" Principe العلة الأونطولوجية المستقلة عن معلولاتها. (المحرِّر)

[2] محيي الدين بن عربي، رسالة الأحدية [راجع نصها كاملاً في سماوات: http://samawat.org/texts/epistle_of_unity_ibn_arabi. كل مُضاف بين معقوفتين [...] إلى النص الأصلي من تدخُّل المترجم لتوضيح المقصود. (المحرِّر)].

[3] يستعمل أرسطو، بمعنى مشابه، مصطلحَي "الكون" و"الفساد".

[4] طاو-ته-كنگ، 11.

[5] طاو-ته-كنگ، 16.

[6] ليه-تسه، 1.

[7] راجع الفصل حول "الحرب والسلم" في كتابنا رمزية الصليب.

[8] ليه-تسه، 4.

[9] إنجيل لوقا 18: 17.

[10] إنجيل متى 11: 25؛ إنجيل لوقا 10: 21.

[11] إنجيل متى 5: 2.

[12] هذا "الفناء" لا يعدم المقايسة، حتى بخصوص المعنى الحرفي للمصطلح المشير إليه، مع نرڤانا nirvāna العقيدة الهندوسية؛ وفيما يتعدى الفناء، هناك أيضًا فناء الفناء الذي يقابل بالمثل الـپرنرڤانا parinirvāna.

[13] تشوانگ-تسه، 19.

[14] أول هذين التعبيرين ["راسخ في اللانهاية"] يعود إلى "الشخصية" وثانيهما ["ممحو في اللامنتهي"] يعود إلى "الفردية". [و"الشخصية"، في اصطلاح گينون، هي الجانب ما فوق البشري من الإنسان، مقام أحوال الوجود المستعلية عن الموجود كفرد، بينما "الفردية" هي الجانب البشري منه حصرًا، ببُعديه الجسماني والنفسي الفردي. فـ"رسوخ الشخصية في اللانهاية"، إذن، هو تحقيقها لإمكاناتها كافة، بينما "محو الفردية في اللامنتهي" هو زوال الأنية المميزة (أو "شفافيتها" التامة بالأصح) بحيث تعبِّر تعبيرًا غير مقيد عن الإمكانات السابقة في حياة الفرد. (المحرِّر)]

[15] المصدر نفسه. تعود الجملة الأخيرة أيضًا إلى شروط "الحال القديمة": هذه هي ما يشير إليه المنقول اليهودي-المسيحي بوصفه خلود الإنسان قبل "السقوط"؛ وهو خلود يستعيده، بعودته إلى "مركز العالم"، مَن يقتات من "شجرة الحياة".

[16] ليه-تسه، 2.

[17] راجع: إنجيل متى 7: 13؛ إنجيل لوقا 13: 24. (المحرِّر)

[18] راجع: إنجيل متى 19: 23-25؛ إنجيل مرقس 10: 23-26؛ إنجيل لوقا 18: 24-25. (المحرِّر)

[19] إنه سمسارا samsāra البوذية، الدوران غير المنتهي لـ"عجلة الحياة" الذي يجب على الكائن أن يفلت منه حتى يبلغ الـنرڤانا.

[20] راجع: العهد القديم، سفر التكوين 3. (المحرِّر)

[21] هذا "الصراط المستقيم" مطابق لـته te أو "الاستقامة" عند لاو-تسه، وهو المسلك الذي يجب على الكائن أن يتبعه حتى تجري حياته بحسب "الطريق" (طاو Tao) أو، بكلمات أخرى، بالتوافق مع المبدأ.

[22] هو "تجريد المعادن" dépouillement des métaux في الرمزية الماسونية.

[23] هو البقاء في التصوف الإسلامي. (المحرِّر)

[24] راجع: رونيه گينون، "الطاوية والكونفوشية"، سماوات: http://samawat.org/essays/taoism_confucianism_guenon. (المحرِّر)

[25] طاو-ته-كنگ، 37.

[26] إنجيل متى 20: 16.

الحرية واستئناس الرغبة - ديمتري أڤييرينوس

الأثنين, تشرين الثاني 2nd, 2009

الحرية و"استئناس" الرغبة

ديمتري أڤييرينوس

من التصورات المغلوطة السائدة في زماننا، والمولِّدة لمشكلات هائلةِ العواقب، فكرةُ أن الحرية تتوقف على الشروط الخارجية. وهذا التصور مخالف لمنظور الحكمة القديمة، كما تمثلت في تعليم المعلم الناصري الذي أشار إلى أن معرفة الحقيقة هي التي تحرِّر ("تعرفون الحق، والحق يحرركم" – إنجيل يوحنا 8: 32)، وكذلك في حكمة الهند الأقدم التي شجعت جميع الناس – حتى غير المثقفين وغير المتعلمين منهم – على تقصي طبيعة كلٍّ من العبودية (بندها bandha) والانعتاق (مُكشا moksha) وعلى الاستفسار عما إذا كان منبع الحرية يوجد في الذات أو خارج الذات. إن هذا الاكتشاف جوهري للبشرية، لكنه ليس مكسبًا من مكاسبها… لماذا؟

لأن الناس، حين يتخيلون أن مصدر الحرية يكمن في الشروط الخارجية، تراهم يتسابقون للفوز بهذه الحرية وللتمتع بها، عبر تكديس الماديات على سبيل المثال. صحيح أننا – إذا كنا ممن يفتشون عن معنى لوجودهم – سرعان ما نستبعد هذا الموقف بوصفه "ماديًّا" بحتًا، فترانا كالببغاوات نكرر أن "السعادة لا تُشترى بالمال"، لكننا قلما نحلل دوافع صاحب المال الذي يظن أنه يستطيع، بماله، أن يشتري ما يشاء: الجاه، السفر، النفوذ، وأشياء أخرى كثيرة، بما فيها الناس الذين يصيرون بنظره مجرد أشياء-وسائل لتحقيق رغباته. إن هذه الفكرة راسخة لدى أصحاب المال ولدى الطامعين إلى اكتناز المزيد منه (يقول المثل العربي: "المال يجر المال")، لكننا نعلم، بالخبرة، أن المال لا يحرر أحدًا من الجزع أو من نكبات الدهر، ولا من الخوف من التغيير أو الموت؛ صحيح أن المال قد يتيح القيام ببعض الأمور في لحظة بعينها، لكنه لا يشتري الأمان، ولا السعادة، ولا راحة البال، ولا الحب.

في موازاة هذه الأوهام الرائجة حول المال، هناك الاعتقاد بأن السلطان والنفوذ مرادفان للحرية، لأننا بهما نستطيع التسلط على الآخرين أو رمي أحدهم في السجن أو التلذذ بفكرة أننا نستطيع أن نفعل ما يحلو لنا من غير رقيب ولا حسيب. قبل انحطاط الحضارة في العالم، كان العقلاء ينصحون للناس بالتفكر دومًا في ماهية الحرية الحقيقية وبطرح وهم أن الملذات أو الأملاك أو الجاه أو النفوذ كفيلة بالحصول عليها؛ لكن انهيار الحضارة بدأ فعلاً عندما لم يعد البشر مهتمين حقًّا باكتشاف ماهية الحرية، بل اكتفوا باقتباس ما يقوله الآخرون عنها وبمحاولة الوصول إليها عبر طرق "مختصرة"!

الحرية الحقيقية حالة وجود ينعدم فيها الخوف، لا اتكال فيها على شيء ولا على أحد بتاتًا، لا يعوز فيها المرء شيء، وبالتالي لا يطلب شيئًا. في الـبهگڤدگيتا – وهي درة من درر حكمة الهند – يسأل المحارب أرجونا عمن هو "الإنسان الراسخ في الحكمة صاحب الذهن المستقر" – "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā)، بمعنى الذهن الخالي من النزاع تمامًا، غير المتأثر بالشروط الخارجية ولا بالضغوط النفسية للمجتمع –، فيجيبه كرشنا، قائد مركبته، بأن مثل هذا الحكيم لا يتأثر بشيء لأن ذهنه حرٌّ من كل رغبة (2: 54-55). ذلكم هو لب المسألة: حين تُستأنَس الرغبةُ الرعناء، لا في الأشياء المادية وحسب، بل وفي الأمور "الروحية" المزعومة أيضًا، وبعبارة أخرى، حين تكف الرغبة عن الاستبداد بحياتنا، تتحقق الحرية الداخلية من تلقاء ذاتها، وذلك لأنها حالة وجودنا الطبيعي الأصلي قبل أن يحتجب بغيوم الرغبات المتناقضة.

فهل يتعين علينا أن نتحرر من الرغبة حتى في الأمور "الروحية"؟ جزمًا نعم، لأن الرغبة الرعناء أشبه بالحجاب، كما أشرنا؛ إنها تبلبل الإدراك، فتعيق اختبار ما هو روحي حقًّا. الرغبة في الروحانيات، حين تتأسس على تصورات مغلوطة، تؤدي لا محالة إلى طريق مسدود. في كتاب نور على الدرب الذي أملي على ميبل كولنز مقطع مجازي مؤثر حول تفتُّح زهرة الإدراك بعد خوض معارك عديدة والانتصار فيها؛ إنه تفتُّح النفس التي تدرك، فجأة، طبيعتها الأصلية. ولكن، هل بمستطاعنا أن نحيا من غير أية رغبة بتاتًا؟ قطعًا لا، لأن الرغبة هي الدافع الأصلي إلى الحياة، وهي التي تعرِّف بطبيعة الإنسان، كما يؤكد شوپنهاور؛ إنما من الممكن استئناس الرغبة – "أنسنتها"، إذا جاز التعبير – بالفحص عن محتويات ذهننا، باكتشاف وَقْعها على حياتنا، وبالكف عن إمداد الرغبة بالوقود الناتج عن تماس الذهن الجشع مع موضوعات الحس (البوذا).

يُعتبَر الشعور الديني العميق حقيقيًّا عند التخلي عن الرغبة الشخصية، أي حين لا يطلب المتدين شيئًا لقاء شعوره؛ إن ذهنه يرغب عن جميع الأشياء الملذوذة، وبذلك يستودع الحياة ثقته المطلقة. عندئذ، فإن التخلي يتضمن نهاية الرغبة في إحراز النجاح، في التفوق على الآخرين، في إنجاز تغييرات، إلخ. وهذه الحالة، خلافًا لما يُظن، ليست حالة سلبية، ليست العزوف عن الرغبة في الحياة، بل حالة تيقُّظ وانتباه دائمين. وهذا، بالطبع، لا يفترض أن نتخلى عن التقيد العفوي بحسِّ الاستقامة ولا عن ضرورة التزام قيم نبيلة عالية، بل يعني بالأحرى أننا لا نطلب شيئًا لأنفسنا: لا الرضا ولا النجاح ولا… إلخ.

حين تنفتح "أبواب الإدراك" the doors of perception (وليم بليك) فإن النور الذي نختبر وجوده في داخلنا يكشف لنا أنه ليس ثمة شيء علينا أن نحققه بأنفسنا لأنفسنا: كل شيء جزء لا يتجزأ من الكل، وفكرة أن "علي أن أنجز" أو "علي أن أحقق، وعندما يتم لي ذلك (في مستقبل افتراضي) سوف أساهم في نجاة العالم" تتلاشى عندئذ من الذهن من تلقاء ذاتها.

حسبنا أن نتفكر قليلاً لكي ندرك أن ما من شيء حقيقي يستطيع شخص أن ينجزه بمفرده؛ فنحن جميعًا جزء لا يتجزأ من حركة كلية غير منقطعة، والحاجات التي يجب علينا تأمينها تتيسر لنا وحدها حين تُلبى الشروط المطلوبة. حتى تبقى مياه النهر صافية لا بدَّ لكل قطرة من أن تكون نقية، لكن القطرة الواحدة ليس بمقدورها أن تروي الأرض ولا أن تزودها بالخصوبة؛ بالمثل، فإن مهمة كلٍّ من القطرات الصغيرة التي تؤلف تيار التطور الكوني هي جزء من مهمة كلية ليس للنجاح الشخصي من قيمة فيها أو أهمية تُذكَر.

حال الحرية الداخلية حال سعادة حقيقية ومنبع لعلاقات مُحبة مع الطبيعة، أمِّنا جميعًا، ومع البشر، إخواننا في الإنسانية. وفي حياتنا اليومية، علينا أن نتعلم أن النزاعات التي يسببها القلق أو الخوف – على مستقبلنا، على صحتنا، على ما سيكون عليه أولادنا أو أحفادنا أو ممتلكاتنا، إلخ – تحول دون تحقيق الحرية. علينا أن نعي بأننا لا نستطيع أن نفعل شيئًا في سبيل هذا المستقبل – الأمر الذي لا يحول، بالطبع، بيننا وبين إرسال أبنائنا إلى مدرسة جيدة أو كتابة وصيتنا! فالمقصود هو وجوب وعينا بأن حرصنا على رؤية الأشياء تجري على هوانا أو بحسب تصوراتنا المسبقة لا جدوى منه، بل من شأنه أن يعكر صفو أذهاننا. (القلق، على سبيل المثال، لن يجعل الطائرة تصل في موعدها المقرر ولن يمنع وقوع حادث سير إذا كانت أسبابه قائمة.) ومنه، يقال إن الجزع والقلق والخوف عقبات على درب التحقق الروحي. لعلنا لا نجرح الآخرين حين ينتابنا قلقٌ على الأمور الصغيرة، لكننا إذا رصدنا نفوسنا رصدًا موضوعيًّا، تبين لنا أن الجزع والقلق والرغبة في رؤية الأشياء تجري وفقًا لأهوائنا وتمنياتنا تستعبدنا وتحرمنا من الحرية. وفي الحاصل، ليس بإمكاننا أن نفعل إلا ما بوسعنا وحسب. فإذا رسخ هذا الموقف في نظرتنا إلى أمور الحياة ككل، هدأ بالنا واستتب السلام في قلوبنا.

الحياة أشبه بالكاليدوسكوپ. إننا، بأفعالنا ومشاعرنا وأفكارنا، نولِّد روابط كَرْمية (من كرما karma، قانون السببية الكوني)، وترانا، تقمصًا بعد تقمص، جيلاً بعد جيل، نعاود عقد الصلات مع الناس الذين نعرفهم. لكننا إذا سعينا في الاقتصار على نمط بعينه من العلاقات، فإن كاليدوسكوپ الحياة لن يتيح لنا ذلك: فحتى حين نحرك الكاليدوسكوپ تحريكًا طفيفًا وحسب، تتغير الصورة التي نراها، وإنْ تكن القطع المتحركة هي نفسها لم تتغير – وكذا هي الحياة: فالتعلق والرغبة في استمرار علاقات بعينها على ما هي عليه يشوشان الذهن ليس إلا؛ أما الحرية الداخلية فتعني قبول التغيير. فالحرية لا تأتي من هذا أو من ذاك أو من ذلك؛ الحرية الحقيقية حالة تستعيد فيها الرغبة براءتها الأصلية. "المعركة" التي يذكرها نور على الدرب عبارة عن استئناس للرغبة، أيًّا كان المظهر الذي تتخذه، بالرصد الدءوب والتعلم المستمر والفهم العميق؛ وكل جولة من جولات هذه "المعركة" نتصالح فيها مع الرغبة – نستأنسها – تيسر نمو النفس وتفتُّحها عن ممكنات لا تنتهي.

فلنعد إلى ما قلناه في بداية هذه الافتتاحية: الحرية تُكتشَف ولا تُكتسَب!