Archive for شباط, 2010

أساس العلاقة - ج. كريشنامورتي

الأحد, شباط 28th, 2010

أساس العلاقة*

ج. كريشنامورتي

يمكن للعلاقة أن توجد فقط حين يكون هناك نزول كلِّي عن الذات، عن الـ"أنا". فحين تنعدم الأنا، إذ ذاك تكون على علاقة؛ وفي ذاك لا يوجد فصل من أي نوع. أغلب الظن أن المرء لم يشعر بذاك قط: النفي التام – لا عقليًّا، بل فعليًّا –، الزوال التام للأنا. ولعل ذلك ما يسعى إليه أغلبنا، جنسيًّا أو عبر التماهي مع شيء ما أعظم. لكن ذلك – أكرر –، أي سيرورة التماهي تلك مع شيء أعظم، هو نتاج الفكر؛ والفكر قديم: إنه، مثل الأنا، الأنية، الإنِّي، نتيجة الأمس؛ إنه دومًا قديم. ومن ثَم يبرز السؤال: كيف يمكن التخلي تخليًا تامًّا عن هذه السيرورة العازلة، هذه السيرورة المتمركزة على الأنا؟ كيف يمكن لهذا أن يتم؟ أتفهم السؤال؟ كيف يمكن لي – أنا الذي ينبع كل نشاط من نشاطات حياتي اليومية من الخوف والكرب واليأس والأسى والبلبلة والأمل –، كيف يمكن للأنا التي تفصل نفسها عن الآخر – عبر التماهي مع الإله، مع إشراطها، مع مجتمعها، مع نشاطها الاجتماعي والخُلُقي، مع الدولة، إلى ما هنالك –، كيف يمكن لذلك أن يموت، أن يتلاشى، بحيث يستطيع الكائن الإنساني أن يكون على علاقة؟ إذ إننا، إذا لم نكن على علاقة، سنعيش عندئذ متحاربين بعضنا مع بعض. قد لا يقع قتلٌ لبعضنا بعضًا، لأن ذلك بات أخطر من أن نجرؤ عليه، إلا في البلدان النائية! فكيف يمكن لنا أن نحيا بحيث لا يكون هناك فصل، بحيث يمكن لنا حقًّا أن نتعاون؟

ما أكثر ما يجب القيام به في العالم: القضاء على الفقر؛ الحياة في سعادة؛ الحياة في بهجة بدلاً من العيش في عذاب وخوف؛ بناء نوع مختلف كليًّا من المجتمع، أخلاق تعلو على كل أخلاق. لكن هذا ليس بالمستطاع أن يكون إلا حين تُنكَر أخلاقُ المجتمع الراهن برمتها إنكارًا كليًّا. ما أكثر ما يجب القيام به؛ وليس بالمستطاع القيام به مادامت هذه السيرورة العازلة مستمرة. ترانا نتكلم على الـ"أنا" والـ"لي" والـ"آخر": الآخر موجود فيما وراء الجدار، الأنا واللي في هذه الناحية من الجدار. وإذن، كيف يمكن لأساس المقاومة ذاك – وهو الأنا –، كيف يمكن لذاك أن يُتخلى عنه تمامًا؟ لأن تلك المسألة هي الأساس الحق من كل علاقة؛ إذ يرى المرء أن العلاقة بين صور ليست علاقة على الإطلاق، وأنه حينما يوجد ذلك النوع من العلاقة هناك نزاع حتمًا[1]، ونكون لا محالة ممسكين بخناق بعضنا بعضًا!

عندما تطرح على نفسك ذلك السؤال، تراك ستقول حتمًا: "أيجب علي أن أعيش في خواء، في حال من الفراغ؟" أتساءل إنْ كنت اختبرت يومًا ماهية أن يكون لك ذهن فارغ تمامًا. لقد عشت في حيز أوجدتْه الـ"أنا"، وهو حيز صغير جدًّا. والحيز الذي بناه الـ"إنِّي" – السيرورة العازلة للذات – بين شخص وآخر هو كل ما نعرف من حيز – الحيز الواقع بينه وبين المحيط، الحد الفاصل الذي بناه الذهن. في هذا الحيز نعيش، وفي هذا الحيز هناك انقسام. تراك تقول: "إذا تخليت عن ذاتي، أو إذا نزلت عن مركز أناي، سأعيش في خواء." ولكن هل تراك يومًا تخليت حقًّا عن الأنا، فعليًّا، بحيث لا تكون هناك أنا بتاتًا؟ هل تراك عشت يومًا في هذا العالم، ذهبت إلى المكتب بتلك الروح، عشت مع زوجتك أو مع زوجك؟ إذا كنت قد عشت على هذا النحو، ستعرف أن هناك حالاً من العلاقة تنعدم فيها الأنا؛ وهي ليست يوطوپيا، ليست شيئًا يُحلَم به أو خبرة صوفية تافهة، بل شيء يمكن القيام به فعليًّا: الحياة على بُعد توجد فيه علاقة مع البشر كافة.

لكن ذاك يمكن له أن يوجد فقط حين نفهم ماهية المحبة. ولكي يكون المرء في تلك الحال، لكي يحيا فيها، عليه أن يتفهم لذة الفكر وآليته برمتها. إذ ذاك فإن كل آلية معقدة ابتناها المرء لنفسه، حول نفسه، يمكن لها أن تُرى بلمح البصر. ليس المرء مضطرًّا أن يخوض هذه السيرورة التحليلية كلها نقطة بعد نقطة. كل تحليل فهو مجزأ، وبالتالي ليس هناك من جواب يأتي عبر ذلك الباب.

هناك مشكلة الوجود المعقدة الهائلة هذه، بكل مخاوفها وأتراحها وآمالها وسعادتها الزائلة وأفراحها، لكن التحليل لن يحلها. ما سيحلها هو الإحاطة بها إحاطة خاطفة، ككل. تراك تعرف أنك تفهم أمرًا ما فقط حين تنظر – لا بنظرة مطولة مدربة، النظرة المدربة للفنان أو العالم أو المرء الذي تمرس بـ"كيفية النظر". تراه إنْ نظرت إليه بانتباه تام؛ ترى الأمر ككل في لمحة واحدة. وسترى عند ذاك أنك خارجه. وعند ذاك، تكون خارج الزمن؛ الزمن يتوقف والأسى، بالتالي، ينتهي. امرؤ يعاني أسى أو خوفًا امرؤ ليس على علاقة. كيف يمكن لرجل يطلب النفوذ أن يكون على علاقة؟! قد يكون صاحب أسرة، قد ينام مع زوجته، لكنه ليس على علاقة. رجل يتنافس مع غيره رجل لا علاقة له البتة. وبنيان مجتمعنا كله، بلاأخلاقيته، يقوم على هذا. العلاقة الأساسية، الجوهرية، إنما تعني إنهاء الأنا التي تولِّد الفصل والأسى.

باريس، 25 نيسان 1968



* From Talks in Europe 1968, 25 April 1968, copyright ©1969 The Krishnamurti Foundation London, pp. 46-48.

[1] راجع: ج. كريشنامورتي، "الصورة"، سماوات: http://samawat.org/krishnamurti/image. (المحرِّر)

أفلاطون طبيبًا - ألان

الجمعة, شباط 26th, 2010

أفلاطون طبيبًا*

alain_2

ألان**

كان ترويض البدن والموسيقى وسيلتَي أفلاطون الطبيب الكبريين. والرياضة البدنية تعني اشتغال العضلات المعتدل بنفسها بغية مطِّها وتدليكها داخليًّا بحسب حالها. العضلات الموجوعة تشبه إسفنجًا محشوًّا بالغبار؛ فتنظَّف العضلةُ كما ينظَّف الإسفنج، وذلك بحقنها بالسائل والضغط عليها أكثر من مرة. لقد قال أهل الفسيولوجيا تكرارًا بأن القلب عضلة جوفاء؛ ولكنْ، بما أن العضلات تتضمن شبكة غنية من الأوعية الدموية، تضيق وتتوسع على التناوب مع الانقباض والانبساط، يصح قولنا أيضًا بأن كل عضلة أشبه ما تكون بقلب إسفنجي يمكن لحركاته – وهي حيلة نفيسة – أن تُضبَط إراديًّا. ومنه نرى أن الذين ليسوا بتاتًا سادة عضلاتهم بالرياضة البدنية – هؤلاء الذين نسميهم خجولين – يحسون في نفسهم بموجات دم هوجاء تتدفق نحو الأجزاء الرخوة من البدن، ما يجعل وجهَهم يحمرُّ تارة دونما سبب، ومخَّهم يغزوه تارة أخرى دمٌ عَجول، فتصيبهم نوبة هلع قصيرة، وأحشاءَهم طورًا كأنها غُمِرتْ، وهي وعكة معروفة جيدًا – وهذه عوارض يجدي معها قطعًا تمرينُ العضلات تمرينًا مضبوطًا. وإننا هاهنا نعاين ظهور الموسيقى على هيئة أستاذ الرقص الذي يضبط، بكمنجته الرديئة الصغيرة، دوران الدم في الأحشاء على أحسن ما يرام. وبذلك فإن الرقص يشفي من الخجل، كما هو معلوم، لكنه يفرِّج عن القلب أيضًا بطريقة أخرى، وذلك بمطِّ العضلات مطًّا معتدلاً بكل هدوء.

منذ بضعة أيام، قال لي امرؤ يعاني صداعًا إن حركات المضغ، في أثناء الوجبات، سرعان ما تخفف عنه الألم. فقلت له: "عليك إذن بمضغ اللبان، على طريقة الأميركيين." لكني لا أدري إنْ كان قد جربه. الوجع سرعان ما يجعلنا فريسة تصورات ميتافيزيقية: نتخيل في بؤرة الوجع داءً، كائنًا خرافيًّا تسلل إلى ما تحت جلدنا، ونود أن نطرده بالسحر. يبدو لنا غير قابل للتصديق أن يمحو الوجعَ – الوحشَ الناهشَ – تحريكٌ للعضلات مضبوط؛ إنما ليس هناك، على وجه العموم، من وحش ناهش بتاتًا، ولا شيء من هذا القبيل: إنْ هي إلا استعارة بلاغية رديئة. جرِّبْ أن تبقى واقفًا طويلاً على رجل واحدة، وستلحظ أنك لن تحتاج إلى تغيير كبير لإحداث وجع مبرِّح، ولا إلى تغيير كبير لإزالته. فالمطلوب، في الحالات كلها، أو في معظمها، هو ابتكار رقصة بعينها. كلٌّ يعرف جيدًا أنها سعادة أن يمط المرء عضلاته ويتثاءب في حرية؛ لكن ما لا يخطر بالبال بتاتًا هو تجريب ذلك على سبيل الرياضة البدنية، وذلك من أجل الشروع في هذه الحركة المحرِّرة. على الذين لا يتيسر لهم النوم أن يحاكوا النعاس وسعادة الاسترخاء؛ لكنهم، على العكس، يحاكون نفاد الصبر، الكرب، الغضب – وهاهنا مضرب جذور الكبرياء، التي تعاقَب دومًا عقابًا شديدًا. لذا تراني، مستعيرًا قلنسوة هيپوقراطس[1]، أحاول أن أصف التواضع الحق، شقيق الصحة وابن ترويض البدن والموسيقى.

4 شباط 1922

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Platon médecin », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 213-215.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو أبقراط اليوناني (حوالى 460-377 ق م) في التراث العربي، أشهر أطباء العصور القديمة. يتأسس مذهبه في الطب على التحولات الطارئة على أخلاط البدن؛ وأخلاقه هي في الأصل من اليمين التي يؤديها أطباء العالم أجمع لدى تخرُّجهم (قَسَم أبقراط). (المحرِّر)

الصورة - ج. كريشنامورتي

الخميس, شباط 18th, 2010

الصـورة*

krishnaji_3

ج. كريشنامورتي

كنا بصدد استقصاء طبيعة الحب[1]، وقد توصلنا إلى نقطة تستلزم، على ما أعتقد، المزيد المزيد من نفاذ النظر، المزيد المزيد من وعي المسألة. ولقد اكتشفنا أن الحب، بنظر أغلب الناس، يعني الراحة، الأمان، ضمانةً طوال بقية العمر للإشباع العاطفي المستمر. ثم يأتي واحد مثلي ويسأل: "هل ذاك حب حقًّا؟"، ويسألك أن تنظر إلى دخيلة نفسك. فتحاول ألا تنظر لأن الأمر مزعج جدًّا – تراك تفضل مناقشة الروح أو الوضع السياسي أو الاقتصادي الراهن –؛ لكنك، حين تُحشَر في زاوية لتنظر، تدرك أن ما خُيِّل إليك دومًا أنه حب ليس حبًّا على الإطلاق، بل هو ترضية متبادلة، استغلال متبادل.

حين أقول: "ليس للحب غد ولا أمس" أو: "عندما لا يوجد مركز، عندئذٍ يوجد الحب"، فلهذا القول واقعية بنظري، لكنْ ليس بنظرك. قد تستشهد به وتحوِّله إلى وصفة، لكن ذلك لا يصح؛ إذ عليك أن تتحقق من الأمر بنفسك. لكنك حتى تفعل لا بدَّ من وجود حرية للنظر، تحرُّر من كل إدانة، من كل حُكم، من كل موافقة أو مخالفة.

والآن، النظر – أو السمع – واحد من أصعب الأمور في الحياة؛ النظر والسمع هما الأمر نفسه. إذا كانت عيناك معميتين بمخاوفك، لا تستطيع أن ترى جمال مغيب الشمس. أغلبنا فقدوا صلتهم بالطبيعة، والحضارة تتجه أكثر فأكثر صوب المدن الكبرى. لقد صرنا أناسًا مدنيين أكثر فأكثر، نعيش في شقق مزدحمة وليس عندنا حتى غير حيز ضيق جدًّا للنظر إلى السماء المسائية والصباحية، ولهذا ترانا نفقد الصلة بقدر كبير من الجمال. لا أدري إنْ كنتم لاحظتم كم تضاءل عدد الذين ينظرون منا إلى شروق الشمس أو غروبها، أو إلى ضوء القمر، أو إلى انعكاس الضوء على صفحة الماء.

أما وقد فقدنا الصلة مع الطبيعة، ترانا بطبيعة الحال ننزع إلى تنمية قدراتنا العقلية. ترانا نقرأ عددًا كبيرًا من الكتب، نذهب إلى الكثير جدًّا من المتاحف والحفلات الموسيقية، نشاهد التلفزيون، ونتسلى بطرق أخرى شتى؛ ترانا نقتبس إلى ما لا نهاية من أفكار غيرنا من الناس ونغالي في التفكير في الفن وفي الحديث عنه. فما الذي يجعلنا نتكل على الفن كل هذا الاتكال؟ أهو شكل من أشكال الهروب أو الإثارة؟ إذا كنت على صلة مباشرة بالطبيعة، إذا راقبت حركة طائر يحلق، ورأيت جمال كل حركة في السماء، وشاهدت الظلال على التلال أو جمال وجه إنسان آخر، أتظنك سترغب بعدُ في الذهاب إلى أي متحف لتنظر إلى لوحة ما؟ ربما لأنك لا تعرف كيف تنظر إلى الأشياء كلها حواليك، تراك تلوذ بنوع من أنواع المخدر لتنبيهك إلى الرؤية رؤية أفضل.

هناك قصة عن معلم ديني تروي أنه كان من عادته أن يعظ تلاميذه كل صباح. وذات صباح، اعتلى المنصة وكان على وشك أن يبدأ عندما جاء عصفور صغير وحط على حافة النافذة وبدأ يغرد، وراح يغرد بكل قوته. ثم توقف وطار مبتعدًا، فقال المعلم: "موعظة هذا الصباح انتهت!"

يبدو لي أن واحدة من أشد صعوباتنا هي أن نرى بأنفسنا رؤية واضحة حقًّا، لا الأشياء الخارجية فقط، بل الحياة الداخلية. حين نقول إننا نرى شجرة أو زهرة أو شخصًا، هل ترانا نراهم فعليًّا؟ أم ترانا لا نرى إلا مجرد الصورة التي أوجدتْها الكلمة؟ أي أنك، حين تنظر إلى شجرة أو إلى غيمة ذات مساء مليء بالبهجة والضياء، هل تراها فعليًّا، لا بعينيك رؤية عقلية، بل رؤية كلية، تامة؟

هل اتفق لك يومًا أن تختبر النظر إلى شيء موضوعي كالشجرة من دون أيٍّ من التداعيات، أيٍّ من المعلومات التي اكتسبتها عنها، من دون أي هوًى، أي حُكم، أي كلمات تشكل شاشة بينك وبين الشجرة وتحُول بينك وبين رؤيتها كما هي فعليًّا؟ جرِّبْ ذلك وانظرْ ما الذي يحصل فعليًّا عندما ترصد الشجرة بكيانك كله، بكلية طاقتك. في ذاك الاستغراق، ستجد أنه لا يوجد راصد بتاتًا، بل يوجد انتباه وحسب. لا يوجد الراصد والمرصود إلا عندما ينعدم الانتباه. أما حين تنظر إلى شيء في انتباه تام، فلا يوجد حيز لأي تصور، لأي صيغة، لأي ذاكرة. إن فهم هذا من الأهمية بمكان، لأننا نتباحث في شيء يستلزم تقصيًا شديد الدقة.

وحده ذهنٌ ينظر إلى شجرة أو إلى النجوم أو إلى مياه نهر براقة في ذهول تام عن النفس ذهنٌ يعرف ماهية الجمال؛ وحين نرى فعليًّا نكون في حال محبة. نحن نعرف الجمال عمومًا من خلال المقارنة أو عبر ما قام الإنسان بتجميعه، ما يعني أننا نعزو الجمال إلى غرض ما. أرى ما أعتبره مبنى جميلاً، وتراني أقدِّر ذلك الجمال بسبب معرفتي بالمعمار وبمقارنته بمبانٍ أخرى سبق لي أن رأيتها. لكني الآن أسأل نفسي: "هل هناك جمال من غير غرض؟" حين يوجد راصد هو الرقيب، المختبر، المفكر، لا جمال هناك، لأن الجمال شيء خارجي، شيء ينظر إليه الراصد ويحكم عليه. ولكن حين ينعدم الراصد – وهذا يستلزم قدرًا كبيرًا من التأمل، من التقصِّي – إذ ذاك يوجد الجمال من غير الغرض.

يكمن الجمال في التخلي التام عن الراصد والمرصود؛ ولا يمكن للذهول عن النفس أن يكون إلا حين يوجد تقشف تام – لا تقشف رجل الدين، بخشونته وروادعه وقواعده وطاعته، لا التقشف في الملبس والفكر والطعام والسلوك – إنما تقشف البساطة الكلية، الذي هو التواضع التام. إذ ذاك لا إنجاز هناك، لا سلَّم يجب تسلُّقه؛ هناك الخطوة الأولى فقط، والخطوة الأولى هي الخطوة الأبدية.

هَبْ أنك تسير بمفردك أو مع أحدهم وتوقفت عن الكلام. أنت محاط بالطبيعة، ولا كلب ينبح، ولا ضجيج سيارة عابرة، ولا رفرفة طائر حتى. أنت صامت تمامًا، والطبيعة حواليك صامتة كلها هي الأخرى. في تلك الحال من الصمت المستتب في الراصد والمرصود كليهما – حين لا يترجم الراصد ما يرصده إلى فكر – يتصف ذاك الصمت بخاصية جمال مختلفة. ليس هناك الطبيعة ولا الراصد. هناك حال ذهن وحده كليًّا، تمامًا؛ إنه وحده، لا في عزلة، بل في سكون، وذاك السكون جمال. حين تحب، هل يوجد راصد؟ يوجد راصد فقط حين يكون الحب رغبة ولذة. أما حين لا تقترن الرغبة واللذة بالحب، إذ ذاك يكون الحب شديدًا. إنه، كالجمال، شيء جديدًا كليًّا كل يوم. وكما قلت، ليس له اليوم ولا الغد.

فقط حين نرى من دون أي تصور مسبق، من دون أي صورة، نستطيع أن نكون على صلة مباشرة مع أي شيء في الحياة. جميع علاقاتنا في الواقع علاقات "صورية" – بمعنى أنها قائمة على صورة من تشكيل الفكر. إذا كانت عندي صورة عنك وكانت عندك صورة عني، فنحن بطبيعة الحال لا يرى كلٌّ منا الآخر بتاتًا كما نحن فعليًّا. فما نراه هي الصور التي شكَّلها كلٌّ منا عن الآخر والتي تمنعنا من التواصل؛ ولهذا فإن علاقاتنا تنتهي بالإخفاق.

عندما أقول إنني أعرفك، إنما أعني أني كنت أعرفك بالأمس. فأنا لا أعرفك فعليًّا الآن. كل ما أعرفه هو صورتي عنك. وتلك الصورة تجميع لما سبق لك أن قلتَ في مدحي أو في ذمي، لما سبق أن فعلتَه بي؛ إنها تجميع لمجموع الذكريات التي في حوزتي عنك. وصورتك عني تجميع بالطريقة ذاتها؛ وهاتان الصورتان هما اللتان تعقدان العلاقة وتحُولان بيننا وبين التواصل الحقيقي معًا.

لدى كلٍّ من شخصين تعايشا مدة طويلة صورة عن الآخر تحُول بينهما وبين أن يكونا على علاقة حقيقية. إذا فهمنا العلاقة بوسعنا أن نتعاون، لكن التعاون لا يمكن له أن يوجد أصلاً عبر صور، عبر رموز، عبر تصورات إيديولوجية. بينما فقط حين نفهم العلاقة السوية بين بعضنا بعضًا توجد إمكانية الحب، والحب يمتنع عندما تكون عندنا صور. لذا من المهم أن تفهم – لا عقليًّا، بل فعليًّا في حياتك اليومية – كيف بنيت صورًا عن زوجتك، عن زوجك، عن جارك، عن ولدك، عن وطنك، عن قادتك، عن سياسييك، عن آلهتك – ليس عندك شيء غير صور!

هذه الصور توجِد الحيز بينك وبين ما ترصد، وفي ذلك الحيز يوجد نزاع. وإذن، فما سنعمل على اكتشافه الآن سوية هو إنْ كان من الممكن لنا أن نتحرر من الحيز الذي نوجِده، ليس خارج أنفسنا وحسب، بل في أنفسنا، الحيز الذي يجزئ البشر في جميع علاقاتهم.

والآن، فإن الانتباه بالذات الذي توليه لمشكلة ما هو الطاقة التي تحل تلك المشكلة. فحين تولي انتباهك كاملاً – وأعني: بكل شيء فيك – لا يوجد راصد بتاتًا. هناك فقط حال الانتباه التي هي طاقة كلية، وتلك الطاقة الكلية هي أعلى أشكال الفطنة. وبطبيعة الحال، تلك الحال الذهنية يجب أن تكون صامتة صمتًا تامًّا؛ وذاك الصمت، ذاك السكون، يأتي حين يستتب انتباه كلي، لا سكون منضبط. ذاك الصمت الكلي الذي ليس فيه راصد ولا الشيء المرصود هو أسمى أشكال الذهن الديني. لكن ما يحصل في تلك الحال لا يعبَّر عنه بكلمات، لأن ما يقال بكلمات ليس الواقعة. فحتى تكتشفه بنفسك عليك أن تكابده.

كل مشكلة فهي مرتبطة بكل مشكلة أخرى، بحيث إنك إذا استطعت أن تحل مشكلة واحدة حلاًّ تامًّا – ولا يهم أيها من المشكلات – لرأيت أن بوسعك أن تواجه سائر المشكلات الأخرى جميعًا في سهولة وتحلها. نحن نتكلم، بالطبع، على المشكلات النفسانية. لقد سبق لنا أن رأينا أن المشكلة توجد في الزمن فحسب، أي عندما نواجه القضية مواجهة ناقصة[2]. وإذن فيجب علينا، لا أن نعي طبيعة المشكلة وبنيتها فقط، فنراها رؤية تامة، بل وأن نواجهها عند ظهورها ونحلها على الفور بحيث لا تتجذَّر في الذهن. إذا أجاز المرء لمشكلة أن تدوم شهرًا أو يومًا، أو حتى بضع دقائق فحسب، فإنها تشوِّه الذهن. وإذن، فهل من الممكن للمرء أن يواجه المشكلة على الفور، من غير أي تحريف، ويتحرر منها على الفور تحررًا تامًّا، فلا يجيز لذكرى، لخدش طفيف في الذهن، أن يبقى؟ هذه الذكريات هي الصور التي نحملها معنا، وهذه الصور هي التي تواجه هذا الشيء الخارق المسمى بالحياة، وبالتالي يوجد تناقض، ومنه ينشأ النزاع. الحياة حقيقية للغاية – فالحياة ليست تجريدًا – وحين تواجهها بالصور تنشأ مشكلات.

فهل من الممكن للمرء أن يواجه كل قضية من دون هذا الفاصل الزمكاني، من دون الفجوة بينه وبين الشيء الذي يخشاه؟ إنه ممكن فقط حين لا تكون للراصد استمرارية – الراصد بوصفه باني الصورة، الراصد الذي هو كوكبة من الذكريات والأفكار، الذي هو حزمة من التجريدات.

حين تنظر إلى النجوم، هناك أنت الناظر إلى النجوم في السماء؛ السماء مترعة بنجوم ساطعة، هناك هواء منعش، وهناك أنت، الراصد، المختبر، المفكر، بقلبك الموجوع، أنت، المركز، موجِد الحيز. تراك لن تفهم أبدًا حقيقة الحيز بينك وبين النجوم، بينك وبين زوجتك أو زوجك أو صديقك، لأنك لم تنظر قط من دون الصورة، ولهذا تراك لا تعرف ماهية الجمال أو ماهية الحب. تراك تتكلم فيه، تكتب عنه، لكنك لم تعرفه قط، ماعدا ربما عند فواصل نادرة من الذهول التام عن نفسك. فمادام هناك مركز يوجِد حيزًا من حوله، لا يوجد حب ولا جمال. أما حين ينعدم المركز والمحيط، فإذ ذاك يوجد الحب. وحين تحب تكون أنت الجمال.

حين تنظر إلى وجهٍ قبالتك، فأنت تنظر انطلاقًا من مركز، والمركز يوجِد الحيز بين الشخص والشخص؛ ولهذا فإن حياتنا بهذا الخواء والقسوة. ليس بمقدورك أن تنمِّي الحب أو الجمال، ولا بمقدورك أن تخترع الحقيقة؛ أما إذا كنت واعيًا طوال الوقت بما أنت فاعل، فبمقدورك أن تنمِّي الوعي. واعتبارًا من ذاك الوعي ستبدأ برؤية طبيعة اللذة والرغبة والأسى، ووحشة الإنسان وسأمه المرعبين، وعندئذٍ ستبدأ بمباغتة ذاك الشيء المسمى "حيزًا".

عندما توجِد حيزًا بينك وبين الغرض الذي ترصده، ستعرف أن الحب يغيب؛ ومن دون الحب، مهما اجتهدت في إصلاح العالم أو في إحداث نظام اجتماعي جديد، أو مهما أسهبت في الكلام على تحسينات، لن تتسبب إلا في العذاب. فالأمر منوط بك. ليس هناك من قائد، ليس من معلم، ليس من أحد يخبرك بما أنت فاعل. أنت وحدك في هذا العالم المتوحش المجنون.


* From Freedom from the Known, chapter 11, copyright ©1969 Krishnamurti Foundation, pp. 33-39.

[1] See: J. Krishnamurti, Freedom from the Known, chapter 10, Harper & Row, New York, 1969.

[2] راجع: ج. كريشنامورتي، "المشكلات والزمن"، سماوات: http://samawat.org/krishnamurti/problems_time. (المحرِّر)

علم الحروف - رونيه گينون

الأحد, شباط 14th, 2010

علم الحروف*

guenon_1

رونيه گينون**

في التوطئة لدراسة في "تبرير الله في القبالة"[1]، بعدما قال الكاتب إن "القبالة تنطلق من فرضية أن اللسان العبري هو اللغة الكاملة التي علَّمها الله للإنسان الأول"، تراه استنسَب إبداء تحفُّظه على "الادعاء الموهوم القائل باحتفاظ العبرية بعناصر اللغة الطبيعية صافيةً، بينما لا يمتلك القائمون عليها من هذه اللغة غير نتف وتحريفات". غير أن قوله هذا لا يحول دونه والتسليم بأنه "يبقى من المرجح أن تكون الألسنة القديمة قد تفرعت عن لغة قدسية واحدة ألَّفها ملهَمون"، وبأنه "لا تزال ثمة جزمًا كلمات تعبِّر عن ماهية الأشياء ونِسَبها العددية"، وبأن هذا "يصح على فنون العِرافة أيضًا". فاستحسنَّا أن نزيد هذه المسألة تدقيقًا، وإن كنا نود لفت النظر، بادئ ذي بدء، إلى أن كاتبنا قد نظر إلى الأمر من منظار "فلسفي" بالأخص، بينما نعتزم نحن، جريًا على عادتنا دومًا في الواقع، الوقوف عليه من الصعيد المُسارَري initiatique والنقلي traditionnel.

النقطة الأولى التي يجدر لفت الانتباه إليها هي التالية: إن التأكيد على أن اللسان العبري هو بعينه لغة الوحي البدئي، وإنْ كان يبدو تأكيدًا ظاهريًّا exotérique ليس في اللب من مذهب القبالة، إلا أنه في الواقع يستر ببساطة أمرًا أعمق بكثير. والدليل على ما نذهب إليه هو أننا نقع على هذا التأكيد بعينه بخصوص ألسنة أخرى، وأن هذا التأكيد على "القِدَم" primordialité، إن صح التعبير، لا يجوز تسويغه، مأخوذًا على حرفيَّته، في الحالات كلها، بما أنه ينطوي على تناقض بيِّن. هذا التأكيد يجري بالأخص على اللسان العربي؛ لا بل إنه لَرأي واسع الشيوع نوعًا ما في البلدان الناطقة به أنه كان اللغة الأصلية للإنسانية[2]. لكن الأمر اللافت للنظر – وهو ما جعلنا نعتقد بأن الحالة عينها تنطبق على اللسان العبري – هو أن هذا الرأي العامي واهي الأساس وفاقد الحجة، من حيث إنه على تناقض صريح مع التعليم النقلي الحقيقي للإسلام القائل بأن "لسان آدم" كان اللغة السريانية، التي لا تمت إلى البلد المسمى "سوريا" حاليًّا، ولا إلى أية ألسنة متفاوتة في القِدَم بقيت محفوظةً في ذاكرة بني البشر حتى يوم الناس هذا. فـ"اللغة السريانية" هذه، حَسب تأويل هذا اللفظ، هي لغة "الشمس الإشراقية" تحديدًا؛ إذ إن لفظ سوريا Sūriā هو في الواقع اسم الشمس باللغة السنسكريتية، وهذا دليل، على ما يبدو، على أن جذر هذا الاسم سور sur (وهو واحد من الجذور المشيرة إلى النور) ينتمي بعينه إلى هذه اللغة الأصلية. إنها، إذن، "سوريا" القديمة التي قال عنها هوميروس إنها جزيرة واقعة "فوق أورتيجيا"، مما يُطابق بينها وبين تولا Tula الشمال الأقصى Hyperborée، و"فيها منقلَبات الشمس"[3]. وعاصمة هذا البلد، حسب [المؤرخ اليهودي][4] يوسيفُس، كانت تُسمَّى هليوپوليس Héliopolis، "مدينة الشمس"[5]، وهو اسم أطلِقَ أيضًا فيما بعد على المدينة المسماة أوْن On في مصر الفرعونية، مثلما كان اسم طيبة Thèbes أولاً من أسماء عاصمة أورتيجيا. وإنه لَمِن المفيد دراسة تناقُل هذه الأسماء على التتالي، وغيرها كثير، فيما يخص نشأة المراكز الروحية الثانوية لمختلف الفترات التاريخية، وهي نشأة وثيقة الصلة بنشأة الألسنة التي قُدِّر لها أن تُستعمَل كـ"مركَبات" للأشكال النقلية الموافقة لها. وهذه الألسنة هي وحدها اللغات التي يجوز أن تُدعى بـ"اللغات الحَرام" langues sacrées ["لغات الخواص"]؛ إذ تقوم صحة مناهج القبالة بالدقة على التمييز الأساسي بين اللغات الحَرام وبين "ألسنة العوام" أو الألسنة الدنيوية، شأن هذه المناهج كشأن عمليات مشابهة نقع عليها في منقولات أخرى.

فنقول ما يلي: كما يتكون المركز الروحي الثانوي على صورة المركز الأعلى والقديم، كما شرحنا ذلك في دراستنا عن ملك العالم[6]، يجوز لنا أن نرى إلى اللغة الحَرام، أو "القدسية" hiératique إذا شئتم، على أنها صورة أو صدى للغة الأصلية، التي هي اللغة الحَرام المثلى والتي هي "الكلمة المفقودة" أيضًا، أو بالأدق، المحتجبة عن إنسان "عصر الظلام"[7]، مثلما أضحى المركز الأعلى محتجبًا عن بصره وبعيدًا عن متناوله. إلا أننا لسنا بتاتًا هنا بإزاء "نتف وتحريفات" [كما جاء في الدراسة أعلاه]، بل على العكس، بإزاء تكييفات نظامية حتمتْها ظروفُ الزمان والمكان، أي بالمختصر، حَسب تعليم سيدي محيي الدين بن عربي في مستهل الباب الثاني من الفتوحات المكية، اضطرار كل نبي أو ناقل وحي إلى استعمال لسان يفهمه سامعوه، لسان أخص تلاؤمًا بالتالي مع عقلية شعب بعينه في حقبة بعينها. وعلة ذلك هي عينها علة تنوع الأشكال النقلية؛ وهذه العلة هي التي تستتبع، كمعلول مباشر، تنوعًا في اللغات التي يُقيَّض لها أن تُستعمَل كوسائل للتعبير عن كلٍّ من هذه الأشكال. وبالتالي، فإن اللغات الحَرام كافة هي التي ينبغي النظر إليها على أنها حقًّا صنيعة "ملهَمين"، وإلا لما جاز لها أن تضطلع بالدور الذي أنيط بها أساسًا. أما فيما يخص اللغة البدئية، فأصلُها "غير بشري" لا محالة، كما هو أصل المنقول القديم نفسه؛ وتتسم كل لغة حَرام بهذه الخاصية، من حيث إنها، في مبانيها وفي معانيها، صدى لهذه اللغة البدئية. إلى ذلك، يمكن لهذا الأمر أن يُترجَم بطُرُق مختلفة، ليست لها الأهمية نفسها في كل حالة على حدة، لأن مسألة التكييف تدخل هنا مرة أخرى بالحسبان: تلك هي، على سبيل المثال، حالُ الشكل الرمزي للعلامات المستعمَلة للكتابة[8]، وكذلك حال التوافق بين الأعداد والحروف، وبالتالي بين الأعداد والكلمات المؤلَّفة من هذه الحروف، وبالأخص في اللسانين العبري والعربي.

من العسير قطعًا على أهل الغرب أن يستبينوا ماهية اللغات الحَرام في حقيقتها لأنهم، في الظروف الحالية على الأقل، ليسوا على صلة مباشرة مع أي واحدة منها. وبوسعنا أن نذكِّر بهذا الصدد بما سبق وألمعنا إليه في مناسبات أخرى بشأن صعوبة استيعاب "العلوم النقلية" sciences traditionnelles، وهي أكبر بكثير من صعوبة استيعاب التعاليم من رتبة ميتافيزيقية صرف، وذلك بسبب طابع هذه العلوم التخصصي الذي يربطها ربطًا لا تُفصَمُ عُراه بهذا الشكل النقلي بعينه أو ذاك، بما لا يسمح بنقلها كما هي عليه من حضارة إلى أخرى، تحت طائلة جعلها مبهمة كل الإبهام، أو التوصل بها إلى نتائج موهومة، لا بل خاطئة تمامًا حتى. كذا فَلِفَهم مرمى رمزية الحروف والأرقام كلها فهمًا فعليًّا، يجب عيش هذه الرمزية، إذا جاز القول، بكل تطبيقاتها في ظروف الحياة المألوفة حتى، كما هو متاح في بعض بلدان الشرق؛ غير أنه من رابع المستحيلات ادعاء إقحام اعتبارات وتطبيقات من هذا القبيل على اللغات الأوروبية، التي لا تناسب هذه الأغراض بتاتًا والتي لا تقابل حروفَها قيمٌ عددية أصلاً[9]. فالمحاولات التي شاء بعضهم أن يتنطع لها على هذا الصعيد من الأفكار، خارج نطاق أي معطيات نقلية، هي بالتالي ضالة زائغة من نقطة انطلاقها؛ وحتى لو اتفق لبعضهم أحيانًا أن يتوصل إلى بضع نتائج صحيحة، في مجال حساب النيم[10] على سبيل المثال، فإن هذا لا يبرهن على صحة العمليات المتَّبعة ولا على شرعيتها، وإنما ينمُّ فقط عن وجود نوع من الملَكة "الحدسية" (لا جامع بينها طبعًا وبين الكشف العقلي intuition intellectuelle الحق) عند واضعي هذه العمليات موضع التطبيق، كما يحصل في الواقع مرارًا في "فنون العرافة"[11].

في شرح سيدي محيي الدين على المبدأ الميتافيزيقي لعلم الحروف، ينظر الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية إلى الكون مرموزًا إليه بكتاب مسطور: هذا هو نفسه رمز كتاب العالم Liber Mundi المعروف عند أصحاب وردة الصليب، وكذلك رمز سِفْر الحياة Liber vitæ الوارد ذكره في رؤيا يوحنا[12]. وإن القلم الإلهي هو الذي سطَّر أصلاً حروف هذا الكتاب جمعًا لا على التفصيل؛ وهذه "الحروف العاليات" هي الأعيان الثابتة أو المُثُل الإلهية[13]. وإذ إن كل حرف هو في الآن نفسه عدد، يُلحظ التوافقُ بين هذا التعليم وبين المذهب الفيثاغورثي. وهذه الحروف العاليات نفسها، التي هي مجموع المخلوقات، إذ تكثَّفتْ أصلاً في علم الله الكلي، تنزَّلت من بعدُ، بالنَّفَس الإلهي، إلى السطور السفلى، فكوَّنت الكون المتجلِّي وصوَّرتْه. وهنا لا مناص لنا من إجراء مقارنة مع الدور الذي تلعبه الحروف، بالمثل، في عقيدة سِفِر يصيره ספר יצירה في نشأة الكون؛ فلعلم الحروف أهمية تكاد أن تكون هي نفسها في كلا القبالة العبرية والتصوف الإسلامي[14].

انطلاقًا من هذا المبدأ، يُفهم من دون مشقة التوافقُ القائم بين الحروف وبين مختلف أجزاء الكون المتجلِّي، وبالأخص أجزاء عالمنا. إذ إن وجود توافقات وقرانات بين الكواكب والبروج من هذا القبيل معروف، فلا نتوقف عنده، مكتفين بالإشارة إلى أنه يُحكِم شدَّ الوثاق بين علم الحروف والنجامة astrologie بوصفها من علوم "الكونيات"[15]. إلى ذلك، وبموجب المقايسة التكوينية بين "الكون الصغير" microcosme و"الكون الكبير" macrocosme، يوافق كلٌّ من هذه الحروف عضوًا من أعضاء بدن الإنسان؛ وبهذا الخصوص، نشير تلميحًا إلى وجود تطبيق علاجي لعلم الحروف، حيث يُستعمَل كلُّ حرف استعمالاً بعينه لشفاء الأدواء التي تصيب العضو الذي يوافقه خصوصًا.

يستتبع ما قلناه لتوِّنا أنه يجب النظر في علم الحروف تبعًا لرُتَب مختلفة، يجوز إرجاعها إجمالاً إلى "العوالم الثلاثة"[16]: فعلم الحروف، محمولاً على معناه الأعلى، هو معرفة الأشياء كلها في عين مبدئها، بصفتها "أعيانًا ثابتة" تتعالى عن التجلِّي برمته؛ وعلى معناه "الأوسط"، إذا صح التعبير، علم الحروف هو علم التكوين، أي معرفة صنع العالم المتجلِّي أو تشكيله؛ وأخيرًا، على معناه الأدنى، هو معرفة خواص الأسماء والأعداد، بصفتها تعبِّر عن طبيعة كل موجود، وهي المعرفة التي تتيح بواسطتها، في جملة ما تتيح، على سبيل التطبيق وبفضل التوافق بين الأسماء والأعداد وبين الموجودات، ممارسة عمل من رتبة "السحر" على الموجودات نفسها وعلى الأحداث التي تخصُّها. فبالفعل، حسبما يشرح ابن خلدون في مقدمته، تتمتع الطِّلَسْمات المكتوبة، إذ هي مؤلَّفة من العناصر [الحروف] نفسها المكوِّنة لكلية الموجودات، وبحُكْم خاصيتها هذه، بقدرة التأثير على هذه الموجودات. ولهذا فإن معرفة اسم موجود ما، بما هو تعبير عن طبيعته، تمنح سلطانًا عليه؛ وهذا هو أحد تطبيقات علم الحروف الذي عادةً ما يشار إليه باسم السيمياء[17]. ومن الحري ملاحظة أن السيمياء تتخطى بكثير مجرد عمليات "العرافة" كافة: إذ يمكن أولاً، بحساب الأعداد الموافقة للحروف والأسماء، التوصل إلى التنبؤ بأحداث بعينها[18]؛ إلا أن هذا ليس سوى الدرجة الأولى، درجة المبتدئين إذا جاز القول، إذ يمكن من بعدُ إجراء تحويلات [فلكية] على نتائج هذا الحساب من شأنها أن تؤدي إلى تعديل موافق في الأحداث ذاتها[19].

وهاهنا أيضًا يجب التمييز بين درجات جد مختلفة، كما هي حال المعرفة نفسها التي ليست السيمياء إلا تطبيقًا عمليًّا من تطبيقاتها: فعندما يمارَس هذا العملُ في عالم المحسوسات فحسب، نكون في الدرجة الدنيا، وفي هذه الحالة فقط يجوز الكلام على "السحر". ولا يصعب تذهُّن أننا نتعامل مع أمر من رتبة مختلفة تمامًا حين نكون بإزاء عمل له وَقْع في العوالم العُلوية: ففي هذه الحالة، نكون بالطبع بإزاء عمل من رتبة "المُسارَرة" initiation بالمعنى الأتم للكلمة؛ ووحده الذي بلغ درجة "الكبريت الأحمر" قادر على العمل فعليًّا في العوالم كافة. وتسمية "الكبريت الأحمر" هذه تشير إلى مُماثَلة، ربما قد تفاجئ بعض الناس، بين علم الحروف والكيمياء[20]: فَكِلا هذين العِلمين، بالفعل، إذ يؤخذان على معناهما العميق، ليسا في الواقع غير علم واحد؛ وما يعبِّران عنه كلاهما، وإنْ في مظاهر جد مختلفة، ليس سوى سيرورة المُسارَرة بعينها التي تكرِّر بدقة متناهية سيرورة التكوين، حيث إن التحقُّق التام لإمكانات أحد الموجودات يحصل بالضرورة مرورًا بأشواط تحقُّق الكون الكلِّي نفسها[21].



* Voile d’Isis, février 1931 ; repris dans René Guénon, Symboles de la Science sacrée, Gallimard, 1962, pp. 50-56.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المنقولات الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] Cf. F. Warrain, La Théodicée de la Kabbale, éd. Vega, Paris.

[2] شائع كذلك قولهم إن العربية هي "لغة أهل الجنة"؛ وتأويله، بغض النظر عن سذاجته إذا أخِذَ على محمل حرفي، أن اللغة التي نطق بها آدم، "أبو البشر"، أي اللغة الأصلية التي نطقت بها إنسانيتنا في دورها الحالي، هي عينها اللغة التي سيُنطَق بها في نهاية هذا الدور. (المحرِّر)

[3] راجع: هوميروس، الأوديسة، النشيد 15: 403-405. أورد گينون في الأصل الفرنسي أن الجزيرة المذكورة هي أوجيجيا Ogygie، بينما الصحيح أنها أورتيجيا Ortygie، لأن أوجيجيا، كما ورد مرارًا في النص الهوميري، هي الجزيرة التي احتجزت فيها الإلهة كاليپسو بنت أطلس البطل عوليس طوال سبع سنين على أمل أن يُغرَم بها وينسى موطنه إيثاكي (النشيد 7: 244 وما بعده). أما جزيرة تولا، الواقعة في أقصى الشمال، فهي، حسب مصادر گينون، المركز الأعلى الذي انطلق منه الإشعاع الروحي للمنقول القديم في بداية دور الإنسانية الحالي. (المحرِّر)

[4] ما بين معقوفتين [...] من إضافة المدقق توضيحًا للمقصود. (المحرِّر)

[5] هي الحصن الشمسي عند أصحاب وردة الصليب، مدينة الشمس عند [الراهب الدومينكاني توماسو] كمپانيلا، إلخ. وإلى هذه الـ"هليوپوليس" الأولى ينبغي في الواقع إرجاع رمزية طائر الفينكس [العنقاء] الدورية.

[6] Cf. René Guénon, Le Roi du monde, Gallimard, 1958.

[7] إشارة إلى الـكالي يوگا Kali-yuga، عصر الدم والحديد والنار، رابع (وآخر) أعصر دور إنسانيتنا الحالي الذي بدأ منذ أكثر من 5000 عام حَسب العقائد الهندوسية. (المحرِّر)

[8] يمكن أن تطرأ على هذا الشكل تعديلات تُوافق عمليات إعادة تكييف نقلية لاحقة، كما حصل للسان العبري بعد الأسْر البابلي؛ وهنا نتكلم على "إعادة تكييف" réadaptation، لأنه من المستبعد أن تكون الكتابة العبرية القديمة قد ضاعت حقًّا إبان فترة السبعين عامًا القصيرة من السبي، حتى إننا لَنعجب من عدم انتباه الناس عمومًا إلى ذلك. وقد طرأت وقائع من النوع نفسه لا محالة، في حقب متفاوتة في القِدَم، على كتابات أخرى، وخصوصًا على الأبجدية السنسكريتية، وإلى حدٍّ معين، على رسوم الكتابة الصينية.

[9] كلام گينون هنا غير دقيق تمامًا؛ فهو لا ينطبق، مثلاً لا حصرًا، على اللغة اليونانية القديمة التي كان لكل حرف من حروفها قيمة عددية، على غرار حروف الأبجدية الفينيقية التي اشتُقتْ منها، ولا على اللسان الفرنسي القديم الذي أتاحت إمكاناته العددية لمتنبِّئ مثل نوستراداموس وضع "رباعياته" عملاً بأحكام علم قريب الشبه من الزايرجة الشهيرة المنسوبة للسبتي، الصوفي المغربي. (المحرِّر)

[10] هو الحساب الذي يستنبط طباع فلان من الناس ومصيره، غالبًا أو مغلوبًا، من حروف اسمه؛ وهو مذكور، كما يورد ابن خلدون في المقدمة، في آخر كتاب السياسة المنسوب لأرسطو، الأمر الذي يؤكد وجود هذا العلم عند الإغريق. (المحرِّر)

[11] يبدو أننا نستطيع أن نقول القول نفسه في النتائج التي يتحصل عليها التنجيم الحديث، البعيد كل البعد عن النجامة النقلية الحق، على الرغم من المظاهر "العلمية" لمناهجه؛ فالنجامة النقلية، التي ضاعت مفاتيحها فعلاً على ما يبدو، لم تكن قط مجرد فنٍّ من "فنون العرافة"، وإنْ كانت قابلةً طبعًا لتطبيقات من رتبة العرافة، لكنْ بصفة ثانوية و"طارئة" تمامًا.

[12] [رؤيا 21: 27.] لقد سبق لنا أن أشرنا في مناسبة أخرى إلى الصلة بين رمزية "سِفْر الحياة" هذه وبين رمزية "شجرة الحياة" [رؤيا 22: 19]، حيث تمثل أوراق الشجرة وحروف الكتاب على حدٍّ سواء جميع موجودات الكون ("العشرة آلاف موجود"، وفق منقول الشرق الأقصى).

[13] "الحروف العاليات"، حسب تعريف الجرجاني، "هي الشئون الذاتية الكامنة في غيب الغيوب، كالشجرة في النواة" (التعريفات). (المحرِّر)

[14] تجدر الإشارةُ أيضًا إلى أن "كتاب الكون" هو في الآن نفسه "الرسالة الإلهية"، "إمام" الكتب الشريفة كافة؛ والكتب النقلية ليست سوى ترجمات لهذه الرسالة الإلهية إلى الألسنة البشرية: ذلك مؤكد تأكيدًا صريحًا في ڤيدا Veda الهنود وفي القرآن الكريم؛ كما أن فكرة "الإنجيل الأزلي" تبيِّن أيضًا أن هذا التصور نفسه ليس غريبًا تمامًا عن المسيحية أو أنه، على الأقل، لم يكن غريبًا عنها دومًا.

[15] ثمة توافقات أخرى أيضًا: مع العناصر [الإسطقسات]، والصفات المحسوسة، والأفلاك السماوية، إلخ؛ وحروف الأبجدية العربية الـ28 ذات علاقة بالطبع بمنازل القمر.

[16] المقصودة هي: العالم الجسماني والعالم النفساني والعالم الروحاني. (المحرِّر)

[17] لفظ سيمياء لا يبدو عربيًّا محضًا؛ إنه آتٍ على الأرجح من كلمة سيميا sêmeia اليونانية التي تعني "إشارات"، مما يجعله معادلاً لاسم جيمطرِية גימטריה‎ [حساب الجُمَّل] القَبالي، ذي الأصل اليوناني أيضًا والمشتق لا من جومطريا geometria [هندسة]، كما يقال في الغالب، بل من غراماتيا grammateia (من غراماتا grammata، "حروف" باليونانية).

[18] يمكن التوصل أيضًا، في بعض الحالات، اعتمادًا على حساب من النوع نفسه، إلى حل مسائل من رتبة عقيدية؛ وهذا الحل يتبدى أحيانًا على هيئة رمزية شديدة اللفت للنظر.

[19] كما في الزايرجة مثلاً (راجع مقدمة ابن خلدون، آخر المقدمة السادسة من الفصل الأول من الكتاب الأول). (المحرِّر)

[20] من ألقاب سيدي محيي الدين بن عربي "الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر".

[21] إنه لَمِنَ العجب، على أقل تقدير، أن نلحظ أن الرمزية الماسونية نفسها، التي تلعب فيها "الكلمة المفقودة" والبحث عنها دورًا هامًّا، تخص درجات المُسارَرة بألفاظ مستقاة في وضوح من علم الحروف: "تهجئة"، "قراءة"، "كتابة". و"المعلم" [الماسوني]، الذي من ألقابه لقب "لوح التسطير"، لو أنه كان ما يجب أن يكونه حقًّا، لما تمكن من قراءة "سِفْر الحياة" فحسب، بل لاستطاع أن يسطِّر فيه أيضًا، أي أن يعاون واعيًا على تحقيق خطة "مهندس الكون الأعظم" – ومنه، نستطيع أن نحكم على المسافة الفاصلة بين حيازة هذه الرتبة اسمًا وبين حيازتها فعلاً.

رواقية - ألان

الأربعاء, شباط 10th, 2010

رواقـيَّـة*

alain_1

ألان**

ربما لم يُحسن الناسُ الاستفادةَ من الرواقيين ذائعي الصيت، وكأن هؤلاء لا يعلِّموننا إلا مقاومة الطاغوت والاستخفاف بالعذاب. أما أنا فيستبين لي أكثرُ من استعمالٍ لحكمتهم الباسلة – ببساطة، ضد المطر والعاصفة. تفكُّرهم كان يقوم، كما هو معلوم، على بادرة للانفصال عن الشعور الأليم، والنظر فيه كموضوع، ومخاطبته: "أنتَ من الأشياء، لست منِّي." وعلى العكس، مَن لا يجيدون بتاتًا فن الحياة حياةَ الملوك على بساط حقير يتركون العاصفة تجتاح دواخلهم، ويقولون طواعية: "أحس بالعاصفة قادمةً من بعيد، وأنا نافد الصبر ومرهَق في آن معًا… فارعدي، إذن، يا سماء!" إن هذا لمن قبيل التشبُّه بحياة الحيوان، مع الفكر زائدًا. إذ إن الحيوان، على ما يبدو، تكيِّفه برمته العاصفةُ القادمة، مثلما أن النبتة تنحني للشمس الحارقة وتنتصب في الظل؛ لكن الحيوان لا يعرف عن الأمر الشيء الكثير، مثلما أننا في النوم الخفيف لا نعرف إنْ كنا مبتهجين أم مكتئبين. هذه الحال من الخَدَر تصلح للإنسان أيضًا وتريحه دومًا، حتى في غمرة أشد أنواع المشقة، شريطة أن يسترخي التعيس كل الاسترخاء – وأعني هذا حرفيًّا: على جميع الجوارح أن تكون حسنة الاتكاء، وعلى جميع العضلات أن ترتخي؛ فثمة فنٌّ في التكوُّم المريح، هو ضرب من التدليك من الداخل، وهو نقيض التشنج، علة الغضب والأرق والجزع. فللذين يعجزون عن الخلود إلى النوم، أقول بطيب خاطر: "تمثَّلوا بالقط النافق!"

والآن، إذا لم يتمكن المرء من النزول إلى هذه الحال الحيوانية، التي هي الفضيلة الأپيقورية صرفًا، إذ ذاك عليه أن يتنبَّه تنبهًا شديدًا، وأن يثب، إذا جاز القول، إلى الفضيلة الرواقية؛ إذ إن كلتا الفضيلتين حسنة، وبين بينهما هو الذي لا يجدي نفعًا. فإذا لم يكن المرء يقوى على الغوص في الحال العاصفة أو المطيرة، عليه عندئذٍ أن يدفعها عن نفسه دفعًا، أن ينفصل عنها، فيقول: "إنْ هذا إلا مطر وعاصفة، وليس أنا." وأصعب منه، جزمًا، متى تعلق الأمر بملامة مجحفة، أو خيبة، أو غيرة؛ فهذه الحشرات الضارة تعلق بك. مع ذلك، يجب على المرء أن يجترئ على القول في الآخِر: "لا عجب إذا وجدتُني بعد هذه الخيبة على هذه الحال من الكآبة، فالأمر طبيعي كالمطر والريح." هذه النصيحة تغيظ أصحاب الأهواء؛ فهم يُكرهون أنفسهم، يقيِّدونها، يعتنقون عذابهم. أشبِّههم بطفل يصيح كالجحش، فيبلغ به اغتياظُه من شدة حمقه أنه يصيح صياحًا أشد. بوسعه أن يعتق نفسه بنفسه بقوله: "طيب، فماذا إذن؟ إنْ هو إلا طفل يصيح." لكنه لا يجيد الحياة بعد. فضلاً عن أن فن الحياة لا تجيده غير قلة قليلة. لكني أرى أن واحدًا من أسرار السعادة هو عدم اكتراث المرء بمزاجه؛ بذا، فإن المزاج، إذ يُستهان به على هذا النحو، تراه يهوي من جديد في الحياة الحيوانية، كأنه كلب يرجع إلى بيته. وهاكم، فيما أرى، واحد من أهم أبواب الأخلاق الحقة – انفصال المرء عن أخطائه، عن حسراته، عن ويلات التفكر كلها، والقول: "هذا الغضب سيزول متى شاء." فهذا الغضب، شبيهًا بطفل لا يُلقَ بالٌ إلى صياحه بتاتًا، يزول في الحال. جورج صاند[1] – وهي صاحبة نظر نافذ – أجادت تمثيل هذه النفس المَلَكية في روايتها كونسويلو، وهو عمل قوي، غير مقروء إلا قليلاً.

13 آب 1913

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Stoïcisme », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 167-169.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هي الأديبة الفرنسية أورور دوپان (1804-1876)، الملقبة بجورج؛ استلهمت في رواياتها الحياة العاطفية والاجتماعية والقروية، ومنها: ليليا (1833)، كونسويلو (1842-43)، البركة ذات الشيطان (1846)، فاديت الصغيرة (1849). (المحرِّر)

المادية الروحية والروحانية - ديمتري أڤييرينوس

الأثنين, شباط 8th, 2010

"المادية الروحية" والروحانية

ديمتري أڤييرينوس

الأنا المادية والذات الروحية لا يمكن
لهما أن تلتقيا أبدًا، وعلى إحداهما
أن تتوارى، لأنه لا مكان ثمة لاثنين.

هـ.پ. بلاڤاتسكيا، صوت الصمت

لا بدَّ أن بعضنا تناهى إلى سمعه التصريح المنسوب إلى الكاتب وذواقة الفن أندريه مالرو في أواخر ستينيات القرن الفائت: "القرن الحادي والعشرون سوف يكون روحيًّا spirituel (وبعضهم ينقل عنه قوله: "صوفيًّا" mystique) أو لن يكون!" فما مقدار صحة نبوءة المفكر الفرنسي الكبير، بقطع النظر عن صحة نسبتها إليه؟ وماذا ترانا نعاين في واقع عالم اليوم، نحن الذين حبتْهم الأقدارُ أن يكونوا من أبناء هذا القرن الوليد؟

إذا فحصنا جادين عن مجريات الأمور في العالم إجمالاً، لا مناص لنا من الاعتراف بأن الأمل المعقود على العلم والتكنولوجيا قد خاب خيبة مروعة. فعلى الرغم من التقدم الباهر الحاصل في هذا المضمار، ولاسيما في مجال تقنيات الاتصال، وعلى الرغم من التحسن الملحوظ في متوسط مستوى المعيشة لدى مجتمعات بلدان الشمال (في مقابل تراجُع مساو فيه لدى مجتمعات بلدان الجنوب)، وبصرف النظر عن الأزمة الاقتصادية الحالية، من المؤكد أن العلم والتكنولوجيا لم يفيا بالوعود التي لوح بها أصحاب المذهب العلموي scientism، فلم يمنحا البشر السعادة المنشودة، ولم يلبيا حتى الهاجس الأمني الذي لا تزال تهجس به غالبية الدول – بحيث إن العالم، بعد أن شهد شططًا في اتباع المذهب العقلاني rationalism، بات يشهد طامة لاعقلانية irrationality تُطلَق عليها اليوم، بكل صفاقة، تسميةُ "روحانية" spirituality!

لا يجوز لنا إنكار ظهور تيار روحي قوي بين أبناء هذا الجيل. لكن هذا التيار، في الغالب الأعم، إما يُجيَّر لصالح الطائفية والتعصب الأعمى (بالأخص لدى الفئات الفقيرة المهمَّشة من المجتمع التي يسهل على "الكبار" التلاعب بغرائزها)، وإما يُحرَف عن مساره حرفًا حاذقًا نحو ما أسماه المعلم البوذي التبتي تشوگيَم ترُنْگپا "المادية الروحية" spiritual materialism، قاصدًا بها تفتيش الناس، في نوع من التدين الرخو والشغف المَرَضي بالغيبيات، عن الراحة النفسية والأمان اللذين عجزوا عن العثور عليهما في الترف المادي.

كل إنسان فهو لا يني يسعى إلى السعادة، فيجعل منها دينه وديدنه. إنه، إذ لا يعي أن الغبطة هي كنه طبيعة الإنسان الأصلية، تراه يفتش عنها خارج ذاته: في تكديس الخيرات المادية، في السلطان وما يرافقه من نفوذ، في مراكمة المعلومات، في استدرار تقدير الآخرين وعطفهم، إلخ. إن مثل هذا المسعى لا يُرضي صاحبه أبدًا، لأن المرء قلما يكتفي فيه بما عنده، ولا ينفك يطلب المزيد[1]: المزيد من الثروة والجاه، المزيد من النفوذ، المزيد من المعلومات، المزيد من العطف، إلخ. مهما يكن من أمر، لا مناص من الاعتراف بأن الموقف المبطِّن للمسعى السابق موقف مادي (= نفعي). إذ إن المعرفة، حتى الفلسفية منها، مثلها كمثل الثروة والنفوذ، باتت تُعامَل معاملة "الشيء"، أي ما يمكن اكتسابه والاستئثار به؛ بالمثل، يمكن لوالد أو صديق أو عشيق أن يصير على هذا النحو، من حيث لا نعي، محل استئثار.

هذه "المادية الروحية" – وهي روحانية كاذبة – عبارة عن ثبات على هذا الموقف النفعي إياه حيال القيم الروحية أيضًا، وبالتالي، سعي في "اكتساب" الحكمة والاستنارة وكأنهما شيئان خارجيان ليسا فينا أصلاً؛ وعكسها الروحانية الحق، التي هي، بكل بساطة، التخلي عن شهوة الاستئثار بأي شيء كان، التخلي عن كل تعلق attachment، مهما كان نوعه. فعدم التعلق هو من الروحانية الحق أسُّها وأساسها. فماذا نقصد هنا بعدم التعلق، أو لنقل جوازًا، "اللاتعلق" detachment؟

على المرء أن يطهِّر نفسه، طبيعته البشرية، من كل ما ينتمي إلى الحياة المادية الدنيوية، وذلك برؤيتها على ما هي عليه وعدم التعلق بها. لكن الحياة المادية الدنيوية ليست مجرد التماس الحسي أو الذهني مع الأشياء المادية؛ فالمادة في كل مكان، وهي قوام الجسم البشري، وليس منها مهرب. ومنه، فإن الحياة الدنيوية ليست، في جوهرها، مجرد التماس مع المادة، بل موقف التعلق وشهوة الاستئثار. هناك فارق شاسع بين العلاقة التي نعقدها مع الأغراض والأفكار والأشخاص في حال وجود شهوة الاستئثار بها وبهم وبين هذه العلاقة عينها في حال غياب هذه الشهوة. ومنه، لا بدَّ للمرء من اجتثاث شهوة التملك والاستئثار هذه من جذورها إذا ما شاء أن يمضي من موقف دنيوي نفعي إلى الموقف الروحاني الخالص من كل تعلق.

صفوة القول، إذن، إن اللاتعلق ليس التحول عن الأشياء التي توصف بأنها "مادية" لصالح أشياء غير مادية أو "روحية" مزعومة. بعبارة أخرى، إذا لم يجد الإنسان سعادة مستديمة في ثروته المادية فهذا ليس بسبب خاصيتها "المادية"، بل بسبب استئثاره بها ووهمه بأنه "يمتلكها". لذا ليس من الضروري بتاتًا الإصرار على الزهد والتجرد: لا بأس البتة في العيش عيشًا معقولاً، إنْ من حيث وسائل الراحة (وهي غير الترف) في المسكن، وإنْ من حيث جودة المأكل والملبس؛ كما أن المقصود ليس ذم العلم والتكنولوجيا، اللذين أصبحا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية والمهنية، ولا، بطبيعة الحال، ذم التفكر الفلسفي العملي، الضروري لتأهيل العقل على التمييز الدائم بين الصالح والطالح؛ كذلك، ليس مطلوبًا من أحد إبطال حساسيته حيال مودة الآخرين، ولا تمجيد الفقر والعيش عيشة النساك – بل إن موقف الاعتدال المتزن هو الموقف الأصح دومًا[2].

لا يحدُّ المرء من تعلُّقه بإزالة موضوعات التعلق من حياته – فهذا موقف لا يدل على نضج داخلي –، بل يحدُّ منه بالنظر إلى كل شيء من دون شهوة امتلاكه أو الاستئثار به، سواء تعلق الأمر بالتعامل مع أغراض الاستهلاك اليومي، أو مع البشر الذين يحيطون بنا (من الأقارب كانوا أم من الأباعد)، أو مع المنزلة الاجتماعية والمهنية، أو مع التعليم الروحي بالذات؛ وبعبارة موجزة، وحده التجمُّل بخصلة الكرم أو الإيثار يحدُّ من التعلق والاستئثار وينمي فينا الزهد الحقيقي.

لتحقيق ذلك، لا بدَّ من إدراك أن جميع الأغراض الأثيرة إلى نفوسنا إنْ هي إلا استطالات خارجية لحسِّ الأنية ego. فالأنية تنتفخ بالثروة، بالسلطان وما يستتبع من نفوذ، بسعة المعلومات، بالمودة التي تستدرها من الآخرين؛ وهي تنتفخ أيضًا من جراء مساعيها المحمومة في الاستيلاء على ما تظنه من قبيل "الروحانية"، وهو ليس من الروحانية الحق في شيء. الذات الإلهية في الإنسان ليست قطعًا "أنا فائقة" مضخمة! فجميع الحكماء، جميع المعلمين الروحيين الكبار، بلا استثناء، قالوا بأن الروحانية هي ما يتجلى في الإنسان عندما يهمَّش حسُّ الأنية لديه، فلا تتعدى منزلته من الذات الحق منزلة المرآة من الصورة الأصلية، أو منزلة القمر من الشمس إذ يعكس نورها صافيًا بكل تواضع: "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبَر" (حديث شريف).

لقد كان من أبرز "أعمال" البطل الإغريقي هرقل في الميثولوجيا اليونانية ذبح الهيدرة اللايرنية Lærnean Hydra، الثعبان ذي الرؤوس التسعة، التي يتصف أحدها بالخلود ويرمز إلى حسِّ الأنية باستطالاته الثمانية (الشهوات الثماني الأساسية). وتروي القصة، من غير الدخول في مقدماتها، أن هرقل ("مجد هيرا"، النظر العقلي)، ما إن سحق أحد رؤوس الوحش بهراوته حتى نبت مكانه رأسان اثنان، وهكذا دواليك؛ فلم يتمكن من قتل الهيدرة أخيرًا إلا بمعونة ابن أخيه إيولاوس ("فراشة"، الذهن العملي)، رفيقه المخلص الذي، كلما قطع عمُّه أحد الرؤوس الثمانية، بادر هو إلى كيِّ أصله حتى لا ينبت من جديد؛ ثم قام الاثنان بدفن الرأس التاسع الخالد تحت صخرة ضخمة[3]. ولعمري، إنها قصة جديرة بالتفكر في رموزها مطولاً!

إناء فخاري إغريقي مرسوم عليه هرقل وإيولاوس يقتلان الهيدرة.

يعتمل في أعماق كلٍّ منا شوق لافح مشروع إلى تحقيق الألوهية فينا الذي هو جوهر الروحانية؛ إذ إن النفس البشرية مفطورة على محبة الحق والخير والجمال (صفات الإله عند أفلاطون)، وتشوُّقنا إلى ما هو حق وخيِّر وجميل دليل على أن الإلهي كامن فينا أصلاً، مثلما أن وجود دافع الجوع البيولوجي فينا دليل على وجود الطعام (ميخائيل نعيمه). غير أننا غالبًا ما نستنكف من التخلي عن حسِّ الأنية، أي عن مركزية الأنا egocentricity في حياتنا، فترانا نوهم أنفسنا بأننا إذا تبنينا لغة روحية في التعبير ووضعنا على وجوهنا قناع الروحانية فهذا حسبنا لكي نكون "روحانيين" (ما أكثر أبناء جيلنا الذين يتشدقون بأنهم "متصوفون"!)؛ لكن هذا اللبس الفادح ليس من شأنه إلا أن يعسِّر "يقظة الفطنة" (كريشنامورتي) فينا، بل أن يجعلها متعذرة حتى.

يتلخص عمل الباحث عن الحقيقة أو طالب الحكمة في السلوك المخلص على الدرب الذي يقود إلى نكران النفس في سبيل الكل. لقد قالت السيدة بلاڤاتسكيا بما لا يدع مجالاً لأي لبس: "الثيوصوفيا [الحكمة الإلهية] الحق هي الزهد الأكبر في النفس".

من شأن نكران النفس أن ينتج منه، بكل بساطة ومن غير بذل أي جهد، عدم التعلق بالأغراض الخارجية؛ وعكسه غير صحيح: إذ إن "الزهد" الذي نفرضه على أنفسنا قسرًا قد يكون نوعًا من تضخيم الأنا. التوجه إلى الحق من غير التخلي عن مركزية الأنا، أو توهُّم المرء أصلاً أن بوسعه أن يتوجه إلى الحق من غير التخلي عن هذه المركزية – تلكم هي "المادية الروحية"، وهي قطعًا طريق مسدود؛ ناهيكم أن آثارها علينا مفسدة لا محالة، وذلك لأنها تستبقينا في وهم الانفصال عن ألوهيتنا الأصلية. لذا لا مناص لنا من فضح هذا الوهم والتحرر منه لنضع الأساس للروحانية الحق، وذلك بالتصدي لجذر ما يستبقينا في وهم الانفصال ذاك: الأنية، أم شهوة الاستئثار وسائر أشكال التعلق، بكل الشقاء الناجم عنه.

إن جميع النزاعات التي تبلبل العالم – أيًّا كان مستواها: النفسانية الفردية منها، والجماعية المسلحة، وما بينهما – تضرب بجذورها في تربة التعلق وشهوة الاستئثار. ومنه، فإن حل جميع النزاعات هو في زوال مركزية الأنا، لأن زوال مركزية الأنا هو بعينه نهاية التعلق والخطوة الأولى – والأخيرة – على درب الروحانية الحق.



[1] راجع: ألان، "في المرج الكبير"، سماوات: http://samawat.org/texts/grande_prairie_alain.

[2] راجع مقالنا الافتتاحي بعنوان "الاتزان الداخلي"، سماوات: http://samawat.org/editorials/inner_balance_dna.

[3] Bulfinch’s Complete Mythology, Chancellor Press, London, 2000, p. 105.

في المرج الكبير - ألان

السبت, شباط 6th, 2010

في المرج الكبير*

alain_1

ألان**

لدى أفلاطون قصص كحكايات العجائز، تشبه من هذا القبيل جميع حكايات العجائز، لكنها، عبر كلمات صغيرة بعينها يلقيها كما لو تلميحًا، تراها تدوِّي في أعماق نفوسنا وتضيء منها بغتة خبايا مجهولة. من هذه القصص قصة رجل يدعى إرْ Er، كان قد حُسِبَ في عداد القتلى بعد إحدى المعارك، ثم عاد من عالم الموتى[1] حالما تبيَّن الغلط، فروى ما رأى هناك.

هو ذا الامتحان الأكثر هولاً: تُقتاد النفوسُ، أو "الظلال"، أو ما شئتم، إلى مرج كبير، فتُلقى أمامها أكياسٌ فيها مصائر تُخيَّر فيما بينها. هذه النفوس لا تزال تتذكر حياتها الماضية، فتختار بحسب رغباتها وحسراتها. فمَن رغب منها في المال أكثر من أي شيء سواه يختار مصيرًا مملوءًا مالاً؛ ومَن أصاب الكثير منه يطلب المزيد أيضًا. الشهوانيون يطلبون أكياسًا مملوءةً بالملذات؛ أصحاب الطموح يطلبون مصير ملك. وفي آخر المطاف، يجد كلٌّ منهم ما يلزمه، ثم يقصدون، وعلى عاتق كلٍّ منهم قَدَره الجديد، نهر ليثي Léthé – الذي يعني نهر النسيان –، فيشربون من مائه، ثم ينصرفون إلى أرض البشر من جديد ليعيش كلٌّ منهم بحسب اختياره[2].

هو ذا امتحان عجيب في نوعه وعقاب غريب، لكنه أكثر هولاً مما يبدو عليه. إذ إنهم قليل بين الناس مَن يتفكرون في الأسباب الحقيقية للسعادة والشقاء. فأولئك يتقصون الأسباب حتى منبعها، أي حتى الرغبات الطاغية التي تحبط عمل العقل. أولئك يحترسون من الثروات لأنها تغري بالتبجح وتصم الآذان عن الأشقياء؛ يحترسون من السلطان لأنه يجعل، كثيرًا أو قليلاً، جميع أصحابه من الباغين؛ يحترسون من الملذات لأنها تخبي سراج الفطنة وتنتهي إلى إخماد نوره. هؤلاء الحكماء سوف يقلِّبون إذن في حذر أكثر من كيس ذي مظهر أخاذ، حريصين دومًا على عدم فقد توازنهم وعلى عدم المقامرة، في مصير براق، بالقليل من حسِّ الاستقامة الذي اكتسبوه وحافظوا عليه بكثير من المشقة. هؤلاء سوف يحملون على عاتقهم مصيرًا مغمورًا ما يأبى الجميع أن يتنكَّبوه.

أما الآخرون، الذين هرولوا طوال حياتهم وراء رغبتهم، متلذذين بما بدا لهم طيبًا، من غير أن ينظروا إلى أبعد من القصعة، ماذا لأولئك أن يختاروا يا ترى، اللهم إلا المزيد من العمى، المزيد من الجهل، المزيد من الكذب والبغي؟ وبهذا يعاقبون أنفسهم بأنفسهم عقابًا أشد من أي عقاب قد يُنزله بهم أي قاض. لعل هذا المليونير الآن في المرج الكبير – فماذا تراه سيختار؟ ولكنْ دعنا من الاستعارات؛ فأفلاطون لا يزال أقرب إلينا مما نظن بكثير. أنا ما عندي أي خبرة عن حياة جديدة بعد الموت؛ لذا فإن قولي إني لا أومن بالآخرة هو من قبيل الحشو، والأصح منه قولي إن لا رأي لي في الأمر بتاتًا. أقول بالأولى بأن الحياة الآتية، حيث نعاقَب بحسب خيارنا نحن، وحتى وفقًا لقانوننا نحن، هي هذا المستقبل بعينه الذي لا ننفك نمضي فيه والذي يفضُّ فيه كلٌّ منا غلاف الصرة التي اختارها. والصحيح أيضًا أننا لا ننفك نشرب من نهر النسيان، لائمين الآلهة والقَدَر. فمَن اختار الطموح لم يحسَب أنه اختار التزلف الوضيع، الحسد، البغي؛ لكنها كانت من جملة محتويات الصرة!

5 حزيران 1909

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Dans la grande prairie », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 83-85.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] في الأصل الفرنسي les Enfers: هو، بحسب اعتقاد الإغريق، عالم هاذِس Hadès أو پلوتون Pluton، إله العالم السفلي الذي تذهب إليه النفوس بعد موتها. (المحرِّر)

[2] يمكن للقارئ الرجوع إلى الجمهورية (الكتاب العاشر) للاطلاع على وصف أفلاطون الشائق لمغامرة إرْ. (المحرِّر)

في سفري الكوني - لورا بوسي وترين كسوان طوان

الخميس, شباط 4th, 2010

في سَفَري الكوني*

ماذا لو أن مخططًا كونيًّا هو الذي جعل ظهور الإنسان ضروريًّا؟ وماذا لو أن فكرة النفس هي التي تفسر تعضِّي الكائنات الحية؟ يرى كلٌّ من عالمة الأعصاب لاورا بوسِّي وعالم فيزياء النجوم ترينْ كسْوان طوان بأن هذا النوع من الأسئلة الميتافيزيقية بات اليوم يبرز في العلم.

هو ذا حوار أقل ما يقال فيه إنه غير متوقع، على أقل تقدير بين عالِمين محترمين[1]. ففي أجواء "لقاءات فاس" شبه السحرية، المخصص معظمها هذا العام [2009][2] للصلات بين العلوم والروحانيات، يوغل عالمُ فلك وعالمةُ أعصاب في تخوم اختصاص كلٍّ منهما. وهما، بعيدًا، بل بعيدًا جدًّا عن المذهبين الوضعي positivisme والعلموي scientisme، لا يترددان في الاستشهاد بالبوذية والمسيحية، بالقديس توما [الأكويني] وپسكال.

منذ سنين وترينْ كسْوان طوان يُنعم النظر في قبة النجوم. إنه يستكشف شَساعة الكون؛ يرصد ضوءًا ولد مع الانفجار الأعظم، لكنه لم يصل إلينا إلا اليوم؛ يحلل تحولات كيميائية مادية جرت منذ مليارات السنين وآلت إلى استيلاد الحياة والإنسان؛ تراه ذاهلاً عن نفسه أمام جمال الكوسموس. أما لاورا بوسِّي فتفضل، من ناحيتها، خفض بصرها إلى مستوى الأرض. فهي، وقد درست البيولوجيا، تنتشي أمام تنوع الكائنات الحية اللانهائي؛ وبوصفها عالمة أعصاب، تراها تعاين غنى الحياة البشرية الذي لا ينضب – حياة هي، في آن معًا، حيوانية ومخية.

تراهما معًا يتخذان موقف بليز پسكال وهو يتأمل خاشعًا، عند بدايات العلم الحديث، اللانهائي في الكِبَر واللانهائي في الصِّغَر؛ مثله، يحاولان الربط بين الأبحاث الأكثر مُعاصَرة وبين الاستفسارات الوجودية؛ ومثله أيضًا، يراهنان على المعنى. فحتى لا تكون عالمة الأعصاب مضطرة إلى تكبُّد دكتاتورية المخ، تراها تردُّ الاعتبار إلى مفهوم النفس القديم؛ أما فيزيائي النجوم، فلا يخشى تأويل التناغم الكوني بعبارات ميتافيزيقية.

dico_amoureux_ciel_etoiles

histoire_naturelle_ame

ترينْ كسْوان طوان، أستاذ علم الفلك في جامعة ڤرجينيا بالولايات المتحدة، هو مؤلف كتب عديدة في التبسيط العلمي وفي التأمل الكوسمولوجي، نذكر منها: اللحن السري (1988)، سُبُل النور: فيزياء المضيء-المظلم وميتافيزياؤه (2007)، معجم عشاق السماء والنجوم (2009)[3]. أما لاورا بوسِّي، الاختصاصية في الصرع وفي الأمراض العصبية التنكسية، منظِّمة المعارض، مؤرخة العلوم، فهي واضعة كتاب جريء في التاريخ الطبيعي للنفس (2003)[4]. وهما معًا، على الرغم من خلافاتهما، لا يترددان في تجديد التحالف القديم بين الإنسان والكون، بين العلوم والمعتقدات.

* * *

لاورا بوسِّي: مسعيانا العلميان متعاكسان ويدرسان موضوعين متعارضين. أتصور أنك في طفولتك كنت تعشق النظر إلى النجوم. أما أنا فكنت أيبِّس نباتات في كتب عن الأعشاب وأصرف الساعات الطوال في المروج راصدةً أشكال الحشرات المذهلة التنوع، عجيج الحياة ذاك. التساؤل الفلسفي عند البيولوجي مختلف عنه عند الفيزيائي: بينما تنطلقون أنتم من الوحدة، ننطلق نحن من التنوع؛ أنت تنظر إلى الكون ينحو نحو الواحد الفرد l’Un، أما أنا فأنكب على الفريد l’Unique بوصفه مختلفًا عن سائر الآخرين جميعًا.

ترينْ كسْوان طوان: أما أنا، فعلى العكس، بوصفي أستروفيزيائيًّا، حينما أحلل إلكترونًا أو پروتونًا، أكون قد فهمت جميع إلكترونات الكون وپروتوناته – إذ إنها تتصف بالخواص نفسها.

ل.ب.: إله الفيزيائيين، بالفعل، يركز على الواحد والسرمدي، بينما يرمي إله البيولوجيين الكريم إلى التنوع، الكثرة، المدة، التغير الدائم: إنه يخلق التفرُّد individuation، أي ما يجعل كل كائن حيٍّ مطلق الفرادة، وفي الوقت نفسه مشابهًا لغيره من أفراد نوعه؛ إنه يبتكر التمايز différenciation، أي ما يجعل البيضة الملقحة تتفتق عن متعضِّية organisme، مؤلفة من أعضاء مترابط بعضها مع بعضها الآخر و"عضوية" organisé في أدق أجزائها؛ إنه ينبسط في تراتبية من الأشكال الحية، من درجات التفرُّد، حيث الإنسان، واعيًا تاريخَه ومالكًا موهبةَ اللغة، هو أكثر الأفراد فردية.

ت.ك.ط.: لا أظن أن هناك تناقضًا. فاختصاصانا يلتقيان كلما اندهش فرد، في أعمق أعماق كيانه، وهو يعاين جمال الكون وتناغُمه. فالكون، من غير راصد يعاينه، لا معنى له. في الأستروفيزياء [فيزياء النجوم]، باتت مسألة موضع الإنسان في الكون تتلقى إضاءة جديدة منذ بعض الوقت. ولنذكِّر بأن الفلك والكوسمولوجيا كانا، على مرِّ القرون، قد اختزلا تدريجيًّا نصيب الإنسان من الكوسموس. فمع كوپرنيكوس وگاليليه، في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كانت الأرض قد فقدت موقعها المركزي من الكون ونُحيت إلى رتبة مجرد كوكب يدور حول الشمس. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، فهم الأستروفيزيائيون أن شمسنا ليست إلا نجمًا واحدًا من بين مئات مليارات النجوم الأخرى التي تؤلف درب التبانة، مجرتنا، وأن هذه، بدورها، ليست إلا مجرة واحدة من بين مئات مليارات المجرات الأخرى التي يكتظ بها الكون القابل للرصد.

لكن المفارقة هي أن موضع الإنسان، منذ بضعة عقود، قد رُدَّ الاعتبارُ إليه، لا بفضل خطابات أخلاقية أو دينية، بل بفضل العلم نفسه. ففي الخمسينيات، اكتشف الأستروفيزيائيون أننا مجبولون من غبار النجوم، وأنه يوجد فعلاً تحالف عميق بين الإنسان والكون. فهم، إذ درسوا التحولات الكيميائية التي حصلت منذ الانفجار الأعظم Big Bang، منذ حوالى 14 مليار سنة، تبين لهم أن هذا الانفجار ما كان ليستطيع أن يصنِّع بالاندماج النووي غير الهدروجين والهليوم، وهما عنصران أبسط بكثير من أن تستطيع الحياة والوعي أن ينشآ منهما. فمن حسن الحظ أن الكون ابتكر النجوم؛ فقد استأنفت النجوم سيرورة الاندماج النووي، التي كانت قد انقطعت عند الانفجار الأعظم، وانتهت إلى توليد سائر عُدة العناصر التي تؤلف العالم، بما في ذلك الكائنات الحية. هناك استمرارية فعلاً بين الأشياء والكائنات: الكون مهدنا، وليس فضاء غريبًا ومعاديًا.

ترين كسوان طوان

وفي السبعينيات، ظهر واقع مبلبل جديد، حوَّل هو الآخر رؤيتنا لموضع الإنسان في الكون. فقد تبين أن الكون عُوير، منذ ولادته، معايرة دقيقة للغاية، مع ثوابت فيزيائية، مثل سرعة الضوء وكتلة الإلكترون وثابتة پلانك (التي تعيِّن مقاييس الذرة)، ومع شروط ابتدائية، مثل نسبة تمدُّد الكون ومحتواه من الكتلة والطاقة إلخ. والحال، لو كانت هذه الثوابت وهذه الشروط الابتدائية مختلفة، وإنْ بمقدار ضئيل جدًّا، لكانت ولادة النجوم وكيمياؤها النووية وظهور الحياة، وبالتالي الإنسان، ضربًا من المحال المحض، ولما كنا هنا أصلاً للكلام عليها!

ل.ب.: هذا ما يُسمى "المبدأ الأنثروپي" principe anthropique…

ت.ك.ط.: نعم، لكن بالإمكان فهم هذا المبدأ بطريقتين. فبحسب صيغة ضعيفة للمبدأ الأنثروپي[5]، تكتفي بمعاينة ائتلاف الكون والحياة، الكون مصنوع بحيث جُعِلَت الحياةُ ممكنةً فيه. أما أنا فأراهن على الصيغة القوية للمبدأ الأنثروپي: لقد عُوير الكون منذ البدء لكي يظهر الإنسان (أو أي شكل آخر من أشكال الوعي خارج الأرض)؛ لقد كان الكون "يعلم" على نحو ما بأن الإنسان قادم لا محالة.

فما قولنا في هذه المعايرة الدقيقة للغاية؟ قد نعزوها إلى المصادفة. وفي هذه الحالة، لا بدَّ من التسليم بوجود "أكوان متعددة" multivers: ماعدا كوننا، توجد لانهاية من الأكوان الموازية له، وكلها يتصف بتوليفة للثوابت الفيزيائية وللشروط الابتدائية خاسرة، بحيث تكون عديمة الراصدين، ماعدا كوننا نحن، الذي منه، بمحض المصادفة، خرجت التوليفة الرابحة، وكأننا نحن "جائزة اليانصيب الكبرى"، إذا جاز التعبير. أما إذا استبعدنا فكرة الأكوان المتعددة (وهي فكرة لا يمكن التحقق من صحتها لأننا لن نستطيع أبدًا رصد أكوان أخرى)، وافترضنا أنه لا يوجد إلا كون واحد، كوننا، لا مناص لنا من التذرع بمبدأ خالق عاير الثوابت الفيزيائية والشروط الابتدائية للكون منذ أصله. وأنا هنا لا أتكلم على الإله الملتحي لهذا الدين أو ذاك، بل على مبدأ حبا الكونَ راصدًا يعاين جماله وتناغُمه. إذ إن كونًا فارغًا وعقيمًا كون عديم المعنى. وعندي أن هذا المبدأ الخالق يتجلى في القوانين الفيزيائية التي أرصدها وأدرسها في الطبيعة. إنها رؤية حلولية panthéiste على طريقة اسپينوزا وأينشتاين. فأنا أراهن على الضرورة، وبالتالي على المعنى والرجاء، لا على المصادفة. وآخر المكتشفات العلمية، بدلاً من أن تحرِّم علي ذلك، تشجعني على المضي في هذا الاتجاه.

ل.ب.: مسعيانا، مرة أخرى، يفترقان. أنت تدرك في تناغم الكون مبدأ خالقًا، إلهًا غير شخصي، ليس غير واحد مع العالم. أما أنا فأتساءل عما هو أكثر ذاتية، شخصية، فرادة، مع أننا نشترك فيه جميعًا: الحياة، الموت، الوعي، هذه المظاهر المختلفة التي كانت في الماضي مجتمعة في فكرة "النفس"؛ وهذا التصور عن النفس هو بالضبط ما أردت أن أردَّ الاعتبار إليه. فهذا المفهوم بالفعل قد طواه النسيان: نسيه العلماء طبعًا – سواء كانوا بيولوجيين أو علماء أعصاب أو علماء نفس –، كما نسيه فقهاء الدين. بيد أن مفهوم النفس ظل تصورًا رائدًا للفكر والعلم الغربيين، منذ أفلاطون حتى القرن التاسع عشر. ولقد تساءلت مطولاً عن خسوف النفس هذا الذي يخفي شيئًا ما، وتبين لي أننا، إذ تخلينا عن هذا المفهوم، فقد أوصدنا بابنا دون فهم مفاهيم الجسم والحيوان والحياة والموت والشخص.

لاورا بوسي

لقد طرح كل من أفلاطون وأرسطو نموذج النفس المثلثة، وحذا حذوهما في ذلك جالينوس والمنقول الطبي برمته: نفس نباتية، يشترك فيها النبات والحيوان، متوضعة في الكبد ومسئولة عن التغذية، نفس حساسة أو شهوانية، موضعها القلب، نشترك فيها مع الحيوان، ونفس مفكرة وعاقلة، تقيم في المخ. وعلى أساس هذه النفوس (أو قوى النفس) الثلاث التي تتداخل تداخُل الدمى الروسية، تصور القوم تناغمًا للكون برمته، يختصره سلَّم الكائنات، من الحجر إلى الإنسان وفق تدرجات غير محسوسة.

نموذج النفوس الثلاث هذا – وهو أقل سذاجة مما يبدو عليه – لا يزال يتخلل إلى حدٍّ كبير طُرُقنا في التفكير. فنحن نتكلم فعلاً على أشخاص "في حالة نباتية"[6]، لا يُعترَف لديهم إلا بالنفس الدنيا؛ وحين دخلتْ على الطب أولى فنون الإنعاش réanimation – عملية "نفث النفْس من جديد"[7] –، بُدئ بالعمل على القلب. وأخيرًا، فإن نموذج النفوس الثلاث يؤكده علم الجنين المعاصر، الذي يميز ثلاث وريقات إنتاشية، يتشكل منها جهاز الهضم (الأدمة الباطنة endoderme)، الجهاز القلبي-الدوراني والجهاز الحركي [العضلات] (الأدمة المتوسطة mésoderme)، والجهاز العصبي والجلد (الأدمة الظاهرة ectoderme). وإني لأشعر بالضيق حيال إنكار "النفوس الدنيا" الذي يمارَس اليوم، كأنْ نعيِّن موضع النفس كلها، الحياة كلها، في المخ، كما نفعل، على سبيل المثال، حينما نستعمل معايير "الموت المخي". فهذا النموذج المخي المركزي encéphalocentrique للنفس، الذي مافتئ ينتشر منذ الخمسينيات في أعقاب ظهور زرع الأعضاء، شديد المثنوية ويعزو دور البطولة إلى إنسان-آلة يتوضع نَفَسُ الحياة الوحيد لديه في المخ. فما إن "ينطفئ" المخ حتى يسارع القوم إلى استعمال أعضاء الجسم الأخرى كقطع تبديل، فتُزرع في جسم مريض ذي مخٍّ لا يزال يعمل. أما مفهوم النفس المثلثة القديم فيتيح لنا، على العكس، ألا نتنكر لحيوانيتنا، كما يتيح توسيع مفهوم الشخص البشري ليشمل جسمه الحي برمته، بدلاً من أن نختزله إلى مخِّه، وحتى إلى قشر مخِّه cortex فحسب.

ت.ك.ط.: لا ريب بتاتًا أن أعقد أشياء الكون وأكثرها غموضًا هو هذه الكتلة الرمادية الواقعة بين أذنينا. فالمخ شيء أكثر تعقيدًا بما لا يقاس من نجم أو مجرة، يمكن لقوانين بسيطة نسبيًّا أن تصف عملهما. هذا المخ هو محل النفس – وأسميها الوعي – المسئولة عن خيارنا الحر، عن كوننا نفكر ونحب ونخلق بطريقة مختلفة دومًا.

ل.ب.: مع أني أوافقكَ بالطبع على دور المخ بوصفه العضو الرئيس للتفرد، أود أن أذكِّر بأن المخ جزء لا يتجزأ من متعضِّية حية وأن الذات الحية، الموهوبة الحريةَ والغائية، تقيم في المتعضِّية ككل، لا في مخ موضوع داخل مرطبان! فأنا مصرة على معارضة مثنوية "نفس-جسم" من النمط الديكارتي، وعلى التصدي للمقاربة الاختزالية réductionniste والآلوية mécaniste للحي. وحتى إذا لم يكن هناك ارتباط مباشر بين عمل العالِم وبين الخطاب الديني، ربما كان البيولوجي أقرب بكثير مما يظن عمومًا من المنقول المسيحي الذي يتأسس على مفهومَي التجسد والقيامة. كان القديس توما، اللاهوتي الكبير، يصف النفس بأنها "صورة غاطسة في المادة". من هذا المنظار، فإن الإنسان برمته، في وحدته النفسجسمية، هو الذي يجب أن يُحلَّل، وليس روحًا غير مادي أو برنامج كمپيوتر. فالبيولوجيا وعلم الوراثة الحديث يؤكدان أن كل إنسان كائن فرد، غير قابل للاستبدال، فريد حتى في بنية كل خلية من خلاياه، في جينومه[8]. الاتساق الحي للمتعضِّية ليس آليًّا، بل ينبسط في الزمن وفي تفاعل معقد مع العالم.

ت.ك.ط.: بصفتي بوذيًّا، أعتبر مثلكِ أن جوهر الإنسان ليس خلاياه العصبية وأن ثمة شيئًا غير المادة الصرف. إنه حدس، لكنْ لا شيء في العلم الحالي يمنعني من تصديقه. يصعب علي أن أتصور أن المحبة التي نكنُّها لأولادنا أو الانفعال الذي يعتمل فيَّ وأنا أمام تلسكوپي في مواجهة جمال الكون لا ينتجان إلا عن تيارات كهربائية وكيميائية. لكني أبقى علميًّا، وإذا برهن العلم ذات يوم أن الفكر والانفعالات والمحبة مشتقة من تيارات كهركيميائية فسوف أتقبل حُكمه.

ل.ب.: أعتقد أن العلم لن يتوصل أبدًا إلى تفسير المخ تفسيرًا تامًّا – ولا إلى تفسير الكون أيضًا. العلم سيرورة متواصلة: يقترب المرء ولا يبلغ أبدًا. كلما توصل إلى إجابات ترى أسئلة أخرى تنطرح. نفي تعقيد الأشياء التي لا نعرفها، كما يفعل العديد من العلماء الاختزاليين، يبدو لي من قبيل الضلال. يدهشني فقرُ النظريات في علوم الحياة في القرنين العشرين والواحد والعشرين بالمقارنة مع النظريات التي طُرحت في القرن التاسع عشر. إذ ليس من الممكن، ولا من المفيد، تفسير الفن والروحانيات بالعلوم العصبية.

ت.ك.ط.: الحوار بين العلم والدين لا يزال يتلمس سبيله. لكن خطوة حاسمة تم اجتيازها، منذ بضعة عقود، حين اكتشف العلم الجامد والآخذ بالحتمية déterministe للقرن التاسع عشر حدوده نفسها. وبذا أعيدَ إطلاقُ الاستفسار الوجودي حول مآل الإنسان وإمكان وجود مبدأ خالق، وهو ليس وشيك الانطفاء.

سجَّل الحوار: ميشال إلتشانينوف

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* « Dans mon Cosmic Trip », dialogue entre Laura Bossi et Trinh Xuan Thuan, propos recueillis par Michel Eltchaninoff, Philosophie Magazine, numéro 33, octobre 2009, pp. 28-31.

[1] مبالغة "إعلامية" لا نجد أي مسوغ لها! إذ إن هذا النوع من اللقاءات بين علماء ينتمون إلى اختصاصات ومناهج مختلفة للتباحث في رؤاهم وآمالهم بات شائعًا، بل شائع جدًّا، منذ بداية الثمانينيات – ناهيكم عن اللقاءات الدورية بين علماء وفلاسفة وفنانين وممثلين عن مختلف الأديان. الجديد في الأمر، بنظرنا، أن مدينة فاس المغربية هي التي باتت تستضيف سنويًّا لقاءات من هذا المستوى الراقي. أفلا يحق لنا أن نتطلع إلى أن تكون دمشق وحلب واللاذقية موئلاً للقاءات مماثلة؟ (المحرِّر)

[2] ما بين معقوفتين [...] من إضافة المترجم توضيحًا للمقصود. (المحرِّر)

[3] Cf. Trinh Xuan Thuan, La Mélodie secrète (Fayard, 1988) ; Les Voies de la lumière : Physique et métaphysique du clair-obscur (Fayard, 2007) ; Dictionnaire amoureux du ciel et des étoiles (Plon, Fayard, 2009).

[4] Cf. Laura Bossi, Histoire naturelle de l’âme (PUF, 2003).

[5] من كلمة أنثروپوس anthropos اليونانية التي تعني "الإنسان". (المحرِّر)

[6] المقصودون هم الأشخاص الداخلون، لأسباب مختلفة، في غيبوبة أو سبات عميق coma يتصف بفقدانهم وظائف العلاقة (الوعي، الحركة، الحساسية)، مع احتفاظهم بوظائف الحياة النباتية (التنفس، الدوران). (المحرِّر)

[7] من اللاتينية: re، "مرة ثانية"، و anima، "نفْس"؛ والمقصودة هي الوسائل الطبية المختصة بإعادة توازن الوظائف الحيوية السوية (التنفس، الدوران، نظم القلب، إلخ) وبالحفاظ عليها. (المحرِّر)

[8] "الجينوم" génome هو مجموع الجينات gènes التي تحملها الجسيمات الصبغية chromosomes الخاصة بنوع بعينه. (المحرِّر)

المبدأ الكلي (ندره اليازجي) - ديمتري أڤييرينوس

الأربعاء, شباط 3rd, 2010

المبدأ الكلِّي

لقاء الحكمة القديمة والعلم الحديث

المحور النفساني

ديمتري أڤييرينوس

لا ريب أن القرن العشرين هو قرن الثورة في عالم الفيزياء بامتياز. والفصل الثالث من كتاب المبدأ الكلي* بعنوان "الفيزياء الحديثة، مضامينها وتطبيقاتها في علم النفس" هو الذي ينبري فيه المؤلف لتحليل الأسباب العميقة الكامنة خلف سعي الطرائق العلمية والاجتماعية الحديثة في توسيع منظورها الإپستمولوجي والفلسفي فيما يمكن التمثيل له بتجاوز الفيزياء الحديثة للنظرة النيوتُنية-الديكارتية إلى العالم – تلك النظرة القائمة على ثنوية dualism الروح والمادة، الذات والوجود، التي تتصور هندسة الكون وفق نموذج إقليدس: مكان مطلق يسيل فيه زمان مطلق، مستقل عنه، وتحكم حركةَ الأجسام السابحة فيه (التي يمكن ردُّها جميعًا إلى لبنات بناء أساسية) قوانينُ الجذب الثقالي gravity، بما يجعلها تنصاع لسببية حتمية deterministic causality لا حياد عنها. فقد كان الكون، تبعًا لذاك التصور، أشبه بآلة ضخمة منفصلة الأجزاء، تدور من تلقاء ذاتها، مما أوجد مسوغًا كافيًا لفكرة توصيف للعالم "موضوعي"، أي مستقل عن وعي الإنسان.

holism

لقد كان لآراء ديكارت في الفصل بين العقل والعالم أثرٌ حاسم على تطور العلوم بعده، ولاسيما الطب وعلم النفس والطبابة النفسية؛ فظل الاتجاه السائد في علم النفس، وقد استمد طريقته من الفيزياء النيوتُنية، يرسي قواعده على المذهب التجريبي empiricism الذي يتنكر لكل معرفة غير متحصَّل عليها من طريق التجربة. فقد قام علم النفس القديم، ممثَّلاً بالمذهب السلوكي behaviorism، على اعتماد مقترَب تجريبي صارم، يفترض وجود راصد معزول وأداة رصد محايدة، غير متفاعلة مع الظاهرة المرصودة، نجم عنه إرجاع الإنسان ككل إلى بنية زمكانية، "موضوعية" هي الأخرى، تنتظمها سببيةٌ حتميةٌ لا سبيل إلى الإفلات منها، فنظر بالتالي إلى البنى الحية، بما في ذلك بُعدها النفسي، نظرته إلى مجرد آلات تستجيب للمنبِّهات الخارجية استجابة آلية؛ بينما كان من نتائج النظرية التحليلية psychoanalytical theory الفرويدية اختزالُ المنظومة النفسية psyche إلى كتل بنائية من تصوُّر فرويد (الأنا، الأنا الأعلى، الهو)، وإرجاع الپاثولوجيا النفسية psychopathology إلى أسباب في غاية المحدودية (اختلال الدافع الجنسي حصرًا)، واعتبار المحلِّل منفصلاً عن المحلَّل، شأنه شأن الراصد الفيزيائي في رصده للظواهر الخارجية.

بيد أن طبيعة النفس العصية على التعيين والتحديد، وعجز النموذج الاتِّباعي السائد عن تفسير العديد من الخبرات الإنسانية العميقة وحشره إياها في زمرة الاضطرابات الفصامانية schizoid، ما كان لهما أن يسمحا لعلماء النفس بالمضي في هذا المنحى؛ فبدأت صيحات الاحتجاج تعلو، يطلقها مَن أبوا على الإنسان أن يكون مرتَهنًا لسلوك خارجي "لائق" ليس، في الأعم الأغلب، إلا محاكاة لنمطية اجتماعية ضيقة تسلبه كل أصالة وإبداع وتبتليه بالعُصاب neurosis، وبدأ علماء النفس الظواهريون-الوجوديون phenomeno-existentialists والعبرشخصيون transpersonal، على غرار كارل يونگ وعلم نفسه المركب complex psychology، يستلهمون الحِكَم المشرقية، من حيث إنها قد سبرتْ عالَم النفس منذ القديم وعرفتْ مداخله ومخارجه – حيث إن الحكمة ذاتها هي صفة مَن عرف نفسه – وقدمتْ تصورًا متكاملاً محكمًا عن ماهية الوعي الإنساني ومنزلة الإنسان من الطبيعة والكون.

ولقد أمدتنا الفيزياء الحديثة، من جهتها، بهيكل تصوُّري كلاني holistic عن بنية كلية شاملة يلتقي ووجهةَ نظر الحِكَم المذكورة في العصور والمذاهب كافة، ويتفهم الخبرات النفسية والروحية التي يكابدها أفراد يتجاوزون بها أبعاد شخصيتهم المحدودة. وهكذا انصرف عدد من الباحثين إلى إبراز نتائج الثورة التي أحدثتْها الفيزياء الحديثة بنظريتيها الكبريين – نظرية النسبية relativity والميكانيكا الكوانتية quantum mechanics – في مفاهيمنا وتصوراتنا عن العالم (وثوق الارتباط بين الزمان والمكان، الطبيعة المزدوجة، الجسيمية والموجية، لظواهر العالم الأصغر، مبدأ هايزنبرغ في اللاتعيٌّن indetermination واللاحتمية)، مؤكدين على ضرورة إعادة نظر جذرية فيها، بما أمكن له أن ينعكس على علم النفس انعكاسًا مباشرًا.

تتلخص النظرة الجديدة في اعتبار الكون جملة سيرورات عضوية متناسقة، عصية على التقسيم من حيث الجوهر (اللهم إلا على نحو محض تصوُّري وتصنيفي)، تؤلف فيما بينها منظومات ذاتية التوازن self-regulating systems على مستويين اثنين: مستوى العلائق الداخلية السارية فيها، ومستوى ارتباطها بالمنظومات الأخرى جميعًا. وتعلِّمنا الفيزياء الكوانتية "احتمالية" العالم الأصغر وانتظامه في "أحوال" لا تخضع للسببية الحتمية، إنما تحكمها قوانين إحصائية تحدد الاحتمالات الممكنة لوقوع أحداث تتعلق بدينامية الجملة الفيزيائية ككل. وهذا يعني، في جملة ما يعنيه، أن فهم الجزء متعذر بمعزل عن الكل.

لقد قوَّضت الفيزياء الحديثة التصور القديم للذرة السائد أيام ديموقريطس، بوصفها مادة صلبة صماء، فاستعيض عنه بنماذج دينامية متحولة تحولاً موصولاً، وأصبحت المادة بعامة ذات طبيعتين (موجية وجسيمية)، وتوحَّد الزمان والمكان في متَّصل continuum واحد لا ينفصل عن المادة السابحة فيه؛ كذلك، أصبح الراصد observer في الفيزياء الكوانتية مشاركًا في إيجاد الظاهرة التي يرصدها، بما يجعل فهم العالم بمعزل عن الوعي الإنساني المدرك له أمرًا متعذرًا.

ينسحب المنظور السابق على علم نفس جديد، يتعاون فيه الكون والإنسان على بناء المنظومة النفسية للفرد، ويصبح الإنسان، إذا جازت الاستعارة، "جسيميًّا" corpuscular، خاضعًا للسببية الحتمية في سلوكه الظاهر (البدني والفكري)، لكنه "موجي" wave-like في الوقت نفسه، غير خاضع لها في إرادته الحرة ومواهبه الوجدانية والعقلية والحدسية. وفي هذا السياق، تصبح الإرادة الحرة هي الوجهة أو السيَّالة الطاقية التي يتخذها الوعي نحو غاية تنسجم مع القصد الباطن.

يتقاطع هذا التصور مع حكمة الڤيدنتا اللاثنوي advaita vēdanta الهندية التي ترى في الإنسان توليفًا بين صورة مادية وحقل قوة للطاقة الفاعلة. فمذهب الڤيدنتا، في منهاجه التأملي، يعتمد الاستغراق في النفس سبيلاً إلى تنمية التركيز وتوجيه الذهن إراديًّا نحو ما يتخطاه في الإنسان والكون. وبذلك يسقط التناقض المزعوم بين القائلين بالإرادة الحرة (التخيير) والآخذين بالجبرية المطلقة (التسيير)، ويجتمع المفهومان في تصوُّر كلاني واحد، بحيث يحتِّم الذهن المشتت على الإنسان أن يسلك سلوكًا "جسيميًّا"، بينما يفسح له الذهن الحاضر، المستغرق في موضوع تأمُّله، المجال حرًّا للإفصاح عن طبيعته العقلية "الموجية".

وهكذا نجد، على الصعيد النفسي، عين الوضع الذي وصفه هايزنبرغ بمبدأ اللاتعيُّن الذي يتعذر وفقًا له تحديد وجود القُسيم الأولي elementary particle في موقع معين إذا عُرفت سرعتُه بدقة، فيصير الحديث بخصوصه عن احتمال أو "ميل إلى الوجود". كذلك شأن السلوك الإنساني الذي يتعذر ضبطُه وفق حتمية خطِّية نظرًا لاتصافه بخاصية "موجية" هي أبعد ما تكون عن السببية الحتمية، ويصبح فيه اللقاء الخلاق بين إنسان وآخر ضربًا من "التفاعل الداخلي" كلما وجَّه أحدهما (أو كلاهما) إرادته الحرة نحو صاحبه. ويعبِّر المؤلف عما سبق بقوله:

هكذا نجد أنفسنا نواجه علم نفس اجتماعي-كوني متنوع يشتمل موضوعُ مادته بالضرورة على الأنماط الديناميكية للتفاعل البشري والعمليات العضوية الوظيفية المتضمنة في تكوين هذه الأنماط. (ص 67)

ويعقد المؤلف مقارنة بين فرويد ويونگ، باعتبار الأول ممثلاً للنظرة النيوتُنية الخطية-الميكانيكية والثاني ممثلاً للنظرة اللاخطية-الدينامية (التي لا تتنكر للنظرة الأولى بل تحتويها)، حيث يقدم يونگ، بفكرته عن لاوعي جمعي (أو "خافية جمعية" collective unconscious)، إلماعًا إلى الحلقة التي تشد الإنسان إلى الإنسانية جمعاء، فتصله عن طريق هذه بالكون بأسره. وبذا تصبح النظرة إلى النفس نظرةً إلى

[...] منظومة ديناميكية [...] هي عضو مندرج في منظومات أوسع [...] تُعرَّف بأبعادها المادية والاجتماعية والحضارية والثقافية. (ص 87)

والواقع أن الفيزياء الحديثة، بفضل الثورة التي أحدثتْها في مفهوم الزمن، قد تتيح تطوير مفهومها الجديد ليشمل علم النفس الذي لا بدَّ أن تتجسد فيه، من الآن فصاعدًا، فكرتا الزمن الخطية linear واللاخطية nonlinear، ممثَّلتين بزمن الواعية (= الوعي أو الشعور) وزمن الخافية (= اللاوعي أو اللاشعور)، بما يؤلف بين وجهتَي النظر السببية causal واللاسببية acausal في تفسير بعض الظواهر النفسية (كظاهرة التزامن synchronicity التي درسها يونگ بالتعاون مع عالم الفيزياء ڤولفگنگ پاولي[1]، على سبيل المثال لا الحصر).

جدير بالذكر أن من السبل المتاحة لتطوير علم النفس استلهام ما تقول به الفيزياء الكوانتية بخصوص العلاقة بين المراقِب (= الراصد) والمراقَب (= المرصود)، بحيث يصبح اللقاء الشخصي الودي بين المعالج والمتعالج، في تفاعل يشمل كلِّية المنظومة النفسية عند كليهما، أساسًا مكينًا للعلاج النفسي؛ وبذلك يتحقق التوازي بين وجهة النظر هذه وبين وجهة نظر الحكمة المشرقية في العلاقة الدينامية بين الحكيم ومريده[2].

الحق أن النتائج المترتبة عن مثل هذا التصور للنفس البشرية هائلة وبعيدة المدى؛ لكنْ لا بدَّ لها، كيما تؤتي ثمارها، من أن تؤلف بين الفلسفة والأخلاق وعلم النفس والدين والمباحث الميثولوجية من منظور عبرمناهجي transdisciplinary، بما يؤسس لمنهاج نفساني علمي، نظري وتطبيقي، يشتمل أيضًا على الأبعاد العليا للطبيعة الإنسانية والحياة إجمالاً، فلا يأخذ بالحسبان فقط ما هو متحول وزائل في الإنسان، بل وما يضرب فيه بجذوره عميقًا في الأبدية[3].



* ندره اليازجي، المبدأ الكلي: لقاء الحكمة القديمة والعلم الحديث، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، طب 2: 1989.

[1] راجع: ألان كومبس ومارك هولند، التزامن: العلم والأسطورة والألعبان، بترجمة ثائر ديب، دار مكتبة إيزيس (آفاق 1)، دمشق، 2000. (المحرِّر)

[2] راجع: ديمتري أڤييرينوس، "الشيخ والمريد"، سماوات: http://samawat.org/articles/guru_chela_dna. (المحرِّر)

[3] نشير هنا، استكمالاً للموضوع، إلى ضرورة اطلاع القارئ المهتم على فصول "معالم الشخصية المتكاملة" و"فلسفة القلق" و"المعرفة سبيل إلى التكامل النفسي" من كتاب ندره اليازجي تأملات في الحياة والإنسان وعلى فصلَي "الشعور بالنقص" و"النزعة الإنسانية والشمولية في الفلسفة" من كتابه وحدة الفكر الإنساني. (المحرِّر)