Archive for كانون الثاني, 2010

لكنه شيطاني ذكَّر - دارين ناظم

السبت, كانون الثاني 30th, 2010

إلى الشِّعر الذي يهجرني!

داريـن نـاظـم*

لكـنَّـه شـيطـاني ذكَّـر…

بَعدَكَ
للسهم عبور جاهل
وللفضائل أسماء جديدة

أمدُّ ذراعي
لعل احتضار المدى يحتاج إلى طيش أصابعي
وتلك الحمَّى على الجبين
ما السرُّ فيها؟!

عند التحام القاسي بالغضِّ
كأن المرايا كيانٌ يحتاط منِّي
فأعتنق ضدِّي

وأمُّك العذراء التي تطهو في فنائك الخلفي
تزيد الملح في القِدْر وتطهوني
وتدعو كلَّ جيرانك إلى مأدبة سجدتْ في ذاكرتي
لِمَن مُسحوا بزيت لينسوني

مدخل:

موجعةٌ أنتِ، تكراريةٌ رتيبةٌ ولا تشبه ذاتها! يُجفِلُها جنونُ عاقل يفقه ما حوله حدَّ الإنهاك، ويبوح مبالغًا، بالغًا حدَّ الانتهاك! أفٍّ ما أصعب البدايات التي لا تُحَدُّ بزمن! كبدْءِ الخلق تتماهى معه الزيارةُ الأولى للشِّعر. متى بدأ، وحتَّام يستمر؟ بل ما هما الأزلُ والأبدُ لدى فكر صغير يعانق قشرتَه برضى!

ها أنتَ ذا تثور فيَّ، فتتقاسمني المراحلُ متمازجةً، متمايزةً في عبثيَّةٍ دافقةٍ كدم حارٍّ، حتى آخر قطرة يسحُّ. بعد أن بَقَرَني الثورُ ذو القرنين الذهبيين، واللهاثُ الدافئ يلقي بغَبَشِه الأبيض على بلور عينيَّ ثم يكتب.

نعم، يمكن للضباب أن يكون كاشفًا. رحماكَ، أيها الضبابُ المقدسُ! غلِّفْني سبع مرات، اجعلْني رطبةً حدَّ الإشباع، قبل أن تتلاشى بعيدًا، حتى من الذاكرة، باحثًا عن تربة أخصب.

أنبتْني، رحماك!

دهشة:

حسبي منكَ السؤال، يقفز كظبي يلهو، مستهترًا بالخطر المحدق، بشَرْعَةِ الغابِ تحدِّد أدوارَ كلٍّ منا. وحسبي منكَ انتفاضةٌ في شغاف القلب، لا يضاهيها ابتسامُكَ الذي، في البدء، كان مسبِّبَها. ها أنا ذا أتحرر من أسْركَ إلى احتلام مبكر لا يغنيني عنكَ، فأسجَنُ في شوقي إلى أسْركَ.

اقتنصْني، أرجوكَ، أيها النسرُ الحرُّ الكاشفُ تحتكَ كلَّ مساحة. ففي عشِّكَ، حتى لو لم أكن ما يتعدَّى فريسةً تنتظر انقضاضَ المناقير المتحفِّزة، أنَّى لي نكرانُ أو تجاهُلُ أن الشاهقاتِ تعبث بفطرتي كمُقاساة لذيذة.

أقبعُ هناكَ مع فراخكَ الجائعة، لعلَّهم يصيرون إخوةً لي في التوق إلى نزع لثام أحجيات ذلك العلوِّ والعمق اللذين يخلبانني اقتباساتي حتى قبابِ السماواتِ وأغوار الجحيم – وكلاهما نارٌ آكلة.

معرفة:

ليست أسناني ما يشغلني من الفريسة، ولا حطبُ المواقد ملقًى هناك ينتظر الجامعين، مسوِّلاً لنفسه مساربَ مضلِّلةً بها يختبي. سأطهوكَ بالفضول الحارق. وسواءٌ عندي اقتدارُ الإنس، وكلُّ قهقهة الدلافين الودودة. بل شاغلي احتباسُ الوعد في سكونٍ راعش، واعتقادي أن مكاشفةً تُروِّجُ للعناقيد المكظومة تحت اقتبال النور المسعور في احتقاني المُعَدِّ للانفجار.

تناهى إليَّ أنه مرَّ من تحت أنفي ولم أرَه. كقنبلةٍ موقوتةٍ جالسَني كلَّ حين. وكان عليَّ أن أصغي، لَعَلِّي أنقِذُ من المِران ما يمكن إنقاذه.

لَكَم وددتُ لو تُفضي إليَّ كمتجايلين خَلاصًا من كبت لعين، لو تمطرُ فوق رأسي كموسم خيِّر، فأنبتَ غُسْلَ براءتي. فأنا لا يعجبني امتداحٌ إنْ لم أعرفْ شعرًا. لقد عرفتُه، وليكن ما يكون!

وحي:

ها أنتَ ذا تهمس في أذني، تُسِرُّ إليَّ، تزرع جلدي قشعريرةً منقَّطةً، ترنو كلُّ حبَّة فيها إلى أفق مختلف، ثم تثرثر فيما بينها. هكذا أجمع النائي والداني، أوحِّد فيَّ متناقضاتٍ شتى، تحميني من السِّباب البذيء للدُّود العابر في فنائي، متشدِّقًا، مضجرًا، ضَجِرًا.

أليس معلومًا هو الفرقُ ما بين مزبلةٍ متاحةٍ لأيِّ ديك وبين تفاح الآلهة الذي لا يقرَّب إلا على مذبح مطهَّر! ألتهمكَ، ربَّةً مباحةً، مستباحةً لكَ، عصيَّةً على سواكَ، شعثاءَ الناصية، زائغةَ العينين والنجوى. فمَن يستسيغني سوى الذي يرى الجمالَ في أيِّ شيء؟! مَن يقبل بي إلاكَ عندما أجفل كحمقاءَ تصغي إلى مناجاة مقدسة؟!

نبذ الوحي:

لم يبقَ لنا، لكي نثمل، سوى احتقارُ الطيف من حيثما يأتي، مبعثَرًا كقصور اللصوص على هذه الأرض، كأحلام الجائعين، كنبضكَ يحتاط في جسدي لعاشق محتمَل.

ولم يبقَ بيننا قَدَرٌ، ولا ابتسامُ العُقَد بين حاجبكَ وعهدي، ولا هَذَرٌ مستتبٌّ أخاله أنبل من هرائي. تَمَتْرَسْتَ فيَّ حتى تملَّكني اقتضابُكَ المرُّ في وجوههم. سأطردكَ حتمًا، وأجترُّ جنوني حتى الخواء.

أيُّ زرع أنتَ! كيفَ تجعلني أحسُّ أنني نَبْتٌ غريبٌ بأرض غريبةٍ حدَّ التقهقر؟! بل كيفَ تمسخني، أنا التي مازلتُ ألهجُ برضابكَ الحلو، طفلاً محملقًا يسأل: متى أميِّز ذاتي من العالم لأكبر عنكَ؟

تكريس:

أنا لكَ. خُذْني، افعلْ بي ما تشاء. اصلبْني على بوابة المدينة كأول همجيةٍ تقلق. ويومًا ما، عندما أجفُّ كمَلْبَن منشور في الشمس، عُدْ إليَّ، اسْقِني.

نُسَغي محمومٌ. فأنا لستُ بعدُ تلكَ الطفيليةَ التي لا تعطي وتكتفي بالأخذ. من يوم ما أحببتَني صارَ لي اسمٌ، وتمائمُ برتقاليةٌ صغيرةٌ ولاذعة.

لقد أصبحتُ شجرةً تُثمرُ – فلن يتجاهلني بعد اليوم العابرون.

وللكلام ختام:

وأستقيكَ من الجمود، كما الحراك، انتفاضةً، مترجِمةً نفسي إلى لغاتٍ غريبة. كأنه الواحدُ، الصمتُ، أزلهما، كلَّ لحظة يعرف أنْ لا حدود للزمن الذي ينضح من اكتراثكَ.

فأقول:

أعطِني للمحدود أفقًا، وخُذْ منِّي أن أسمِّي النسيانَ تذكارًا، وانتظاري هروبًا متقنًا، ثم ألِدَكَ من كلِّ اسم كالهوية.

وكَمَنْ تقرأ إشاراتِ الأرض، تعرف مواقيتها، أحتاط حينًا، أستثمر حينًا، وأستسلم أحيانًا كثيرة. فأعترف أن كلَّ ما بدأ ينتهي – وكيف ينتهي مَن يبدأ من ذاته مرارًا، منتهيًا أبدًا إلى غيرها، ويظل نفسه!

وبَعدَكَ
لا يعدو الأمر ما كان
ولا شيء يتغير
فتبقى سجادة البيت
التي ما كانت ولن تصبح
بساط الريح

وأمُّك العذراء التي حلمتْ بجسد
لعله آبَّ
مسلِّمًا كلَّ ذرائعه لجسد
كان قد تابَ
تعبتْ جدًّا وآن لها
أن تستريح


* شاعرة سورية.

الطبيعة، الأكثرية والأقلية، المسؤولية - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, كانون الثاني 27th, 2010

الطبيعة، الأكثرية والأقلية،

المسؤولية*

krishnaji_5

سؤال: لماذا اتفق في ميزان الطبيعة أن يكون هناك دومًا موت وشقاء؟

كريشنامورتي: لماذا اتفق للإنسان أن يقتل خمسين مليون حوت؟ خمسون مليونًا – أتفهم؟! ومع ذلك، لا نزال نُعمِلُ في الأنواع كلها قتلاً: النمور المخططة آيلة إلى الانقراض، وكذلك الفهود الصيادة والنمور والفيلة، من أجل جلودها، من أجل أنيابها – تعرفون ذلك كله. أليس الإنسان حيوانًا أخطر بكثير من سائر الحيوانات؟ وتراك تريد أن تعرف لماذا يوجد في الطبيعة موت وشقاء! ترى نمرًا يفترس بقرة، أو غزالة: ذلك هو أسلوبهم الطبيعي في الحياة؛ لكننا ما إنْ نتدخل فيه حتى يصير الأمر وحشية حقيقية. لقد رأيتم صغار الفقمة وهي تُضرَب على رؤوسها، وحين يتعالى الاحتجاج على ذلك، تقول النقابات: "نحن مضطرون إلى الارتزاق على ذاك النحو" – أنتم تعرفون هذا كله.

وإذن، فمن أين نبدأ في فهم العالم من حولنا والعالم داخلنا؟ العالم داخلنا من هول التعقيد بحيث إننا نريد أن نفهم عالم الطبيعة أولاً. … لعلنا لو استطعنا أن نبدأ بأنفسنا، فلا نؤذي، لا نكون عنيفين، لا نكون قوميين، بل نتعاطف مع الإنسانية ككل، لربما غدت علاقتنا عندئذ صحيحة فيما بيننا وبين الطبيعة. نحن الآن نمعن في تدمير الأرض، الهواء، البحر، كائنات البحر، لأننا نحن أعظم خطر يهدد العالم، بقنابلنا الذرية – جميع صنوف هذه الأمور، كما تعلمون.

سؤال: تقول إننا نحن العالم، لكن أكثرية العالم، على ما يبدو، متجهة رأسًا نحو الدمار الشامل. فهل يمكن لأقلية من الناس الأسوياء أن ترجَح كفتُها على الأكثرية؟

كريشنامورتي: هل أنتم "الأقلية"؟ لا، أنا لا أمزح! إنه ليس سؤالاً قاسيًا. هل نحن الأقلية؟ أم هل بيننا واحد خال كليًّا من هذا كله؟ أم ترانا نساهم جزئيًّا في كراهية بعضنا بعضًا؟ – نفسانيًّا. قد لا نكون قادرين على منع روسيا أو أميركا، إنكلترا أو اليابان، من مهاجمة بلد آخر ما، لكنْ هل نحن – نفسانيًّا – متحررون من إرثنا المشترك، وهو قوميتنا القَبَلية الممجَّدة؟ هل نحن خالون من العنف؟ يوجد العنف حيثما نطوِّق أنفسنا بجدار. رجاءً، افهموا هذا كله. فنحن قد بنينا لأنفسنا جدرانًا، تبلغ عشر أقدام ارتفاعًا أو خمس عشرة قدمًا سماكة! نحن جميعًا مطوقون بجدران. ومن ذلك ينشأ العنف، هذا الإحساس الهائل بالوحشة. ومنه، فإن الأقلية والأكثرية هي أنت. إذا استطاعت ثلة منا أن تتحول نفسانيًّا من الأساس، فإنك لن تطرح هذا السؤال أبدًا، لأننا نكون عند ذاك شيئًا مختلفًا كل الاختلاف.

سؤال: إذا كانت هناك حقيقة أسمى ونظام، لماذا تسمح للبشرية أن تتصرف في الأرض بهذه الطريقة الفظيعة؟

كريشنامورتي: لو وُجد مثلُ هذا الكيان الأسمى، فلا بدَّ أنه غريب الأطوار للغاية، لأنه لو كان هو الذي خلقنا فنحن إذن جزء منه – صحيح؟ ولو كان منظمًا، عاقلاً، عقلانيًّا، رحيمًا، لما كنا على هذه الشاكلة! بوسعك أن تقبل سيرورة تطور الإنسان، أو تؤمن بأن الإنسان ظهر إلى الوجود فجأة من خلق إله؛ والإله – ذلك الكيان الأسمى – هو النظام، الطيبة، الرحمة، إلى آخر ما هنالك من صفات نخلعها عليه. وإذن، فلديك هذان الخياران: إما أن هناك كيانًا أسمى جعل الإنسان على صورته، وإما أن هناك سيرورة تطور الإنسان الذي جاءت به الحياة منذ البدء من جزيئات ضئيلة وهكذا، إلى أن صار إلى ما هو عليه الآن.

إذا قبلتَ فكرة الإله، الشخص الأسمى الذي يوجد فيه نظام كلي، وكنتَ جزءًا من ذلك الكيان، إذ ذاك لا بدَّ أن ذلك الشخص خارق القسوة – صحيح؟ – خارق التعصُّب، حتى يجعلنا نتصرف كما نفعل، مدمِّرين بعضنا بعضًا.

أو… هناك الاحتمال الآخر، وهو أن الإنسان هو الذي جعل العالم على ما هو عليه: البشر هم الذين صنعوا هذا العالم، – العالم الاجتماعي، عالم العلاقة، العالم التكنولوجي، عالم المجتمع، – علاقة بعضنا ببعض. نحن الذين صنعناه، وليس إله أو كيان أسمى ما. وحدنا مسئولون عن هذه الفظاعة التي مافتئنا نديمها. والاتكال على قوة خارجية ما لتحويل هذا كله، تلك اللعبة لُعبت طوال ألوف السنين ولا تزالون على حالكم! لعلكم تغيرتم تغيرًا طفيفًا، أصبحتم ألطف قليلاً، أكثر تسامحًا بقليل – لكن التسامح شيء بشع.

بروكوود پارك، 4 أيلول 1980


* From the transcript of the tape recording of the second public question & answer meeting at Brockwood Park, 4 September 1980, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd, pp. 66-68.

تأثير الحضارة الإسلامية في الغرب - رونيه گينون

الأثنين, كانون الثاني 25th, 2010

تأثير الحضارة الإسلامية

في الغرب*

رونيه گينون**

أكثر الأوروبيين لم يقدِّروا المدد الذي تلقُّوه من الحضارة الإسلامية حق قدره، ولا هم فهموا طبيعة اقتباساتهم عن هذه الحضارة في الماضي، حتى إن بعضهم بلغ به الأمر حدَّ تجاهُل كل ما يتعلق بها تجاهلاً تامًّا. وهذا متأتٍّ من أن التاريخ، كما يتعلمونه، يشوِّه الوقائع ويبدو كما لو أنه قد حُرِّف عن سابق إصرار حول كثير من النقاط. فهذا التعليم يغالي في إظهار قلة مبالاته حيال الحضارة الإسلامية، ومن عادته أن ينتقص من جدارتها كلما تسنت له الفرصة لذلك.

ومنه أهمية لفت النظر إلى أن تعليم التاريخ في جامعات أوروبا لا يُبرز التأثير المذكور[1]؛ فالحقائق التي يجب أن تقال بهذا الصدد، على العكس، سواء تعلق الأمر بالتدريس أو بالكتابة، تُستبعَد استبعادًا مقصودًا، ولاسيما فيما يخص أهم الأحداث. فعلى سبيل المثال، إذا كان معلومًا عمومًا أن الأندلس ظلت تحت الحكم الإسلامي طوال عدة قرون، لا يقال أبدًا إن هذا ينسحب على بلاد أخرى، مثل صقلية والجزء الجنوبي من فرنسا الحالية. ويميل بعضهم إلى عزو سكوت المؤرخين هذا عن تلك الحقائق إلى أحكام مسبقة دينية بعينها – فليكن؛ ولكنْ ما القول يا ترى في المؤرخين الحاليين (الذين أغلبهم لا دين له، هذا إنْ لم يكن يعادي الأديان كلها) حين يثنُّون قول أسلافهم ما يناقض الحقيقة؟ ومنه يجب أن تُرى في ذلك تبعة من تبعات غرور أهل الغرب واعتدادهم بأنفسهم، وهما عيبان يحولان بينهم وبين الاعتراف بحقيقة ديونهم للشرق وبأهمية هذه الديون.

أغرب ما في الأمر بهذا الصدد هو رؤية الأوروبيين يزعمون أنهم الورثة المباشرون للحضارة الإغريقية، في حين أن حقيقة الوقائع تدحض هذا الزعم. فالواقع المستخلَص من التاريخ نفسه يثبت جزمًا أن علوم الإغريق وفلسفتهم انتقلت إلى الأوروبيين عبر وسطاء مسلمين. بعبارة أخرى، فإن التراث العقلي للإغريق لم يبلغ الغرب إلا بعد أن أشبعه الشرق الأدنى درسًا وتمحيصًا، ولولا العلماء والفلاسفة المسلمون لبقي الأوروبيون على جهل مطبق بهذه المعارف مدة طويلة للغاية، هذا لو توصلوا إلى الاطلاع عليها أصلاً.

يجدر بنا لفت النظر إلى أننا نتكلم هنا على تأثير الحضارة الإسلامية، لا العربية خاصة، كما يقال في بعض الأحيان عن خطأ؛ إذ إن أغلب الذين مارسوا هذا التأثير في الغرب لم يكونوا عربًا أقحاحًا، وإذا اتفق للسانهم أن يكون اللسان العربي، فتلك فقط نتيجة من نتائج اعتناقهم الإسلام دينًا.

وبما أن السياق ساقنا إلى الكلام على اللسان العربي، ترى بوسعنا أن نسوق برهانًا أكيدًا على امتداد هذا التأثير عينه في الغرب في وجود عدد من المصطلحات ذات الأصل والجذر العربيين أكبر بكثير مما يُظن عمومًا، وقد اندمجت في اللغات الأوروبية كلها تقريبًا واستمر استعمالها حتى أيامنا هذه، مع أن أوروبيين كثيرين ممن يستخدمونها يجهلون أصلها الحقيقي جهلاً تامًّا. وبما أن الكلمات ليست غير ناقل للأفكار ووسيلة لتخريج الفكر، فمن السهولة بمكان أن يُستنتَج من هذه الوقائع منطقيًّا انتقالُ الأفكار والتصورات الإسلامية نفسها.

فالواقع أن تأثير الحضارة الإسلامية طال، إلى حدٍّ كبير للغاية وعلى نحو محسوس، جميع المجالات، من علوم وفنون وفلسفة إلخ. ولقد كانت الأندلس آنذاك وسطًا هامًّا جدًّا بهذا الخصوص والمركز الرئيس لإشعاع هذه الحضارة. بيد أنه ليس في نيتنا أن نتناول كل واحد من هذه المجالات بالتفصيل، ولا أن نعيِّن نطاق امتداد تأثير الحضارة الإسلامية، بل أن نشير فقط إلى وقائع بعينها نعدُّها هامة بصفة خاصة، مع أن الاعتراف بهذه الأهمية يقتصر على قلة قليلة من الناس في عصرنا.

فيما يتعلق بالعلوم، بوسعنا أن نميز بين العلوم الطبيعية والعلوم الرياضية. فبخصوص الأولى، نعلم يقينًا أن بعضها نقلته الحضارة الإسلامية إلى أوروبا التي اقتبسته عنها اقتباسًا تامًّا. فالكيمياء، مثلاً، احتفظت دومًا باسمها العربي، وهو اسم يعود بأصله في الواقع إلى مصر القديمة، وذلك على الرغم من أن المعنى الأول والعميق لهذا العلم بات يجهله العصريون جهلاً تامًّا، وكأنما ضاع عليهم[2].

أما الأسطرونوميا astronomie [= علم الأفلاك][3]، على سبيل مثال آخر، فإن المصطلحات الفنية المستعمَلة فيه في الألسنة الأوروبية كافة لا تزال، في معظمها، عربية الأصل، كما أن أسماء العديد من الأجرام السماوية مافتئت هي أسماءها العربية، يستعملها علماء الفلك على حالها في البلدان كافة. وهذا عائد إلى أن اطلاع الغرب على مؤلفات علماء الفلك الإغريق القدماء، مثل بطليموس الإسكندري، تم عبر ترجمات عربية، وذلك بالتوازي مع اطلاعه على مؤلفات أخلافهم المسلمين. كما أن من السهل عمومًا تبيان أن معظم المعارف الجغرافية المتعلقة بأبعد أمصار آسية أو إفريقية اكتسبها طوال زمن مديد مستكشفون عرب ساحوا في العديد جدًّا من هذه الأقاليم. وبوسعنا أن نورد العديد من الوقائع الأخرى من هذا النوع.

وفيما يتصل بالمخترعات، التي ليست غير تطبيقات للعلوم الطبيعية، فقد اتبعت هي الأخرى طريق الانتقال نفسه، أي الوساطة الإسلامية؛ وقصة "الساعة المائية" التي أهداها الخليفة هارون الرشيد للإمبراطور شارلمان لا تزال قيد الذاكرة إلى الآن.

فيما يخص العلوم الرياضية، يجدر بنا أن نوليها انتباهًا خاصًّا من هذه الناحية. ففي هذا المجال الواسع، لم ينتقل العلم الإغريقي فحسب إلى الغرب بواسطة الحضارة الإسلامية، بل والعلم الهندي أيضًا. فلقد اختص الإغريق بتطوير الجومطريا géométrie [= الهندسة] بالذات، وحتى الأرثماطيقي arithmétique [= علم العدد] كانت، بنظرهم، مرتبطة بالنظر في الأشكال الهندسية الموافقة. وهذه المنزلة التي أنزلوا الهندسة تظهر عندهم بوضوح، كما في كتب أفلاطون مثلاً. غير أن ثمة فرعًا آخر من الرياضيات، تابعًا لعلم العدد، غير معروف في الألسنة الأوروبية باسم يوناني، شأن العلوم الأخرى[4]، وذلك لأن قدماء الإغريق كانوا يجهلونه. هذا العلم هو الجبر algèbre، الذي كانت الهند منبعه الأول والذي تبيِّن تسميتُه العربية تبيانًا كافيًا كيفية انتقاله إلى الغرب.

هناك واقع آخر تحسُن الإشارة إليه هنا، على كونه أقل أهمية، من حيث إنه يؤيد ما ذهبنا إليه، ألا وهو أن الأرقام التي يستعملها الأوروبيون معروفة في كل مكان على أنها أرقام "عربية"، وإنْ يكن أصلها الأول هنديًّا في الواقع؛ إذ إن علامات الترقيم التي استعملها العرب أصلاً لم تكن غير حروف الأبجدية نفسها.

فإذا تركنا الآن الفحص عن العلوم لنفحص عن الفنون، للحظنا، فيما يخص الأدب والشعر، أن الكثير من الأفكار المقتبَسة عن الكتاب والشعراء المسلمين استُعمِلت في الآداب الأوروبية، حتى إن بعض الكتاب الغربيين ذهب حتى تقليد أعمالهم تقليدًا بحتًا. بالمثل، بوسعنا أن نقتفي بعض آثار التأثير الإسلامي في صنعة المعمار، وذلك بصفة أخص في العصر الوسيط: بذا فإن تصالُب القوسين [القوطي]، الذي ثبُتت خصوصيتُه إلى حدِّ أن أسلوبًا معماريًّا برمته قد تسمى باسمه، يعود بأصله، بلا مِراء، إلى المعمار الإسلامي، وذلك على الرغم من اختلاق العديد من النظريات الطريفة لستر هذه الحقيقة. فهذه النظريات يدحضها وجود تواتُر عند البنائين أنفسهم يصر دومًا على انتقال معارفهم اعتبارًا من الشرق الأدنى. ولقد كانت هذه المعارف تتصف بخاصية سرية تضفي على فنِّهم معنى رمزيًّا، كما كانت وثيقة الصلات للغاية بعلم العدد، وقد أسنِدَ مصدرُها الأول دومًا إلى بناة هيكل سليمان.

sixpartite_rib_vault-scheme

مهما يكن من أمر الأصل البعيد لهذا العلم، لا يصح أن يكون قد انتقل إلى أوروبا العصر الوسيط بواسطة غير واسطة العالم الإسلامي [إبان حروب الفرنجة]. ويجدر بنا أن نقول بهذا الخصوص إن هؤلاء البنائين، المؤتلفين في سلك الصنعة الذي كان يختص بشعائر خاصة، كانوا يعدُّون أنفسهم "غرباء" في الغرب ويتسمُّون بهذه التسمية، حتى في مسقط رأسهم؛ وقد بقي هذا اللقب حتى يوم الناس هذا، مع أن هذه الأمور أمست غامضة ولم يعد مطلعًا عليها من الناس سوى عدد ضئيل.

في هذا العرض السريع، لا مناص من أن نخص بالذكر مجالاً آخر هو مجال الفلسفة، حيث بلغ التأثير الإسلامي في العصر الوسيط من الخطورة قدرًا لم يعد معه بمستطاع أي من خصوم الشرق الأكثر ضراوة أن يتجاهل قوته. وبوسعنا القول محقين بأن أوروبا في ذلك الوقت لم يكن عندها أي سبيل آخر لتحصيل معرفة الفلسفة الإغريقية؛ فالترجمات اللاتينية لكتب أفلاطون وأرسطو التي كانت مستعمَلة آنذاك لم تتم عن الأصول الإغريقية مباشرة، إنما تمت فعلاً عن ترجمات عربية سابقة، مذيلةً بشروح الفلاسفة المسلمين من ذلك العصر، مثل ابن رشد وابن سينا إلخ.

إن فلسفة ذلك العصر، المعروفة باسم الفلسفة "المدرسية" scolastique، تصنَّف عمومًا إلى إسلامية ويهودية ومسيحية. بيد أن الفلسفة الإسلامية هي المنبع الذي استقت منه الفلسفتان الأخريان، وبالأخص الفلسفة اليهودية التي ازدهرت في الأندلس والتي كانت عربية اللسان، كما يمكن لنا أن نتبينه من مصنفات في أهمية مصنفات موسى بن ميمون[5] الذي ألهم الفلسفة اليهودية اللاحقة على مدى قرون عدة حتى اسپينوزا، حيث لا يزال بالإمكان الوقوع عنده على بعض أفكار الفيلسوف القرطبي.

ولكن لا ضرورة للاستمرار في تعداد وقائع يعرفها جميع مَن عندهم بعض إلمام بتاريخ الفكر. إذ من المستحسن، ختامًا، دراسة وقائع أخرى، من رتبة مختلفة تمامًا، يجهلها أغلب العصريين كل الجهل وليس لديهم، في أوروبا بالأخص، أدنى فكرة عنها، في حين أن هذه الأمور، من وجهة نظرنا، ذات فائدة أهم بكثير من جميع المعارف الظاهرة للعلم وللفلسفة. ونقصد بذلك التصوف، بكل ما يلتحق به ويتفرع منه من معارف مشتقة، هي عبارة عن علوم مختلفة كل الاختلاف عن العلوم التي يعرفها العصريون.

ففي الواقع، ليس عند الأوروبيين، في أيامنا هذه، ما من شأنه أن يذكِّر بهذه العلوم؛ لا بل إن الغرب، أكثر من ذلك، يجهل كل شيء عن المعارف الحقيقية، من نحو التصوف ونظائره، في حين كان الأمر على غير ذلك تمامًا في العصر الوسيط؛ وفي هذا المجال أيضًا، يبدو التأثير الإسلامي آنذاك على أنصع ما يكون وأوضحه. فمن السهل جدًّا، في واقع الأمر، اقتفاء آثار هذا التأثير في أعمال ذات معان متعددة كانت الغاية الفعلية منها شيئًا آخر تمامًا غير مجرد صنعة الأدب.

لقد بدأ بعض الأوروبيين أنفسهم يكتشفون شيئًا من هذا القبيل، بالأخص لدى توفرهم على درس قصائد دانتي، لكنْ من غير أن يتوصلوا إلى فهم طبيعتها الحقيقية فهمًا كاملاً. فمنذ بضعة أعوام، قام المستشرق الإسباني دون ميگيل أسين پلاثيوس بوضع مؤلف عن التأثيرات الإسلامية في أعمال دانتي[6]، أثبت فيه أن العديد من الرموز والعبارات التي استعملها الشاعر الفلورنسي قد سبقه إلى استعمالها بعض الصوفية المسلمين، ولاسيما سيدي محيي الدين بن عربي. لكن ملحوظات هذا العلامة، بكل أسف، لم تبيِّن أهمية الرموز المعمول بها.

وهناك أيضًا كاتب إيطالي، توفي مؤخرًا، هو لويجي ڤالِّي، درس أعمال دانتي دراسة أعمق قليلاً، فخلص إلى أن مؤلف الكوميديا الإلهية لم يكن وحده مَن استعمل الطرائق الرمزية المستعمَلة في الشعر الصوفي الفارسي والعربي؛ ففي بلد دانتي وبين معاصريه، كان جميع هؤلاء الشعراء أعضاء في تنظيم سري يدعى "أوفياء المحبة" Fedeli d’amore، كان دانتي نفسه أحد رؤسائه. ولكن حين حاول لويجي ڤالِّي أن ينفذ إلى معاني "لغتهم السرية" الاصطلاحية، تعذر عليه هو الآخر أن يتميز الخاصية الحقيقية لذاك التنظيم أو للتنظيمات الأخرى ذات الطابع نفسه التي تألفت في أوروبا في العصر الوسيط[7]. أما الحقيقة فهي أن شخصيات مجهولة بعينها كانت تقف من وراء هذه الجمعيات وتلهمها، وكانت معروفة بأسماء مختلفة، أهمها اسم "إخوان وردة الصليب". إلى ذلك، لم تكن لدى هؤلاء الأفراد قواعد مكتوبة بتاتًا ولم يؤلفوا جمعية قط، كما لم تكن تجمعهم بتاتًا لقاءات محددة، وكل ما يمكن لنا أن نقول فيهم هو إنهم بلغوا مقامًا روحيًّا يجيز لنا أن نسميهم "صوفية" أوروبيين، أو على أقل تقدير متصوفة حصَّلوا مرتبة عالية من مراتب التصوف. ويقال أيضًا إن "إخوان وردة الصليب" هؤلاء، الذين كانوا "يتسترون" بسلك صنعة البنائين الذين تكلمنا عليهم، علَّموا الكيمياء وغيرها من العلوم المماثلة للعلوم التي كان ازدهارها في العالم الإسلامي آنذاك على أشده. والحق إنهم كانوا يشكلون حلقة من حلقات السلسلة الواصلة بين الشرق والغرب، عاقدين صلة دائمة مع الصوفية المسلمين، وهي صلة ترمز إليها الأسفار المنسوبة إلى مؤسِّسهم الأسطوري[8].

بيد أن هذه الوقائع كلها لم يطلع عليها التاريخ العادي الذي لا تطال استقصاءاته ما هو أبعد من ظاهر الوقائع، في حين أن هاهنا مخبأ المفتاح الحقيقي، إذا جاز التعبير، الذي يتيح حل كثير من الألغاز التي تظل بغيره دائمة الغموض وتبقى رموزها عصية على الفك.


* Études traditionnelles, XII-1950, pp. 337-344 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 76-87. نُشر هذا المقال المكتوب بالعربية رأسًا في مجلة المعرفة.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المنقولات الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أن موقف الاستشراق إجمالاً من الحضارات الشرقية، عمومًا، ومن الحضارة الإسلامية، خصوصًا، قد تطور كثيرًا منذ الوقت الذي كُتِبَ فيه هذا المقال (ثلاثينيات القرن العشرين)، فأصبح أكثر موضوعية وتواضعًا. (المحرِّر)

[2] أغلب الظن أن اسم "الكيمياء" alchimie مشتق من اسم كِمي Kémi (= "أرض السواد") الذي كان يُطلَق على مصر القديمة. والواقع أن تسمية الغرب لهذا العلم بالـ"هرمسية" hermétisme يشير إلى أنه علم مصري الأصل (حيث إن هرمس المثلث بالحِكَم Hermès Trismégistos هو المقابل الإغريقي للإله المصري تحوت Thoth)، ما لبث أن اتخذ، في فترة ازدهار حضارة الإسكندرية على الأغلب، شكلاً إغريقيًّا، وانتقل من بعدُ على هذا الشكل، في العصر الوسيط، إلى كلٍّ من العالمين الإسلامي والمسيحي، وإلى الثاني عن طريق الأول تحديدًا، كما يبرهن عليه العديد من المصطلحات العربية والمعربة التي اعتمدها الهرمسيون الأوروبيون، وذلك على غرار جابر بن حيان الذي يقال إنه درسه على الإمام محمد الباقر الذي أخذه عن النبي إدريس (= هرمس = أخنوخ) عبر سلسلة غير منقطعة من العارفين. (المحرِّر)

[3] ما بين معقوفتين [...] من إضافة المترجم توضيحًا للمقصود. (المحرِّر)

[4] الواقع أن اعتماد إخوان الصفاء، مثلاً لا حصرًا، المصطلحات اليونانية معربةً لتسمية أنواع العلوم الرياضية الأربعة (العدد والهندسة والفلك والموسيقى)، بالإضافة إلى الجغرافيا، يؤكد جزمًا أخذ الحضارة الإسلامية إياها عن الإغريق (راجع: رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء، الرسائل 1-5 من القسم الرياضي، مج 1، دار صادر، بلا تاريخ). (المحرِّر)

[5] راجع: إسرائيل ولفنسون، موسى بن ميمون: حياته ومصنفاته، لجنة التأليف والترجمة والنشر (نسخة بالأوفست عن طبعة القاهرة، 1935)، ص 57 وما يليها. (المحرِّر)

[6] Cf. Miguel Asín Palacios, La escatología musulmana en la Divina Comedia, seguida de la Historia y crítica de una polémica, Tercera edición, Instituto Hispano Árabe de Cultura, Madrid, 1961.

[7] Cf. René Guénon, L’ésotérisme de Dante, Paris, Gallimard, 1957.

[8] راجع: أكرم أنطاكي وديمتري أڤييرينوس، "قصة أسطورة: الوردة+ الصليب"، سماوات: http://samawat.org/essays/rosa_crucis_aaantaki_dna. (المحرِّر)

السعادة والفضيلة - ألان

الخميس, كانون الثاني 21st, 2010

السعادة والفضيلة*

alain_1

ألان**

هناك نوع من السعادة لا يتشبث بنا بأكثر مما يتشبث المعطف. كذا هي سعادة الورث أو الربح في اليانصيب؛ وكذلك سعادة المجد، لأنها منوطة بلقاءات. أما السعادة المنوطة بمقدراتنا الخاصة فهي، على العكس، مدمجة فينا، ونحن نصطبغ بها بأحسن مما يصطبغ بالقرمز الصوفُ. حكيم الأزمنة القديمة، إذ نجا من الغرق ووطئ البر عاريًا كما ولدته أمُّه، قال: "أحمل ثروتي كلها معي." كذا كان ڤاگنر يحمل موسيقاه، وكان ميكلانجلو يحمل جميع الصور السامية التي كان بوسعه رسمها. والملاكم لديه، هو الآخر، قبضتاه وساقاه وثمرة أعماله كلها، خلافًا للفائز بإكليل أو بمال. غير أن ثمة وسائل عدة لكسب المال، ومَن يجيد "جني المال"، كما يقال، لا يزال غنيًّا بذاته في اللحظة التي يخسر فيها كل شيء.

كان حكماء الماضي يجدُّون في طلب السعادة؛ لا سعادة الجار، بل سعادتهم الخاصة. أما "حكماء" اليوم فيصطلحون على تعليم أن السعادة الخاصة ليست مغنمًا نبيلاً يُطلَب، حيث ديدن بعضهم أن يقولوا بأن الفضيلة لا تأبه للسعادة، وهذا شيء لا يصعب قوله؛ بينما يعلِّم بعضهم الآخر أن السعادة العامة هي المنبع الحقيقي للسعادة الخاصة، وهذا الرأي، أغلب الظن، هو أكثر الآراء خواءً، إذ ما من انشغال البتة أشد عبثية من سكب السعادة في الناس من حولنا سكبَها في زقاق مثقوبة. فلقد لحظت أن البَرمين بأنفسهم ليس بالمستطاع تسليتهم بتاتًا؛ وبالعكس، فإن الذين لا يستعطون البتة، هؤلاء يمكن إعطاؤهم شيء، كأنْ تُعطى الموسيقى لمن اتخذها صنعة. زبدة القول إنه لا جدوى البتة من الزرع في الرمل؛ وأظنني فهمت، بعد أن تفكرت فيه مليًّا، مَثَل الزارع[1] الشهير الذي يحكم على أولئك الذين يعوزهم كل شيء بأنهم غير قادرين على الأخذ. فالمقتدر والسعيد بذاته يصير إذن بالآخرين أسعد وأقدر أيضًا. أجل، إن من شأن السعداء أن يعقدوا صفقة طيبة ومقايضة أطيب – لكنْ شريطة أن تكون لديهم سعادة فيهم، فيعطوها. وعلى صاحب العزم أن ينعم النظر جزمًا من هذه الناحية فيما يصرفه عن طريقة بعينها في الحب لا تجدي نفعًا البتة.

ففي رأيي، إذن، أن السعادة الصميمة والخاصة لا تُناقض الفضيلة البتة، بل إنها بالحري فضيلة بحدِّ ذاتها، كما تنبِّهنا إلى ذلك كلمة "فضيلة" الجميلة هذه التي مؤداها الإحسان[2]. إذ إن الأسعد بالمعنى التام هو، بكل وضوح، مَن يُحسِن طرح السعادة الأخرى في البحر كما يُطرح الثوبُ المبتذل. أما غناه الحق فلا يطرحه البتة، إذ لا يستطيع إلى هذا سبيلاً؛ ولا حتى الجندي الراجل مهاجمًا أو الطيار ساقطًا: إذ إن سعادتهما الصميمة مُحكمة الارتباط بهما ارتباط حياتهما؛ إنهما يقاتلان بسعادتهما كأنما يقاتلان بسلاح؛ ما دفع إلى القول بأن ثمة سعادة في البطل الساقط. لكنما يجدر بنا هنا أن نستعمل هذه العبارة المصحِّحة التي تخص اسپينوزا بالذات، فنقول: ليس بتاتًا لأنهما ماتا في سبيل الوطن كانا سعيدين، بل بالعكس، لأنهما كانا سعيدين قويا على الموت. هكذا فلتُضفَر أكاليلُ تشرين[3].

5 تشرين الثاني 1922

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Bonheur et vertu », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 223-225.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] مثل الزارع كما ورد في إنجيل متى 13: 4-9: "هو ذا الزارع قد خرج ليزرع. وبينما هو يزرع، وقع بعض الحَبِّ على جانب الطريق، فجاءت الطيور فأكلته. ومنه ما وقع على أرض حَجِرة لم يكن له فيها تراب كثير، فنبت من وقته لأن ترابه لم يكن عميقًا؛ فلما أشرقت الشمس احترق، ولم يكن له أصل فيبس. ومنه ما وقع على الشوك، فارتفع الشوك فخنقه. ومنه ما وقع على الأرض الطيبة فأثمر، بعضه مئة، وبعضه ستين، وبعضه ثلاثين. فمن كان له أذنان فليسمع!" (المحرِّر)

[2] كلمة "فضيلة" vertu بالفرنسية تعني "القدرة" puissance. أما بالعربية فيقال: الفضْل، أي البقية، والفُضُل: الثوب الذي يُبتذَل في الشغل؛ ويقال أيضًا: فَضَلَ، أي زاد وأكثر، والفضْل: ضد النقص، أي الزيادة، وكذلك الإحسان أو الابتداء به بلا علة له؛ ومنه، الفاضل: ذو الزيادة، والفاضلة: الهبة والنعمة، والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الإحسان والمعروف، خلاف النقيصة والرذيلة. يتبين مما سبق أن الفاضل الحق هو السعيد الحق، وهو الغني المقتدر أيضًا، لأنه يُحسِنُ مما عنده أصلاً ويطرح واهبًا ما يفضل عن قدرته. (المترجم)

[3] يحتفي الفرنسيون في الأول من تشرين الثاني لـ"عيد جميع القديسين" Toussaint (ويليه عيد الموتى في الثاني منه)، وفيه تُضفَر أكاليلُ الزهر وتوضع على شواهد القبور؛ كما يحتفلون في الحادي عشر منه بتوقيع "هدنة" 1918 مع ألمانيا التي أنهت الحرب العالمية الأولى، فيكرِّمون ذكرى الأبطال الذين قضوا في سبيل الوطن. (المحرِّر)

من أنا؟ - نبيل سلامة

الثلاثاء, كانون الثاني 19th, 2010

مَـن أنــا؟

نبيل سلامة*

حين كنا بعدُ أطفالاً، كان أكثرنا يستفسر عن جواب هذا السؤال: كيف وُجدت؟ أو بعبارة أخرى: مَن أنا؟ هذا السؤال الأولي هو الذي كوَّن دافعنا العفوي إلى معرفة أنفسنا. إنه أول أسئلة طفولتنا التي تنبثق من وجودنا الأصلي.

مَن أنا؟ يعلِّمنا رامنا مهارشي، أحد كبار حكماء الهند، أن نطرح هذا السؤال كل يوم، بل كل لحظة، بكل ما فينا من قوة إرادة، فنستغرق في وجودنا الأصلي، طارحين من غير توقف هذا السؤال الأوحد، مستبعدين من ذهننا الأسئلة الأخرى كافة، غير مستبقين فيه غير هذا السؤال، لا بالإدراك العقلي وحده، بل وبالإدراك الشعوري أيضًا: مَن أنا؟ فعلى إيقاع هذا السؤال الاستبطاني، الذي يندمج أحيانًا مع إيقاع التنفس، يصير بوسعنا أن نتوغل عميقًا في وجودنا الأصلي.

مَن أنا؟ سؤال من الأهمية بحيث إننا لن نضيِّع حياتنا سدى إذا استفدنا من فرصة هذه الحياة للسفر في صحبة سؤال طفولتنا هذا: مَن أنا؟ فهذا الدافع الأصلي يحضنا على اكتشاف وجودنا، شخصنا، كوننا، وعينا، حياتنا برمتها.

لكنْ حين يكتفي أحدهم بأن يجيب عنه بقوله إنه سوري أو أميركي إلخ، فهو إنما يتكلم عن جنسيته، لا عن وجوده؛ وحين يجيب عنه بقوله إنه عالم أو طبيب أو محام إلخ، فهو إنما يذكر مهنته، لا وجوده؛ وحين يجيب عنه بقوله إنه رجل أو امرأة، أسود أو أبيض، إلخ، فهو يقرر جنسه أو عرقه، لا وجوده.

كذلك، لست هذا الجسم. فحين أقول إنني لست جسمي، إنما أعني بذلك أنني "ذات" أسمى من جسمي، لأن الجسم فان وزائل. فالأصح قولنا إن الجسم تجلٍّ عابر للوجود الأصلي.

على النحو نفسه، لست هذا الذهن المفكر. فلأن هذا الأخير هو قوة التفكير في، أنا لست أفكاري، لست مجرد فكرة!

بالمثل، لست انفعالاتي الجسمية، ولا رغباتي، ولا أهوائي، التي تجعلني أحيد عن الصراط المستقيم لأنها تحول بيني وبين معرفة مَن أنا.

أخيرًا، فإن الحكماء والراسخون في العلم يقولون لنا بأن هذا الوجود وجود مهول، تعبِّر رقصة طاقته الكونية عن الفرح بالخلق. إنه وجود شاسع، بديع، مذهل؛ وجود ينعكس في صورة القوة الخالقة؛ وجود يصفه العارفون بأنه قدسي، بريء، يجلُّ كمالُه عن الوصف.

ذاك الوجود ذات تشهد إخصاب أولى خلايا جسمنا ونحن بعدُ في أرحام أمهاتنا. هو ذات تشهد كل شيء؛ وعي محض ولد في سر الأزلية.


* كاتب ومترجم سوري.

التربية والطبيعة - ج. كريشنامورتي

الأثنين, كانون الثاني 18th, 2010

التربية والطبيعة

من رسائل إلى المدارس*

krishnaji_4

ج. كريشنامورتي

1 تشرين الثاني 1983

من المؤكد تمامًا أن المربين واعون لما يحدث فعليًّا في العالم. الناس منقسمون عرقيًّا، دينيًّا، سياسيًّا، اقتصاديًّا، وفي هذا الانقسام تفتيت؛ إنه يسبِّب فوضى هائلة في العالم: الحروب، وشتى أنواع التضليل السياسي، إلى آخر ما هنالك. هناك تفشٍّ للعنف، الإنسان ضد الإنسان – هذه هي الحال الفعلية للبلبلة في العالم، في المجتمع الذي نعيش فيه. هذا المجتمع يخلقه البشر أجمعون بثقافاتهم، بانقساماتهم اللغوية، بانفصالهم الإقليمي. وهذا كله لا يولِّد البلبلة وحسب، بل الكراهية، كمٌّ هائل من العداء، والمزيد من التباينات اللغوية. هذا ما يحدث، ومسؤولية المربي عظيمة للغاية حقًّا.

*

ماذا تفعل هذه التربية فعليًّا؟ أتراها حقًّا تساعد الإنسان أو أبناءه أن يصبحوا أكثر مبالاة، ألطف أو أكرم؟ أتراها تساعده أن لا يرتد إلى النموذج القديم، إلى بشاعة هذا العالم وخُبثه الماضيين؟ إذا كان [المربي] مباليًا حقًّا، كما يجب أن يكون، عليه عندئذ أن يساعد الطالب على اكتشاف علاقته بالعالم، لا بعالم الخيال أو العاطفة الرومانسية، بل بالعالم الواقعي الذي تجري فيه الأشياء كلها؛ وكذلك بعالم الطبيعة، بالصحراء، بالغاب، أو بالأشجار القليلة التي تحيط به، وبحيوانات العالم. الحيوانات – لحسن الحظ – ليست قومية: إنها لا تصطاد إلا للبقاء حية. فإذا فقد المربي والطالب علاقتهما بالطبيعة، بالأشجار، بالبحر المائج، فإن كلاً منهما سيفقد قطعًا علاقته مع الإنسان.

ما هي الطبيعة؟ هناك كمٌّ كبير من الكلام على الطبيعة والسعي في حمايتها، الحيوانات، الطيور، الحيتان والدلافين، في تنظيف الأنهار الملوثة، البحيرات، الحقول الخضراء، إلى ما هنالك. الطبيعة ليست من تجميع الفكر، كما هو شأن الدين، كما هو شأن المعتقَد. الطبيعة هي النمر، ذلك الحيوان الخارق بطاقته، بحسِّه العظيم بالقوة. الطبيعة هي الشجرة المتوحدة في الحقل، هي المروج والبساتين؛ إنها ذلك السنجاب المختبئ على خَفَر وراء غصن. الطبيعة هي النملة والنحلة وسائر أشياء الأرض الحية. الطبيعة هي النهر، لا نهر بعينه، سواء كان الغانج أو التامس أو الميسيسيپي. الطبيعة هي تلك الجبال كلها، المكللة بالثلج، مع الوديان الداكنة الزرقة وسلسلة التلال التي تُلاقي البحر. … على المرء أن يعطف على هذا كله، فلا يدمِّره، ولا يقتل من أجل لذته.

*

الطبيعة جزء من حياتنا. لقد نشأنا من البذرة، من الأرض، ونحن جزء من ذلك كله؛ لكننا مابرحنا نفقد الإحساس بأننا حيوانات كسائر الحيوانات الأخرى. هل بوسعك أن تعطف على تلك الشجرة؟ انظرْ إليها، عاينْ جمالها، أصغ إلى الصوت الصادر منها؛ كن حساسًا بالنبتة الصغيرة، بالعشبة البرية الضئيلة، بتلك الدويبة التي تتسلق الجدار، بالضوء على أوراق الشجر وبالظلال الكثيفة. عليك أن تعي هذا كله وتتصف بذلك الإحساس بالوصال مع الطبيعة من حولك. قد تعيش في بلدة، لكن عندك أشجار متناثرة هنا وهناك. قد تعاني زهرة في الحديقة المجاورة سوء العناية، فتختنق وسط الأعشاب البرية، لكنْ انظرْ إليها، اشعرْ بأنك جزء من ذاك كله، جزء من الأشياء الحية كلها. إذا آذيت الطبيعة فأنت تؤذي نفسك.

هذا كله، كما تعلمون، قيل من قبلُ بأساليب مختلفة، لكنْ لا يبدو علينا أننا نولي الكثير من الانتباه. فهل إننا عالقون في شبكة مشكلاتنا نحن، رغباتنا نحن، دوافعنا نحن إلى اللذة والألم، إلى حدِّ أننا لا ننظر حولنا أبدًا، لا نراقب القمر أبدًا؟ راقبْه. راقبْ بعينيك وأذنيك جميعًا، بحاسة الشم لديك. راقبْ. انظرْ كما لو أنك تنظر للمرة الأولى. إذا استطعت أن تفعل ذلك، فأنت ترى تلك الشجرة، ذاك الدغل، نصل العشب ذلك، للمرة الأولى. إذ ذاك تستطيع أن ترى مدرِّسك، أمك وأباك، شقيقك وشقيقتك، للمرة الأولى. هناك عند ذاك شعور خارق: العَجَب، الغرابة، معجزة صباح طازج لم يكن من قبلُ قط، ولن يكون أبدًا. كنْ حقًّا على وصال مع الطبيعة، غير عالق لفظيًّا في وصفها، بل كن جزءًا منها، كن واعيًا، اشعرْ بأنك تنتمي إلى ذاك كله، كنْ قادرًا أن تُكِنَّ محبةً لذاك كله، أن تعجب لمرأى غزال، لمرأى الضب على الجدار، لمرأى ذلك الغصن المكسور المرتمي على الأرض. انظرْ إلى نجمة المساء أو القمر الوليد، من غير الكلمة، من غير أن تكتفي بمجرد قولك: "ما أجمله!"، ثم تُدبر عنه، وقد جذبك شيءٌ آخر، بل راقبْ تلك النجمة المتوحدة والقمر الوليد الرقيق كما لو للمرة الأولى. إذا كان ثمة وصال كهذا بينك وبين الطبيعة، يمكن لك عندئذ أن تتواصل مع الإنسان، مع الصبي الجالس إلى جانبك، مع مربيك، أو مع والديك. ترانا لم نفقد فقط كل حسٍّ بالعلاقة خال من التصريح اللفظي بالمودة والمبالاة، بل وهذا الإحساس بالوصال الذي ليس لفظيًّا. إنه إحساس بأننا جميعًا معًا، بأننا جميعًا بشر، غير منقسمين، غير مفتتين، غير منتمين إلى أي جماعة بعينها أو عرق بعينه، أو إلى تصورات مثالية ما، بل بأننا جميعًا بشر، نحيا جميعًا على هذه الأرض الخارقة، البديعة.

*

على المربي أن يتكلم على هذه الأشياء كلها، ليس لفظيًّا فقط، بل يجب عليه أن يشعر به بنفسه – العالم، عالم الطبيعة وعالم الإنسان. فهما مترابطان. ليس بمستطاع الإنسان أن يتهرب من ذلك. عندما يدمر الطبيعة فهو يدمر نفسه. عندما يقتل سواه فهو يقتل نفسه. العدو ليس الآخر، بل هو أنت. الحياة على مثل هذا التناغم مع الطبيعة، مع العالم، يجلب، بطبيعة الحال، عالمًا مختلفًا.

15 تشرين الثاني 1983

إنك لَتتعلم الكثير من المراقبة – مراقبة الأشياء من حولك، مراقبة العصافير، الأشجار، مراقبة السماوات، النجوم، كوكبة الجبار، الدب، نجمة المساء. إنك لَتتعلم من مجرد المراقبة، لا من مراقبة الأشياء من حولك وحسب، بل ومن مراقبة الناس أيضًا: كيف يمشون، كيف يومئون، أي كلمات يستعملون، ماذا يلبسون من ثياب. وأنت لا تراقب ما هو في الخارج وحسب، بل وتراقب نفسك أيضًا، لماذا تفكر في هذا أو ذاك، كيف تتصرف، كيف تسلك في حياتك اليومية، لماذا يريدك الوالدان أن تفعل هذا أو ذاك. أنت تراقب، ولا تقاوم. إذا قاومت فلن تتعلم. أو تراك إذا توصلت إلى نوع من الاستنتاج النهائي، إلى رأي ما تظنُّه صائبًا، وتشبثت به، إذ ذاك، بطبيعة الحال، لن تتعلم أبدًا. الحرية ضرورية للتعلم، وكذلك حب الاستطلاع، الإحساس بأنك تريد أن تعرف لماذا تتصرف أنت أو الآخرون على نحو بعينه، لماذا يغضب الناس، لماذا يعتريك انزعاج.

*

والداك – خصوصًا في الشرق – يأمرانك بمن يجب أن تتزوج ويرتبون لك أمر الزيجة؛ يأمرانك بما يجب أن تكون عليه سيرتك المهنية. وهكذا فإن المخ يقبل بالطريق السهل، والطريق السهل ليس الطريق الصائب دومًا. أتساءل إن كنت قد لحظت بأنه لم يعد أحد يحب عمله، ماعدا، ربما، ثلة من العلماء والفنانين والآثاريين. لكن الإنسان العادي، المتوسط، قلما يحب ما يفعل؛ إنه عبد مأمور للمجتمع، لوالديه، أو للدافع إلى كسب مزيد من المال. وإذن، تعلَّمْ أن تراقب العالم الظاهري مراقبة دقيقة للغاية، العالم خارجك، والعالم الباطني – أي عالم نفسك.


* From Letters to the Schools, vol. 2, copyright ©1985 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd, pp. 40-45.

الخلق والتجلي - رونيه گينون

الأحد, كانون الثاني 17th, 2010

الخلق والتجلِّي*

رونيه گينون**

سبق لنا أن لفتنا النظر، في مناسبات عدة، إلى أن فكرة "الخلق" création، – إذا كان المراد فهمها بمعناها الصحيح والدقيق، ومن غير أن يُسرَف في مدلولها إلى حدٍّ قد يزيد عنه أو ينقص، – لا تصادَف في الواقع إلا في منقولات تنتمي إلى خط واحد، هو الخط المؤلف من اليهودية والمسيحية والإسلام. ولما كان هذا الخط هو خط الأشكال النقلية التي يصح القول فيها بأنها "دينية" بحصر المعنى، لا بدَّ أن يُستنتَج من ذلك وجودُ صلة مباشرة بين هذه الفكرة وبين وجهة النظر الدينية نفسها. ففي كل مكان آخر، من شأن كلمة "خلق"، إذا ما تمسكنا باستعمالها في حالات بعينها، أن تؤدي حتمًا تأدية شديدة الغلط فكرةً مختلفةً يفضَّل لتأديتها إيجادُ تعبير آخر. على كل حال، ليس هذا الاستعمال على الأغلب، في واقع الأمر، إلا نتيجة واحد من هذه الالتباسات أو هذه المماثَلات المغلوطة التي كثيرًا ما يقع فيها أهل الغرب في كل ما يتعلق بالمذاهب المشرقية. بيد أنه لا يكفي تفادي الوقوع في هذا الالتباس، إنما يجب إيلاء حرص مماثل لتجنُّب غلط آخر معاكس، ألا وهو الإصرار على رؤية تناقُض أو تضاد ما بين فكرة الخلق وبين هذه الفكرة الأخرى التي ألمحنا إليها لتوِّنا والتي أصح مصطلح بحوزتنا لتأديتها هو "التجلِّي" manifestation؛ وهذه النقطة الأخيرة هي التي نعتزم التوسع فيها في هذا المقال.

إن بعض القوم، بالفعل، إذ يقرُّون بأن فكرة الخلق غير موجودة في المذاهب المشرقية (ماعدا الإسلام الذي لا يجوز، بطبيعة الحال، إقحامُه ضمنها بهذا الصدد)، سرعان ما يزعمون، ومن غير أن يحاولوا التوغل في عمق الأمور، بأن غياب هذه الفكرة إنما هو علامة على وجود نقص أو خلل، ليخلصوا من ذلك إلى أن المذاهب المقصودة لا يجوز أن تُعتبَر تعبيرًا ملائمًا عن الحقيقة. ولئن صح هذا على أهل الفريق الديني، حيث غالبًا ما يغالى في التأكيد على "حصرية" مؤسفة، تراه يصح كذلك على بعضهم من أهل الفريق المناوئ للدين ممن يصرون أن يستخلصوا، من المعاينة نفسها، نتائج معاكسة تمامًا: فهؤلاء، بطبيعة الحال، إذ يهاجمون فكرة الخلق هجومهم على جميع الأفكار الأخرى من رتبة الدين، يتظاهرون بأنهم يرون في غيابها نفسه نوعًا من التفوق؛ وهم، بالطبع، لا يفعلون ذلك في الواقع إلا بدافع الرفض والمعارضة، وليس البتة دفاعًا حقًّا عن المذاهب المشرقية التي لا يكترثون بها بتاتًا. أيًّا ما كان الأمر، فإن هذه المآخذ وهذه المدائح عديمة القيمة وغير مقبولة على حدٍّ سواء، من حيث إنها جميعًا تصدر في الحاصل عن الغلط إياه، إنما مستغَلاً تبعًا لنوايا متعاكسة، طبقًا للميول الخاصة بالذين يرتكبونه؛ والحقيقة هي أن حجة كلا الفريقين واهية لا سند لها، وأن الحالتين تعكسان عدم فهم يكاد أن يكون متساويًا عند كليهما.

ولا يبدو سبب هذا الضلال المشترك، إلى ذلك، عصيًّا على الاكتشاف: فالذين لا يتخطى أفقهم العقلي التصورات الفلسفية الغربية يتخيلون عادة أنه حيثما لا يمت الأمر إلى الخلق، وحيث يبدو مع ذلك جليًّا، من ناحية أخرى، أنه لا يتعلق بنظريات مادية، لا يمكن الوقوع إلا على "الحلولية" panthéisme. بيد أنه معلوم إلى أي حدٍّ باتت هذه الكلمة، في زماننا، غالبًا ما تُستعمَل خبط عشواء: فهي عند بعضهم تمثل فزاعة حقيقية، حتى إنهم يظنون أنفسهم مَعفيِّين من الفحص الجدي عن الشيء الذي يسارعون إلى تطبيقها عليه (واستعمال تعبير "الوقوع في الحلولية" بهذا الشيوع دليل مميِّز بهذا الخصوص)، في حين أن بعضهم الآخر – على الأرجح لهذا السبب بالذات أكثر منه لأي دافع آخر – يتبنونها عن طيب خاطر، وهم متأهبون تمامًا لاتخاذها نوعًا من الراية التي يلوحون بها. ومنه، من الواضح نوعًا ما أن ما قلناه لتوِّنا يرتبط وثيق الارتباط، في فكر كلا الفريقين، بتهمة "الحلولية" التي تُرمى بها عمومًا تلك المذاهب المشرقية بعينها والتي يعفينا تبياننا المتكرر لضلالها التام، بل وحتى لعدم معقوليتها (بما أن الحلولية في واقع الأمر نظرية ضد ميتافيزيقية أساسًا)، من لزوم الوقوف عندها مرة أخرى أيضًا[1].

بما أن المناسبة ساقتنا إلى الكلام على الحلولية، سننتهزها لنبدي على الفور ملحوظة، تتصف هنا بشيء من الأهمية، بخصوص كلمة معينة من عادة القوم أن يقرنوها بالتصورات الحلولية: هذه الكلمة هي كلمة "صدور" émanation التي يصر بعضهم – للأسباب عينها أيضًا ومن جراء الالتباسات عينها – على استعمالها للإشارة إلى التجلِّي حين لا يتبدى في صورة الخلق. بيد أن هذه الكلمة، على الأقل حين توصف بها المذاهب النقلية الأرثوذكسية حصرًا، يجب إقصاؤها إقصاءً مطلقًا، ليس بسبب هذا الاقتران المؤسف فقط (وسيان إنْ كان له في الواقع ما يبرِّره عمقيًّا إلى حدٍّ ما أو لا، فالأمر لا يهمُّنا فعليًّا)، لكنْ بالأخص لأنها، بحدِّ ذاتها وبحدِّ مغزاها الاشتقاقي، لا تعبِّر حقيقةً عن شيء آخر غير محض استحالة. وبالفعل، فإن فكرة "الصدور" هي حصرًا فكرة "خروج"؛ لكنما يجب عدم النظر في التجلِّي من أي وجه على هذا النحو، إذ ما من شيء يمكن له حقًّا أن "يخرج" من المبدأ: فلو قُيِّض لأي شيء أن يخرج منه، لما عاد يجوز لهذا المبدأ، إذ ذاك، أن يكون لانهائيًّا، ولَتحدَّد بواقع التجلِّي بالذات؛ فالحقيقة هي أنه لا يوجد خارج التجلِّي، ولا يمكن لشيء أن يوجد خارجه، إلا العدم المحض. وحتى لو أراد القوم النظر إلى "الصدور"، لا من حيث المبدأ الأعلى اللانهائي، لكنْ من حيث الوجود Être – المبدأ المباشر للتجلِّي – وحسب، لأثار هذا المصطلح اعتراضًا، وإنْ يكن مختلفًا عن الاعتراض السابق، فهو ليس أقل حسمًا: فلو اتفق للموجودات أن "تخرج" من الوجود لكي تتجلى، لما جاز القول بأنها موجودات حقًّا، ولعدمت حصرًا كل كون existence، حيث إن الكون، أيًّا ما كانت كيفيته، لا يمكن له أن يكون شيئًا آخر غير تطبُّع بالوجود؛ وهذه النتيجة، فضلاً عن كونها بوضوح غير معقولة بحدِّ ذاتها (كما في الحالة الأخرى)، تتناقض أصلاً مع فكرة التجلِّي نفسها.

أما وقد سقنا هذه الملحوظات، سنقول بصريح العبارة إن فكرة التجلِّي، كما تنظر إليها المذاهب المشرقية نظرة ميتافيزيقية بحتة، لا تتعارض بتاتًا مع فكرة الخلق؛ بل الصحيح أن الفكرتين تعودان فحسب إلى مستويين مختلفين وإلى وجهتَي نظر مختلفتين، بحيث تكفي معرفة موقع كلٍّ منهما في مكانها الحقيقي حتى يتبين أنه لا يوجد بينهما أي تنافُر. فالاختلاف هاهنا، كالاختلاف على العديد من النقاط الأخرى، ليس في الحاصل إلا الاختلاف إياه بين وجهتَي النظر الميتافيزيقية والدينية؛ ولئن صح أن وجهة النظر الأولى من رتبة أعلى من الثانية وأعمق، لا يقل صحة أنها لا يجوز بتاتًا أن تعطل الثانية أو أن تُناقضها؛ وحسبنا برهانًا على ذلك أن كلتاهما جميعًا يمكن لهما فعلاً أن توجدا سوية ضمن الشكل النقلي نفسه (ستكون لنا على كل حال عودة إلى ذلك لاحقًا). فالأمر، من حيث العمق، ما هو إذن إلا اختلاف ليس، على كونه من درجة أكثر تشديدًا بسبب التباين الواضح جدًّا بين المجالين الموافقين، أكثر خرقًا للمألوف ولا أكثر إحراجًا من الاختلاف بين وجهتَي النظر المتباينتين اللتين يجوز شرعًا اتخاذ كلٍّ منهما في مجال بعينه، وذلك تبعًا لدرجة عمق التوغل فيه. تخطر ببالنا هنا، مثلاً، وجهتا نظر من نحو وجهتَي نظر شنكراتشاريا ورامانوجا بخصوص الـڤيدنتا[2]؛ فالصحيح أن عدم الفهم أصر، هناك أيضًا، أن يجد تناقضات لا أساس لها من الصحة في الواقع؛ لكن ذاك بالذات ليس من شأنه إلا أن يجعل المقايسة أدق وأتم.

إلى ذلك، يجدر التدقيق في معنى فكرة الخلق بالذات، من حيث إنها، هي الأخرى، تفسح في المجال أحيانًا لشتى ضروب سوء الفهم: إذا كان فعل "خَلَقَ" مرادفًا لـ"أوجَد من عدم"، وذلك تبعًا للتعريف المقبول بالإجماع، ولكنْ غير الموضح كفاية ربما، يجب قطعًا أن نعني به، قبل كل شيء، عدم وجود شيء خارج المبدأ؛ بعبارة أخرى، فإن المبدأ، وإنْ يكن "خالقًا"، غني بذاته، فلا حاجة له إلى الاستعانة بنوع من "الجوهر" substance الواقع خارج ذاته والمتصف بكون مستقل إلى حدٍّ ما، الأمر الذي يبقى في الحاصل – والحق يقال – غير قابل للتصور. ومنه، نرى على الفور أن العلة الأولى لوجود مثل هذه الصياغة هي التأكيد صراحة أن المبدأ ليس البتة مجرد "ديميورغوس" Démiurge ["إله مصوِّر"[3]] (وهنا لا حاجة للتمييز إنْ كان المقصود هو المبدأ الأعلى أو هو الوجود، لأن ذلك يصح على كلتا الحالتين على حدٍّ سواء)؛ غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن كل تصوُّر "ديميورجي" هو تصوُّر مغلوط جذريًّا؛ لكنه، على كل حال، تصوُّر لا يجوز أن يطبَّق إلا على مرتبة أدنى بكثير تُوافق وجهة نظر أضيق بكثير؛ تصوُّر، إذ لا يقع إلا في طور معين ثانوي من السيرورة الكوسموغونية[4]، تراه لا يعود يمس المبدأ ولا ومن وجه. والآن، إذا تقيد القوم بالكلام على "الإيجاد من عدم" من غير مزيد من التدقيق، كما جرت العادة، فثمة خطر آخر لا مناص من تفاديه: ألا وهو النظر إلى هذا "العدم" بوصفه نوعًا من المبدأ الذي، وإنْ يكن سلبيًّا أغلب الظن، يصدر عنه بالفعل الكونُ المتجلِّي؛ إذ إن في ذلك عودة إلى ضلالة تكاد أن تكون مشابهة للضلالة التي أرادوا الاحتراس منها بنسبتهم إلى "العدم" ذاك نوعًا من "الجوهرية"؛ وهذه الضلالة، بمعنى ما، قد تكون أفدح حتى من الأخرى، من حيث إنه ينضاف إليها تناقُض صوري، هو عبارة عن إضفاء حقِّية ما على "العدم"، أي في الحاصل على عدم الوجود. فإنْ زعم القوم، تفاديًا لهذا التناقض، أن "العدم" المقصود ليس العدم المحض، بل إنه ليس عدمًا إلا بالنسبة إلى المبدأ، لارتكبوا بذلك أيضًا غلطًا مزدوجًا: فهم يفترضون هذه المرة، من ناحية، وجود شيء يتصف بالحقِّية فعلاً خارج المبدأ، وعندئذ لا يعود هناك أي اختلاف حقيقي مع التصور "الديميورجي" نفسه؛ وهم يتجاهلون، من ناحية أخرى، أن الموجودات ليست صادرة بتاتًا عن هذا "العدم" النسبي عبر التجلِّي، من حيث إن المنتهي لا يكف أبدًا عن كونه معدومًا بحتًا في مرأى من اللانهاية.

في ما قيل لتوِّه، وفي كل ما قد يقال غيره بخصوص فكرة الخلق أيضًا، ثمة، من حيث الطريقة التي يُنظَر بها في التجلِّي، شيء ناقص، لكنه مع ذلك أساسي للغاية: إنه بالذات مفهوم الإمكان possibilité الذي لا يظهر فيها؛ لكن هذا – فليُلحظْ جيدًّا – ليس مأخذًا البتة، ومثل هذه النظرة، على كونها ناقصة، ليست بذلك أقل شرعية، لأن مفهوم الإمكان هذا، في حقيقة الأمر، لا موجب لتدخُّله إلا حين تُتَّخذ وجهةُ النظر الميتافيزيقية، بينما ليست وجهة النظر هذه، كما سبق لنا أن قلنا، هي المتخَذة حين يُنظر في التجلِّي على أنه خلق. فالتجلِّي – ميتافيزيقيًّا – يفترض سلفًا بالضرورة وجود ممكنات معينة قادرة أن تتجلى؛ لكنه إذا انبثق هكذا عن الإمكان، لا يجوز أن يقال بأنه يأتي من "العدم"، لأن من الواضح أن الممكن ليس "معدومًا". رُبَّ معترض يقول: ألا يناقض ذلك بالدقة فكرة الخلق ["الإيجاد من عدم"]؟ والجواب سهل للغاية: جميع الممكنات محتواة في الممكن الكلِّي الذي ليس إلا واحدًا مع المبدأ بذاته؛ وإذن ففيه بالذات، في المحصلة، تكون هذه الموجودات محتواة حقًّا على حالها الدائمة ومنذ الأزل؛ ولو كان الأمر على غير ذلك في الواقع، لكانت عندئذ في حقيقة الأمر "عدمًا"، ولما صح الكلام أصلاً على "ممكنات". ومنه، إذا كان التجلِّي ينبثق عن هذه الممكنات أو عن بعضها (ولنذكِّر هنا أنه، فضلاً عن ممكنات التجلِّي، لا بدَّ أيضًا من النظر في ممكنات عدم التجلِّي، في المبدأ الأعلى على الأقل، ولكنْ ليس بعدُ حين يقتصر الكلام على الوجود)، فهو لا يأتي من شيء يكون خارج المبدأ؛ وذلك بالضبط المعنى الذي أقررنا به لفكرة الخلق مفهومةً حقَّ فهمها، بحيث إن وجهتَي النظر ليستا عمقيًّا قابلتين للتوفيق بينهما وحسب، بل هما حتى على توافُق تام. إلا أن الفارق بينهما يتلخص في أن وجهة النظر التي تعود إليها فكرة الخلق لا تنظر في أي شيء يتعدى التجلِّي، أو على الأقل لا تنظر إلا في المبدأ من غير مزيد من التعمق، لأنها مازالت بعدُ وجهة نظر نسبية، بينما من وجهة النظر الميتافيزيقية، على العكس، يكون ما هو ضمن المبدأ، أي الإمكان، هو الأساس في الواقع، وهو ما يهم أكثر بكثير من التجلِّي بحدِّ ذاته.

يجوز قولنا، في المحصلة النهائية، بأننا بصدد تعبيرين مختلفين عن حقيقة واحدة، شريطة أن نضيف، بالطبع، أن هذين التعبيرين يوافقان وجهين أو وجهتَي نظر هما في واقع الحال مختلفتين حقًّا؛ ولكن يحق للمرء عندئذ أن يتساءل إنْ لم يكن أتم هذين التعبيرين وأعمقهما كافيًا تمامًا، وما هي علة وجود التعبير الآخر: إنها، بادئ ذي بدء وعلى وجه العموم، علة وجود كل وجهة نظر ظاهرية exotérique بالذات، بوصفها صياغة للحقائق النقلية المقتصرة على ما لا غنى عنه للبشر قاطبة وفي الوقت نفسه متاح لهم من غير تمييز. ومن ناحية أخرى، فيما يتعلق بالحالة الخاصة التي نحن بصددها، قد توجد دوافع "سانحة"، إذا جاز القول، تخص أشكالاً نقلية بعينها، وذلك بسبب الظروف العَرَضية التي يجب أن تتكيف معها والتي تتطلب احتراسًا صريحًا من أي تصوُّر لأصل التجلِّي بكيفية "ديميورجية"، في حين أن اتخاذ حيطة مشابهة قد يكون غير ضروري مطلقًا في مكان آخر. غير أن المرء، حين يلحظ أن فكرة الخلق ملازمة بالدقة لوجهة النظر الدينية حصرًا، قد يسوقه هذا إلى التفكير في ضرورة وجود شيء آخر أيضًا؛ وهذا ما بقي علينا أن نفحص عنه الآن، حتى إذا لم يكن ممكنًا لنا التوسع في جميع القضايا التي قد يتيح هذا الجانب من المسألة الدخول فيها.

سيان إنْ كان المقصود هو التجلِّي منظورًا إليه ميتافيزيقيًّا أو كان الخلق، فإن الاتكال التام للموجودات المتجلِّية على المبدأ، في كل ما هي عليه حقًّا، مؤكَّد عليه، في وضوح وصراحة على حدٍّ سواء، في كلتا الحالتين؛ إنما مقدار الدقة التي يُنظَر بها في هذا الاتكال في كلٍّ منهما هو الذي يُظهر فارقًا مخصوصًا، يوافق بدقة شديدة الفارق بين وجهتَي النظر المذكورتين. فهذا الاتكال، من وجهة النظر الميتافيزيقية، هو في الوقت نفسه "تطبُّع" participation: فالموجودات كلها، بمقدار ما فيها من الحقِّية في ذاتها، متطبِّعة بالمبدأ، بما أن كل حقِّية مستمَدة منه أصلاً؛ إلى ذلك، لا يقل صحة أن هذه الموجودات، بوصفها عَرَضية ومحدودة، شأنها شأن التجلِّي بأسره التي هي جزء منه، معدومة بالنسبة إلى المبدأ، كما قلنا أعلاه؛ لكن ثمة في هذا التطبُّع شيء من قبيل الصلة مع المبدأ – وبالتالي، صلة بين المتجلِّي وغير المتجلِّي – هي التي تتيح للموجودات تخطِّي شرط النسبية الملازم للتجلِّي. أما وجهة النظر الدينية فهي، على العكس، تصر بالحري على العدمية التي تتصف بها الموجودات المتجلِّية، وذلك لأن وجهة النظر هذه، بحُكم طبيعتها، ليس من شأنها أن تقودها إلى ما يتعدى شرط التجلِّي؛ وهي تتضمن النظر إلى الاتكال من منظار يوافقه عمليًّا موقف العبودية servitude، على حدِّ الاصطلاح العربي الذي لا يؤديه معنى الكلمة الفرنسية المقابلة له، أغلب الظن، إلا تأدية ناقصة نوعًا ما بهذا المؤدى الديني حصرًا، لكنه يؤديه بما يكفي للسماح بفهمه فهمًا أفضل مما تفعل كلمة adoration (التي تقابل في الواقع بالأحرى مصطلحًا آخر مشتقًّا من الجذر [العربي] نفسه: العبادة)؛ مهما يكن من أمر، فإن حال العبد، منظورًا إليها على هذا النحو، هي حصرًا شرط "المخلوق" حيال "الخالق".

ومادمنا قد استعرنا لتوِّنا مصطلحًا من لغة المنقول الإسلامي، فلنضف ما يلي: لا يجرؤ أحد جزمًا على التشكيك في أن الإسلام، من حيث وجهه الديني أو الظاهر، يقول بالخلق، على أقل تقدير بقدر ما يمكن للمسيحية نفسها أن تقول به؛ ومع ذلك، فهذا لا يحول بتاتًا دون الإسلام، في وجهه الباطن ésotérique، ووجودَ مستوى معين تختفي فكرة الخلق اعتبارًا منه. كذا فإن هناك عبارة يكون الصوفي (وليُنتبَه جيدًا إلى أن المقصود هنا ليس مجرد متصوف) تبعًا لها منزهًا عن الخلق: "الصوفي لم يُخلَق"؛ ومؤدى هذا القول هو أن حاله تتعدى شرط "المخلوق". فالصوفي، بالفعل، بوصفه قد تحقق بـ"الهوية المطلقة" Identité Suprême، وبالتالي، اتحد فعلاً بالمبدأ غير المخلوق، لا يمكن له بالضرورة أن يكون إلا "غير مخلوق". إن وجهة النظر الدينية، هاهنا، قد تم تخطيها بما لا يقل ضرورة، لتحل محلها وجهة النظر الميتافيزيقية البحتة؛ ولكن إذا كان جائزًا لوجهتَي النظر كلتيهما أن تتوازيا على هذا النحو في المنقول إياه، كلٍّ منهما على المرتبة التي تناسبها وفي المجال الموافق لها حصرًا، فذاك يبرهن بكل وضوح أنهما غير متعارضتين أو غير متناقضتين من أي وجه.

نحن نعلم أن من المحال أن يوجد تناقُض فعلي، إنْ ضمن المنقول الواحد وإنْ بين هذا المنقول وبين المنقولات الأخرى، بما أن هذه كلها ليست إلا تعبيرات متنوعة عن الحقيقة الواحدة. فإذا عنَّ لأحدهم أن يرى بينها تناقضات ظاهرية، أفليس عليه أن يستنتج من ذلك، بكل بساطة، أن ثمة في الأمر شيئًا لا يفهمه حق فهمه أو يفهمه فهمًا ناقصًا، بدلاً من أن يدعي رمي المذاهب النقلية نفسها بعيوب ليست موجودة، في الواقع، إلا من جراء قصوره العقلي هو؟

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Études traditionnelles, X-1937, pp. 325-333 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 88-101.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المنقولات الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] بخصوص الحلولية، راجع: ابن عربي، "الرسالة الوجودية"، بتقديم ديمتري أڤييرينوس: "التصوف والحلولية"، سماوات: http://samawat.org/texts/epistle_of_unity_ibn_arabi. (المحرِّر)

[2] كلمة ڤيدنتا Vēdanta السنسكريتية تعني "غاية الڤيدا" وتشير إلى تأويل الحقيقة الكلية، المعبَّر عنها في أسفار الڤيدا، في ضوء الأوپنشاد؛ والڤيدنتا هو أحد المذاهب الستة الكبرى في المنقول الهندوسي. يُعَد شنكراتشاريا ("المعلم شنكرا"، 788-820) صاحب مذهب أدڤيتا advaita ("التوحيد المنزِّه" أو اللاثنوي) في الڤيدنتا الذي يشدد على الوحدة بين الذات أو الروح الفردية (آتمن Ātman) وبين الحق المطلق (برهمن Brahman)؛ أما رامانوجا (ت 1137)، فهو صاحب مذهب ڤششتادڤيتا vishishtadvaita ("التوحيد المشبِّه") الذي يعلِّم أن المرء، إذا سلَّم أمره لمشيئة الحق، يستطيع أن ينال ببركته الخلاص. بعبارة أخرى، يقول شنكرا، بالمصطلح الإسلامي، بوحدة الحق والخلق (= "وحدة الوجود" الأكبرية) من منطلق خبرته العرفانية (جنيانا jñāna)، بينما يقول رامانوجا بالاثنينية من منطلق خبرته التعبدية (بهكتي bhakti). كتب كلاهما، في ضوء مذهبه، شروحًا على أسفار الـبرهماسوترا والأوپنشاد والـبهگڤدگيتا. (المحرِّر)

[3] ما بين معقوفتين [...] من إضافة المترجم توضيحًا للمقصود. والديميورغوس dêmiourgos: تسمية تشير في الأفلاطونية والغنوصية إلى الإله الأدنى الذي شكَّل العالم وصوَّره. (المحرِّر)

[4] الكوسموغونيا kosmogonia: من اليونانية، كوسموس kosmos، "العالم"، وغونوس gonos، "نشوء"؛ والمقصودة هي السيرورة المتدرجة لنشأة الكون على أطوار ومراتب. (المحرِّر)

التقليد - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, كانون الثاني 13th, 2010

صرنا مقلِّدين…*

ج. كريشنامورتي

ج. كريشنامورتي

ما هي العلاقة بينك وبين البؤس، البلبلة، فيك وحواليك؟ هذه البلبلة، هذا البؤس، لم ينشأ قطعًا من تلقاء ذاته؛ أنت وأنا – ليس المجتمع الرأسمالي ولا الشيوعي ولا الفاشي هو الذي أوجده – بل أنت وأنا أوجدناه في علاقة كلٍّ منا بالآخر. ما أنت إياه في الداخل أسقِطَ خارجًا، على العالم؛ ما أنت إياه، ما تفكر فيه وما تشعر به، ما تفعله في حياتك اليومية، يُسقَط خارجيًّا، وذاك يكوِّن العالم. إذا كنا بائسين، مبلبَلين، فوضويين في الداخل، فإن ذاك يصير – بإسقاطه – العالمَ، ذاك يصير المجتمع، لأن العلاقة بينك وبيني، بيني وبين الآخر، هي المجتمع – المجتمع هو نتاج العلاقة بيننا –، وإذا كانت علاقتنا مبلبَلة، متمركزة على الأنا، ضيقة، محدودة، قومية، فإننا نُسقِط ذلك ونجلب الفوضى إلى العالم.

كما تكون أنت يكون العالم. ومنه، فإن مشكلتك هي مشكلة العالم. هذا – قطعًا – واقع بسيط وأساسي، أليس كذلك؟

*

لماذا يتداعى المجتمع، ينهار، كما هو فاعل قطعًا؟ واحد من الأسباب الأساسية هو أن الفرد – أنت – قد كف عن الإبداع. سأشرح ما أعنيه: لقد صرنا – أنت وأنا – مقلِّدين؛ ترانا ننسخ، خارجيًّا وداخليًّا. خارجيًّا، حين نتعلم تقنية ما، حين نتواصل بعضنا مع بعض على المستوى اللفظي، لا بدَّ بطبيعة الحال من وجود شيء من التقليد، من النسخ. تراني أنسخ الكلمات. لكي أصير مهندسًا، يجب علي أولاً أن أتعلم التقنية، ثم أستعمل هذه التقنية لبناء جسر. لا بدَّ من وجود مقدار معين من التقليد، من النسخ، في التقنية الخارجية، ولكن حين يوجد تقليد داخلي، نفساني، نكف قطعًا عن الإبداع. تربيتنا، بنية مجتمعنا، حياتنا الدينية المزعومة، تقوم كلها على التقليد؛ أي أنني أنصاع لصيغة اجتماعية أو دينية بعينها، وبذلك لا أعود فردًا حقيقيًّا. تراني أصير – نفسانيًّا – مجرد آلة مكرِّرة ذات استجابات مشروطة معينة، سواء كانت استجابات الهندوسي أو المسيحي أو البوذي أو الألماني أو الإنكليزي. استجاباتنا باتت مشروطة طبقًا لنموذج المجتمع، سواء كان شرقيًّا أو غربيًّا، دينيًّا أو ماديًّا. ومنه، فإن التقليد هو واحد من الأسباب الأساسية لتفكك المجتمع؛ وواحد من العوامل المفكِّكة هو القائد، الذي جوهره بالذات هو التقليد.


* From The First and Last Freedom, chapter 3, copyright ©1954 Krishnamurti Writings, Inc., pp. 31-32.

دميان (هرمن هسِّه) - ديمتري أڤييرينوس

السبت, كانون الثاني 2nd, 2010

دمـيـان

هرمن هسِّه والتكامل الداخلي

ديمتري أڤييرينوس

ولد هِرْمَن هِسِّه في العام 1877 في بلدة كالڤ الألمانية على حواشي الغابة السوداء. عاش في شبابه صراعات نفسية مريرة باحثًا عن معنى للحياة بالأعم وعن معنى لحياته بالأخص. كتب في البداية ونشر مجموعة قصائد وخواطر ومقالات حول الموسيقى والأدب والفن، إلى أن نشر روايته الأولى پيتر كامِنْتسِنْد (1904)، مصورًا فيها شابًّا يرحل عن قريته الجبلية السويسرية ليصبح شاعرًا؛ ثم أتبعها برواية تحت العجلة (1906)، وهي حكاية تلميذ لم يكن يتواصل على الإطلاق مع معاصريه وأبناء جيله، فغادر مدرسته هاربًا عبر مدن مختلفة. وهاتان الروايتان تعكسان في صدق الصراع الذي كان يعتمل في أعماق الكاتب.

أحدث اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918) صدمة مروِّعة في نفسه، فانضم إلى داعية السلام واللاعنف الفرنسي رومان رولان (تلميذ المهاتما گاندهي) وشاركه في النشاط المعارض للحرب. ثم رحل في العام 1919 إلى سويسرا ليستقر هناك، عاكفًا على إنجاز روايته دميان* التي نحن بصددها والتي عكست اهتمامه بمسألة التكامل الداخلي للإنسان. وهذا الكتاب هو الذي كرس هسِّه كاتبًا مرموقًا.

demian

وتوالت أعماله الروائية تُواكب تجربته الروحية وتحقُّقه الداخلي: سِدهارتا (1922)، التي استمد موضوعاتها وشخوصها من الموروث الروحي الهندي العريق (كانت أمُّه من مواليد الهند) والتي قُيِّض لها أن تصبح منارة للعديد من الشباب الباحث، شأن هسِّه نفسه في شبابه، عن معنى للوجود ولحياة الإنسان فيه؛ ثم نَرتسيس وگولدمُند (1930)؛ تلتها الرحلة إلى الشرق (1932)، التي أعقبتْها فترة مخاض روحي طويل كان يتأهب في أثنائها لكتابة رائعته الخالدة التي تمثل رؤياه المتكاملة ووصيته الروحية: لعبة الكريات الزجاجية (1943)، التي نال عليها جائزة نوبل للأدب للعام 1946.

هرمن هسه في مكتبه في مونتانيولا.

صرف سنوات حياته الأخيرة في مدينة مونتانيولا السويسرية على ضفاف بحيرة لوگانو، معتكفًا في عزلة تامة، حتى وافته المنية في العام 1962.

* * *

كان لفظائع الحرب العالمية الأولى أبلغ الأثر في نفس هسِّه؛ إذ عانى من جرائها ضغوطًا نفسية شديدة أدت، بالإضافة إلى المرض الذي ألمَّ بأصغر أولاده، إلى إصابته بانهيار عصبي. فنصح له بعض الأصدقاء باللجوء إلى علم النفس التحليلي (مدرسة كارل گوستاڤ يونگ)، الأمر الذي أذعن له، خاضعًا للعلاج التحليلي على مدى حوالى ستين جلسة تحت إشراف أحد تلامذة يونگ ومعونته. فكانت رواية دميان Demian ثمرة هذه الفترة الخصبة من حياته وانعكاسًا مباشرًا للخبرة النفيسة التي استفادها من جلساته مع تلميذ يونگ. "حياة كل إنسان عبارة عن طريق نحو نفسه"، كما يقول في مدخل الكتاب (ص 10).

إن لفظ عنوان الرواية تحريف للفظة Daimon التي تعني الشيطان أو "قرين الجن" أو "الصوت الداخلي"! وبادئة de في هذه الكلمة، كما في اسم "دميان"، تعني الازدواجية والثنائية. وبالفعل، تتناول دميان ثنائيات الخير والشر، الوعي واللاوعي، الغريزة والثقافة، إلخ.

يقع تلميذ المدرسة الفتى إميل سنكلير تحت تأثير رفيق السوء فرانتس كرومر – الزقاقي الدعي الذي يفتعل الخبرة بشؤون الحياة، يتبذل في الكلام والتصرف، يأمر فيطاع! وسنكلير، إذ يقع في حبائله، يخدع والديه ويسرق ويتردى إلى أسفل دركات الخطيئة والضلال وينقاد إلى مغامرات عالم ما تحت الأرض، عالم ما دون الوعي، عالم "الظل" الذي يمثل، بحسب مصطلح يونگ، كل ما نكره في نفوسنا، ونأبى الاعتراف بوجوده فينا، ونخجل من الظهور به أمام الملأ. لكن القلق ينهش سنكلير من الداخل ويتأكله الندم:

[...] لم أكن خائفًا مما قد يحدث غدًا بقدر ما كنت خائفًا من اليقين المرعب من أن طريقي، من الآن فصاعدًا، سيقودني أعمق فأعمق في عالم الظلمة. (ص 21)

هنا يظهر ماكس دميان، رفيق المدرسة الآخر، الغريب الأطوار، ذو القدرات الخارقة، دميان صاحب النظرة الباردة تارة والغامضة طورًا، الذي يبدو حيًّا خارج الزمن أو قادمًا من ماض سحيق:

[...] كان مختلفًا عن الآخرين في كل شيء. لقد كان منسجمًا تمامًا مع نفسه، وله شخصيته الخاصة به التي كانت تجعله مرموقًا على الرغم من أنه كان يبذل جهده لكيلا يكون محط الأنظار. كان له سلوك الأمير وطباعه؛ الأمير المتخفي بين أولاد المزرعة وهو يبذل جهدًا كبيرًا لكي يبدو واحدًا منهم. (ص 31)

يتقرب سنكلير من دميان – دميان البعيد-القريب الذي يصبح لسنكلير صوت "الضمير" أو صوت أعماق النفس التي تجتمع فيها الأضداد وتتصالح المتناقضات. إنه في حياة صديقه أشبه ما يكون بـ"جني" سقراط، أو الصوت الداخلي الذي كان يهمس في أذن الفيلسوف بما يجب أن يُحْجِم عنه، تاركًا له الحرية كاملةً فيما يجب أن يُقْدِم عليه. وهنا تظهر المفارقة جلية بين الابتذال الذي يدعي المعرفة (كرومر) وبين بساطة الحكمة (دميان) التي تأبى الظهور والتبجح ولا تفصح عن نفسها إلا لِمَن يطلبها.

إن المصالحة بين الخير والشر وبين سائر الأضداد في النفس البشرية لا تعني على الإطلاق التراخي الأخلاقي والتأرجح بين الضدين المذكورين، بل إقامة نوع من التوازن الداخلي يُترجَم عمليًّا إلى أخلاق عليا من نوع جديد، أخلاق يفعل من خلالها الإنسان لا طمعًا في ثواب ولا خوفًا من عقاب، بل اختبارًا للمعرفة في صورها كافة. ومنه، لا يرفض دميان وجود جانب مظلم في دخيلة الإنسان، بالإضافة إلى الجانب المضيء، بل يدعو إلى فهم عميق للجانب الأول الذي هو "الظل"، لأن التكامل الداخلي لا يتم من دونه:

علينا أن نعتبر كل شيء مقدسًا، العالم كله، وليس ذلك النصف [المضيء] المفصول بشكل تعسفي [...]. (ص 61)

على الإنسان، إذن، أن يكف عن الخضوع الأعمى للشريعة الخارجية ويبدأ بتحسُّس الشريعة الداخلية المنقوشة في أعماق نفسه:

[...] على كلٍّ منا أن يكتشف بنفسه ما هو مسموح به وما هو ممنوع – ممنوع عليه. إن من الممكن لشخص ما أن لا يتجاوز في حياته كلها قانونًا واحدًا، ومع ذلك يظل سافلاً. [...] والذين هم أكثر كسلاً وتراخيًا من أن يفكروا بأنفسهم وأن يصبحوا قضاة أنفسهم، هؤلاء هم الذين يطيعون القوانين. وهناك آخرون يحسون بقوانينهم الخاصة في داخلهم؛ وهناك أمور يعتبرونها ممنوعة على الرغم من أن أي إنسان شريف يمكن أن يقوم بها [...]، وأشياء أخرى مباحة لهم لكنها في نظرهم محتقَرة. على كل إنسان أن يقف على قدميه. (ص 63)

هكذا أفلح دميان في انتزاع سنكلير من براثن كرومر، وباشر تلقينه مبادئ الخبرة الداخلية التي تقوم على المعرفة والتوازن بين الملَكات والقوى الرابضة في النفس البشرية كافة، ولاسيما التوازن بين الغريزة والعقل. وهذا لا يعني الانسياق للغريزة، لأن سنكلير يحب بياتريس – الصورة التي تمثل الجانب المؤنث من نفسه الذي لا بدَّ من وعيه كمرحلة على طريق تحقيق الذات – حبًّا نقيًّا ينقذه للمرة الثانية من السقوط، على الرغم من غرائزه:

[...] أقمت مذبحي لصورة بياتريس. وبتكريس نفسي لها كنت أكرس نفسي للروح [...]، وبذلك الجزء من الحياة الذي استقيته من قوى الظلام كنت أضحي من أجل قوى النور. ولم يكن هدفي الغبطة بل الطهارة، لم يكن السعادة بل الجمال والروحانية. (ص 78)

وفي فترة الدراسة الجامعية، يتعرف سنكلير إلى عازف أرغن يدعى پستوريوس، يتكلم كما لو كان تلميذ يونگ الذي قطع معه هسِّه شوطًا على طريق معرفة نفسه. تنعقد بينهما أحاديث مطولة، يبين له فيها پستوريوس دور كلٍّ من اللاوعي الفردي، الذي هو خبرته الخاصة، واللاوعي الجمعي الذي ينطوي على تاريخ الحياة برمتها ويعبِّر عن نفسه، في الأساطير والأحلام، على هيئة رموز وتشكيلات مستمدة من الطبيعة، عالمية متكررة في الحضارات والثقافات كافة. إن التحقق برموز هذا اللاوعي الجمعي ومضامينه الحاضرة في أعماق كلٍّ منا هو غاية معرفة النفس؛ وپستوريوس يعلِّم سنكلير التأمل في ذاته الباطنة ليكتشف فيها خبرات الإنسانية والطبيعة والعالم بأسره ويحقق الوعي الذي هو سمة الإنسان:

إن الاستسلام للتشكيلات اللامنطقية الغريبة بتشوُّشها التي تقدمها لنا الطبيعة يولِّد فينا شعورًا من التناغم الداخلي مع القدرة المسئولة عن هذه الظواهر. إننا سرعان ما نسقط ضحايا إغراء التفكير فيها، وكأنها من طبيعتنا نحن، من خلقنا نحن، فنرى الحدود التي تفصلنا عن الطبيعة ترتعش وتتلاشى. [...] ليس هناك مكان مثل [الداخل] نستطيع فيه أن نكتشف [...] إلى أي حدٍّ نحن خلاقون وإلى أي حدٍّ تساهم أرواحنا في عملية الخلق المستمر للعالم، لأن الألوهية المتوحدة ذاتها فعالة فينا وفي الطبيعة. وإذا كان العالم الخارجي سيُدمَّر فإن شخصًا واحدًا مَن سيكون قادرًا على إعادة بنائه. [...] كل شكل طبيعي كامن فينا ولا نستطيع معرفة جوهره؛ لكنه في أغلب الأحيان يعرِّفنا بنفسه على أنه القدرة على الحب والخلق. (ص 99-100)

هكذا يتعلم سنكلير من پستوريوس كيف يقبل الجوانب المظلمة من نفسه ويتعامل معها في احترام ومحبة، وكيف يكف عن إسقاطها على أشخاص في الخارج:

إذا كرهت شخصًا فإنك تكره شيئًا فيه هو جزء منك أنت. (ص 107)

ويجتمع سنكلير ودميان مرة أخرى في الجامعة. وتستقبله كذلك أم دميان التي تريه صورًا لها وهي صبية، فيتعرف فيها إلى المرأة التي كان يتمنى أن يحبها. وتدعو الأم نفسها "فراو إيڤا"، أي "السيدة حواء"، وتمثل في نظر سنكلير مظهرًا من مظاهر "الأم الكونية" (ص 133) التي يبشر الاقتراب منها بالعودة إلى الفطرة الأصلية، ويرمز التحقق بها إلى بلوغ المعرفة والحكمة (صوفيا). إنها التي تؤوِّل له أحلامه، وتكون في الوقت نفسه تجسيدًا حيًّا لهذه الأحلام، وتحكي له القصص التي يستخلص منها العِبَر، وتشحذ إخلاصه ليكون واحدًا من الباحثين عن أنفسهم، أي من "أبناء المعرفة":

نحن، الذين نحمل العلامة، يمكن للعالم أن يعتبرنا بحق "شواذًا"، لا بل ومجانين وحتى خطرين. كنا نعي، أو في طريقنا إلى أن نعي، وكان سعينا موجهًا نحو تحقيق حالة أكثر تكاملاً من الوعي [...]. (ص 134)

ثم يكون الاستنفار للحرب، الحرب التي ستكون "بداية النهاية" وتؤذن بموت عالم قديم وولادة عالم جديد (ص 146). يصاب سنكلير بجرح. وعندما يستقر به المقام في قاعة للجرحى، يرى في جاره على المحفة شخصًا يحمل على جبهته "العلامة"، ثم لا يلبث أن يتعرف فيه إلى دميان الذي يقول له:

اسمع يا صغيري سنكلير: إنني راحل. ربما احتجت إلي ذات يوم مرة أخرى؛ ضد كرومر أو غيره. فإذا ناديتني لن آتي بشكل ملموس، على ظهر جواد أو في قطار. سيكون عليك أن تنصت إلى أعماقك، وعندها ستكتشف أنني في داخلك. هل تفهم؟ (ص 151)

هكذا يستوعب إميل سنكلير أن غاية الحياة هي المعرفة، وغاية حياته هي التحقق بهذه المعرفة. ولا نجد أجمل من هذا المقطع نصًّا نختتم به الحديث عن هذا الكتاب الصغير-الكبير؛ إذ إن فيه خلاصة للرسالة التي أراد الكتاب أن يبلِّغها – صوت العقل والوجدان في عالم تنهار فيه القيم والأخلاق:

لكل إنسان رسالة أصيلة واحدة – هي العثور على طريق نحو نفسه. [...] وظيفته هي أن يكتشف مصيره هو – لا مصير سواه – وأن يعيشه كاملاً مخلصًا لنفسه. أما ما عداه فهو [...] محاولة تملُّص [...] وخوف المرء من داخله. برزت الرؤية الجديدة أمامي، وأومضت مئات المرات. ربما كان عُبِّر عنها من قبل، لكنني أختبرها الآن وأعيشها للمرة الأولى. [...] كانت مهمتي الأولى هي السماح لهذه اللعبة المتعلقة بالأعماق البدائية أن تأخذ مجراها، وأن تمارس إرادتها في داخلي وأن تحولها إلى إرادة لي. إما هذا وإما لاشيء. (ص 119)


* هرمان هيسِّه، دميان: قصة شباب إميل سنكلير، بترجمة ممدوح عدوان، طب 2: دار ورد، دمشق، 2000. (ترقيم صفحات الشواهد بحسب الطبعة الأولى، دار منارات، عمان.)

أنت العالم - ج. كريشنامورتي

الجمعة, كانون الثاني 1st, 2010

أنـت العالـم*

krishnaji_4

السائل: كيف يمكن لفكرة "أنت العالم وأنت مسؤول كليًّا عن النوع البشري بأسره" أن تُبرَّر على أساس عقلاني، موضوعي، عاقل؟

كريشنامورتي: لست واثقًا من إمكان عَقْلَنَتها على أساس عاقل، موضوعي. لكننا سنفحص عنها أولاً قبل أن نقرر عدم إمكان ذلك!

بادئ ذي بدء، الأرض التي نعيش عليها هي أرضنا – صحيح؟ إنها ليست الأرض البريطانية، ولا الأرض الفرنسية، أو الألمانية، الروسية، الهندية، الصينية، بل هي أرضنا التي نحيا عليها جميعًا. ذاك واقع. لكن الفكر جزأها عرقيًّا، جغرافيًّا، ثقافيًّا، اقتصاديًّا. وتلك التجزئة تسبِّب الخراب في العالم – بكل وضوح. ذاك أمر لا سبيل إلى إنكاره؛ ذاك التصريح تصريح عقلاني، موضوعي، عاقل. إنها أرضنا التي نحيا عليها جميعًا، لكننا جزأناها – لأسباب أمنية، لأسباب مختلفة، وطنية، سياسية، وهمية – الأمر الذي يسبِّب الحرب لا محالة.

قلنا أيضًا بأن الوعي البشري كله متشابه. ترانا جميعًا، مهما كان جزء الأرض الذي نعيش عليه، نكابد الكثير من العذاب، الألم، القلق، الريبة، الخوف؛ وترانا في بعض الأحيان، أو ربما أحيانًا كثيرة، نعرف اللذة. هذه هي الأرضية المشتركة التي يقف عليها البشر أجمعون – صحيح؟ هذا واقع لا سبيل إلى دحضه. قد نحاول أن نتفاداه، قد نحاول أن نتجاهله بقولنا إنه غير موجود، [كأنْ أقول] إنني "فرد"، إلى ما هنالك؛ لكنك حين تنظر إليه نظرة موضوعية، غير شخصية، ستجد أن وعينا يماثل – نفسيًّا – وعي البشر أجمعين. قد تكون طويل القامة، قد تكون أشقر البشرة، قد تكون بني الشعر؛ وقد أكون أسود البشرة، أو أبيض، أو قرنفلي اللون، أو ما شاكل – لكننا، داخليًّا، نعاني جميعًا معاناة فظيعة. ترانا جميعًا نعاني شعورًا بوحشة قانطة. قد يكون عندك أبناء، زوج، أسرة، لكنك عندما تكون وحدك، يستبد بك الشعور بأن لا علاقة لك بأي شيء؛ تراك تشعر بأنك معزول كليًّا. أغلبنا عنده ذلك الشعور. هذه هي الأرضية المشتركة بين البشر أجمعين. ومهما يحدث في حقل هذا الوعي، فنحن مسؤولون. أي أنني، إنْ كنت عنيفًا، فأنا أضيف مزيدًا من العنف إلى ذلك الوعي المشترك بيننا جميعًا؛ أما إذا لم أكن عنيفًا، فلا أضيف إليه، بل أجلب عاملاً كليَّ الجدة إلى ذلك الوعي.

ومنه، فأنا مسؤول مسؤولية عميقة: إما أساهم في ذلك العنف، في تلك البلبلة، في تلك التجزئة الرهيبة، وإما – إذ أقرُّ عميقًا في قلبي، في دمي، في أعماق كياني، أنني سائر العالم، أنني النوع البشري، أنني العالم، أن العالم ليس منفصلاً عني – أصبح، إذ ذاك، كلي المسؤولية. هذا واضح كل الوضوح! هذا عقلاني، موضوعي، عاقل. [الموقف] الآخر هو الجنون بعينه: أن يسمي المرء نفسه هندوسيًّا، بوذيًّا، مسيحيًّا، إلى آخر ما هنالك من تسميات – فهذه مجرد لُصاقات!

حين يختبر المرء ذاك الشعور، ذاك الواقع، حقيقة أن كل إنسان يعيش على هذه الأرض ليس مسؤولاً عن نفسه وحسب، بل وعن كل ما يحدث، ترى كيف يترجم ذلك في الحياة اليومية؟ هل تشعر ذاك الشعور، لا كاستنتاج عقلي، لا كمثال، إلى آخره؟ – وإلا فليس له من الواقع نصيب. لكنْ إذا كانت الحقيقة هي أنك تقف على الأرضية المشتركة بين النوع البشري بأسره، وكنت تشعر بأنك كلي المسؤولية، ما هو عندئذ عملك حيال المجتمع، حيال العالم الذي تعيش فعليًّا فيه؟

العالم كما هو الآن مليء بالعنف. هَبْ أنني أدركت بأني كلي المسؤولية. ما هو عملي؟ هل سأنضم إلى جماعة من الإرهابيين؟ بالطبع لا. من الواضح أن التنافس بين الأمم بات يدمر العالم. حين أشعر بأني مسؤول عن هذا، تراني بطبيعة الحال أكف عن المنافسة. وكلا العالم الديني والعالم الاقتصادي والاجتماعي، على حدٍّ سواء، يقوم على مبدأ التراتُب. فهل سآخذ أنا الآخر بهذا المفهوم عن النظرة التراتُبية؟ بالطبع لا، لأن مَن يقول: "أعرف" يتخذ موقعًا مستعليًا، ويكون صاحب مرتبة. فإذا كنت تريد تلك المرتبة، اسْعَ في نيلها، لكنك بذلك تساهم في بلبلة العالم.

وإذن، فهناك أعمال فعلية، موضوعية، عاقلة، حين تدرك، حين تتحقق في أعماق قلبك، أنك سائر النوع البشري، وأننا جميعًا نقف على الأرضية نفسها.

زانِن، 29 تموز 1981


* From the transcript of the tape recording of the first public question & answer meeting at Saanen, 29 July 1981, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd, pp. 73-75.