Archive for كانون الأول, 2009

أغنية الطائر (أنتوني دو ملو) - ديمتري أڤييرينوس

الثلاثاء, كانون الأول 29th, 2009

أغـنـيَّـة الطــائـر

ديمتري أڤييرينوس

يُعَدُّ أنتوني دو مِلُّو، المتوفى في العام 1987 عن عمر يناهز الخامسة والخمسين، واحدًا من "أهل التمكين" في الخبرة الروحية. ومؤلفاته المنشورة بلغات عديدة، ولاسيما كتابه الأشهر سادهانا: طريق إلى الله، باتت تحظى بإقبال متعاظم عليها في العالم بأسره – لا لأنه من القلوب الفسيحة التي استطاعت أن تحطم الحواجز القومية والدينية والمذهبية كافة وتعانق الإنسانية جمعاء وحسب، بل ولأنه عقل عميق الأصالة أيضًا، أفلح في التأليف الباطني بين أغصان شجرة التراث الروحي الإنساني كما لم تفلح فيه غير قلة سواه، وإنْ يكن قد سلك إلى ذلك أبسط الطرق وأقربها إلى القلب والوجدان.

أنتوني دو ملو

جميعنا يحب القصص! وفي هذا الكتاب* يشارك المؤلف قراءه ديوانًا من 124 حكاية استقاها من موروثات روحية متنوعة (روسية، صينية، هندوسية، بوذية، يهودية، مسيحية، إسلامية)، قديمة وحديثة؛ وفي كل قصة منها عِبْرة حياتية فريدة تلقننا حقيقة ساطعة لا مفر منها عن نفسنا وعن عالمنا، وتفصح، على نحو ما، عن وجه من وجوه تعليم دو ملو.

song_of_the_bird

يستعمل أغنية الطائر وسيط القصة العريق – لكن المحبب والفعال دائمًا – لإجلاء حقائق عميقة تضعنا على تماس مباشر مع مصاعب الحياة اليومية وهمومها، بما هي المحك الحقيقي للخبرة الروحية، كما وعلى تماس مع مخزون وعينا الإنساني المشترك. والغاية من ذلك في الحاصل، كما يقول المؤلف، هي تنمية فن تذوُّق العِبْرة من كل قصة على حدة وتصعيد الشعور بها حتى تقودنا إلى تحوُّل داخلي: "اترك [القصة] تخاطب قلبك، لا دماغك"، يشير المؤلف على القارئ، "وهذا قد يجعل منك نوعًا من المتصوف" (ص 14) – علمًا بأن "التصوف" عند دو ملو هو:

فن تذوُّق المعنى الباطن لمثل هذه القصص والشعور به في قلبك إلى حدٍّ يجعلها تحوِّلك. (ص 16)

هناك، بحسب المؤلف، ثلاث طرق لقراءة القصص:

1. اقرأ القصة مرة واحدة. ثم انتقل إلى قصة أخرى. هذه الطريقة في القراءة لن تمنحك إلا التسلية.

2. اقرأ القصة مرتين. تدبَّرْ معانيها. طبِّقْها على حياتك. سيهبك هذا ذائقة لاهوتية[1]. يمكن لمثل هذا الأمر أن يتم على نحو مثمر ضمن مجموعة يتقاسم أفرادُها تدبُّرهم للقصة. بذلك تكون قد تألفتْ حلقة لاهوتية.

3. اقرأ القصة من جديد بعد أن تكون قد تدبَّرتَ معانيها. أحْلِلِ الصمت في دخيلة نفسك ودَع القصة تكشف لك عن عمقها ومعناها الداخليين: شيء يتعدى الكلمات والخواطر. سيهبك هذا وجدانًا صوفيًّا. (ص 13)

فلنورد الآن، على سبيل المثال، إحدى قصص الكتاب:

عثر رجل على بيضة نسر ووضعها في قنِّ الدجاج في فناء البيت الخلفي. فقس الهيثم مع الصيصان وترعرع معهم.

وفعل النسر طوال حياته ما يفعل دجاج الفناء الخلفي، ظنًّا منه أنه دجاجة فناء خلفي. فكان ينبش الأرض بحثًا عن الديدان والحشرات، وكان يقاقي ويقوقئ. وكان من عادته أن يصفق بجناحيه ويطير بضعة أقدام في الهواء.

ومضت السنون، وطعن النسر في السن. وذات يوم رأى طائرًا بديعًا يحلق عاليًا فوقه في السماء الصافية، منسابًا بجلال رشيق بين تيارات الهواء القوية، بضربة واحدة من جناحيه الذهبيين القويين فحسب.

نظر النسر العجوز إلى الأعلى برهبة وسأل: "مَن هذا؟"

أجابته جارته: "ذلك هو النسر، ملك الطيور. إنه ابن السماء. أما نحن – معشر الدجاج – فأبناء الأرض."
وهكذا عاش النسر دجاجة، ومات دجاجة – فذلك ما ظن بنفسه. ("النسر الذهبي"، ص 111)

تنطوي قصة أنتوني دو ملو هذه على مقايسة موجعة للحياة البشرية: هي قصة عنا جميعًا – عني، عنك، عن أي كائن بشري يكدح لكي يصير، على نحو ما، غير ما هو (أو هي) حقًّا؛ إنها قصة عن حال "النسر" في كل واحد (أو واحدة) منا، وعن الكيفية التي يحيا بها الكثيرون منا معظم العمر، إنْ لم يكن كله، وهم يظنون أنهم "دجاج"!

ولكنْ لا يخطرنَّ في بال القراء أن المؤلف يُكِنُّ للدجاج عداءً من أي نوع! فمن الخير للدجاجة – وللخلق أجمعين – أن تكون خير دجاجة بمستطاعها أن تكونها، مثلما أن من الخير للنسر، بالمقدار نفسه، أن يكون خير نسر بمستطاعه أن يكونه. تقع المصيبة عندما يحاول النسر أن يصير دجاجة أو تدعي الدجاجة أنها نسر! لكن شأن الكثيرين منا، في ملعب الدراما البشرية، كشأن النسر في القصة: نتجاهل الشوق الهاجع فينا إلى التحليق، وننصاع لمعتقدات "ثقافة الدجاج"، بكل قيودها وإشراطاتها.

sb_1

الكتاب برمته كتاب عن إعادة اكتشاف "النسر" الكامن في كل منا: قدرتنا الإنسانية الفريدة على التحول الداخلي، أو التفتح الخلاق على الكل، الذي بوسع كلٍّ منا أن ينهض له ويختبره. فكل منا "مصمَّم" منذ الولادة، إذا جاز التعبير، لاجتراح إبداع يختص به، تمامًا على نحو ما هو مقدَّر للنسر أن "ينساب بجلال في السماء الصافية"، وفقًا لعبارة دو ملو. وإننا لنبصر فينا، بين الحين والحين، لمحات عن هذا "النسر" – في تلك الهنيهات المباركة من حياتنا، المترعة بالمعنى، كلما اكتشفنا شيئًا جديدًا، أو أبصرنا الخارق في العادي المألوف[2]، أو تَواصَلْنا عمقيًّا مع إنسان آخر أو مع الطبيعة، أو كرَّسنا موهبتنا ووقتنا لأمر جوهري نحبُّه. إن تلك الأوقات التي نتقاسم فيها والآخرين فرادتَنا، على نحو لا يستطيعه أحد سوانا، هي أوقات "نسرية"، لحظات نادرة، نحيا فيها وفقًا لما نحن إياه حقًّا، وليس بحسب ما نتوهم، أو يوهمنا "الخبراء"، أنه يُفترَض فينا أن نكون:

عاد رجل ميت إلى الحياة فجأة وبدأ يقرع غطاء التابوت بشدة.

رُفع الغطاءُ وانتصب الرجل واقفًا وقال للحشد المتجمع: "ماذا تفعلون؟! أنا لست ميتًا!"

قوبلت كلماتُه بإنكار صامت. أخيرًا قال أحد المشيِّعين: "يا صاح، صدَّق الأطباء والكهنة جميعًا أنك ميت. فأنت ميت قطعًا."

ودُفن الرجلُ على ما ينبغي. ("الخبراء"، ص 67)

وكتاب دو ملو كتاب عن "الدجاج" أيضًا! – كتاب عن قناع الشخصية الكاذب الذي يحجب هويتنا وإبداعنا الحقيقيين؛ كتاب عن الألاعيب التي نتلهى بها لننخرط في حياة المجتمع ونكون "مقبولين" فيه طلبًا للنجاح الدنيوي؛ كتاب عن المقاييس المجتمعية التي نقبلها عن غير تروٍّ أو تفكُّر، فنجيز لها أن تملي علينا آراءنا وخياراتنا وتصرفاتنا تبعًا لما هو "شعبي"، "مرغوب"، "واقعي". أغنية الطائر كتاب عن الصورة التي نشكِّلها عن ذاتنا، ونحرص عليها كي ننال إعجاب الآخرين، فيعترفوا بنا بوصفنا مهمِّين وذوي شأن. إنه، أيضًا، كتاب عن كيفية قيامنا – آباء ومعلِّمين، زعماء سياسيين ومرشدين روحيين – بـ"ترويض" أنفسنا والآخرين على الانصياع للتدجين. إنه، أيضًا وأيضًا، كتاب عن بلبلتنا الداخلية وعن كيف – ونحن نحسَب أننا ننتوي الخير – لا ننتج إلا الضعة والصَّغار، وذلك بترهيب الآخرين أو ترغيبهم ليذعنوا للدخول في قالب موحَّد المقاييس، مسبق التصميم ومسبق التغليف، خدمةً للتسويف أو للمراوحة في المكان:

صار [الملا] نصر الدين كبير وزراء السلطان. وذات يوم، فيما كان يتجول في أنحاء القصر، رأى صقرًا ملكيًّا.

لم يكن نصر الدين قد رأى قط من قبل حمامة من هذا النوع. وهكذا تناول مقصًّا وقلَّم مخالب الصقر وجناحيه ومنقاره.

"الآن تبدو طائرًا مهذبًا"، قال. "لا بدَّ أن سيدك كان يهملك." ("الحمامة الملكية"، ص 25)

هذا الكتاب يحكي، قبل كل شيء، عن السيرورة التي تنطلق فينا منذ الطفولة والتي نقتنع من خلالها بالتدريج بأننا "حمام" ولسنا "صقورًا". ففيه وصف دقيق للعملية التي، على مرِّ الوقت، تروِّض الحياة البشرية على الاتِّباع، لا على الإبداع، على لبس قناع الشخصية، لا على الكينونة فردًا متكاملاً غير منقسم على نفسه. فعبر هذه السيرورة القاتلة، نقايض بذاتنا الأصيلة الخلاقة "شخصية" عادية متعارَفًا عليها؛ نبتني ونتعهد بالصيانة أقفاصًا أو قيودًا (عادات) تحُول دون الذات الخلاقة والطيران المحلِّق – لا لشيء إلا لنبقى آمنين، ندب على الأرض، نرخم على بيضنا، نقوقئ، ونصفق بجناحينا، كأي دجاجة فناء خلفي!

هذه السيرورة غالبًا ما تجعلنا متمركزين على نفسنا، غارقين في التفاهة واللاجدوى والعدمية – مع علمنا جيدًا أن الرهان عليها وعلى استمرارها يقودنا حتمًا إلى إنهاك متفاقم، وحتى إلى علل متنوعة تتفشى في أبداننا، فنرى علاقاتنا تسوء، ويتناقص مردود عملنا، ويتراجع رضانا عن نفسنا وعن الحياة إجمالاً، من غير أن نحرك ساكنًا – باختصار: تموت "أغنية الطائر" في قلبنا ولا نعرف الحب! وهذه العواقب تظهر لا محالة لأن حياة المرء حياةً "داجنة" ليست في واقع الأمر إلا كذبة فادحة، في حين أنه مصمَّم أصلاً ليكون "نسرًا": كذبة نمعن في تصديقها كلما أصررنا على البرهنة لنفسنا وللآخرين على أننا أذكياء، قادرين، جميلين، جديرين. هي حياة كاذبة لأنها تتنكر للفطرة "النسرية" فينا: قدرتنا على الإبداع واعين وبذل نفسنا بلا حدود في حبٍّ حقيقي خالص.

قد يبدو هذا الكتاب، في نظر بعض القراء، كتابًا في علم النفس – مع أنه لا يورد أي فنون علاجية نفسانية؛ قد توحي فصوله أو "فواصله" القليلة الأولى بأنه مرشد في تربية الطفل – وهو كذلك من بعض الوجوه؛ بينما قد توحي الفواصل اللاحقة بأنها مخصصة لكيفية إتقان العمل والنشاط المادي الخارجي – مع أنها لا تنحصر في هذا المضمار. هذا الكتاب، ببساطة، عن هذه الأمور كلها، وعن غيرها كثير. هو كتاب عن أناس من مختلف مشارب الحياة وعن حيرتهم أمام معضلتها؛ كتاب يروي لنا قصصًا عن كدح الإنسان وشقائه تنطبق على الناس قاطبة، بصرف النظر عن الجنس والمعتقد والثقافة والمكانة الاجتماعية والاقتصادية أو مجال الخبرة.

وهو قطعًا ليس كتابًا وُضع بغرض "الترويح عن النفس" بالمعنى المبتذل أو الرخيص، بل للحض، المتكرر في ثنايا القصص جميعًا، على أخذ حياتنا ومسؤوليتنا عنها على محمل الجد. ففيها وصف حي للفاجعة الدائرة كل يوم، بدرجات متفاوتة، في حياة كلٍّ منا – دراما الألاعيب التي لا نفتأ نبتكرها لخداع نفسنا والحيلولة بيننا وبين مواجهة مخاوفنا ورؤية ما نحن إياه حقًّا.

لكن هذه الدراما، نظرًا لكل ما تتيح، في المقابل، من فُرَص للنضج البدني والعاطفي والعقلي والروحي، دعوة للقارئ أيضًا إلى رصد دائم لنفسه عن كثب: "حياة لا يُفحَص عنها لا تستحق أن تُعاش"، كما كان يردد سقراط الحكيم. إن الكشوف الكبرى في عالم الذات، كما تشهد لها غالبية "الراشدين" فينا، لا تتحصل لنا إلا عبر وجع مخاض مستمر، و"الراحة" الدائمة عقبة كأداء في سبيل حياة إنسانية ناضجة. حقًّا إن مَن لم يختبر "جحيمه" الشخصي لم يحيَ بحق.

sb_2

لكن مكابدة كرب الجحيم طوال الوقت، من ناحية أخرى، ليست من قبيل الحياة التامة – وهذا من الأسباب التي حَدَتْ الكاتب على تأليف كتابه هذا. فالعديد من الناس ما انفكوا يكابدون المرارة والشك والضياع، حتى عندما "يتوفر لهم كل شيء" بالمعنى الدارج، حتى عندما يعيشون تبعًا لمتطلبات الحياة الاجتماعية (أو "التجمعية" بالأصح، كما يعبِّر أستاذنا ندره اليازجي) ليحصدوا النجاح الدنيوي البراق. والكاتب، إذ وصف من خلال قصصه تفاصيل السيرورة التي تقود إلى الخواء الداخلي، كما اختبرها بنفسه، فقد فعل ذلك اعتقادًا منه بأن الخلاص من هذا الخواء يبدأ بمعرفة النفس كما هي، لا من خلال الصورة الموهومة الزائفة عنها. يذكِّرنا هذا بحوارية قصيرة من فيلم لقاءات مع رجال أفذاذ (1979) للمخرج پيتر بروك، المقتبَس عن السيرة الذاتية للمعلم ج. إ. گورجييف، جاء فيها:

گورجييف: أريد أن أتعلم… أريد أن أفهم.

الأمير لوبوڤدسكي: حذار… ماذا تعني بالتعلم؟ إذا كنتَ تعني به اختزان التجارب والمعتقدات، فهذا سوف يكبلك ويحول بينك وبين المعرفة. المعرفة مباشرة. فلا يجوز لك أن تسمح لخاطر واحد حتى أن يتوضع بينك وبين ما تعرف. إذ ذاك ترى نفسك كما أنت، وليس كما تود أن تكون.

ترانا نستهل "قصتنا" في سني طفولتنا، ونمضي بها حتى شبابنا، فرُشدنا، وصولاً إلى شيخوختنا. وهذه الفسحة التطورية برمتها مغطاة في الكتاب، لا لتقديم نظريات في نموِّ الطفل أو نصائح للوالدين، على طريقة الدكتور سپوك ذائع الصيت، بل بالأحرى لتوضيح كيفية بدء سيرورة التحقُّق والتجذُّر في الحياة الإنسانية الحقيقية.

sb_3

لا بدَّ للقارئ من أن يتعرف إلى أناس من معارفه وهو يقرأ صفحات أغنية الطائر؛ لكنه سيتعرف قطعًا إلى نفسه هو في كل قصة من قصصه: "كل واحدة من هذه القصص إنما هي عنك، لا عن أحد سواك"، يقول دو ملو (ص 15). وكلما تعرَّف القارئ إلى نفسه في ما يقرأ، فليضحك على نفسه، وليضحك معنا جميعًا على ما يجترح من حماقات! وبالمضي قُدُمًا نحو فهم أعمق لمنطويات أفكارنا ومشاعرنا وردود أفعالنا وتصرفاتنا، وفي صيرورتنا قادرين على رؤية ما يكبح سيرنا ويحُول بيننا وبين ما نحن إياه حقًّا، يمكن لنا أن نشرع في إحباط مؤامرة التدجين والإفلات من حبائلها القاتلة.

هذا الكتاب، في جوهره، كتاب عن الأمل – ذاك الأمل الذي يحدوك وغيرَك من القراء على التحديق في وجه المخاوف التي تكبلك، ويمكِّنك من المطالبة باستحقاقك لمنزلتك كإنسان، ومن اختبار بهجة الطيران الحر من جديد.

sb_4

وهذا الكتاب، يزين صفحاته عدد من الرسوم اللطيفة بالحبر الصيني، كتاب يُضَنُّ به، ويشارَك في محتواه، ويؤتى عليه عن آخره مرات عديدة، لأنه رفيق مؤنس على طريق التفتح الروحي.

كان التلميذ دائم التشكِّي لمعلِّمه: "إنك تحجب عني سر الزنْ الأعظم." وما كان ليقبل نفي المعلم.

ذات يوم، بينما كانا سائرين على التلال، سمعا طائرًا يغني.

"هل سمعت ذلك الطائر يغني؟" قال المعلم.

"نعم"، قال التلميذ.

"طيب. فأنت تعلم الآن أني لم أحجب عنك شيئًا."

"نعم." ("هل سمعت ذلك الطائر يغني؟"، ص 32-33)


* أنتوني دو ملو، أغنية الطائر، بترجمة أديب الخوري، سلسلة "الحكمة" 3، دمشق، 2000، 190 ص.

[1] "اللاهوت"، بحسب تعريف دو ملو غير الاتباعي، هو: "فن رواية القصص عن الألوهة. وهو فن الاستماع إليها أيضًا" (ص 16).

[2] "ليس المهم أن يحيا المرء أمورًا خارقة، بل أن يحيا الأمور العادية بشكل خارق" – هذا ما نصح لنا به ذات يوم صديقنا المرحوم رونيه فواريه.

القتل - ج. كريشنامورتي

الأحد, كانون الأول 27th, 2009

القـتـل*

ج. كريشنامورتي

كانت الطائرة مزدحمة، تطير على ارتفاع نيف وعشرين ألف قدم فوق الأطلسي، وسجادة كثيفة من السحب تحتها. السماء من فوق شديدة الزرقة، والشمس خلفنا، ونحن نطير باتجاه الغرب رأسًا. كان الأطفال قد لعبوا، متراكضين جيئة وذهابًا على طول الممشى، والآن، بعد أن نفدت قواهم، كانوا نائمين. بعد الليلة الطويلة، كان جميع الآخرين أيقاظًا، يدخنون ويشربون. أمامنا رجل يحدِّث آخر عن مهنته، وعلى المقعد خلفنا امرأة تصف بصوت مسرور الأشياء التي اشترتها وتخمِّن مبلغ الرسم الذي سيكون عليها دفعه. على ذلك الارتفاع، كان الطيران سلسًا، من غير مطبات، مع أن رياحًا عاتية تهبُّ تحتنا. كان جناحا الطائرة يلتمعان في ضياء الشمس الصافي، والمَراوح تدور دورانًا سلسًا، قاضمة الهواء في سرعة خيالية؛ الريح كانت خلفنا، وسرعتنا تزيد على الثلاثمائة ميل في الساعة.

رجلان على الطرف الآخر بالضبط من الممشى الضيق يتكلمان بصوت مرتفع نوعًا ما، فكان من الصعب عدم استراق السمع لما يقولان. كانا رجلين ضخمين، وجه أحدهما أحمر، لفحتْه ونفحتْه تقلبات الجو. كان يشرح مهنة قتل الحيتان، مقدار المخاطر فيها، حجم المكاسب منها، وكم هو مهول ثوران البحار. بعض الحيتان يزن مئات الأطنان. الأمهات ذوات العجول لم يكن يُفترَض قتلهن، كما ليس مباحًا لهم قتلُ أكثر من عدد محدد من الحيتان في أثناء فترة معينة. ويبدو أن قتل هذه الوحوش العظيمة مبرمَج برمجة علمية فائقة، بحيث تُكلَّف كلُّ مجموعة أداءَ وظيفة خاصة تدربت عليها تدريبًا فنيًّا. رائحة السفينة-المصنع تكاد لا تطاق، لكن المرء لا يلبث أن يتعودها، مثلما يقدر أن يتعود أي شيء. لكن الأرباح العائدة [من قتل الحيتان] أرباح ضخمة إذا سار كل شيء على ما يرام. ثم راح يشرح الافتتان الغريب بالقتل، لكنْ في تلك اللحظة جيء بالشراب، فتغير موضوع الحديث.

البشر مولعون بالقتل، سواء كان قتل بعضهم بعضًا، أو قتل غزال بريء لامع العينين في أعماق الغابة، أو قتل نمر افترس الماشية. ثعبان يُدهَس عمدًا على قارعة الطريق؛ فخٌّ يُنصَب فيعلق فيه ذئب أو قيوط. رجال متأنقون، متضاحكون، يخرجون ببنادقهم الثمينة ويقتلون طيورًا كانت لتوِّها يناجي بعضها بعضًا. صبي يقتل أبا زريق ثرثارًا ببندقيته الهوائية، والراشدون من حوله لا يفوهون أبدًا بكلمة شفقة، ولا يوبخونه، بل على العكس، يهنئونه على مهارته في الصيد. القتل على سبيل الرياضة المزعومة، من أجل الطعام، في سبيل الوطن، من أجل السلام – لا فارق يُذكَر بين هذه كلها. التبرير ليس الجواب. هناك فقط: لا تقتلْ. في الغرب، ترانا نظن أن الحيوانات مسخَّرة من أجل بطوننا، من أجل لذة القتل، أو من أجل فرائها؛ أما في الشرق، فكل والد مافتئ يعلِّم، طوال قرون، مكررًا: لا تقتلْ، كن شفيقًا، كن رحيمًا. هنا، الحيوانات لا نفوس لها، وبالتالي يجوز قتلها من غير عقاب؛ أما هناك، فللحيوانات نفوس، فَراعِها ودَعْ قلبك يعرف المحبة. أكْلُ الحيوانات والطيور يُعَدُّ هنا أمرًا سويًّا، طبيعيًّا، تقرُّه الكنيسة وتروِّج له الدعاية؛ أما هناك، فليس كذلك، والمبالون، الديِّنون، عن تمسُّك بالموروث والثقافة، لا يأكلونها أبدًا. لكن هذا [الموقف] هو الآخر في طريقه إلى الزوال السريع. هنا، لم ننفك قط نقتل باسم الإله والوطن، وهذا بات ساريًا في كل مكان. القتل يتفشى؛ وبين ليلة وضحاها تقريبًا، ترى الثقافات القديمة تُكتسَح جانبًا، والفعالية وتحجُّر القلب ووسائل التدمير بات يُحرَص على تعزيزها وتقويتها.

السلام ليس بحوزة السياسي أو رجل الدين، ولا هو بحوزة المحامي أو رجل الشرطة. السلام حال ذهنية توجد حينها المحبة.


* From Commentaries on Living, Second Series, copyright ©1958 Krishnamurti Writings, Inc., pp. 29-30.

الاتزان الداخلي - ديمتري أڤييرينوس

السبت, كانون الأول 26th, 2009

الاتِّــزان الداخـلي

ديمتري أڤييرينوس

اليوگي المنضبط الذهن والمتحد بـالذات،
محافظًا على اتزانه دومًا، يصل إلى السلام،
النرڤانا الأقصى، المقيم فيَّ.

حقًّا إن هذا اليوگا ليس لِمَن يفرط في
الأكل أو يفرط في الصوم، ولا هو، يا أرجونا،
لِمَن يفرط في النوم أو يفرط في السهر.

أما المعتدل في الأكل وفي الراحة، المعتدل
في تأدية الأعمال، المعتدل في النوم
وفي اليقظة، فنصيبه اليوگا الذي يخلِّص
من كل شقاء.

عندما يرسخ ذهنه المنضبط في الذات وحدها،
متحررًا من أغراض الرغبة كافة، إذ ذاك يقال
عنه إنه متزن.

كما المصباح الذي في منأى [من الريح] لا
تتراقص شعلته، كذلك ذهن اليوگي المنضبط
لا يحيد عن يوگا الذات.

بهگڤدگيتا، 6: 15-19

ونحن نطأ درب الحياة الروحية، ترانا في أمس الحاجة إلى الاتزان. ولعل الأصح من هذا قولنا إننا في حاجة إلى الاتزان التام؛ إذ وحدها حال اتزان داخلي مستتب تفسح في المجال لرؤية كل ما نواجه في الحياة رؤية موضوعية وتتيح لنا إمكان العمل السليم. الـبهگڤدگيتا – كتاب الحكمة الهندي الذي كثيرًا ما نقتبس منه في مقالاتنا لأنه منجم نفيس من مناجم الحياة الروحية – تصرح، على لسان كرشنا، بأن "الاتزان هو اليوگا". فمن دون اتزان، يغيم الإدراك ويفتقر إلى الوضوح، فنصير نهبًا للبلبلة والقلق والحيرة، وتسوء أمور حياتنا من جراء ذلك، ولا نفهم لماذا! أسفار الأوپنشاد تتكلم هي الأخرى على الدرب "الشبيه بحدِّ الموسى"، والإنجيل يذكر "الباب الضيق"، وفاتحة القرآن الكريم تطلب الهداية إلى "الصراط المستقيم" – وكلها عبارات تشير إلى المفهوم نفسه.

حتى ما يُسمى "فضائل" لا بدَّ فيه من الاتزان؛ إذ إن الإفراط في فضيلة ما لا يلبث أن ينقلب إلى ضده ويصير تفريطًا: فلنتخيل شخصًا، من فرط كرمه، يوزع ماله يمنة ويسرة، فلا يستبقي لنفسه وعياله شيئًا يقوم بأودهم، حتى يصير عالة على الآخرين ويرهق مواردهم. لا مناص إذن، بالضرورة، من الجمع بين كرم النفس وبين حسٍّ يقظ بـ"الانتهازية"، معقول ومتجرد من المصلحة الشخصية. الاتزان الحقيقي ليس التأرجح ذات اليمين وذات الشمال بين الجذب والدفع. فكما تشير الـبهگڤدگيتا، ليس الحكيم صاحب "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā) مضطربًا ولا منفعلاً، ولا هو ينجذب إلى شيء وينفر من شيء؛ إنه دومًا "راسخ في الذات" (آتمن Ātman)، وبالتالي، غير مضطرب داخليًّا، بل هادئ، حتى وهو منهمك في غمرة العمل.

في كتاب آيات اليوگا Yoga-Sūtra (الذي كان البيروني أول مَن عرَّبه عن السنسكريتية مباشرة)، يقال إن الجذب (راگا rāga) والدفع (دڤِشا dwesha؛ يقال باللهجة الشامية: دفش، أي "دفع")، الانجذاب إلى شيء والنفور من شيء، هما في عداد "البلايا" (علل الشقاء) الخمس (2: 3). أصل المشكلة إذن في النفس، لا خارجها. الكون المتجلي بأسره أشبه بمجال تظهر فيه مختلف الأغراض التي تجذب وتدفع: إنها لعبة الروح والمادة، الذكر والأنثى، الحق والباطل، الخير والشر، وسائر الأضداد. الناس تجذبهم الأشياء التي يظنونها صالحة، كما تدفعهم الأشياء التي تبدو لهم طالحة. فمَن يهتم بكسب الماديات يظن أن في اقتناء الأشياء صلاح أمره؛ فكما قال بعض فلاسفة الإغريق، لا يعي مقترف الشر أنه يسيء الفعل، بل يظن أن فعلته ستنوِّله ما يصلح له – لكن مشكلته هي جهله أصلاً بالتمييز بين الصالح له وبين الطالح. في أشواط معينة من الحياة البشرية، ينجذب الذهن إلى الماديات، وفي شوط لاحق، يكون جذب الروحانيات أشد. لكن الحياة الروحية الحق تبدأ فعلاً حين يكف كل انجذاب إلى الأشياء والملذات، "مادية" كانت أم "روحية"، فيتشوق المرء إلى اختبار الحقيقة لوجه الحقيقة وحده.

* * *

في السنوات السابقة لإشراقه، ألزم البوذا نفسَه نظامًا تقشفيًّا شديد الصرامة، راجيًا منه بلوغ الانعتاق الروحي النهائي. غير أن الرياضات الزهدية القاسية التي انصرف إليها ما لبثت أن أنهكتْه، حتى هَزُلَ جسمه وخارت قواه. وذات يوم، بينما هو جالس على جانب الطريق، متفكرًا في ما ينبغي له أن يفعل، أقبلت ثُلة من المغنين والراقصين. وفجأة، غنَّت امرأة، يرافقها عازف سِتار (آلة وترية هندية)، هذه الكلمات القَدَرية (المقبوس من كتاب نور آسيا لإدوين أرنولد، سيرة البوذا المنظومة شعرًا):

ما أجمل الرقص حين يكون السِتار موقَّعًا!
وقِّعْ لنا السِتار لا في القرار ولا في الجواب،
فنرقِّص قلوب البشر.

الوتر المفرط الشدِّ ينقطع والموسيقى تتلاشى،
والوتر الرخو أبكم والموسيقى تموت.
وقِّعْ لنا السِتار لا في القرار ولا في الجواب.

سمع البوذا في هذه الأبيات من فوره رسالة أتتْه في أوانها لتنبِّهه إلى الخطر الكامن في غلوِّه، فبانت له ضرورة الاعتدال في كل شيء، حتى في السلوك نحو الإشراق الداخلي؛ وهذا الموقف المتزن حيال مآتي الحياة هو ما أطلق عليه فيما بعد اسم "الطريق الوسط": لا الانقياد الأعمى لشهوات الجسد والحواس، ولا قهر الجسم وتعذيبه. ونجد الفكرة نفسها في كتيِّب عند قدمي السيد الذي ينصح بمعاملة الجسم معاملة الجواد الكريم: لا إهماله، ولا تركه ينفر إلى الحال البرية!

بعض كتب الزهد يصر على نهي الناس عن طلب الملذات الحسية بإعطائهم "وصفات" قهرية للجسد. معلوم أنه ما إنْ يموت الجسم حتى تبدأ أعضاؤه بالتفسخ ويزول جماله. ففي الجسم الحي – أكان جسم إنسان أو حصان أو حتى عصفور – لا يختلف اثنان أن العينين من بين أجمل العناصر، من حيث قدرتهما التعبيرية الآسرة؛ ولكنْ حين تفارقه الحياة، تبدو العينان إياهما كامدتين وتعدمان كل بريق وفتنة. أعضاء الجسم الأخرى أقل فتنة من العينين؛ ولذلك فإن "الوصفات" السابقة تلفت النظر إلى الأحشاء وغيرها من المظاهر المنفرة (جاء في المأثور: "أولك نطفة مَدِرَة وآخرك جيفة قذرة…") بدعوى الحض على التواضع وعدم الاستكبار! لكن هذه نظرة متطرفة، محدودة، لا تحترم شرف الإنسان ومنزلته الفريدة من الطبيعة والكون. في المقابل، يقول بعض اللاهوتيين المشرقيين بأن مرتبة الإنسان أعلى من مرتبة الملائكة، لا لشيء إلا لأن له جسمًا!

على الضد من تلك النظرة المزدرية، يورد العلم البراهين تلو البراهين على الروعة المتجلية في الجينات وجزيئات الپروتين والخلايا الحية وسائر أعضاء الجسم. هناك أجهزة لا عدَّ لها، مرئية وغير مرئية، تعمل سوية في تناغم وفطنة دقيقين لإنجاز وظائف الجسم ككلٍّ واحد منسجم. فكيف تعرف هذه الأجهزة كيف تعمل سوية على هذا النحو المتسق الدقيق؟!

وإذن، فإن الجسم، في وضعه الراهن، هو محصلة كلا هذين الوجهين معًا: تراه يتلف تلفًا متواصلاً، ما يعني أن جذر الهرم والبلى موجود فيه، حتى عندما يبدو في صحة طيبة – إنه فعل الإنتروپيا entropy المبدِّد، وفقًا لقانون الثرموديناميكا الثاني، الذي ينسحب على الطبيعة إجمالاً؛ وفي الوقت نفسه، هناك جمال خارق في اتساق أجزاء بنيان الجسم وفي سرِّ سلوكها الذكي والتناغم فيما بينها (وهذا لا يسري على الجسم البشري المعقد وحسب، بل وحتى على جسم البعوضة أو البرغوث الضئيل). مَن يمارسون التقشف يحسون بنفور من الجانب "المقزز" من الجسم، بينما يبلغ سواهم من الافتتان بجماله حدَّ اختزاله إلى مشكل جنسي حصرًا.

بالمثل، فإن الذهن يبدي هو الآخر جوانب منفرة حين يكون فريسة الغضب أو الشهوة الجنسية الجامحة أو الأنانية. غير أن هذا الذهن إياه قادر أيضًا على استقبال كشوف فهمية ثاقبة؛ لا بل إن في مستطاعه حتى أن يعكس حكمة عالية. وقل الشيء نفسه في العاطفة ورغباتها: حين تكون متزنة، تراها تعكس المشاعر النبيلة الراقية، وحين تكون غير ذلك، تتحول مشاعرها السوية إلى انفعالات ورغباتها المعتدلة إلى شهوات.

شعور المرء أنه واقع تحت سلطان "المعصية" أو "الخطيئة" يغذيه بعض الأديان التي تحض على "الندم"، وذلك لكي تبقي المتدين خاضعًا لمرجعية رجال الدين الذين يحرصون على احتكار البت في مسائل الأخلاق! ومنه، فقد اعتبر اسپينوزا الندم "خطيئة" في حق الحياة الإنسانية، فقال في كتابه الأخلاق إن "النادم على ما فعل يشقى مرتين" (4: 54)، لا لأن انفعال الندم ليست له قيمة أخلاقية وحسب، بل ولأنه يخفف عن "ضمير" النادم، بإيهامه أنه أصلح خطأه، ويبقيه في حال من الغم والإحساس بالعجز وفقدان المبادرة، بما يحول بينه وبين التمتع ببهجة الحياة الحرة وفاعليتها بإرشاد من العقل، ميزان الفضيلة الحق بنظر الفيلسوف الكبير. لكن هذا الانفعال السلبي (الندم) لا يتولد أصلاً إلا كردِّ فعل على أسوأ جوانب العاطفة، حين يغالى فيها، أو تستأثر بالمعطوف عليه، أو ترتبط بمصلحة معينة (كما يبين أستاذنا ندره اليازجي)، في حين أن الواعي أبعاد العاطفة وطبيعة صلتها بالإنسان الباطن وإمكاناتها العظيمة يراها من منظار مختلف، إيجابي.

فهل لنا أن ننظر إلى ملَكات الإنسان وجوارحه من غير تحيُّز؟ يبدأ الفهم الحقيقي من خلال رصد دائم، غير منحاز، للجسم الجُرمي، بأحاسيسه، وللجسم الرغائبي، بمشاعره، وللجسم الذهني، بخواطره، وللتفاعل المتواصل بين ثلاثتها. بوسعنا عندئذ أن نرى، في آن معًا ومن غير إدانة، الجوانب الجاذبة والمنفرة عند الأصدقاء والغرباء، في الملذات (المزعومة) أو في الملمات (المزعومة أيضًا) على حدٍّ سواء – وعندئذ فقط نبدأ في رؤية الكل واحدًا غير مجزأ.

* * *

للحياة على الأرض، هي الأخرى، مظهران. ففيها الكثير الكثير من الوقائع المؤلمة: كأنْ ينقض الغراب على السنجاب ويُعمِل فيه منقاره حتى ينفق الحيوان الصغير المسكين؛ كأنْ يربض الهر أمام الفأرة، فيشلها رعبًا ويلاعبها قبل أن يقتلها؛ إلخ – وهذا كله جزء من مظاهر الحياة التي تقتات بذاتها. يقال إن البوذا عاين في شبابه أن جميع المخلوقات يقتتل بعضها مع بعض. فـ"الصراع على البقاء" (بالمعنى الدارْوني)، من جانب، يغرس في وعي المخلوقات (الغريزة) الوحشيةَ والتنافسَ وسواهما من الصفات "المكروهة" من وجهة النظر البشرية؛ ويبدو أننا، معشر الآدميين، ورثناها في جيناتنا عن أصولنا الحيوانية، حتى انتهت إلى ما يُعرف عند علماء الاجتماع بـ"الدارْونية الاجتماعية"! غير أن فيها الجانب الآخر أيضًا: جمال الطبيعة الخارق – الأزهار والنباتات والأشجار، الدواب والطيور، الأسماك والحيتان، الجبال والوديان، الأنهار والبحار، حركة الفصول، تشكيلات الغيوم عند شروق الشمس والغروب، السماء الليلية المرصعة بالكواكب والمجرات، إلخ – وهذه كلها تذهلنا عن أنفسنا حتى الانخطاف! هناك في الطبيعة جانب هو من الشساعة ومن الجمال الفائق للخيال بحيث إن منبع ذلك كله ممجد في العديد من القصائد والأناشيد الملهمة. ولما كان مظهرا الحياة هذان موجودين كليهما، فإننا إما أن نتفجع حين نبصر منظومة هي بكل هذا القهر للضعيف، وإما أن نشعر بالتسامي أمام تلك الخوارق المذهلة.

* * *

وعي الإنسان العادي، نتيجة تركيزه على الثنائية، يتنازعه هذا النوسان بين المرغوب والمكروه؛ وهذا من شأنه أن يوقعه في الحيرة واضطراب النفس. لكن الوعي المتزن راسخ في مستوى عميق يُدرَك منه كلُّ شيء بوصفه جزءًا لا يتجزأ من كلٍّ واحد غير منقسم. ذاك المستوى هو مستوى الحقيقة الكلية الذي ينعدم فيه التضاد بين الحق والباطل، بين الخير والشر، إلخ. كل ما هو حق، مطلقًا، خيِّر؛ والمطلق أبعد من مطال هذه التصنيفات الضدية الضيقة. والسير على الدرب "الشبيه بحدِّ الموسى" يعني التوجُّه الحثيث نحو عمق الوعي هذا – هو، في المآل، درب من السكينة العميقة المطمئنة التي هي أبعد ما تكون عن الهدوء السطحي القلق الكئيب.

فهل لنا أن نتعلم التقليل من تأثرنا بحركتَي الجذب والدفع اللتين تسيِّران عالم الثنائية، وصولاً إلى الاتزان الداخلي؟ والسؤال الأهم هنا هو: هل هاتان الحركتان موجودتان في العالم أصلاً، أم أنهما مجرد انعكاس للإدراك الواهم لذهن قلق منقسم على نفسه؟

سؤال نترك الإجابة عنه للقارئ…

علم الكف في التصوف الإسلامي - رونيه گينون

الأثنين, كانون الأول 21st, 2009

علم الكف في التصوُّف

الإسلامي*

رونيه گينون**

أتيحَ لنا في مناسبات عدة أن نبيِّن إلى أي حدٍّ صار تصوُّر "العلوم النقلية" sciences traditionnelles، في الأزمنة الحديثة، غريبًا بنظر أهل الغرب، وإلى أي حدٍّ بات صعبًا عليهم فهمُ طبيعتها الحقيقية. ولقد وقعنا، مؤخرًا، على مثال على عدم الفهم هذا في دراسة مخصصة لمحيي الدين بن عربي، استغرب كاتبها أن يجد عند الشيخ الأكبر، إلى جانب المذهب الروحي الخالص، استطرادات عديدة في النجامة astrologie، في علم الحروف وحساب الجُمَّل، في الهندسة الرمزية، وفي أمور أخرى عديدة من الرتبة عينها، يبدو أنه ارتأى أنها لا تمتُّ بقربى إلى هذا المذهب. والواقع أنه وقع في التباس مزدوج: إذ إنه قدَّم أيضًا الجانب الروحي حصرًا من تعليم سيدي محيي الدين بالذات على أنه "سرَّاني" mystique، في حين أنه تعليم ميتافيزيقي ومُسارَري initiatique أساسًا[1]؛ فلو كان المقصود عبارة عن "سرَّانية"، لما كان له بالفعل متاتٌ بقربى إلى أي "علوم"، مهما تكن. بينما، على العكس، بمجرد أن يتعلق الأمر بعقيدة ميتافيزيقية، فإن هذه العلوم النقلية (التي يجهل كاتبنا قيمتها، في واقع الأمر، جهلاً تامًّا، وذلك تبعًا للحكم المسبق المُحدَث المألوف) تُشتق من هذه العقيدة اشتقاقًا سويًّا، مثلما تُشتق النتائج من المبدأ، وهي، بهذه المثابة، أبعد ما تكون عن تمثيل عناصر دخيلة وغير متجانسة، إذا جاز القول، بل هي جزء لا يتجزأ من التصوف، أي من جملة المعارف المُسارَرية.

معظم هذه العلوم النقلية اليوم ضاع على أهل الغرب ضياعًا تامًّا، وهم لا يعرفون مما تبقى منها غير بقايا متفاوتة في الابتسار، متدنِّية غالبًا، إلى حدِّ أنها اتخذت هيئة وصْفات تجريبية أو مجرد "فنون تكهنية" arts divinatoires، مجردة بطبيعة الحال من كل قيمة عقيدية. وحتى نُفهم [قارئنا][2] من خلال مثال مقدارَ بُعد مثل هذه الطريقة في النظر إليها عن حقيقة الأمر، سنورد فيما يلي بضعة دلائل على ماهية علم الكف chirologie في التصوف الإسلامي؛ وهو علم ليس في الواقع غير فرع واحد من فروع علم الفراسة physiognomonie العديدة، مع أن هذه الكلمة [الفرنسية]، نظرًا لعدم وجود مصطلح أفضل، لا تؤدي بالدقة كل إحاطة المصطلح العربي الذي يدل على جملة هذه المعارف[3].

يرتبط علم الكف، في شكله الإسلامي، مهما بدا ذلك غريبًا بنظر الذين يعدمون أي مفهوم عن هذه الأمور، بعلم الأسماء الإلهية ارتباطًا مباشرًا: يرسم تنسيق الخطوط الرئيسية على كف اليد اليسرى العدد 81 وعلى كف اليد اليمنى العدد 18، أي ما مجموعه 99، عدد أسماء الله الصفاتية. أما اسم "الله" نفسه، فتشكِّله الأصابع على النحو التالي: الخنصر يقابل الألف، البنصر يقابل اللام الأولى، الوسطى والسبابة تقابلان اللام الثانية، المشددة، والإبهام يقابل الهاء (التي يجب أن تُرسَم، طبقًا للأصول، على صورتها "المفتوحة")؛ وذاك هو السبب الرئيسي لاستعمال اليد كرمز، ولانتشاره كل هذا الانتشار في جميع الأقطار الإسلامية (حيث يشير سبب ثانوي إلى العدد 5، ومنه اسم "خُمْس" الذي يُطلَق أحيانًا على هذه اليد الرمزية). وبذلك يمكن لنا أن نفهم هذا القول من سفر سيدنا أيوب: "… فيختم على يد كل بشر ليعلَم البشرُ ما صَنَعَه" (أيوب 37: 7)؛ ولنضف بأن هذا لا يعدم صلةً بدور اليد الأساسي في شعائر التبريك والتكريس[4].

"خمس" نموذجي من مصر، مرسومة في وسطه "شجرة الحياة".

من ناحية أخرى، فإن من المعلوم عمومًا وجود تقابُل بين مختلف أجزاء اليد وبين الكواكب؛ وهذا التقابل قد حافظ عليه علم الكف الغربي نفسه، لكنْ بطريقة لم يعد يستطيع أن يرى فيه من خلالها غير مجرد تسميات اتفاقية، في حين أنه، في واقع الأمر، يعقد صلة فعلية بين علم الكف والنجامة. بالإضافة إلى ذلك، فإن كل فلك من أفلاك الكواكب السبعة يقوم عليه واحد من الأنبياء الكبار ويكون منه بمثابة "القطب"؛ والصفات والعلوم التي تعود بالأخص إلى كلٍّ من هؤلاء الأنبياء على علاقة مع التأثير النجمي الموافق. أما جدول أقطاب الأفلاك السبعة فهو التالي:

الفلك

النبي القطب

فلك القمر

سيدنا آدم

فلك عطارد

سيدنا عيسى

فلك الزهرة

سيدنا يوسف

فلك الشمس

سيدنا إدريس

فلك المريخ

سيدنا داود

فلك البرجيس [المشتري]

سيدنا موسى

فلك الكيوان [زحل]

سيدنا إبراهيم

ويختص سيدنا آدم بالفلاحة (راجع سفر التكوين 2: 15: "وأخذ الربُّ الإله الإنسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها")؛ سيدنا عيسى بالمعارف من رتبة روحية خالصة؛ سيدنا يوسف بالجمال والفنون؛ سيدنا إدريس بالعلوم "الوسيطة"، أي العلوم من رتبة كوسمولوجية ونفسانية؛ سيدنا داود بالحُكم والإمامة؛ سيدنا موسى، الذي يقترن به دومًا أخوه سيدنا هارون، بأمور الدين بوجهيه: الشرع والعبادات؛ سيدنا إبراهيم بالإيمان (الذي بخصوصه يجب الربط بين هذا التقابل مع الفلك السابع وبين ما ذكرناه مؤخرًا بخصوص دانتي، من حيث مقامه في أعلى درجات السلَّم المُسارَري السبع [للتنظيم الهيكلي المعروف في وقته بـ"الإيمان المقدس" Fede Santa الذي يقال إن الشاعر، مؤلِّف الكوميديا الإلهية، كان من رؤسائه، على رتبة قدوش Kadosch، وهي كلمة عبرية تعني "قدوس" أو "مكرَّس"][5]).

رسم مأخوذ من مخطوط وسيطي يمثل الحاج الزاهد وقد بلغ في معراجه "فلك النجوم الثابتة" وأطل منه على "الفلك المحيط"، حيث صار بإمكانه معاينة "المحرك الأول" (ممثلاً بالعجلة) الذي يدير حركة الكون بأسره في الاتجاهات كلها.

بالإضافة إلى ما سبق، يتوزع حول هؤلاء الأنبياء الكبار، على أفلاك الكواكب السبعة، الأنبياء الآخرون المعلومون (أي الواردة أسماؤهم في القرآن الكريم، وعددهم 25) والمجهولون (أي جميع الآخرين، حيث عدد الأنبياء وفقًا لما يورده المأثور هو 124000).

والأسماء الـ99 التي تعبِّر عن الصفات الإلهية موزعة هي الأخرى تبعًا لهذا السباعي: 15 على فلك الشمس، نظرًا لموقعه المركزي، و14 على كلٍّ من الأفلاك الستة الأخرى: 15 + (6 في 14) = 99. وقراءة العلامات على جزء اليد المقابل لأحد الكواكب تدل على نسبة (س/14 أو س/15) اتصاف الفرد بالصفات العائدة لهذا الكوكب؛ وهذه النسبة عينها توافق عددًا مساويًا (س) من الأسماء الإلهية بين الأسماء الخاصة بالفلك الكوكبي المقصود؛ وهذه الأسماء يمكن فيما بعد تعيينها بواسطة حساب هو في الواقع طويل للغاية وشديد التعقيد.

رسم يمثل خطوط اليد وعلاقة أجزائها بالكواكب والبروج.

ولنضف أنه في ناحية المعصم، فوق اليد بحصر المعنى، يتوضع التقابل مع الفلكين الأعليَين، فلك النجوم الثابتة والفلك المحيط، اللذين، مع أفلاك الكواكب السبعة، يُتمان العدد 9[6]. إلى ذلك، تقع في مختلف أجزاء اليد البروج signes du Zodiac الـ12، ذات العلاقة مع الكواكب التي تشغل هذه البروج (برج واحد لكلٍّ من الشمس والقمر، برجان اثنان لكلٍّ من الكواكب الخمسة الأخرى)، وكذلك أشكال علم الرمل[7]؛ إذ إن جميع العلوم النقلية وثيقة الارتباط بعضها ببعض.

مخطوط يبين أشكال علم الرمل في علاقتها مع الطبائع الأربعة والجهات الأربع والحروف.

تدل قراءة اليد اليسرى على طبيعة الفرد، أي على جملة الميول والاستعدادات أو الإمكانات التي تكوِّن بنوع ما صفاته الفطرية. وتعرِّف قراءة اليد اليمنى بصفاته المكتسَبة؛ وهذه تتغير في الواقع تغيرًا مستمرًّا، بحيث إن القيام بدراسة موصولة يحتم إعادة هذه القراءة كل أربعة أشهر. وفترة الشهور الأربعة هذه تؤلف، بالفعل، دورة تامة، بمعنى أنها تفضي للعودة إلى برج يوافق الطبع [العنصر] نفسه الذي جرى الانطلاق منه؛ ومعلوم أن هذا التوافق مع الطبائع [العناصر] يجري بحسب الترتيب المتوالي التالي: نار، تراب، هواء، ماء. فمن الغلط إذن أن يُظن، كما فعل بعضهم، أن الفترة المقصودة لا يجوز أن تكون غير ثلاثة أشهر، لأن فترة الشهور الثلاثة توافق فصلاً فحسب، أي جزءًا من الدورة السنوية، وهي ليست بحدِّ ذاتها دورة تامة.

تبيِّن الدلائل القليلة السابقة، على إيجازها، كيف أن العلم النقلي الناشئ نشأة نظامية يرتبط بالمبادئ من رتبة عقيدية ويتوقف عليها تمامًا؛ ومن شأنها، في الوقت نفسه، أن تُفهم ما سبق لنا أن قلناه مرارًا وتكرارًا من أن علمًا كهذا مُحكم الارتباط بشكل نقلي معين، بحيث إنه غير قابل للاستعمال مطلقًا خارج نطاق الحضارة التي أنشِئ من أجلها على هذا الشكل بعينه. فهاهنا، على سبيل المثال، من شأن الاعتبارات العائدة للأسماء الإلهية والأنبياء – وهي بالدقة الاعتبارات التي يقوم عليها كل ما تبقَّى – ألا تكون قابلة للتطبيق خارج نطاق العالم الإسلامي حصرًا، مثلما أن حساب النيم calcul onomantique، كمثال آخر، المستعمَل إما على حدة وإما كعنصر من عناصر قراءة الطالع في بعض طُرُق النجامة، لا يصح إلا على الأسماء العربية التي لكلٍّ من حروفها قيمة عددية معلومة[8]. فثمة دومًا، في رتبة التطبيقات العَرَضية هذه، مسألة "تكييف" تجعل من المُحال نقل هذه العلوم كما هي من شكل نقلي إلى آخر؛ وذاك، أغلب الظن، واحد من أسباب صعوبة فهمها على مَن ليس عندهم ما يكافئها في حضارتهم، شأن أهل الغرب المُحدَثين[9].

مصر، 18 ذي العقدة 1350 هـ (مولد سيد علي البيومي).

الترجمة عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Le Voile d’Isis, mai 1932, pp. 289-295 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 68-75.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المنقولات الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] راجع: ديمتري أڤييرينوس، "موقع المُسارَرة من علم الباطن"، سماوات: http://samawat.org/essays/esotericism_initiation_dna. (المحرِّر)

[2] ما بين معقوفتين [...] من إضافة المترجم إلى النص بغية توضيح المقصود. (المحرِّر)

[3] "الفراسة"، من الفعل الثلاثي فَرَسَ، تثبيت النظر وإدراك الباطن من نظر الظاهر؛ ومنه، جاء في الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله". راجع أيضًا: توفيق فهد، الكهانة العربية قبل الإسلام، دار قدمُس، دمشق، طب 1: 2007، ص 271-300. (المحرِّر)

[4] جدير بالذكر أن المُسارَرة ("البيعة" الصوفية) تتم بمنح بركة السلسلة الروحية ("الروح القدس" بالمصطلح المسيحي) للمريد عبر اليد بوضعها إما على يافوخ الرأس أو الوجه، وإما بشبك الأيدي بين الشيخ والمريد (وهذا هو المدلول الروحي للآية 10 من سورة الفتح بخصوص "بيعة الرضوان": "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم")، وإما بطُرُق أخرى لا مجال هنا لإيرادها. ونضيف هنا، على سبيل الإشارة، أن عدد سلاميات أصابع اليد الواحدة هو 14 (4 + 1 = 5 = عدد أصابع اليد = عدد أركان الإسلام = الطبائع الأربعة + الأثير)، وفي كلا اليدين: 14 في 2 = 28 (8 + 2 = 10 = 5 في 2)، عدد الحروف العربية وحاصل الجمع الثيوصوفي لأعداد قيمتها الإجمالية (5995 = 9 + 5 + 5 + 9) وعدد منازل القمر (راجع: رونيه گينون، "ملحوظة في ملائكيات الأبجدية العربية"، سماوات: http://samawat.org/articles/angelology_arabic_alphabet_guenon)؛ كما أن القيمة العددية لكلمة يد في حساب الجُمَّل تساوي 14 (10 + 4). إلى ذلك، فإن لكلمة وجه القيمة العددية نفسها (6 + 3 + 5)، بما يشير، في سياقنا، إلى الصلة الشعائرية المذكورة بين اليد والوجه، حيث إن عدد عظام الوجه هو كذلك 14. (المحرِّر)

[5] Cf. René Guénon, L’ésotérisme de Dante, Gallimard, 1957, chap. II, pp. 13-14.

[6] وفقًا لكوسمولوجيا كوميديا دانتي ألجياري (1265-1321)، تنطلق النفس الإنسانية من الجحيم (وهي على هيئة مخروط مقلوب، مغروس في نصف كرة الأرض الترابي)، لتعرج صاعدةً، مرورًا بجبل المَطْهَر الواقع في نصف الكرة المائي (وجنة عدن على قمته)، فالأفلاك التسعة (أفلاك الكواكب السبعة + فلك النجوم الثابتة، حيث البروج + الفلك البلوري، حيث المحرك الأول Primum mobile)، وصولاً إلى سماء الفردوس، حيث مرفأ النور الإلهي المركوز في قلب وردة الغبطة السماوية؛ وفي ذروة رؤيا المعراج يُشاهَد الله في الوسط، تحيط به الأفلاك الملائكية التسعة. (المحرِّر)

بنيان الكوسمولوجيا عند دانتي: تنطلق النفس الإنسانية من الجحيم، لتعرج صاعدة، مرورًا بالمطهر، فالأفلاك السماوية التسعة، وصولاً إلى الفردوس.

[7] علم الرمل géomancie من فنون التكهُّن؛ وأساسه الاقتراع بقراءة الأشكال الـ16، المؤلفة من نقاط وشُرَط والناجمة عن "ضرب الرمل" على سطح مستو. راجع: فهد، الكهانة العربية قبل الإسلام، ص 149-152. (المحرِّر)

[8] راجع: "ملحوظة في ملائكيات الأبجدية العربية"، سماوات: http://samawat.org/articles/angelology_arabic_alphabet_guenon. (المحرِّر)

[9] المعطيات التي استفدناها أساسًا لهذه الملحوظات مستقاة من رسائل غير منشورة للشيخ سيد علي نور الدين البيومي، مؤسِّس الطريقة البيومية، الذي لا تزال مخطوطاته حاليًّا في عهدة أخلافه المباشرين.

حسن الظن - ألان

الخميس, كانون الأول 17th, 2009

حسن الظن*

alain_2

ألان**

"ما أصعب الرضا عن أحدهم!" مقولة لابرويار[1] الصارمة هذه من شأنها سلفًا أن تجعلنا نلزم جانب الحيطة. إذ إن الحس السليم يقضي بأن يتكيف كل واحد مع الشروط الواقعية للحياة في المجتمع، وليس من العدل في شيء إدانة الإنسان المتوسط؛ فذلك من قبيل جنون كاره البشر. وإذن، فمن غير أن أفتش عن الأسباب، تراني أتحاشى النظر إلى أشباهي وكأني مُشاهد دفع ثمن مكان جلوسه ويريد أن يرى من الآخرين ما يسرُّه. بل على العكس، إذ أسترجع في نفسي مألوف هذا الوجود الصعب، أجدني أتوقع سلفًا من كل شيء أسوأه؛ أفترض أن مُحادثي يعاني معدة سقيمة أو صداعًا، أو ربما همومًا مالية أو خلافات بيتية. سماء مريبة هي سماء آذار، أقول لنفسي، يختلط فيها الرمادي والأزرق، ومضات الشمس وهبَّات الشمال اللاذعة؛ فأحتاط لنفسي بفرائي ومظلتي.

طيب. لكن في جعبة التفكير ما يسعفنا على الأمر إسعافًا أفضل، إذا ما خطر ببالنا هذا الجسم البشري المتقلب، المرتعش عند أقل لمسة، اللاطئ دومًا، الذي سرعان ما يحتدُّ، مُصدِرًا حركات وكلامًا بحسب حال صحته، بحسب التعب، وبحسب أفعال الآخرين؛ مع ذلك، فإن هذا الجسم البشري هو الذي يجب أن يجيئني، مثل طاقة أزهار عيدية، بالمشاعر الثابتة، بالمراعاة، وبالنوايا الطيبة التي يلوح لي أنها من حقي. غير أني، أنا الذي أبدي كل هذا الاكتراث للآخر، لست بهذا الاكتراث بتاتًا بنفسي: تراني أطلق رسائل أجهلها، بحركة تلقائية، بتقطيب حاجبيَّ؛ الشمس والريح ترسمان ملامح وجهي. وبذا أقدِّم للآخر بالضبط ما أستغرب وجوده فيه هو، الإنسان، أي الحيوان المكلَّف بالعقل، الذي يُرفَع دومًا إلى منزلة عالية، ثم يُرَدُّ إلى أسفل سافلين، الذي لا تكاد تصدر عنه إيماءة حتى تصدر عشر إيماءات، بل تراه بالأحرى يومئ بشخصه كله، من غير أن يكون له خيار. وفي هذا الخليط، عليَّ، كالمنقب عن الذهب، أن أطرح الحصباء والرمل وأتعرف إلى أصغر شذرة؛ عليَّ أنا أن أنقب؛ فما من امرئ يغربل الكلام الذي يتفوه به كما يغربل الكلام الذي يسمعه. وها أنا ذا بذلك متهيئ بحسب الأدب، لا بل أفضل من ذلك: أفتح للآخر رصيدًا واسعًا؛ أنبذ الخَبَث، أنتظر حقيقة فكره. لكني ألحظ هنا أثرًا آخر لا يُتوقع أبدًا بما يكفي: حسن الظن هذا الذي أبديه سرعان ما يفك إسار هذا الخجول الذي يتقدم نحوي مدججًا بالسلاح ومنتفشًا بكليته. قصارى القول إن على واحد من هذين المزاجين اللذين يهرع كل منهما نحو الآخر كما تهرع الغيوم أن يبادر إلى الابتسام؛ وإذا لم تكن أنت البادئ فلست سوى غبي.

ما من امرئ إلا ويمكن الإكثار من إساءة القول فيه والظن به؛ ما من امرئ إلا ويمكن الإكثار من إحسان القول فيه والظن به. والطبيعة البشرية مجبولة بحيث لا تخاف البتة من التنغيص؛ إذ إن الغيظ الذي يمنح الجرأة يتبع الخجل عن كثب شديد؛ والشعور الذي ينتاب المرء بأنه غير مستحَب سرعان ما يجعله أسوأ. لكنْ عليك أنت، يا مَن فهم هذه الأمور، ألا تدخل هذه اللعبة بتاتًا. وإنها لَتجربة مدهشة التجربة التالية التي أرجوك أن تجربها مرة واحدة: أسهل على المرء أن يسوس مباشرة مزاج الآخرين من أن يسوس مزاجه هو؛ ومَن يعالج في احتراس مزاج مُحادِثه يكون طبيب مزاجه هو بهذه الوسيلة؛ إذ إن كل واحد، في المحادثة كما في الرقص على حدٍّ سواء، هو مرآة للآخر.

8 نيسان 1922

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Bienveillance », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 179-181.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو الكاتب الفرنسي جان دُه لابرويار (1645-1696). كتابه الطبائع (1688-1696)، المصمَّم على غرار كتاب بالعنوان نفسه للفيلسوف الإغريقي ثاوفراسطُس، يصف تحولات مجتمع زمانه. دعا إلى العودة إلى تراث الأقدمين. (المحرِّر)

المشكلات والزمن - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, كانون الأول 16th, 2009

المشكلات والزمن*

ج. كريشنامورتي

بحسب أحدث مكتشفات الأنثروپولوجيين، عاش الإنسان على هذه الأرض، على ما يبدو، طوال حوالى مليونين من السنين. وقد ترك الإنسان في الكهوف، طوال حوالى سبعة عشر ألف سنة، سجلات عن الكفاح، عن الصراع، عن أسى الوجود الذي لا ينتهي – الصراع بين الخير والشر، بين الوحشية والشيء الذي ما انفك يطلبه أبدًا: الحب. وعلى ما يبدو، لم يستطع الإنسان حل مشكلاته – لا مشكلات الرياضيات، لا المشكلات العلمية أو الهندسية، بل المشكلات البشرية للعلاقة: كيف يحيا في هذا العالم حياة مسالمة، كيف يكون على صلة حميمة مع الطبيعة ويرى جمال طائر على غصن أجرد.

وإذا ما انحدرنا إلى الأزمنة الحديثة، لوجدنا أن مشكلاتنا – مشكلات الإنسان – ما انفكت تتفاقم أكثر فأكثر؛ وترانا نحاول أن نحل هذه المشكلات، بحسب أنماط بعينها من الأخلاقيات أو السلوك، وبحسب مختلف الالتزامات التي وهبنا أذهاننا لها. وبحسب التزاماتنا، أنماط سلوكنا، وَصْفاتنا ومرجعياتنا الدينية، ترانا نحاول أن نحل مشكلاتنا، عذاباتنا، يأسنا، تقلُّباتنا، وتناقضات حياتنا. ترانا نأخذ بموقف معين بوصفنا شيوعيين، اشتراكيين، هذا أو ذاك؛ ومن ذلك الموقف، من تلك "المنصة"، إذا جاز التعبير، نحاول أن نحل مشكلاتنا متفرقةً، واحدة بعد الأخرى – هذا ما نفعله في حياتنا.

قد يكون أحدهم عالِمًا عظيمًا، لكن ذلك العالِم بالذات، في مختبره، مختلف كليًّا عن العالِم في منزله، القومي، المرير، الغضوب، الغيور، الحسود، المتنافس مع أترابه العلماء على اسم أعظم، على شعبية أعظم، وعلى المزيد من المال. إنه غير معنيٍّ بالمشكلات البشرية بتاتًا، بل معنيٌّ فقط باكتشاف مختلف أشكال المادة وبحقيقة ذلك كله.

ونحن كذلك – بما نحن بشر عاديون ولسنا خبراء ولا اختصاصيين في أي مجال بعينه – ملتزمون نمطًا معينًا من السلوك، مفاهيم دينية معينة، أو سمًّا قوميًّا ما، ومن التزامنا ذاك نكدح لحل المشكلات المتكاثرة، المتفاقمة أبدًا.

الكلام، كما تعلمون، لا نهاية له، القراءة لا نهاية لها. بالوسع تكديس الكلمات على الكلمات، والأسلوب البليغ، جمال اللغة، عقلانية ما يقال أو لامنطقيته، إما أن تقنعك وإما أن تثنيك. لكن المهم ليس تكديس الكلمات، ليس الاستماع إلى الأحاديث والخُطَب والقراءة، بل بالحري حلُّ المشكلة – مشكلة الإنسان، مشكلتك أنت – لا مجزأةً، لا عندما تظهر، لا بحسب الظروف، لا بحسب ضغوط الحياة الحديثة وتوتراتها، لكنْ انطلاقًا من فاعلية مختلفة كليًّا. هناك المشكلات البشرية: الطمع، الحسد، بلادة روح الذهن، القلب الموجوع، الانعدام المروِّع لحساسية الإنسان، الوحشية، العنف، اليأس والعذاب العميقان. وطوال مليونين من السنين عشناها ونحن نحاول أن نحل هذه المشكلات بحسب وصفات مختلفة، مذاهب مختلفة، مناهج مختلفة، گورو [معلمين روحيين] مختلفين، طرائق للنظر مختلفة، مستفسرين، متقصِّين. ومع ذلك، فنحن حيث نحن، عالقون في هذه السيرورة التي لا تنتهي من العذاب والبلبلة واليأس المستديم.

فهل هناك وسيلة لحل المشكلات حلاً جذريًّا، تامًّا، بحيث لا تظهر أصلاً، وإذا حدث وظهرت، نستطيع أن نواجهها آنيًّا ونحلها، نبدِّدها، نتخلص منها؟ هل هناك وسيلة حياة كلية لا تربة فيها لنبات المشكلات أصلاً؟ هل هناك سبيل للعيش – لا نمط طريقة أو منهج أو مذهب، بل سبيل كلي للعيش – بحيث لا تنبت أية مشكلة في أي وقت، وإذا حدث ونبتت، يستطاع حلُّها آنيًّا؟ إن ذهنًا مثقلاً بعبء المشكلات يصير ذهنًا بليدًا، ثقيلاً، غبيًّا. لا أدري إذا اتفق لكم أن تراقبوا ذهنكم وأذهان زوجاتكم وأزواجكم وجيرانكم. عندما يعاني الذهن مشكلات من أي نوع، فإن تلك المشكلات بعينها – حتى مشكلات الرياضيات، مهما تكن معقدة، مهما تكن مؤلمة، مهما تكن مستعصية، عقلية – تبلِّد الذهن. وبكلمة مشكلة أعني مسألة صعبة، علاقة صعبة، قضية صعبة تبقى غير محلولة وتُحمَل من يوم إلى يوم. وإذن فنحن نسأل إنْ كان هناك سبيل عيش، إنْ كانت هناك حالٌ ذهنيةٌ، لأنها تتفهم كلية الوجود، خاليةٌ من المشكلات، وكذلك، حين يحدث وتظهر مشكلة، تستطيع أن تحلها فورًا. فما إن تُحمَل مشكلةٌ مؤجلة – يومًا واحدًا حتى، دقيقة واحدة حتى – حتى تجعل الذهن ثقيلاً، بليدًا، والذهن يَعدَم كل حساسية للنظر، للرصد.

هل يوجد فعل كلي، حال ذهنية تحل كل مشكلة عند ظهورها، وخالية في ذاتها من المشكلات، على أي عمق كان، واعية أم خافية؟ لا أدري إذا اتفق لك يومًا أن تسأل نفسك هذا السؤال. أغلب الظن أنك لم تفعل، لأن غالبيتنا غارقون، عالقون في مشكلات العيش اليومي، – طلب الرزق وتلبية متطلبات مجتمع يبني نفسانيًّا بنيةً قائمةً على الطموح، الجشع، الاستئثار، – إلى حدِّ أنه ليس عندنا وقت للتقصي. هذا الصباح، سنتقصى في هذا الأمر، وعليك أنت يتوقف مدى عمق تقصِّيك، مدى جدية طلبك، مقدار وضوح رصدك وشدته.

لقد عشنا، على ما يبدو، طوال مليونين من السنين – وإنها لفكرة رهيبة! ولعلنا سوف نعيش، كما يفعل البشر، مليونين آخرين من السنين، عالقين في الألم المستديم للوجود. فهل توجد وسيلة، هل يوجد شيء يحرِّر الإنسان من هذا، يحرِّره تمامًا، بحيث لا يعيش ثانية واحدة حتى في العذاب، لا يخترع فلسفة ترضيه في عذابه، لا يضع وصفة يطبِّقها على جميع المشكلات التي تظهر، فيزيد بذلك من تلك المشكلات؟ يوجد! توجد حال ذهنية تستطيع أن تحل المشكلات فورًا؛ وبالتالي، فإن الذهن، بحدِّ ذاته، يخلو من المشكلات، واعية أو خافية.

سنتقصى في هذا الأمر. ومع أن المتكلم سيستعمل كلمات وينفذ إلى أبعد ما يمكن عبر ما تبلِّغه الكلمات، يتعين عليك أنت أن تصغي وتفهم. أنت إنسان، ولست فردًا، لأنك مازلت العالم، الجمهور؛ أنت جزء من بنية هذا المجتمع الرهيبة. لا فردية هناك إلا حين توجد حال ذهنية يخلو الذهن حينها من المشكلات، حين يستخلص ذاته تمامًا من البنية الاجتماعية للاستئثار، للجشع، للطموح.

نقول إن هناك حالاً ذهنية بوسعها أن تحيا من دون أية مشكلة، وبوسعها أن تحل آنيًّا أية مشكلة تظهر. عليك أن ترى مدى أهمية عدم حملك مشكلة مؤجلة، ولا حتى يومًا واحدًا أو ثانية واحدة، لأنك كلما كانت عندك مشكلة غير محلولة، زودتَها بتربة يمكن لها أن تتجذَّر فيها، فتخرِّب الذهن والقلب والحساسية العصبية. لذا فمن اللازم أن تُحلَّ المشكلةُ على الفور.

هل من الممكن، بعد أن عشنا طوال مليونين من السنين مع النزاعات، مع البؤس، مع تذكار الآماس الكثيرة – هل من الممكن للذهن أن يتحرر من ذلك، بحيث يكون تامًّا، سليمًا، غير مفتت؟ ومن أجل اكتشاف ذلك، لا بدَّ للمرء من أن يتقصى في الزمن، لأن الصلة وثيقة بين المشكلات والزمن.

وإذن، فسنتقصى في الزمن. أي أننا، بعد أن عشنا طوال مليونين من السنين، هل يتعين علينا أن نواصل العيش مليونين آخرين من السنين في الأسى، الألم، الكرب، الصراع المستديم، الموت؟ هل هذا محتوم؟ المجتمع يتقدم، يتطور على ذلك النحو – يتطور عبر الحرب، عبر الضغط، عبر هذا الصراع بين الشرق والغرب، عبر سائر خلافات القوميات، السوق المشتركة، كتل هذه القوة وتلك القوة. المجتمع يتحرك، يتحرك، يتحرك – بطيئًا، غافيًا بمعنى ما، لكنه يتحرك. طيب، لعل المجتمع، بعد مليونين من السنين، سوف يصل إلى نوع من الحال يعيش فيها [الإنسان] مع إنسان آخر من دون تنافس، بمحبة، في رفق، في طمأنينة، بحسٍّ جمالي رفيع. ولكنْ هل يتعين على المرء أن ينتظر مليونين من السنين حتى يتوصل إلى ذلك؟ ألا يجب على المرء أن يكون نافد الصبر؟ أنا أستعمل عبارة نفاد الصبر بالمعنى السليم: نفاد الصبر بمعنى عدم الصبر على الزمن. أقصد: ألا نستطيع أن نحل كل شيء، ليس من خلال الزمن، بل فورًا؟

تفكرْ في هذا الأمر فعلاً. لا تقل إنه غير ممكن أو إنه ممكن. ما هو الزمن؟ هناك الزمن الميقاتي، الزمن بتوقيت الساعة – وذلك واضح، ذلك ضروري: حين يكون عليك أن تبني جسرًا، تراك تحتاج إلى زمن. لكن أي شكل آخر من الزمن – أي: "سوف أكون…"، "سوف أفعل…"، "يجب عليَّ ألا…" – ليس حقيقيًّا؛ إنه مجرد اختراع ذهن يقول: "سوف أفعله." أما إذا لم يكن هناك غد – وليس هناك غد – فإن موقفك برمته إذ ذاك يختلف. وفعليًّا لا يوجد مثل هذا الزمن – فحين تكون جائعًا أو شبقًا أو شهوانيًّا، لا زمن عندك: تراك تريد ذاك الشيء على الفور! ومنه، فإن فهم الزمن هو حل المشكلات.

عاينْ، أرجوك، العلاقة الوثيقة بين المشكلة والزمن. على سبيل المثال، هناك أسى. أنت تعرف ما هو الأسى – لا الأسى المطلق، بل أسى الوحشة، أسى عدم حصولك على شيء تريده، أسى عدم رؤيتك رؤية واضحة، أسى الإحباط، أسى فقدانك شخصًا تظن أنك تحبه، أسى رؤيتك شيئًا رؤية واضحة للغاية، عقليًّا، مع عجزك عن فعله. وفيما يتعدى هذا الأسى، هناك أسى أعظم أيضًا: أسى الزمن. إذ إن الزمن هو الذي يولِّد الأسى. أصغوا إلى هذا، أرجوكم. لقد قبلنا الزمن، وهو سيرورة الحياة المتدرجة، الطريقة المتدرجة في التطور، التغير المتدرج من هذا إلى ذاك، من الغضب إلى حال من عدم الغضب، بالتدريج. لقد قبلنا سيرورة التطور المتدرجة، وترانا نقول إنها جزء من الوجود، إنها جزء من الحياة، إنها خطة الله، أو الخطة الشيوعية، أو خطة أخرى ما. لقد قبلناها، وترانا نتعايش مع ذلك، لا تخيليًّا، بل فعليًّا.

والآن، ذاك، بنظري، هو الأسى الأعظم: السماح للزمن بأن يملي التغيير أو التحول. أعليَّ أن أنتظر عشرة آلاف سنة وأكثر، أعليَّ أن أتكبد هذا البؤس، هذا النزاع، عشرة آلاف سنة أخرى، وببطء، أتغير بالتدريج، شيئًا قليلاً فشيئًا قليلاً، فآخذ وقتي، أتحرك ببطء؟ قبول ذلك والعيش على تلك الحال هو الأسى الأعظم.

*

هل من الممكن إنهاء ذاك الأسى فورًا؟ – ذلك هو لبُّ المسألة. إذ إنني بمجرد أن أحل الأسى – الأسى بالمعنى الأعمق لتلك الكلمة – ينتهي كل شيء. ذلك أن ذهنًا يعاني الأسى ليس بوسعه أبدًا أن يعرف ما يعنيه الحب.

*

وإذن، فعليَّ أن أتعلم عن الأسى فورًا، وفعل التعلُّم بعينه هو القطع التام للزمن. رؤية شيء على الفور، رؤية الزائف على الفور، – رؤية الزائف تلك هي بعينها فعل الحقيقة الذي يحررك من الزمن.

سأتوغل بعض الشيء في مسألة الرؤية هذه. بينما كنَّا داخلين لتوِّنا، كان هناك ببغاء: أخضر، لامع، بمنقاره الأحمر، جاثم على غصن ميت على خلفية السماء الزرقاء. نحن لا نراه بتاتًا؛ فنحن أكثر انشغالاً، أكثر تركيزًا من أن نراه، نحن من الاضطراب بحيث لا نرى أبدًا جمال ذلك الطائر على الغصن الميت على خلفية السماء الزرقاء. فعل الرؤية فوري – لا "سوف أتعلم كيف أرى". إذا قلت: "سوف أتعلم"، فقد أقحمت الزمن سلفًا. وإذن، ليس رؤية ذلك الطائر وحسب، بل وسماع ذلك القطار أيضًا، سماع السعال، هذا السعال العصبي المتواصل كل الوقت هنا، – سماع ذلك الضجيج، الإنصات إليه، هو فعل فوري. وإنه لَفعل فوري أن ترى رؤية واضحة للغاية، من دون المفكر – رؤية ذلك الطائر، رؤية المرء ما هو إياه، فعليًّا، لا النظريات حول الآتمن [الذات العليا] الفائق إلى ما هنالك من نظريات، بل رؤية فعلية لما هو المرء إياه.

تتضمن الرؤية ذهنًا خاليًا من الآراء، خاليًا من الوصفات. إذا كانت عندك وصفة في ذهنك، لن ترى أبدًا ذلك الطائر، – ذاك الببغاء الجاثم على ذلك الغصن الميت على خلفية السماء الزرقاء، – لن ترى جماله الكلي. ستقول: "نعم، ذاك ببغاء من النوع الفلاني، والغصن الميت غصن شجرة من النوع الفلاني، وزرقة السماء زرقاء بسبب الضوء المنتثر عبر هباء الغبار"، لكنك لن ترى أبدًا كلية ذلك الشيء الخارق. ولإدراك كلية ذاك الجمال، لا زمن هناك. بالطريقة عينها، لرؤية كلية الأسى، يجب عدم إقحام الزمن بتاتًا.

*

انظرْ إلى الأمر، رجاءً، بطريقة أخرى. كما تعلم، فعليًّا، ليس عندنا حب – ذاك شيء رهيب إدراكه. فعليًّا، ليس عندنا حب؛ عندنا العاطفة؛ عندنا الانفعالية، الحسية، الجنس؛ عندنا ذكريات عن شيء ظنناه حبًّا. لكننا فعليًّا، بصراحة فظة، ليس عندنا حب. لأن وجود الحب يعني عدم العنف، عدم الخوف، عدم التنافس، عدم الطموح. لو كان عندك حب لما قلت أبدًا: "هذه أسرتي." قد تكون عندك أسرة وتوفر لها أفضل ما تستطيع، لكنها لن تكون "أسرتك" أنت، في مقابل العالم. إذا أحببت، إذا وُجد الحب، يوجد سلام. لو أنك أحببت، لربيت ولدك على أنْ لا يكون قوميًّا، على أنْ لا يكون فقط صاحب مهنة تقنية، فيرعى شؤونه الصغيرة التافهة؛ لما كانت لك قومية. ما كانت الانقسامات الدينية لتوجد لو أنك أحببت. ولكنْ بما أن هذه الأمور موجودة فعليًّا – ليس نظريًّا، بل بواقعية موجعة – في هذا العالم البشع، فهذا يبين أنه لا حب عندك. حتى حب أمٍّ لولدها ليس حبًّا. لو أن الأم أحبت ولدها حقًّا، هل كان العالم على هذه الصورة يا ترى؟ [لو أحبته] لحرصت على أن يحصل على الطعام السليم، على التربية الصحيحة، لربَّتْه على أن يكون حساسًا، على أن يقدِّر الجمال، على أنْ لا يكون طَموحًا، طامعًا، حاسدًا. فالأم، إذن، مهما ظنت أنها تحب ولدها، لا تحب الولد حقًّا.

وإذن، فليس عندنا ذاك الحب.

*

فماذا ستفعل إذن؟ إذا قلت: "قل لي أرجوك ماذا أفعل"، فأنت تفوِّت عليك القطار بالمرة. لكنْ عليك أن ترى أهمية تلك المسألة، رحابتها، إلحاحها، – ليس غدًا، ليس في اليوم التالي أو في الساعة التالية، بل أن تراها الآن. ولرؤية ذاك، يجب أن تكون عندك طاقة. إذن، عاينْ فورًا فحسب – فالحفَّاز الذي يجمِّد السائل أو يبخِّره على الفور لا يفعل فعله إذا أدخلت الزمن، مجرد ثانية واحدة حتى. وجودنا كله، كتبنا كلها، أملنا كله، مؤجل – غدًا، غدًا، غدًا. إباحة حياتنا للزمن هي الأسى الأعظم.

وإذن فالقضية عندك، لا عندك المتكلم الذي تتوقع منه الحصول على جواب. إذ لا جواب هناك – وذاك جمال الأمر. بوسعك أن تجلس متربعًا، أن تتنفس التنفس الصحيح، أو أن تقف على رأسك طوال العشرة آلاف سنة القادمة. لكنك ما لم تطرح هذا السؤال على نفسك – ليس سطحيًّا، ليس لفظيًّا، ليس عقليًّا، بل بكيانك كله – سوف تعيش على ذلك طوال مليونين من السنين. تلك السنون المليونان قد تكون غدًا فحسب. وإذن، فالصلة وثيقة بين المشكلات والزمن – فهل ترى الأمر الآن؟

*

إن ذهنًا يطلب جوابًا عن هذا السؤال ليس عليه أن يفهم أنه نتاج الزمن وحسب، بل وأن ينفي ذاته أيضًا، بحيث يستطيع أن يكون خارج بنية الزمن، خارج المجتمع. لو أنك استمعت، استمعت حقًّا بإلحاح، بشدة، لتوصلت إلى هذا – ليس لفظيًّا وحسب، بل فعليًّا –: أنك لم تعد عالقًا في براثن الزمن. فالذهن، مع أنه نتاج مليونين أو أكثر من السنين، يكون قد أفلت، لأنه رأى السيرورة برمتها وفهمها على الفور. بوسع المرء أن يتوصل إلى هذا – ذاك واضح تمامًا. حين يرى المرء هذا الشيء، يكون الأمر أشبه بلعب الأطفال. فمع أنكم جميعًا أناس راشدون، لحظة ترى الأمر تقول: "ماذا كنت أفعل بحياتي طوال هذه المدة؟!" عندئذ فإن الذهن يخلو من المخادعة، يخلو من الضغوط.

حين يخلو الذهن من المشكلات، من التوترات، ويكون بلا اتجاه، إذ ذاك فإن لذهن كهذا فضاء، فضاءً لانهائيًّا في الذهن وفي القلب كليهما؛ وفقط في ذاك الفضاء اللانهائي يمكن للخلق أن يكون. ولأن الأسى والحب والموت والخلق هي جوهر هذا الذهن، يكون هذا الذهن حرًّا من الأسى، حرًّا من الزمن. وإذن، يكون هذا الذهن في حال محبة، وحين يوجد الحب، يوجد الجمال. في حسِّ الجمال ذاك، في الشعور بذاك الفضاء الرحب، اللانهائي، يوجد خلق. وأبعد من ذلك أيضًا – "أبعد" لا بمعنى الزمن – يوجد شعور بحركة شاسعة.

والآن، أنتم جميعًا تستمعون إلى الأمر، آملين أن تمسكوا به لفظيًّا، لكنكم لن تستطيعوا – مثلما لا تستطيعون أن تمسكوا بالحب بمجرد الاستماع إلى خطبة عن الحب. حتى تفهم المحبة، يجب عليك أن تبدأ من الأقرب إليك، وهو نفسك. ومن ثم حين تفهم، حين تخطو الخطوة الأولى – وتلك الخطوة الأولى بعينها هي الخطوة الأخيرة أيضًا –، بوسعك إذ ذاك أن تمضي بعيدًا للغاية، أبعد بكثير من الصواريخ المنطلقة إلى القمر أو الزهرة أو المريخ. وهذا، في كلِّيته، هو الذهن الديِّن.

ڤارنسي، 28 تشرين الثاني 1964


* From the Verbatim Report of the fifth public talk in Varanasi, 28 November 1964, in Collected Works of J. Krishnamurti, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation of America, pp. 20-28.

الصلة بين الأبجدية العربية وعلم الملائكة - رونيه گينون

الجمعة, كانون الأول 11th, 2009

ملحوظة حول ملائكيات

الأبجدية العربية*

guenon

رونيه گينون**

يمثَّل العرش المحيط، كما يسهل فهمُه، برسم دائرة، في مركزها الروح، كما شرحنا ذلك في غير مكان[1]؛ والعرش يحمله ثمانية ملائكة يشغلون مواقعهم على محيط الدائرة: الأربعة الأولون عند الجهات الأربع الأصلية، والأربعة الآخرون عند الجهات الأربع الفرعية. وأسماء هؤلاء الملائكة الثمانية مشكَّلة من ثماني مجموعات من الحروف، مأخوذةً [وفق قواعد حساب الجُمَّل][2] تبعًا لترتيب قيمها العددية، بحيث إن جملة هذه الأسماء تضم حروف الأبجدية ككل.

بيد أن المقام هنا يجيز لنا إبداء ملاحظة: المقصودة بطبيعة الحال هي الأبجدية ذات الـ28 حرفًا؛ ولكن يقال إنه لم يكن للأبجدية العربية أولاً غير 22 حرفًا، تقابل بالضبط حروف الأبجدية العبرية؛ ومنه التمييز المعمول به بين الجفر الصغير، الذي لا يستعمل غير هذه الحروف الـ22، وبين الجفر الكبير، الذي يستعمل الحروف الـ28، آخذًا بها جميعًا مع قيم عددية متميزة. ويجوز القول، إلى ذلك، بأن الـ28 (8 + 2 = 10) محتوى في الـ22 (2 + 2 = 4)، مثلما أن الـ10 محتوى في الـ4، تبعًا لصيغة الرابوع Tétraktys الفيثاغورثي الشريف: 1 + 2 + 3 + 4 = 10[3]؛ والواقع أن الحروف الإضافية الستة ليست إلا حروفًا معدلة عن ستة من الحروف الأصلية التي تتشكل منها بمجرد إضافة نقطة وتُرَدُّ إليها فورًا بحذف هذه النقطة عينها. وهذه الحروف الإضافية الستة هي التي تؤلف المجموعتين الأخيرتين من المجموعات الثماني التي تكلمنا عليها لتوِّنا؛ ومن البيِّن أنه لو لم يكن يُنظَر إليها كحروف متميزة، لتبدلتْ هذه المجموعات، إنْ من حيث عددها وإنْ من حيث تأليفها. ومنه، لا بدَّ أن العبور من أبجدية الـ22 حرفًا إلى أبجدية الـ28 حرفًا قد ترافق بالضرورة بتغيير في أسماء الملائكة التي نحن بصددها، وإذن، بتغيير في "الكيانات" التي تشير إليها هذه الأسماء. ولكنْ، مهما بدا ذلك من الغرابة بنظر بعضهم، فمن السوي في الواقع أن يكون الأمر على هذا النحو: إذ إن جميع التعديلات على الأشكال النقلية، وبالأخص منها تلك التي تقع على بنيان ألسنتها الشريفة، لا مناص من أن تكون لها بالفعل "أنماط بدئية" archétypes في العالم السماوي.

أما وقد قيل ما قيل، فإن توزيع الحروف والأسماء هو التالي:

شرقًا

أبجد[4]

عند الجهات الأصلية

غربًا

هوز

الأربع:

شمالاً

حطي

جنوبًا

كلمن

شمال شرق

سعفص

عند الجهات الفرعية

شمال غرب

قرشت

الأربع:

جنوب شرق

ثخذ

جنوب غرب

ضظغ

يلاحَظ أن كلاً من هاتين الجملتين ذات الأربعة أسماء يحوي نصف الأبجدية بالضبط، أي 14 حرفًا، موزعةً على التوالي على النحو التالي:

في النصف الأول: 4 + 3 + 3 + 4 = 14

في النصف الثاني: 4 + 4 + 3 + 3 = 14

والقيم العددية للأسماء الثمانية، المشكَّلة من حاصل جمع قيم حروفها، مأخوذةً بالطبع على الترتيب أعلاه نفسه، هي:

[أبجد =] 1 + 2 + 3 + 4 = 10

[هوز =] 5 + 6 + 7 = 18

[حطي =] 8 + 9 + 10 = 27

[كلمن =] 20 + 30 + 40 + 50 = 140

[سعفص =] 60 + 70 + 80 + 90 = 300

[قرشت =] 100 + 200 + 300 + 400 = 1000

[ثخذ =] 500 + 600 + 700 = 1800

[ضظغ =] 800 + 900 + 1000 = 2700

وقيمة كل من الأسماء الثلاثة الأخيرة مساوية على الترتيب لقيمة كل من الأسماء الثلاثة الأولى مضروبةً بـ100؛ وهذا بطبيعة الحال بيِّن إذا لوحظ أن الأسماء الثلاثة الأولى تحوي الآحاد من 1 إلى 10 وأن الثلاثة الأخيرة تحوي المئين من 100 إلى 1000؛ والحروف في كلا المجموعتين موزعة توزيعًا متساويًا إلى 4 + 3 + 3.

قيمة النصف الأول من الأبجدية تساوي حاصل جمع قيم الأسماء الأربعة الأولى: 10 + 18 + 27 + 140 = 195.

بالمثل، فإن قيمة النصف الثاني تساوي حاصل جمع قيم الأسماء الأربعة الأخيرة: 300 + 1000 + 1800 + 2700 = 5800.

وأخيرًا، فإن القيمة الإجمالية للأبجدية ككل تساوي 195 + 5800 = 5995.

العدد 5995 هذا لافت للنظر بتناظره: قسمه الأوسط هو 99، عدد أسماء الله الصفاتية؛ والرقمان على طرفيه يشكلان العدد 55، الذي يساوي حاصل جمع الأعداد العشرة الأولى، حيث ينقسم المثنى إلى نصفيه (5 + 5 = 10)؛ فضلاً عن ذلك، فإن 5 + 5 = 10 و 9 + 9 = 18 هما القيمتان العدديتان للاسمين الأول والثاني.

من الممكن تبيُّن الطريقة التي يتم بها الحصول على العدد 5995 تبينًا أفضل بتوزيع الأبجدية، تبعًا لتقسيم آخر، إلى ثلاث متواليات ذات تسعة حروف، يُزاد عليها حرفٌ مفرد: حاصل جمع الآحاد، من 1 إلى 9، يساوي 45: القيمة العددية لاسم آدم (= 1 + 4 + 40 = 45، أي من منظور المراتب الباطنية: القطب الغوث في المركز، الأوتاد الأربعة عند الجهات الأربع الأصلية، النجباء الأربعون على المحيط[5])؛ حاصل جمع العشرات، من 10 إلى 90، يساوي 45 في 10؛ حاصل جمع المئين، من 100 إلى 900، يساوي 45 في 100؛ أما مجموع حواصل هذه المتواليات الثلاث التساعية فيساوي، إذن، حاصل جداء 45 في111 [= 1 + 10 + 100]، العدد "القطباني" الذي هو عدد حرف الألف [= 1 + 30 + 80 = قطب = 100 + 9 + 2] "مبسوطًا": 45 في 111 يساوي 4995؛ ثم لا بدَّ من إضافة عدد الحرف الأخير، 1000، واحدة الدرجة الرابعة التي تنهي الأبجدية، مثلما تبدؤها واحدة الدرجة الأولى، وبذا نحصل في الآخِر على 5995.

أخيرًا، فإن حاصل جمع أرقام هذا العدد يساوي 5 + 9 + 9 + 5 = 28، أي عدد حروف الأبجدية نفسه، الذي يمثل قيمتها الإجمالية.

بالوسع قطعًا التوسع في المزيد من الاعتبارات انطلاقًا من هذه المعطيات، لكن هذه المؤشرات القليلة كافية للتمكن، على أقل تقدير، من تحصيل لمحة عن بعض تطبيقات علم الحروف وعلم العدد في المنقول الإسلامي.

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Études traditionnelles, VIII-IX, 1938, pp. 324-327 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 62-67.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المأثورات "الدينية" الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] راجع: رونيه گينون، "الروح"، سماوات: http://samawat.org/articles/ruh_guenon. (المحرِّر)

[2] ما بين معقوفتين [...] في النص من إضافة المترجم بغية توضيح المقصود. (المحرِّر)

[3] Cf. René Guénon, « La Tétraktys et le carré de quatre », Études traditionnelles, avril 1937 ; repris dans Symboles de la Science sacrée, Gallimard, 1962, pp. 107-112.

[4] بطبيعة الحال، فإن كلاً من حرفَي الألف والباء، ككل حروف الأبجدية الأخرى، يشغل هنا موقع ترتيبه العددي: وهذا لا يمت بصلة إلى الاعتبارات الرمزية التي عرضنا لها في غير مكان والتي تخص كلاً منهما، فضلاً عن ذلك، بدور آخر أكثر خصوصية. [راجع: "الروح"، سماوات: http://samawat.org/articles/ruh_guenon. (المحرِّر)]

[5] "القطب – وقد يُسمى غوثًا باعتبار التجاء الملهوف إليه –: وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في كل زمان، أعطاه الطلَّسْم الأعظم من لَدُنْه؛ وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد؛ بيده قسطاس الفيض الأعم، وزنُه يتبع علمَه، وعلمُه يتبع علمَ الحق، وعلمُ الحق يتبع الماهيات غير المجعولة؛ فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل. وهو على قلب إسرافيل من حيث حصته الملكية الحاملة مادة الحياة والإحساس، لا من حيث إنسانيته؛ وحكم جبرائيل فيه كحكم النفس الناطقة في النشأة الإنسانية؛ وحكم ميكائيل فيه كحكم القوة الجاذبة فيها؛ وحكم عزرائيل كحكم القوة الدافعة فيها" (تعريفات الجرجاني)؛ "الأوتاد: هم الرجال الأربعة الذين على منازل الجهات الأربع من العالم، أي الشرق والغرب والشمال والجنوب؛ بهم يحفظ الله – تعالى – تلك الجهات لكونهم محالَّ نظره تعالى" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية)؛ "النجباء: وهم الأربعون المشغولون بحمل أثقال الخلق – وهي من حيث الجملة كل حادث لا تفيء القوة البشرية بحمله –، وذلك لاختصاصهم بموفور الشفقة والرحمة الفطرية، فلا يتصرفون إلا في حق الغير؛ إذ لا مزيد لهم في ترقِّياتهم إلا من هذا الباب" (تعريفات الجرجاني). (المحرِّر)

ابقَ بعيدًا - ج. كريشنامورتي

الثلاثاء, كانون الأول 8th, 2009

ابْــقَ بـعـيـدًا*

krishnaji_4

ج. كريشنامورتي

لا يجوز لك أبدًا أن تظل هنا أكثر مما ينبغي؛ كن من البعد بحيث لا يكون بمستطاعهم أن يجدوك، أن يمسكوا بك ليشكِّلوك، ليُقَوْلبوك. كن بعيدًا جدًّا، كالجبال، كالهواء غير الملوث؛ كن من البعد بحيث لا يكون لك أهل، ولا علاقات، ولا أسرة، ولا وطن؛ كن من البعد بحيث لا تعرف حتى أين أنت. إياك أن تدعهم يعثرون عليك؛ إياك أن تحتك بهم احتكاكًا ألصق مما ينبغي. ابْقَ بعيدًا جدًّا حيث حتى أنت لا تقدر أن تجد نفسك؛ حافظْ على مسافة لا يُستطاع اجتيازُها أبدًا؛ حافظْ على ممر مفتوح دومًا لا يستطيع أحد أن يأتي عبره. إياك أن تغلق الباب؛ إذ لا باب أصلاً، بل ممرٌّ مفتوح وحسب، لا نهاية له؛ إذا أغلقت أي باب، سيكونون قريبين جدًّا منك، وإذ ذاك فأنت ضائع. ابْقَ بعيدًا جدًّا حيث لا تبلُغك أنفاسُهم – وأنفاسهم تسافر بعيدًا جدًّا وعميقًا جدًّا؛ إياك أن تدع عدواهم تصيبك، عدوى كلامهم، إيماءاتهم، معرفتهم العظيمة؛ عندهم معرفة عظيمة، لكنْ كن بعيدًا جدًّا عنهم حيث حتى أنت لا تقدر أن تجد نفسك. إذ إنهم ينتظرونك، عند كل زاوية، في كل بيت، ليشكِّلوك، ليُقَوْلبوك، ليقطِّعوك إربًا، ثم يعيدوا تجميعك على صورتهم. آلهتهم، الصغيرة والكبيرة، هي صور عن أنفسهم، نحتَها ذهنُهم أو نحتتْها أيديهم. إنهما بانتظارك، رجل الدين والشيوعي، المؤمن والملحد، وكلاهما سيان: إنهما يظنان أنهما مختلفان، لكنهما ليسا كذلك؛ فكلاهما يغسل دماغك، حتى تصير منهم، حتى تكرر كلماتهم، حتى تتعبد لقديسيهم، القدماء منهم والمُحدَثين؛ عندهم جيوش تذود عن آلهتهم وعن أوطانهم، وهم خبراء في القتل. ابْقَ بعيدًا جدًّا؛ لكنهما بانتظارك، المربي ورجل الأعمال: أحدهما يروِّضك من أجل الآخر لتنصاع لمتطلبات مجتمعهما، وهو شيء مميت؛ – عندهما شيء اسمه المجتمع والأسرة: هذان هما إلهاهما الحقيقيان، الشبكة التي ستعلق فيها؛ – سيجعلان منك عالِمًا، مهندسًا، خبيرًا في كلِّ شيء تقريبًا، من الطبخ إلى العَمار إلى الفلسفة. ابْقَ بعيدًا، بعيدًا جدًّا؛ إنهما بانتظارك، السياسي والمصلح: الأول يجرُّك إلى القاع حتى البالوعة، وعندئذ يصلحك الثاني؛ إنهما يتلاعبان بالكلمات، ولسوف تتوه في قَفْرهما. ابْقَ بعيدًا جدًّا؛ إنهما بانتظارك، الخبير في الله ورامي القنابل: أحدهما سيَهديك والآخر [يدلُّك] كيف تقتل – وما أكثر الطرق للاهتداء إلى الله، وما أكثر طرق القتل، ما أكثرها! ولكن إلى جانب هؤلاء جميعًا، هناك جحافل من الآخرين لتلقينك ما تفعل وما لا تفعل؛ ابْقَ بعيدًا عنهم جميعًا، بعيدًا إلى حدِّ أنْ لا تقدر أن تجد نفسك ولا أحدًا سواك. أنت أيضًا تود أن تلعب مع جميع هؤلاء الذين ينتظرونك، لكن اللعبة تغدو عندئذٍ من التعقيد والتسلية بحيث تضيِّعك. لا يجوز لك أبدًا أن تظل هنا أكثر مما ينبغي؛ كن من البعد بحيث حتى أنت لا تقدر أن تجد نفسك.


* From Krishnamurtiʼs Notebook, Full Text Edition, copyright ©2003 by Krishnamurti Foundation Trust, Ltd, pp. 379-381.

وصال - ج. كريشنامورتي

الأثنين, كانون الأول 7th, 2009

وصـال*

krishnaji_3

ج. كريشنامورتي

إذا لم تكن في وصال مع أي شيء، فأنت إنسان ميت. عليك أن تكون في وصال مع النهر، مع العصافير، مع الأشجار، مع الضوء المسائي الخارق، مع ضوء الصباح على صفحة الماء؛ عليك أن تكون في وصال مع جارك، مع زوجتك، مع أولادك، مع زوجك. وأعني بالـوصال عدم تدخُّل الماضي، بحيث تنظر إلى كل شيء نظرة طازجة، جديدة، – وتلك هي الطريقة الوحيدة للوصال مع شيء ما، بحيث تموت عن كل شيء من الأمس. وهل هذا ممكن؟ على المرء أن يكتشفه، لا أن يسأل: "كيف لي أن أفعله؟" – فما أحمق هذا السؤال! الناس يسألون دومًا: "كيف لي أن أفعل هذا؟" وهذا يفضح ذهنيتهم: تراهم لم يفهموا، لكنهم يريدون أن يتوصلوا إلى نتيجة وحسب.

وإذن، فأنا أسألك إنْ كنت على صلة أصلاً مع أي شيء، وإنْ كنت على صلة أصلاً مع ذاتك – لا مع "ذاتك العليا" و"ذاتك الدنيا" وسائر التقسيمات التي لا عدَّ لها والتي اختلقها الإنسان للتهرب من الواقع. وعليك أن تكتشف – لا أن تلقَّن كيف تتوصل إلى هذا الفعل الكلي. إذ ليس هناك "كيف"، ليس هناك منهج، ليس هناك مذهب؛ لا يمكن تلقينك. عليك أن تعمل في سبيله. آسف، لا أقصد تلك الكلمة: عمل؛ فالناس يعشقون العمل – وذاك واحد من هواجسنا: أننا يجب أن نعمل للتوصل إلى شيء. إنك لا تستطيع أن تعمل؛ فحين تكون في حال وصال، ليس هناك عمل: الأمر حاضر؛ العطر حاضر، وليس عليك أن تعمل.

اسألْ نفسك إذن – إذا أجزت لي أن أطلب منك – لتكتشف بنفسك إنْ كنت في وصال مع أي شيء، إنْ كنت في وصال مع شجرة. هل اتفق لك يومًا أن تكون في وصال مع شجرة؟ هل تعرف ما معنى أن تنظر إلى شجرة، خالي البال من أية فكرة، من أية ذاكرة تتدخل في رصدك، – بشعورك، بحساسيتك، بحال انتباهك المرهفة، – بحيث لا توجد إلا الشجرة فقط، لا أنت الناظر إلى تلك الشجرة؟ أغلب الظن أنك لم تفعل هذا قط، لأن الشجرة بنظرك لا معنى لها. جمال الشجرة لا مدلول له عندك بتاتًا، لأن الجمال بنظرك يعني الجنس فقط. لذا فقد أغلقت بابك دون الشجرة، دون الطبيعة، النهر، الناس. وأنت لست على صلة مع أي شيء، ولا حتى مع نفسك. أنت على صلة مع أفكارك أنت، مع كلماتك أنت، شأنك شأن إنسان على صلة مع الرماد. أتراك تعلم ما يحدث حين تكون على صلة مع مجرد رماد؟ تكون ميتًا، تكون محترقًا عن آخرك.

وإذن فإن أول شيء لا بدَّ لك من إدراكه هو أن عليك أن تكتشف ما هو الفعل الكلي الذي لن يفتعل تناقضًا على أي مستوى من مستويات وجودك، ما هو أن تكون في وصال، وصال مع ذاتك، – لا مع الذات العليا، لا مع الآتمن [الذات الكلية]، أو مع إله، إلى ما هنالك، – بل أن تكون فعليًّا على صلة مع نفسك، – مع طمعك، حسدك، طموحك، وحشيتك، مخادعتك؛ – ومن ثم من هناك تنطلق. عندئذ ستكتشف بنفسك – تكتشف، ولا تلقَّن، فذلك لا معنى له – أن هناك فعلاً كليًّا فقط حين يكون صمتٌ ذهنيٌّ تامٌّ ينطلق منه الفعل.

في حالة غالبيتنا، كما تعلم، الذهن صاخب، لا ينفك أبدًا يثرثر مع نفسه، يناجي نفسه أو يلغو حول شيء ما، أو يحاول أن يكلِّم نفسه، أن يقنع نفسه بشيء ما؛ إنه دومًا متحرك، صاخب. ومن ذلك الصخب، نفعل. أيُّ فعل وليد الصخب ينتج المزيد من الصخب، المزيد من البلبلة. لكنك إذا رصدت وتعلمت ما هو معنى التواصل، صعوبة التواصل، عدم حشو الذهن بالألفاظ، – أن ذاك [الذهن] هو ما يتصل ويتلقى الاتصال، – إذ ذاك، بما أن الحياة حركة، ستراك، في فعلك، تتحرك قُدُمًا حركة طبيعية، حرة، سهلة، من غير أي جهد، نحو حال الوصال تلك. وفي حال الوصال تلك – إذا تقصيت تقصيًا أعمق – ستجد أنك لست في وصال مع الطبيعة، مع العالم، مع كل شيء من حولك وحسب، بل في وصال مع ذاتك أيضًا.

الوصال مع ذاتك يعني الصمت التام، بحيث إن الذهن يمكن له أن يكون في وصال صامت مع نفسه حول كل شيء. ومن هناك، يوجد فعل كلي. فمن الفراغ فقط ينبع الفعل الذي هو كلي وخلاق.

ڤارنسي، 22 تشرين الثاني 1964


* From the Verbatim Report of the second public talk in Varanasi, 22 November 1964, in Collected Works of J. Krishnamurti, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation of America, pp. 17-19.

الروح - رونيه گينون

السبت, كانون الأول 5th, 2009

الـرُّوح*

رونيه گينون**

تبعًا للمعطيات النقلية لعلم الحروف [في التصوف][1]، لم يخلق الله العالم بحرف الألف، أول الحروف، بل بحرف الباء، ثانيها. وبالفعل، على الرغم من أن الواحد هو بالضرورة المبدأ الأول للتجلي، فإن الاثنين هو ما يقتضيه الواحدُ مباشرة، وهو الذي سوف تحدث بين حدَّيه، – كما لو بين قطبَي هذا التجلي المتكاملين، اللذين يرمز إليهما طرفا حرف الباء، – الكثرةُ غير المنتهية للأكوان العَرَضية existences contingentes كلُّها. فالباء، إذن، هو بالذات أصل الخلق، وهذا الخلق يتم "به" و"فيه"، بمعنى أنه في آن معًا "واسطة" الخلق و"محلُّه"، تبعًا لمعنيَيه الاثنين حين يؤخذ كحرف جر. والباء، في دوره القديم هذا، يمثل الروح، الذي يجب فهمه بوصفه الروح الجامع للكون الكلي existence universelle والذي يتطابق مع النور[2] أساسًا؛ وهو يحدث بالأمر الإلهي مباشرةً ("من أمر ربِّي" [الإسراء 85])، وما إنْ يحدث حتى يكون، بمعنى ما، الأداة التي بواسطتها يُجري هذا "الأمرُ" الأشياءَ كلها التي سوف "تترتب" بذلك جميعًا بالنسبة إليه[3]؛ فقبله لا يوجد إذن غير الأمر: إثبات الوجود المحض والصياغة الأولى للمشيئة العليا، مثلما أنه قبل الاثنين لا يوجد سوى الواحد أو قبل الباء لا يوجد سوى الألف. بيد أن الألف هو الحرف "القطباني"[4] الذي صورته بالذات هي صورة "المحور" الذي يتم الأمر الإلهي تبعًا له؛ ورأس الألف الأعلى – وهو سر الأسرار – ينعكس في نقطة الباء، باعتبارها مركز الدائرة الأولية التي تحدُّ مجال الكون الكلي وتحيط به؛ دائرة، إذا نُظِرَ إليها إلى ذلك من جميع الجهات الممكنة في آن معًا، هي في الواقع كرة: الصورة القديمة والجامعة التي تولد منها بالتمايز جميع الصور الخاصة.

إذا نُظِرَ إلى الشكل العمودي للألف وإلى الشكل الأفقي للباء، لتبيَّن أن الصلة بينهما هي الصلة بين مبدأ فاعل ومبدأ مفعول؛ وهذا يتوافق مع معطيات علم العدد حول الواحدية والاثنينية، لا في التعليم الفيثاغورثي وحسب (والاطلاع عليه هو الأوسع بهذا الخصوص)، بل وفي تعليم جميع المنقولات أيضًا. وخاصية المفعولية هذه ملازمة بالفعل لدوره المثنى (كـ"واسطة" وكـ"محل" كلي) الذي تكلمنا عليه لتوِّنا؛ لذا فإن كلمة "روح"، باللسان العربي، كلمة مؤنثة – على أن ننتبه إلى أن المفعول أو السالب بالنسبة إلى الحق يصير، بحسب قانون القياس، فاعلاً أو موجبًا بالنسبة إلى الخلق[5]. فمن الجوهري أن نتدبر هنا هذين الوجهين المتضادين، بما أن المقصود هنا بالدقة، إذا جاز لنا أن نعبِّر على هذا النحو، هو عينه "الحد" الموضوع بين الحق والخلق، وهو "حد" ينفصل به الخلق عن مبدئه الإلهي ويتصل به في آن معًا، وذلك تبعًا للجهة التي يُنظَر إليه منها؛ فهو إذن، بعبارة أخرى، البرزخ بامتياز[6]؛ ومثلما أن الله هو "الأول والآخِر" [الحديد 3] بالمعنى المطلق، فإن الروح هو "الأول والآخِر" بالنسبة إلى الخلق.

هذا لا يعني، بالطبع، أن مصطلح "الروح" لا يجوز أن يؤخذ أحيانًا بمؤديات أكثر خصوصية، كما هي حال كلمة "روح" esprit أو مكافئاتها المتفاوتة دقةً في ألسنة أخرى؛ فهكذا قد تبادَر إلى ذهن بعضهم أن المقصودة منها، في بعض سور القرآن بالأخص، إشارة إما إلى سيدنا جبريل وإما إلى ملَك آخر تنطبق عليه تسمية "الروح" هذه بصفة أخص. وذاك كله قد يكون صحيحًا قطعًا، تبعًا للحالة أو تبعًا للتطبيقات الناتجة عنها، لأن كل ما هو مشاركة في الروح الكلي أو مواصَفة من مواصفاته، أو ما يؤدي دوره من هذا القبيل وعلى مراتب متنوعة، هو روح أيضًا بمعنى نسبي، بما في ذلك الروح بوصفه مقيمًا في الإنسان أو في أي موجود خاص آخر. غير أن ثمة نقطة لا يوليها العديد من المفسرين من أهل الظاهر ما يكفي من الانتباه على ما يبدو: حين يشار إلى الروح صراحة إلى جانب الملائكة تمييزًا له عنهم[7]، كيف يجوز التسليم عندئذ بأن المقصود، في الواقع، هو ببساطة "أحد" هذه الملائكة؟ أما التأويل الباطني فمفاده أن المقصود عندئذ هو سيدنا ميططرون (وهو عينه مِطَطْرون القبالة العبرانية[8])؛ وهذا يتيح، إلى ذلك، توضيح اللبس الذي يقع بهذا الخصوص، بما أن ميططرون يتمثل هو الآخر كملَك، مع أنه حقيقةً، باعتباره مُسْتَعْليًا عن مجال الأكوان "المنفصلة"، شيء آخر وأكثر من ملَك؛ وذاك، في الحاصل، يقابل تمامًا الوجه المثنى للبرزخ[9].

لوحة تمثل كبير الملائكة ميططرون، عامل التجليات الإلهية ومبدأ النبوات.

هناك اعتبار آخر يتوافق تمامًا مع هذا التأويل، وهو التالي: في تمثيل العرش، يقيم الروح في المركز، وهذا المقام هو بالفعل مقام ميططرون؛ والعرش هو محل "الحضرة الإلهية"، أي محل الـشكينه التي هي، في المنقول العبراني، "قرينة" مططرون أو الوجه المتمِّم له[10]. إلى ذلك، يجوز لنا القول حتى بأن الروح يتطابق، على نحو ما، مع العرش بالذات، لأن العرش، إذ يطوِّق العوالم كلها و"يحيط" بها (ومنه نعت المحيط المضاف إليه)، يتطابق مع الدائرة الأولية التي تكلمنا عليها أعلاه[11]. وإننا لنقع هنا أيضًا على وجهَي البرزخ: إنه، من جهة الحق، الرحمن "المستوي على العرش"[12]؛ أما من جهة الخلق، فهو لا يتراءى بمعنى ما إلا منكسرًا من خلال "عدسة" الروح، وهو ما يتصل مباشرة بمعنى حديث النبي: "مَن رآني فقد رأى الحق". وذاك، بالفعل، هو سر التجلي "النبوي"[13]؛ ومعلوم أن مططرون، تبعًا للمنقول العبراني أيضًا، هو عامل "الظهورات الإلهية" théophanies ومبدأ النبوة بالذات[14]، ما يعني، بلغة الإسلام، أنه ليس غير الروح المحمدي الذي ليس جميع الأنبياء والمرسلين فيه إلا واحدًا، وهو الذي، في "الدنيا"، يتخذ تعبيره الأخير فيمَن هو "خاتَمهم"، أي مَن يجمعهم في مختصر أخير هو انعكاس لوحدتهم المبدئية في "العليا" (حيث هو "أول خلق الله": إذ إن الآخِر في النظام المتجلي هو، بالقياس، الأول في النظام المبدئي)، فيكون بذلك "سيِّد الأولين والآخِرين". بذلك – وبه فقط – يجوز فهم جميع أسماء النبي وألقابه بمعناها العميق، بما هي في المحصلة أسماء الإنسان الكامل وألقابه، البرزخ الجامع الذي تجتمع فيه أخيرًا مراتب الكون كلها، مثلما كان يحتويها جميعًا فيه منذ الأصل: "عليه صلاة ربِّ العرش دومًا"!

الترجمة عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Études traditionnelles, VIII-IX, 1938, pp. 287-291 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 54-61.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المأثورات "الدينية" الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste لا يزال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] ما بين معقوفتين [...] في النص من إضافة المترجم بغية توضيح المقصود. (المحرِّر)

[2] لهذا أيضًا فإن الباء (أو ما يكافئه) هو الحرف الاستهلالي للكتب الشريفة: فالتوراة تبدأ بكلمة براشيت בראשית ["في البدء..."]، والقرآن بالبسملة؛ ومع أنه ليس بحوزتنا حاليًّا نص الإنجيل بلغة شريفة، يجوز لنا على أقل تقدير أن نلحظ بأنه، لو توفر لنا نصُّه العبري، لكانت إذ ذاك الكلمة الأولى من إنجيل يوحنا ["في البدء..."] هي براشيت أيضًا. [لذا جاء في مقدمة هذا الإنجيل عن الكلمة الإلهي: "به كان كل شيء.../ فيه كانت الحياة/ والحياة نور الناس" (1: 2-4).]

[3] من جذر امر אמר يُشتق باللسان العبري فعلُ يامر יאמר، المستعمَل في سفر التكوين للتعبير عن فعل الخلق المتمثل بوصفه "الكلم" [القول] الإلهي. [راجع سفر التكوين 1، حيث يرد فعل "قال..." عشر مرات.]

[4] كما سبق لنا أن أشرنا في غير مكان، ألف = قطب = 111 (راجع: René Guénon, « Un hiéroglyphe du Pôle », Études traditionnelles, mai 1937 ; repris dans Symboles de la Science sacrée, Gallimard, 1962, pp. 113-115)؛ ولنضف بأن للاسم الإلهي أعلى القيمة العددية نفسها [1 + 70 + 30 + 10 = 111].

[5] في القبالة العبرانية، يقابل هذا الوجه المثنى، بمعنى ما، وجه شكينه שכינה، المؤنثة، ووجه مططرون מטטרון، المذكر، كما سيتبين مما يلي.

[6] [يقول ابن عربي: "فكأنه (الإنسان) برزخ بين العالم والحق وجامع لخلق وحق؛ وهو الخط الفاصل بين الحضرة الإلهية والكونية، كالخط الفاصل بين الظل والشمس" (رسالة إنشاء الدوائر، طبعة ليدن، ص 22)؛] راجع: T. Burckhardt, « Du barzakh », Études traditionnelles, décembre 1937.

[7] على سبيل المثال، في سورة القدر، الآية 4: "تنزَّلُ الملائكةُ والروحُ فيها بإذن ربِّهم من كلِّ أمر".

[8] هناك خلاف بين الباحثين في القبالة حول أصل اسم "مِطَطْرون" Metatron. فبعضهم يقول بأنه يوناني الأصل: من كلمتَي ميتا meta، "بعد"، وثرونوس thronos، "عرش"، اللتين تعنيان مجتمعتين: "الخادم وراء العرش" أو "المستوي على العرش بعد عرش المجد"؛ وهناك مَن يذهب إلى أن أصله كلمة ميتاتور metator اللاتينية التي تعني "الرسول" أو "القائد"؛ لكن الفرضية التي تهمنا هنا بالأخص هي التي تشتق الاسم من كلمة مطرا mitra الكلدانية التي تعني "مطر"، نظرًا للدور الذي تنسبه غالبية المنقولات إلى المطر كرمز إلى تنزُّل "اللطائف الروحانية" من السماء على الأرض. أيًّا ما كان الأمر، فإن الموروث يفيد بأنه الملَك الذي حال بين النبي إبراهيم وبين ذبح ابنه اسحق (في الرواية التوراتية) أو إسماعيل (في الرواية الإسلامية)؛ ذلك أن قيمة مططرون מטטרון العددية (314) مساوية لقيمة شدَّي שדי ("الشديد" أو "شديد القوى") الذي يقال إنه لقب إله إبراهيم (إل شدي אל שדי). (المحرِّر)

[9] في بعض العبارات الباطنية، يقترن اسمُ "الروح" بأسماء الملائكة الأربعة الكبار الذين مقامه منهم، في النظام السماوي، مقام النبي محمد من الخلفاء الراشدين في النظام الأرضي؛ وذاك يناسب تمامًا ميططرون الذي، إلى ذلك، يتطابق بذلك تطابقًا واضحًا مع الروح المحمدي.

[10] هي النفس الكلية في مذهب ابن عربي، مثلما أن مقابل ميططرون عنده هو العقل الأول أو روح العالم أو البرزخ إلخ. (المحرِّر)

[11] حول موضوع العرش والملَك مططرون هذا، منظورًا إليه من منظار القبالة والملائكيات angélologie العبرانيَين، راجع: Basilide, « Notes sur le monde céleste », Études traditionnelles, juillet 1934 وأيضًا: « Les Anges », Études traditionnelles, février 1935, pp. 88-90.

[12] تبعًا للآية 5 من سورة طه: "الرحمن على العرش استوى".

[13] يجوز لنا أن نلحظ أنه بذلك يجتمع، على نحو ما، تصور النبي وتصور الـأڤتارا Avatāra ["التنزُّل" الإلهي، تجسُّد الإله ڤشنو في المذاهب الهندوسية] اللذان يصدران في اتجاهين متعاكسين: إذ يصدر الثاني اعتبارًا من المبدأ الذي يتجلى، بينما يصدر الأول اعتبارًا من "حامل" هذا التجلي (والعرش هو أيضًا "حامل" الإله).

[14] Cf. René Guénon, Le Roi du Monde, Gallimard, 1958, p. 28.