Archive for آذار, 2010

ما الذي سيغير المخ؟ - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, آذار 24th, 2010

ماذا سيغيِّر المخ؟*

krishnaji_5

كريشنامورتي: أود أن أناقش نقطة قد تكون على شيء من الأهمية. في مؤتمر انعقد في نيويورك أول هذا الربيع، كان حاضرًا أستاذٌ في الفلسفة – لا أعرف اسمه – تحول إلى الجراحة العصبية. ومما قاله بدا أنه رجل ذكي نوعًا ما. (أنا لا أتعالى، رجاءً.) وعند نهاية النقاش، قلت إن الشيء المهم، الجدير بالاهتمام حقًّا، هو إنْ كان بإمكان خلايا المخ، التي طالما أشرطت، أن تُحدِث في نفسها طفرة. فقال لي هذا الجراح العصبي: "تلك هي النقطة التي أريد أن أصل إليها. لو أمكن لذلك أن يحدث لكان أروع الأشياء. فنحن نحاول، بطُرُق متنوعة، أن نغير الخلايا." وأضاف: "أود أن أتحدث معك حول الأمر." لكن ذاك كان آخر لقاء، وكان الوقت قد نفد، فافترقنا.

أود أن أناقش هذا معكم: مسألة إنْ كان بإمكان خلايا المخ التي أشرطت طوال قرون على الكاثوليكية أو الپروتستانتية، على الهندسة، على الفلسفة، إلى آخر ما هنالك، أن تصير واعية لنفسها، فتخترق بالتالي إشراطها جذريًّا – ليس عبر المصادفة، أو عبر الهندسة الوراثية، أو عبر صدمة كهربائية، عبر الاختبار من الخارج للتأثير على الداخل – فنحن نتكلم على شيء مختلف كل الاختلاف عن ذلك.

مخي ليس منفصلاً عني. فإذا أشرط مخي كهندوسي، ومن بعدُ عبر أشكال متنوعة من القَسْر، أشكال متنوعة من الضغط (ليس مخي تحديدًا، ولكنْ هَبْ أن هذا المخ قد أشرط إشراطَه عند البشرية بأسرها)، ما الذي سيجعله واعيًا بنفسه من غير ضغط من الخارج، من غير أي أزمة، من غير أي شقاء أو تضحية؟ ما الذي سيُحدِث ذلك، بحيث تعي الخلايا نفسُها وضعَها، فتتفجر من الداخل؟ – من غير ضغط، لأنك إذا مارست ضغطًا، انصاع ذلك لفعل شيء آخر؛ إذا اتكلتَ على حادث، فقد يحرِّف ذلك البنية بأسرها. إذا تعاطيتُ مخدرًا لكي أغير خلايا المخ، فذاك هو الآخر تحريف. أما وأني أرى ما يحدث في العالم، أكنت هندوسيًّا أو كاثوليكيًّا أو مهما كنت، أقول لنفسي: "هل من الممكن تغيير خلايا المخ تلك – من دون أي باعث؟" إذا وُجِدَ باعث، إذ ذاك يكون هناك اتجاه، ومن ثم يكون…

فلنتحدث عن ذلك قليلاً. هَبْ أنني مشروط ككاثوليكي أو بوذي (أنا في منطقة أكثر أمانًا هناك). أنا بوذي، ومنذ الطفولة قيل لي يومًا بعد يوم، يومًا بعد يوم، أن أكرر عبارات بعينها. وهكذا مافتئت أكرر؛ وذلك التكرار، ذلك البرنامج أشرط خلايا المخ، العملية كلها. والآن، تظهر أنت وتقول إن كون المرء بوذيًّا أو مسيحيًّا أو مهما كان هو منظار ضيق جدًّا إلى الحياة، إنه يحدُّ الذات. فأرى، من غير مجادلة مسهبة، أنك على حق. تراني أتقبل الأمر لفظيًّا، لكنه لم يغير في الأمر شيئًا؛ لم يجعل المخ يقول: "بحق الآلهة، لا بدَّ من طفرة." وأنا أسأل: "ما الذي سيُحدِث هذه الطفرة؟" – من دون انضباط ذاتي، إلى ما هنالك.

أنا آخذ كمثال مخًّا متوسطًا. هَبْ أنك وإياي مخَّان متوسطان، أصابا حظًّا طيبًا من التعليم، من الذكاء، من التيقظ لأحداث العالم، إلخ. لنقل إنك وإياي عانينا الكثير من المشكلات، الأسرة، دوامة الحياة؛ وأنت وأنا بتنا ندرك أننا مشروطان، أنت كمسيحي، أنا كبوذي، أو كعالِم مسيحي[1]، أو شيء ما. ثم تراه يظهر ويقول: "انظرا إلى ما تفعلان. هذه السيرورة المحدِّدة للذات شديدة التخريب." وهو يورد لك الأسباب كافة، فيبسط بذلك خريطة التركيز الخادع للنفس برمتها. وتراني أرى حقيقة الأمر، لكن هذا لم يؤثر في الخلايا تأثيرًا جذريًّا؛ جذريًّا – لم يُحدِث انقلابًا كليًّا [في السيرورة]. ما فعله هو أني سطحيًّا تحولتُ عن البوذية، وتحولت أنت عن الشيء الذي أنت متعلق به، وترانا نشعر أننا أفضل حالاً نوعًا ما – وكلمة "أفضل" تلك، هي الأخرى، شيء رهيب بنظري. لكني أسأل: "كيف يمكن لك وكيف يمكن لي أن نُحدِثَ فعلاً أو عدم فعل من شأنه أن يغير الخلايا؟"

س: إنها طاقة…

ك: إياك. ألا ترين أنك لا تتقصين؟ إذا قلتِ إنها طاقة، فأنت تضعين نفسك في موقف يُشعِرُكِ بأنك لا تستطيعين أن تفعلي شيئًا. على العكس، قد يكون بمقدوركِ أن تفعلي شيئًا خارقًا! يقع التلف على خلايا المخ عندما يكون هناك أي نوع من الإجهاد، أي نوع من النزاع، أي نوع من محاولة أن تكوني شيئًا، فتخفقين ثم تتباكين على ما فاتك.

والآن، أقول لك إن فعل ذلك ممكن. لكنك لا تقبل قولي. تراك تقول: "بيِّنْه لي، برهنْ لي عليه." فأقول: "لا أستطيع أن أبرهن عليه بطريقة البرهان العلمي"، بمعنى وضع فرضية، ثم تجريبها على الأرانب – الأرانب البشرية والأرانب العادية –، فالقول: "هو ذا، لقد حصلنا على النتيجة!" فالنتيجة عملية مأخوذة من الخارج – من الخارج. أقول إن ذلك العمل من الخارج بالذات هو أحد عوامل التلف، لأنك عندئذ متكل على الخارج. وإذن، ليس هناك اتكال على الخارج: الإرادة، الأمل، الصلاة، الاسترشاد، كما تعلمون، الأشياء كلها التي نلهو بها نحن السخفاء! فما الذي سيجعل خلايا المخ تتغير، فتُحدِثَ تغييرًا في نفسها إذ تقطع كل نوع من أنواع التأثير الآتي من الخارج؟ فهل قطعتموه يا ترى؟ هَبْ أنكم قطعتموه. هَبْ أنني قطعتُه، بحيث لا يكون ثمة اعتماد على المخدرات، على الإرادة، على وسيط خارجي، الله أو سواه. القيام بهذا كله يستلزم انتباهًا هائلاً. إذ ذاك، ماذا يحدث؟

قبل كل شيء، هل ذاك ممكن؟ هل هو ممكن بنظرك؟ وأعني الفعل الآن، صحيح؟ أنت ترى أن أي شكل من أشكال الوساطة الخارجية يتدخل في خلايا المخ إنما هو تحريف. والتحريف هو إشراطنا لأنه سُكِبَ فينا برمته: أنك كاثوليكي، أنك هندوسي، أنك يجب ألا تفعل هذا، يجب ألا تفعل ذاك، يجب أن تنجح، يجب أن تشقى، أو لا تشقى. أي أن الخارج قد أشرط المخ – الخبرة الخارجية، الحوادث الخارجية، الپروپاگاندا [الدعاية] الخارجية – والإشراط تحريف. ومنه، يجب على الاتكال على الخارج أن ينعدم – وهذا مُتناسى تناسيًا تامًّا…

س: أصعب ما في الأمر هو أنك قد تفهم، لكنْ قد يظل هناك عنصر أمل فيه. تلك هي المشكلة…

ك: فكأنك تستأصل سرطانًا، تزيله تمامًا.

س: بلا باعث مطلقًا.

ك: بلا باعث مطلقًا.

س: قد يكون ذلك هو الشيء الذي لا أستطيع أن أتتبَّعه.

ك: لا، لا، أنت لا تتتبَّعه. إنه جزء منك، لا تقدر أن تتبعه. إنه يلفت النظر إلى شيء، وأنت تفهم، أنت ذاك. اسمع، سيدي: يقول ك[2] إن الشقاء يجب أن ينتهي. صحيح؟ ذاك ليس تعليمًا. إنه يجب أن ينتهي. الأمر منوط بك، أنت لا تتبع ك. أنت تقول: "نعم، ما يقوله صائب. بوسعي أن أرى ذلك. ما لم ينتهِ الشقاء تنعدم المحبة. أرى ذلك." فهو عندئذ جزء منك؛ وأنت لا تتبع ذلك الرجل المسكين ولا تعليمه. ذاك جزء منك. هل أوضحتُ الأمر؟

ومنه، هل أستطيع، هل يستطيع إنسان أن يكون بهذه الحرية التامة من الوساطة الخارجية؟ أجل، سيدي، ذاك هو الشيء الأهم – وإلا فأنت تلهو بألعاب!

س: اهتمامنا منصبٌّ أكثر على بناء المدارس والقيام بالعمل في اللجان وأمور من هذا القبيل…

ك: آ، تلك قضية جانبية وحسب. عندما تكون هذه [الرؤية] موجودة فإن ذاك [العمل] أيضًا يتم. تراني أصرف معظم وقتي متجولاً، مكلمًا المدارس، مكلمًا الطلاب، مكلمًا العلماء – وهذا لاشيء.

س: عدم اتكالي على أي شيء من الخارج، ألا يعني أنني أصير سلبيًّا؟

ك: آه، لا، لا. على العكس! أنت لا تتكل على شيء البتة. دعنا، سيدي، ننظر في الأمر. سيدي، ما هو الإيجاب وما هو السلب؟ وكيف تصل إلى الإيجاب؟ لنقل، على سبيل المثال: الحب ليس الغيرة؛ الحب ليس الغضب؛ الحب ليس وطني، وطنك… وهكذا أكشح الكره تمامًا؛ أنفي الكره، أبعده. ثم أقول أيضًا: الحب ليس الطمع، فأكون قد أبعدت الطمع. ومنه، عبر السلب تصل إلى الإيجاب. نبدأ بالنفي وننتهي بالإثبات.

فهل باستطاعة المخ البشري أن ينفي الاتكالية كليًّا، أي نوع من الاتكالية؟ هَبْ أنه يستطيع، فماذا يحدث عندئذ؟ مخي لا ينفك يُشرَط من الخارج؛ ومن الخارج كذلك يوجِد ردَّ فعله الخاص، وردُّ الفعل ذاك بعينه يُشرط المخ جزئيًّا. وإذن، فمن الخارج، وكذلك من ردود فعلي، تراه مشروطًا. إنها حركة ذهاب وإياب، فعل وردُّ فعل. الآن، هل يمكن لذاك أن يتوقف؟ تكرهني، فأكرهك؛ تركلني، فأركلك. ذاك هو الفعل وردُّ الفعل. والآن هل من الممكن للفعل/رد فعل أن ينعدم؟ قد تركلني، لكنْ ليس هناك ردُّ فعل. عندما لا يوجد ردُّ فعل فإن ركلتك لا أهمية لها، والأمر ينتهي. إذا قبَّلتني، قبَّلتك؛ إذا فعلتَ شيئًا، أردُّ عليك. ولكنْ ماذا لو فعلتَ بي شيئًا ولم أرد فعلك بتاتًا؟ أنا حساس، حي، لست ميتًا، لست مشلولاً، لكني لا أرد.

س (إيطاليا): ماذا يحدث فلا أرد؟

ك: لأنني أرى عبثية الأمر؛ أرى غباوته. لقد ركلني الناس فعليًّا، ضربوني فعليًّا، ولا أردُّ الفعل. بذا ماذا يحدث؟ إذا رددتُ الركلة… لكني، إذا لم أرد، لم أعد أنتمي إلى عنفك. الأمر، الآن، أشبه بمدٍّ داخل وبمدٍّ خارج، فعل منك وردُّ فعل مني. الفعل منك مثيل ردِّ فعلي عليك. هذا واضح. الفعل منك وردُّ فعلي عليك متماثلان.

س (إيطاليا): بعبارة طبية، ما هو العلاج الذي يجعلني لا أردُّ الفعل؟

ك: العلاج هو ذكائي الذي يقول: "لا تكن سخيفًا!" ليس هناك علاج، إنه يقول فقط: "انظر كيف تستمر الحروب." أنا بريطاني وأنت فوكلاندي، أرجنتيني؛ أنت تريد تلك الجزيرة وأنا أريد تلك الجزيرة، فنتصارع عليها[3]. ترانا لا نجلس ونقول: "انظر، كرمى لله، لنكن عاقلَين، لنتكلم في الأمر. إذا كنت تريدها، خذها، فأنت أقرب إليها بكثير مني." تستطيعان أن تناقشا الأمر، لكنكما إذا هرعتما إلى الأسلحة فات الأوان.

هل سمعتم بتلك القصة الظريفة؟ أرجو ألا تمانعوا أن أكررها. تعرفون الكاتب الأرجنتيني، ڤارغاس[4]. لقد قال إن حكاية الفوكلاند عبارة عن رجلين هرمَين أصلعين يقتتلان على مشط!

فلنواصل… إن حجتي، سيدي، كما ترى، هو أن الفعل وردَّ الفعل متماثلان؛ ومفادها: تصفعني، فأردَّ بالتالي الصفعة، وكلا الفعلين مثيل الآخر. فعلك هو صفعي، فأردُّ فعلك بصفعك؛ وإذن، ففعلك وردِّي عليه متماثلان: فعلك قائم على ردِّ الفعل، وكذلك فعلي. فماذا يحدث إذا لم أرد الفعل؟ تصفعني فلا أردُّ الفعل عندئذ – ليس لأنني فاضل، أمارس اللاعنف، تلك المهزلة كلها. لا أردُّ وحسب. أرى عبثية ردِّ الفعل.

أنا ألفت النظر إلى شيء شديد البساطة: فعلك كان قائمًا على ردِّ الفعل، وفعلي كذلك قائم على ردِّ الفعل. وإذن، لا فارق ثمة، ثمة ردُّ الفعل فقط. إذا كنت في پولونيا وكان أناس بغيضون يتسلطون علي، مانعين الحرية، أردُّ الفعل. بطبيعة الحال، يجب أن أرد الفعل. لا أستطيع أن أقول: "طيب، لن أرد!" عليك أن ترد الفعل.

س: لكن ذاك عنف!

ك: سيدي، كما هي حال الأمور، حيث تحاول روسيا أن تسيطر على پولونيا، تقول پولونيا: "إليكم عني إلى الجحيم!" كما هي حال الأمور، عليهم أن يقولوا: "إليكم عنا إلى الجحيم". لكنني إنسان. نحن نتكلم على بشر، لا على پولونيا أو روسيا!

الآن، دعونا ننظر في الأمر. الفعل وردُّ الفعل من طبيعة واحدة. ذاك اكتشاف هائل بنظري. إذن، أرى العبثية، وبذلك ينعدم الفعل/رد فعل. مخي أشرط على ردِّ الفعل – فعل/رد فعل، فعل/رد فعل –؛ فهل يمكن لذاك أن يتوقف؟ تمتدحني، فأشعر بأني عملاق؛ تسبُّني، فأقول: "ما أبشع ذلك!" عدم ردِّ الفعل إطلاقًا. لست مشلولاً، لست في حال غيبوبة أو شيء من هذا القبيل، أنا حي، لكني لن أردَّ الفعل. ينعدم ردُّ الفعل. وإذا انعدم ردُّ الفعل، ألا تكون قد غيرتَ بنية خلايا المخ؟ الأمر بهذه البساطة.

س: لم أعد محدودًا.

ك: لا، لا تختزل الأمر إلى ذلك. نحن نتكلم على طفرة في خلايا المخ. وخلايا المخ قد أشرطت على الفعل/رد الفعل، فعل/رد فعل. تقول إني متوحش، فأنعتك بأسوأ؛ أو تنعتني بالتوحش، فأقول إني يجب ألا أكون متوحشًا. إنه الشيء نفسه. وإذن، فخلايا المخ قد أشرطت على الفعل وردِّ الفعل. وخلايا المخ ترى أن كليهما قائم على ردِّ الفعل. لحظة تعي ذلك، تكون خلايا المخ قد تحركت في اتجاه مختلف كل الاختلاف.

إن واحدة من صعوباتنا هي أننا نملك ذهنًا شديد التعقيد، مخًّا شديد التعقيد، فلا نبدأ بأشياء بسيطة. كن بسيطًا. إذا كنتُ طماعًا، فأنا طماع! أقول ذلك، فأكون بسيطًا للغاية. لا أقول إنني يجب ألا أكون طماعًا، أو إنني هذا أو ذاك. أنطلق من الـما هو – وهو انطلاق من البساطة. وفيما أنت تتقدم، يصير الأمر أعقد فأعقد. والتعقيد لا ينحل إلا عبر البساطة.

زانن، 23 تموز 1983 (2)



* From the transcript of the tape recording of the International Committee Meeting at Saanen, 23 July, 1983 ©2000 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd., pp. 14-21.

[1] نسبة إلى "العلم المسيحي" Christian Science: مذهب ديني أسَّسته ماري بيكر إدي في العام 1866 ووضعت قواعده في كتابها العلم والصحة مع مفتاح الكتاب المقدس (1875)؛ ومفادها أن الإنسان والكون ككل من طبيعة روحية وأن الحق والخير حقيقيان، بينما الشر والباطل ليسا حقيقيين. ويعتقد "العلماء المسيحيون" أن كل شيء ممكن في سبيل الخير، عبر الله، بالصلاة والعلم والفهم، بما ذلك الشفاء من الأمراض المستعصية. (المحرِّر)

[2] كان من عادة كريشنامورتي أن يشير إلى نفسه بحرف "ك" تجنبًا لاستعمال ضمير المتكلم. (المحرِّر)

[3] إشارة إلى الحرب التي نشبت في العام 1982 بين إنكلترا والأرجنتين على جزر الفوكلاند (المالڤينا) في عهد رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر. (المحرِّر)

[4] لعله الكاتب الپيروڤي ماريو ڤارغاس يوسا. (المحرِّر)

معاني التاريخ عند أصحاب الكيمياء المسلمين - پيار لوري

الجمعة, آذار 19th, 2010

تاريخ المعرفة ومعرفة التاريخ

عند جابر بن حيان

lory

پيار لوري*

أورثتنا الكيمياء، ناطقةً باللسان العربي، أدبيات غزيرة، غنية، تتقاطع فيها حضارات عدة. وهي تنتسب صراحة إلى ماض إغريقي ويوناني-مصري، كما تكثر فيها المقبوسات عن أصحاب الكيمياء (= الحكماء) القدماء؛ لا بل إن حواشي كاملة من العقائد الفلسفية (= الكيميائية) باللسان العربي تحيل إلى أقداء من العصور القديمة، المبكرة والمتأخرة. ولقد نهض باحثون ألمعيون لاقتفاء أثر هذه المصادر وخصصوا لها أعمالاً باهرة، نخص بالذكر منها دراسات پاول كراوس. ومع ذلك، فإن العمل المتبقي لا يزال كثيرًا.

لكن السؤال المطروح هنا هو، بالحري، حول معرفة المغزى من هذه المقبوسات عن مصنفات قديمة، مغلوطة النسبة غالبًا: لماذا استشعر مؤلفون، لا مراء في إسلامهم ولا لبس فيه، حاجة الاقتباس عن فيثاغورث أو أفلاطون أو هرمس؟ ألأن الكيمياء انتقلت إليهم بواسطة الإغريق؟ أغلب الظن أنْ نعم؛ لكن هذا الإثبات نصف صحيح: فالغالبية العظمى من جملة المصنفات في الكيمياء الموضوعة بالعربية والمنسوبة إلى مؤلفين إغريق لا تقابل أي نصٍّ أصلي معروف؛ كما يبدو أن جزءًا لا يُستهان به من هذه الكتب المنحولة وُضعت بالعربية رأسًا في العهد الإسلامي – إلا إذا كنا بصدد كتب منقحة تنقيحًا جذريًّا. لقد كان بوسع واضعيها أن يستغنوا فعلاً عن كل ذكر للأصل المقتبَس عنه، كما هو شائع الحدوث في المناخ الثقافي للعصر الوسيط، حيث كان مفهوما الاقتباس والانتحال غير ساريين بتاتًا، فكان بوسعهم خصوصًا أن ينسبوا جميع مصنفاتهم في الفلسفة إلى الإمام علي، صهر النبي محمد، أو إلى جعفر الصادق، سادس أئمة الشيعة، أو إلى الأمير الأموي خالد بن يزيد، أو إلى غيرهم من المؤلفين المسلمين الذين عُزيت إليهم صنعةُ الكيمياء. بيد أننا نشهد ظاهرة غريبة: لقد نسب مؤلفون مسلمون، كتبوا في القرنين الثاني والثالث للهجرة أو حتى بعدهما، رسائلهم الفلسفية إلى هرمس[1] أو إلى أفلاطون إلخ. فإذا كانوا قد ابتنوا ماضيًا قديمًا، يونانيًّا على وجه التحديد، فلأن ذلك لا ينطوي على رؤية معينة للعلم وحسب، لكنْ على تصور لتسلسل التاريخ أيضًا.

جابر في مختبره بين آلاته ناظرًا إلى الأعلى كما تخيله نقاش أوروبي.

حول هذه النقطة بالذات أود أن أتفكر معكم اليوم. وسأستند للقيام بذلك إلى رسائل جابر، أي إلى جملة من المصنفات في الكيمياء تتضمن بضع مئات من الرسائل المنسوبة إلى امرئ يدعى جابر بن حيان، تلميذ الإمام الشيعي جعفر الصادق (ت 765). فالواقع هو أننا لا نعلم يقينًا إنْ كان جابر هو واضع هذه الرسائل الفلسفية كلها، ولا حتى إنْ كان الرجل قد وُجد أصلاً؛ إذ إن المصنفات الجابرية دُونت، في معظمها، بين النصف الثاني من القرن التاسع والنصف الأول من القرن العاشر[2]. غير أننا سنستمر في الكلام على "جابر" بصيغة المفرد تسهيلاً، ولأن هذا المذهب "الغيبي" تتخلله وحدة فكرية حقيقية.

المراجع القديمة للكيمياء العربية

كان الفلاسفة العرب يرجعون إلى عدد معين من الحكماء الأقدمين الذين عينوا لهم مواقع في الماضي قبل الإسلام. ولا حاجة إلى البحث عن اتساق منطقي أو تسلسل تأريخي في رؤيتهم لهذا الماضي؛ فالأسماء كثيرًا ما تورَد من غير أن يكون بالوسع تخمين القصد الدقيق من وراء ذلك تمامًا. لكن فكرة ثابتة تتخلل هذه الرؤية، ومفادها أن التعليم الفلسفي قد مرَّ بأطوار ومراحل. وإننا لنصادف ثلاثة تصورات لهذا التطور.

أحد هذه التصورات يعزو بداية تدبير صنعة الكيمياء إلى حكيم أول يدعى أريوس. وبذا فإن أريوس هو "أبو الكيمياء"؛ لكننا لا نعرف الشخص الذي يرتبط به هذا الاسم[3]. ويشير جابر أنه في الواقع ليس مخترع الكيمياء، بل "أستاذها" الأول فيمن وصله خبرُهم من الحكماء؛ وهذا بدوره نقل علمه، على حدِّ قول جابر، إلى عدد من التلاميذ. وقد وضع له تدابير مطولة، باستعمال العديد من الآلات، وافتتح بذلك شوطًا أولاً، مدبرًا الحجر بالتدبير الأول[4]. أما ألمع أخلافه فهما فيثاغورث[5] (الذي تُنسَب إليه خصوصًا مبادئ علم العدد) وبالأخص سقراط، حيث يسمي جابر هذا الأخير "أبو الفلاسفة وسيدها كلها"[6] ويعدُّه أعظم بني قومه. وقد جمع جابر عددًا من الأقوال المنسوبة إليه في مصححات سقراط، وهو ينسب إليه مذهبًا في التوليد أو التكوين بالصناعة[7]، كما يشير إلى وجود تعليم "سقراطي" في علم العدد.

وبعد سقراط، جاء عدد من الفلاسفة بسَّطوا تدبير الصنعة[8]؛ وهؤلاء يمثلون شوطًا ثانيًا: لقد كُسِرَ التدبيرُ الأول، واختُصرت مدتُه كثيرًا، وذلك من غير انتقاص للحاصل النهائي. والمؤلف الرئيس لذلك العهد (بعد أغاذيمون[9]) هو أفلاطون؛ وهذا أسرَّ إلى تلميذه طيماوس (كذا) بتعليم سرَّاني في مصححات أفلاطون. وقد فاق معلِّمه سقراط، مضيفًا إلى البُعد العملي للفلسفة صياغة نظرية عقلية. وهذه النقطة أساسية هنا، بما أنها تشدد على مفهوم التدرج أو التطور في السياق التاريخي لهذا العلم. وهذه النظرية "الأفلاطونية" تقوم على معرفة الأسطقسات (العناصر) الأربعة، وكذلك على فكرة أن الإنسان – العالم الصغير – يستطيع معرفة هذه العناصر وطبائعها ويسخِّرها بواسطة الكيمياء:

وجعل – تعالى – الإنسان وحده أميرًا على كل شيء دونه بما وهبه له – تعالى – من العقل النفيس والجوهر الرئيس. فمن ذلك أنه جعله مميزًا للعالم الأعلى – وهو الغاية التي ليس وراءها مطلب ولا لأحد عنها مرغب – وأقدره على تميُّز العالم الأوسط الذي هو عالم الكون والفساد، الذي هو من عند فلك القمر إلى مركز الأرض، من الطبائع الأربعة التي هي النار والهواء والأرض والماء. وجعل – تعالى – الإنسان بجسمه عالَمًا صغيرًا كائنًا من مزاج هذه الطبائع الأربعة، وجعله بعقله عالَمًا كبيرًا: إذ كان قد يدرك كنه الطبائع التي هو منها كائن، ويدرك علل العقل بما فيه منه؛ فصار لذلك قادرًا على فصل ما فيه من طبائعه وجواهره وأعراضه وأجناسه وأنواعه، وفرَّق ما بينهما من المخالفات ووصل <ما> بينهما من المماثلات، واستنبط ما فيهما من لطيف رموزها وباطن أسرارها وبديع آثارها – فكان الإنسان هو الحكيم بالحقيقة والوالي بتدبير الخليقة.[10]

والعمليات التي يذكرها أفلاطون والآلات التي يصفها تنحو أساسًا نحو محاكاة الطبيعة. كما أن أنباذقليس (أمپذوقليس) وغيره من الفلاسفة القدماء كثيرًا ما يرد ذكرُهم في المقاطع من مصنفات جابر التي يسرد فيها أقوال غيره من الحكماء وآراءهم.

يتسم الشوط الثالث من هذا التطور بظهور علم الموازين. ولا يورد جابر اسم المصنِّف الذي بدأ معه هذا العلم؛ فقد يكون بَليناس[11] أو حتى جابر بالذات هو المقصود. وهذه "الموازين" عبارة عن جملة من العلاقات الرياضية تتيح حساب نسب الأسطقسات في مختلف تحولات الطبيعة؛ وهذا يتيح فهم تطورات المعادن وغيرها من الجواهر والتسلط على مجاريها باختصار أقصى ما يمكن من الوقت والجهد[12]. وبذا فإن تعليم الفلسفة لم يعدَّل، لكن بيانه توضَّح وتنفيذه تيسَّر ومنفعته عمَّت.

لكننا نجد، في أماكن أخرى، أنسابًا أكثر أسطورية: كأنْ يُنسب فنُّ الكيمياء إلى هرمس. والعديد من المؤلفين المسلمين يميزون في الواقع بين ثلاثة هرامسة (ومنه اسم "المثلث بالحكمة" Trismégistos). ويبدو أن أول هؤلاء الهرامسة عاش قبل الطوفان وأنه يتطابق مع شخصية أخنوخ التوراتية، وهو الذي علَّم البشر علوم الكتابة والمعمار والفلك والرياضيات (= علوم العالم الكبير)؛ وثاني الهرامسة جاء بعد الطوفان، وعلَّمهم الطب وصناعة الأدوية (= معرفة العالم الصغير)؛ وثالثهم استعاد العلوم السابقة وأضاف إليها ولقَّن البشر أصول علوم الغيب والكيمياء (التوافقات؛ العالم الأوسط)[13]. ولنتذكر بأن بَليناس الطُواني قد وضع، في أعقاب لقاء مع هرمس، كتابه سر الخليقة، الذي يحوي أول نص معروف لكتاب اللوح الزمردي الذي ذكره جابر أيضًا:

وقد أتى بذلك بليناس الحكيم، حيث ذكر نقش اللوح الذي في يد هرمس؛ وهو قال حقًّا يقينًا لا شك فيه: "إذا كان الأعلى من الأسفل والأسفل من الأعلى، عمل العجائب من واحد، كما كانت الأشياء كلها من واحد. وأبوه الشمس وأمه القمر، حملته الأرض في بطنها وغذته الريح في بطنها نارًا صارت أرضًا. أغذوا الأرض من اللطيف بقوة القوى، يصعد من الأرض إلى السماء، فيكون مسلطًا على الأعلى والأسفل."[14]

وهذه النسبة إلى هرمس تجيز إقامة جسر بين المنقول الإغريقي-الإسكندري والقصة المقدسة القرآنية-التوراتية. وبالفعل، يقال إن هرمس (الأول أو الثالث أو من دون تحديد) هو إدريس، الصدِّيق النبي المجهول الذي يذكره القرآن تلميحًا (سورة مريم 56-57؛ سورة الأنبياء 85) وتشي السير النبوية بأنه قد رُفع إلى السماوات حيًّا. وبذلك فإن الكيمياء تندرج في التاريخ القدسي الإسلامي؛ وهذا ما يجيز ظهور رؤية ثالثة إلى تاريخ الكيمياء تعزو تعاليم فلسفية إلى الأنبياء الكبار المذكورين في التوراة والقرآن:

وأما طائفة قد ذكرت أن هذا الأمر [علم الحجر] لم يزل يرد على الأنبياء – عليهم السلام – تفضلاً من الله – تعالى – لئلا يكون بهم حاجة إلى ما في أيدي الناس بوحي يوحي به الله – تعالى – إليهم. ونفد ما كان من ولد آدم وخلافهم وتفرُّقهم في البلاد وانقطع، فلم يظهر إلى أن ظهر موسى بن عمران – عليه السلام – وأنه كان يعمله [الحجر] من ثمانية أدوية وأن قارون سرقه منه، على ما قصصنا خبره في أثناء كتبنا هذه وفصولها [...].[15]

وفي كتاب أسطقس الأس الثاني تشديد على أن الأنبياء حتى يتلقون علم الكيمياء وحيًا:

قال قوم: ليس يحتاج العلم إلى تدبير، وإن الإكسير في العالم موجود في حكمة ما خلقه الله – عز وجل –، وإن موسى وسائر مَن أومأنا إليه من الأنبياء والأئمة الصالحين ما عملوا قط شيئًا، وإنما أوحى الله – تبارك وتعالى – إليهم بعلم ذلك الحجر فقط، فعملوا منه ما يقال إنه يُعمل بالتدابير.[16]

وهناك أقوال فلسفية منسوبة إلى إبراهيم، من نحو: "إن العمل في البيضة وليست ببيضة"[17]؛ كما لعب موسى دورًا، كما يشير إلى ذلك اثنان من المقبوسات السابقة. وعيسى المسيح، "روح الله وكلمته"، مذكور هو الآخر، بوصفه القائل على سبيل المثال: "إن الأب هو روح القدس، ومنه الابن"، وكذلك: "مَن لم يكن له سيف فليشتر سيفًا"[18]. ويؤكد جابر أنه وضع تفسيرًا (كيميائيًّا) للتوراة والإنجيل والزبور والمزامير بعد قراءتها بمعونة معين[19]. مذكورون أيضًا مؤلفون أحدث، مثل زوسيموس الرومي[20] أو حتى مارية القبطية[21].

نحن، إذن، بصدد ثلاث رؤى لتاريخ الكيمياء، ذات ثلاثة أنساب مختلفة، متباينة. ولا تهم التناقضات هنا، لأن نصوصنا العربية لا تشكل كلاً متجانسًا، وإنْ كانت تشترك جميعًا في فكرة انتقال علم إلهي. إلى ذلك، فإن جابرًا يربط صراحة بين النسبَين الفلسفي والنبوي:

وإنما ذكرنا أمر الشرع في حواشي كتبنا لأن الشرع الأول إنما هو للفلاسفة فقط؛ إذ كان أكثر الفلاسفة أنبياء، كنوح وإدريس وفوثاغورس وثاليس القديم، وعلى مثل ذلك إلى الإسكندر.[22]

وهذا العلم، كما يشدد جابر، لم ينقطع منذ العصور القديمة عبر فضائل العقل[23]. ثمة إذن تطابُق بين النسبَين الفلسفي والنبوي: يتكلم جابر على سقراط بوصفه "سيد" الفلاسفة، مثلما كان جعفر "سيده" هو. فما معنى هذا كله؟ معناه أنه يوجد منذ الأصول نقل باطني للعلم؛ والمقصود عمقيًّا توضيع تصورات إسلامية على المنقول الفلسفي: النقل عبر الأئمة (الوصايا) عند الشيعة، وعبر مُسارَرة الشيخ للمريد (البيعة) التي نقع عليها لدى الصوفية. لكنْ لا بدَّ هنا من التذكير بفارق: العلم الفلسفي يتطور من حيث الإتقان منذ الأصول، أو بالأدق، يمر من حال مختصرة للغاية وباطنية إلى جهر به أكثر فأكثر انفتاحًا.

الآفاق الأخروية للكيمياء

يجيز لنا النظر في الآفاق الأخروية للكيمياء العربية، فيما أظن، أن نحيط إحاطة أفضل بعلة استحضار جميع هؤلاء المؤلفين القدماء. وهذه الآفاق ولدت بالدرجة الأولى في التيار الشيعي، على ما يبدو؛ وفيه أيضًا ظهرت للملأ على أكثر ما يكون من الوضوح. والمرجعية الرئيسة هنا لا تزال هي المصنفات المنسوبة إلى جابر بن حيان، بالإضافة إلى أعمال أخرى، كمصنفات عز الدين الجلدكي (القرن الرابع عشر). وهؤلاء المصنفون يندرجون، بخصوص الفترة التي يعاصرونها، في منظور إسلامي قطعًا:

وقالت طائفة إن العلم الذي نحن في ذكره إنما يكون للنبي فقط، وهو الأسطقس، وإن النبي يعلِّمه للوصي[24]، وهو الأس نفسه. وتنازع الناس في ذلك منازعات كثيرة لا يمكن إيراد جميعها <…> لأن كتبنا تضيق عنها، إما لطولها وإما لكثرة ما خلط الناس بها المحالات.[25]

والواقع أن غلو جابر في تشيُّعه يجعله يضع الإمام في مقام أعلى من مقام النبي، من حيث إن علم الباطن أسمى من عقائد أهل الظاهر وأحكامهم التي هي بمثابة أساسه الشرعي. وهذا العلم الفلسفي، حسب جابر، هو وقف على كبار الأئمة:

فإن كنت إنسانًا فستعلم ما فائدة ذلك، وتحرص على جمع كتبنا هذه، وتأخذ منها علم النبي وعلي وسيدي [جعفر] وما بينهم من الأولاد، منقولاً نقلاً مما كان وهو كائن وما يكون من بعدُ إلى أن تقوم الساعة.[26]

فبالفعل، لا تصادَف تعاليم في الكيمياء صريحة منسوبة إلى النبي محمد نفسه؛ وهذا لا ينطبق على الإمام علي الذي كان، حسب الشيعة، وارثه، خليفته الوصي على التعليم الباطني بالأخص:

قالت طائفة إن نبينا محمد بن عبد الله – عليه الصلاة والسلام – قد ذكر ذلك وأبان عن صحته؛ وكذلك علي بن أبي طالب – عليه السلام – بما ذكرناه في كتابنا في الإمامة، الذي هو سبع عشرة مقالة، حيث سئل وهو يخطب خطبة البيان وقد قيل له: "هل الكيمياء لها كون؟" قال: "إن لها كونًا، وقد كان وهو كائن وسيكون." فقيل له: "وما هو، يا أمير المؤمنين؟" فقال: "إن في الزئبق الرجراج والأسرب [= الرصاص] والزاج والحديد المزعفر وزنجار النحاس الأخضر لَكنوز الأرض، لا يوقَف على غابرهن." فقيل له: "يا أمير المؤمنين، لم نفهم!" فقال: "اجعل بعضه أرضًا وبعضه ماءً، فافلح الأرض بالماء، وقد تم العمل." فقيل له: "يا أمير المؤمنين، لم نفهم!" فقال: "لا زيادة على هذا، وإن الفلاسفة القدماء ما زادت لئلا يتلاعب به الناس."[27]

إن خطبة البيان[28] هذه، ذات المرمى الباطني والمنسوبة إلى الإمام علي، تتضمن مقطعًا كيميائيًّا استعاده الجلدكي وشرحه[29]. كذلك فإن جعفر الصادق، سادس الأئمة، يُنسب إليه تعليم فلسفي لا يُستهان به، كما تُنسب إليه نصوص من الواضح أنها منحولة. لكن المهم في الأمر أن جابرًا يرى فيه مسلِّكه في علم صناعته بامتياز: فقد كان ملهمها، الآمر بتأليفها ومرتِّبها، ولعله، إذا جاز القول، أملى عليه مقاطع كاملة منها[30]؛ فهو، إذ "كرَّمه [الله] بالإمامة ومنزلة النبوة والعلم بالغيوب"[31]، كان علمه "محيطًا بكل شيء"[32] ويتخطى بذلك مجرد المنقول عن أسلافه.

الكيمياء هنا مثال بليغ على العلم السرَّاني الذي يسوقه الأئمة إلى صفوة من الرجال فحسب. والباحث قد يكون مقربًا من الإمام، وقد يكون أيضًا متوحدًا. وإن شخصية اليتيم هذه هي المذكورة في رسالة صغيرة مدهشة عنوانها كتاب الماجد[33]. والعمل الكيميائي يقع عند نقطة الاتصال بين الكدح الفردي وبين التلقي الذي لا غنى عنه لتعليم سرَّاني يتم بالصحبة والمجاورة. إذ إن التلميذ يصير واحدًا مع معلمه، كما تشي بذلك مقاطع عديدة[34]؛ فالغاية، بالفعل، هي بلوغ تعليم الإمام. ولكن، ما المقصود بذلك في العمق؟ وكيف يمكن للعمل الكيميائي أن يلتحق بالتحقق الروحي حسب التشيع؟ الإمام هو الإنسان الكامل؛ واكتساب علم الإمام ليس استيعاب علم بعينه وحسب، بل هو فهم سر الفطرة الإنسانية أيضًا؛ وسر الفطرة الإنسانية هو سر الكون. وإننا لنجد في اللب من الفلسفة (= الكيمياء) الإسلامية فكرة الإنسان بوصفه عالَمًا صغيرًا، انعكاسًا، مختصَرًا للعالم الكبير وحافزًا له؛ ونجد، كذلك، فكرة صنعة الكيمياء بوصفها العالم الأوسط. وهناك مقاطع عدة من المصنفات الجابرية تشي بأن اكتشاف سر الحجر، "إكسير الأكاسير كلها وخميرة الخمائر"، إنما هو رؤية الإمام بالذات عيانًا[35].

غلاف كتاب پيار لوري "الكيمياء والعرفان في أرض الإسلام" مترجمًا إلى الفارسية.

إن تسلسل التاريخ القدسي يوافق تطور هذه المعرفة. لقد كان الفلاسفة في العصور القديمة قد علَّموا هذا السر بطريقتهم؛ لكن العهد الإسلامي هو آخر عهود التاريخ البشري وتمامها، وسيكون العهد الذي تؤول فيه جميع الأسرار إلى الانكشاف – وهذا الكشف هو سمة هذا التمام نفسها؛ وبهذا المعنى، فإن الفلسفة عامل فعال من عوامل تاريخ الإنسانية. فمن هذا المنظور يجب فهم هذه الرؤيا التكليفية التي رواها جابر في مصنفه كتاب الرحمة الصغير:

ثم إني نمت ليلتي تلك، فرأيت في نومي كأني قائم وسط بساتين ورياض وأزهار وأنهار، وأنا أمد يدي إلى تلك الفواكه وأقطف منها وأطعم جماعة حولي؛ وعن يميني نهر من عسل ممزوج بلبن، وعن يساري نهر من خمر، وقائل ينادي في سري: "يا جابر، نادِ أصحابك إلى هذا النهر الذي عن يمينك ليشربوا منه، وامنعْهم من هذا الذي عن يسارك وحرِّمْ عليهم شربَه." فقلت له: "مَن المخاطِب لي؟" فقال: "نور قلبك الصافي المضيء." فانتبهت لوقتي وفكري يجول في وضع الكتاب. فلما أصبحت، مضيت إلى سيدي [جعفر] وأنا مسرور بالمنام، وأعلمته بذلك. فقال: "احمد الله واشكرْه الذي نوَّر قلبك وندبك إلى الخير. اخرجْ من عندي في ساعتك هذه، واقصدْ ما نُدبت إليه، واستعنْ بالله في ذلك."[36]

ولنذكِّر أيضًا بأن المصنفات الجابرية يتخللها مذهب في التناسخ[37]: فمن دور إلى آخر، يترقى العارفون إلى منازل أعلى فأعلى في العرفان. إذ إن هناك مراتب باطنية من النفوس السماوية، مؤلفة من خمس وخمسين من "الأشخاص" أو "الأعلام" الذين تجتمع فيهم علوم الذات الواحدة، التي هي ذات الإمام[38]. والعارف مدعو إلى الارتقاء من منزلة إلى المنزلة التي فوقها، فيما هو يحتفظ بصورة إنسانية أرضية، حتى يبلغ مقام الإمام. فما هو الثقل، "الكدر" الذي يحط من صورة الإنسان الأولى التي رسبت في "المزاج"، وما هي "الرحمة" التي ترتفع به؟ الكدر هو الجهل (بفطرته الحق)، والرحمة هي العرفان. والحكمة عرفان منجٍّ، يخلِّص العارف من كدره ويصفو به؛ وهي، بهذا المعنى، "أخت النبوة"، على ما جاء في خطبة البيان. العارف يصير ما يعرف؛ والحكمة تعينه على معرفة سر الإمام، سر الفطرة الإنسانية. وهذا يجب الربط بينه وبين التأكيد المركزي للتشيع الجابري: الإمام هو المخلص؛ فمَن عرف الإمام حق معرفته لم يعد محتاجًا إلى تكرير وكف عن التناسخ[39]. وحين تبلغ جميع النفوس المصطفاة غايتها وتقترب من مرتبة الإمام القائم يكتمل التاريخ وتقوم الساعة[40].

فكيف نضع ذلك في سياق تاريخ الأحداث؟ لا ننسَ أن تأريخ المصنفات الجابرية إجمالاً سابق لتاريخ وضعها الحقيقي؛ فأغلب الظن أنها دُوِّنت في معظمها في القرنين التاسع والعاشر. ففي ذلك العصر، تكاثرت التيارات الشيعية الألفية[41] التي لم يكن الإسماعيليون القرامطة والفاطميون إلا أشهرها من جراء نجاحهم السياسي والعسكري وتأسيسهم لدول قوية مرهوبة الجانب. وكان انتظار ظهور الإمام شديدًا، بحيث كان على القادة الشيعة أن يجدوا مسوغات لتعليل تأخُّره: من ذلك التعديلات الحاصلة على الإمامية عند الإسماعيليين الفاطميين، ومنه إعلان الغيبة الكبرى عند الشيعة الاثني عشرية. وبوسعنا أن نعتبر أن تدوين المصنفات الجابرية يوافق بحدِّ ذاته محاولة لتبرير هذا التأخير: سيحين قيام الساعة عندما يُكشَف عن غوامض أسرار العلوم الفلسفية وتذاع إلى أهلها – وبوجيز القول، حين يُعرَف عمل جابر ويُعترَف به[42].

هذه اللحظة الرؤيوية النشورية هي المذكورة في رسالة موجزة بعنوان كتاب البيان[43]: ففيه يبين جابر التماثل بين دور اللغة (البيان) – حيث الصورة البيانية تنقل من القول إلى المعنى، من المحسوس إلى المعقول – وبين دور الظواهر الأرضية التي تدرسها الفلسفة (= الكيمياء) والتي تكشف عن معنى التاريخ بالذات. فما هو معنى التاريخ؟ إنه اكتمال الحضور المحوِّل لشخص الإمام عند الكل، هذا الإمام الذي ليس غير حجر الفلاسفة. وتُختتم الرسالة بالنبوءة التالية:

وهذا الشخص، يا أخي، لن يظهر إلا في القرانات المقتضية للانتقالات. إذا هُجرت العلوم وفسدت الأديان وعمَّ الفساد، فإنه يظهر إصلاح بأسره، فيكون أول إصلاح يبدو منه فيه تصنيف الكتب في العلوم الباطنة المهجورة وإيضاح براهينها. ثم يقوم بعد ذلك بالسيف، فيصلح به مَن لا يصلح بالعلوم من النفوس المحتاجة إلى التكرير في غير أشخاص العظَمة، لأن هذه النفوس تجري مجرى الجرب المعدي لفساده ومجرى الخبيثة في الأعضاء وأشباه ذلك. ولهذا الشخص الكريم أعِدَّت الدفائنُ والكنوزُ القديمة، ويظهر فيما يلينا في قران القوس – فاعلم ذلك.[44]

اختصارًا لكل ما سبق، إلامَ يتقاطر دفق التاريخ الإنساني؟ المصنفات الجابرية، على ما نرى، لا تعلن وقوع مبشرات أخروية من نمط سياسي بحت. هناك إيضاح لذلك وارد في مقطع من كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل:

وإذ قد أتينا على ذلك فلنقل: اعتقاد الصنعويين في الصنعة أنهم يعتقدون أن العالم إنسان كبير، والصنعة إنسان أوسط، والإنسان [الأرضي] إنسان صغير [...] وأنه إنما صار إنسانًا كبيرًا باقيًا لهذه العلة، يُحسن معرفتَه بالسياسة ويُظهر التدبيرَ في البقاء؛ فكان إنسانًا كبيرًا لا نهاية له، كما ترى الأشياء تنشأ ضعيفة أولاً، ثم تقوى مرتبةً مرتبةً على ذلك، إلى أن تنتهي إلى آخرها حتى تكون لها غاية.[45]

التاريخ، حسب الفلسفة (= الكيمياء) العربية، ليس إذن إلا ذاك: إنه الزمان الضروري للبشر قاطبة حتى يتمكنوا، تدريجيًّا، من الصيرورة إنسانًا كاملاً. وبهذا المعنى، حين يلتقي اليتيم الإمامَ ويتماثل معه فهو يحقق معنى التاريخ. فكما كتب هنري كوربان:

إن معنى صنعة الكيمياء بالذات هو استيلاد الجسد الممجد Corpus Glorificationis، هذا الكائن الجديد الذي تشير إليه مئات الأسماء والصور المختلفة. وهذا العمل لا ينفصل عن المواد المحسوسة التي يعالجها [...]؛ فالكيمياء شكل من أشكال الكدح يلقي بقصده في الأجسام الطبيعية، وذلك لاستبطانه عندئذ وإذابة جسد القيامة الصوفي، الخالي من كل خَبَث، وقولبته في الآن نفسه في باطن المريد.[46]

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس

المراجع العربية

- جابر بن حيان، تدبير الإكسير الأعظم: 14 رسالة في صنعة الكيمياء، بتحقيق وتقديم پيير لوري، طب 2 (مع مقدمة خاصة)، دار ومكتبة بيبليون، جبيل، 2009.

- جابر بن حيان، مجموعة مصنفات في الخيمياء والإكسير الأعظم (رسائل مهمة في العلوم الكيمياوية والصنعية لجابر بن حيان وغيره من الحكماء والفلاسفة، بإشراف م. برطلو وتحقيق أ. هوداس، صورة عن طبعة 1893 + مصنفات في علم الكيمياء للحكيم جابر بن حيان الصوفي، بتحقيق إ.ي. هولميارد، صورة عن طبعة 1928)، بدراسة وتقديم پيير لوري، طب 2، دار ومكتبة بيبليون، جبيل، 2008.

- جابر بن حيان، مجموعة من رسائل جابر بن حيان (مختار رسائل جابر بن حيان، باختيار وتحقيق پول كراوس، صورة عن طبعة 1935)، بتقديم عبد الرحمن بدوي، طب 2، دار بيبليون، باريس، 2009.

المراجع الأجنبية

- CORBIN, Henry (1986), L’alchimie comme art hiératique, Paris, L’Herne.

- KRAUS, Paul (1942), Jābir ibn Hayyān – Contribution à l’histoire des idées scientifiques dans l’Islam – Jābir et la science grecque, Le Caire, IFAO ; rééd. Paris, Les Belles Lettres, 1986.

- KRAUS, Paul (1943), Le Corpus des écrits jābiriens, Le Caire, IFAO.

- LORY, Pierre (1989), Alchimie et mystique en terre d’Islam, Lagrasse, Verdier.

- LORY, Pierre (2000), « Eschatologie alchimique chez Jābir ibn Hayyān », dans Mahdisme et millénarisme en Islam, REMMM, Aix-en-Provence.

- PLESSNER, Martin (1990), article « Hirmis » dans l’Encyclopédie de l’Islam, t. III, Leiden, E.J. Brill.

- VERENO, Ingolf (1992), Studien zum ältesten alchemistischen SchrifttumAuf der Grundlage zweier erstmals edierter arabischer Hermetica, Berlin, Klaus Schwarz Verlag.



* دكتور في الدراسات العربية والإسلامية، اختصاصي في التصوف. مدير دراسات في "المدرسة التطبيقية للدراسات العليا"، القسم الخامس (علوم الدين). نشر مؤلفات ومقالات عديدة في التفسير الصوفي للقرآن ولصنعة الكيمياء ولعلم الحروف وفي تعبير الرؤيا في التراث الإسلامي. يشغل حاليًّا منصب المدير العلمي للمعهد الفرنسي للشرق الأدنى (دمشق).

[1] راجع: إ. ڤيرينو، دراسات لأقدم النصوص الكيميائية على أساس رسائل هرمسية عربية محققة للمرة الأولى (بالعربية والألمانية)، برلين، 1992.

[2] راجع: پ. كراوس، ترتيب مصنفات جابر، القاهرة، 1943، ص 57-65 من المقدمة الفرنسية.

[3] هل هو الإله آرس/مارس، "سيد المعادن"؟ راجع: پ. كراوس، جابر بن حيان، مساهمة في تاريخ الأفكار العلمية في الإسلام: جابر والعلم اليوناني (بالفرنسية)، القاهرة، 1942، ص 54-55؛ كتاب السبعين، في مجموعة من رسائل جابر بن حيان، ص 257.

[4] راجع: كراوس، جابر والعلم اليوناني، ص 56-57؛ كتاب السبعين، المصدر نفسه، ص 257.

[5] فوثاغورس أو فيثاغورس، كما يرد اسمه في رسائل جابر. (المحرِّر)

[6] كتاب التجميع، في مجموعة من رسائل…، ص 538.

[7] "التكوين"، كما يسميه جابر، علم يجيز بالصناعة محاكاة "موازين" الطبيعة في تكوينها الكائنات، ولاسيما من النبات أو الحيوان. (المحرِّر)

[8] راجع: كراوس، المصدر السابق نفسه، ص 56؛ كتاب السبعين، المصدر السابق نفسه، ص 257-258.

[9] هو أغاثوذَيمون (ت حوالى 300 م): فيلسوف يوناني عاش في مصر الرومانية المتأخرة؛ يستند أكثر ما وصلنا عنه من معلومات إلى مقاطع من رسائل في الكيمياء من العصر الوسيط، أهمها كتاب أنپيغرافوس Anepigraphos الذي يذكر مصنفات تُنسب إليه وتعود إلى القرن الثالث. معروف أساسًا بوصفه للعناصر والمعادن، وبالأخص وصفه للتحصُّل على الفضة وعلى مركَّب أطلق عليه اسم "السم الناري"، لعله ثالث أكسيد الزرنيخ. (المحرِّر)

[10] كتاب أسطقس الأس الأول، في مجموعة مصنفات في الخيمياء والإكسير الأعظم، ص 350-351.

[11] هو أپولونيوس التياني (ت حوالى 97 م)، المعروف ببَليناس (أو بَلَنْياس) الطُواني في التراث الفلسفي العربي: فيلسوف يوناني على المذهب الفيثاغورثي المُحدَث. (المحرِّر)

[12] راجع مثلاً: كتاب الموازين الصغير، في مجموعة مصنفات…، ص 187-213؛ نخب من كتاب الميزان الصغير، في مجموعة من رسائل…، ص 167-201.

[13] راجع: م. پلسنر، مادة "هرمس" في الموسوعة الإسلامية.

[14] كتاب أسطقس الأس الثاني، في مجموعة مصنفات…، ص 378.

[15] كتاب أسطقس الأس الثاني، المصدر نفسه، ص 374.

[16] المصدر نفسه، ص 379؛ راجع أيضًا ص 376-377.

[17] المصدر نفسه، ص 378.

[18] كتاب الحجر، في مجموعة مصنفات…، ص 308؛ كتاب أسطقس الأس الثاني، المصدر نفسه، ص 378. [قارن أيضًا: إنجيل يوحنا 14: 26؛ إنجيل لوقا 22: 36. (المحرِّر)]

[19] كتاب الموازين الصغير، المصدر السابق نفسه، ص 197-198.

[20] هو زوسيموس الپانوپولسي (ت حوالى 250 م): فيلسوف يوناني مصري المولد، ذهب إلى أن جميع الجواهر مؤلفة من عناصر الطبيعة الأربعة: النار والماء والهواء والتراب. جمع علوم الـخيميا khêmia، كما كانت تُسمى في عصره، في موسوعة من 28 مجلدًا، ويعود إليه الفضلُ في معرفتنا بالكيمياء المصرية-اليونانية. لكن معظم هذه المعرفة دمِّر على أيدي الإمبراطور ديوقلتيانُس والمسيحيين الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية في العام 391. (المحرِّر)

[21] راجع مثلاً: كتاب الحبيب، في مجموعة مصنفات…، ص 140؛ كتاب الحجر، المصدر السابق نفسه، ص 306؛ كتاب أسطقس الأس الثاني، المصدر السابق نفسه، ص 379. ولنتذكر بخصوص مارية، التي كثيرًا ما تنطق عن المبدأ المؤنث، أنها سَمية سرية النبي محمد التي وحدها ولدت له ابنًا ذكرًا: إبراهيم.

[22] كتاب البحث، في مجموعة من رسائل…، ص 210-211.

[23] راجع: كتاب الموازين الصغير، المصدر السابق نفسه، ص 188.

[24] هو الإمام، المكلف تعليم الباطن بعد النبي.

[25] كتاب أسطقس الأس الثاني، المصدر السابق نفسه، ص 370.

[26] كتاب الخواص الكبير، في مجموعة من رسائل…، ص 361.

[27] كتاب أسطقس الأس الثاني، المصدر السابق نفسه، ص 377-378؛ راجع أيضًا: كتاب الحجر، المصدر السابق نفسه، ص 310.

[28] راجع نصها، مثلاً، في: الإنسان الكامل في الإسلام، دراسات ونصوص غير منشورة ألف بينها وترجمها وحققها عبد الرحمن بدوي، طب 2: الكويت، 1976، ص 139-143. (المحرِّر)

[29] راجع: هـ. كوربان، الكيمياء علمًا قدسيًّا، باريس، 1986، الجزء الأول.

[30] راجع: كتاب الماجد، في مجموعة من رسائل…، ص 20؛ كتاب الراهب، في مجموعة من رسائل…، ص 49.

[31] كتاب المنفعة، في تدبير الإكسير الأعظم، ص 177.

[32] كتاب الراهب، المصدر السابق نفسه، ص 50.

[33] راجعه في: مجموعة من رسائل…، ص 20-30؛ راجع أيضًا: كوربان، المصدر السابق نفسه، ج 3؛ پ. لوري، الكيمياء والتصوف في أرض الإسلام (بالفرنسية)، لاگراس، 1989، ص 82 وما بعدها.

[34] راجع: لوري، المصدر نفسه، ص 78-82.

[35] راجع: كتاب الملك، في مجموعة مصنفات…، ص 174، 176-177؛ لوري، المصدر نفسه، ص 60 وما بعدها.

[36] كتاب الرحمة الصغير، في مجموعة مصنفات…، ص 438-439.

[37] راجع: لوري، المصدر السابق نفسه، ص 63 وما بعدها.

[38] راجع: كتاب الخمسين، في مجموعة من رسائل…، ص 229-230.

[39] راجع: كتاب البيان، في مجموعة مصنفات…، ص 299.

[40] راجع: كتاب الاشتمال، في مجموعة من رسائل…، ص 479.

[41] من المذهب الألفي: جملة المعتقدات بحلول ملكوت أرضي أخروي يحكمه مخلِّص مع أصفيائه، فـ"يملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جورًا"، ويُعتقد بأنه سوف يدوم ألف عام. (المحرِّر)

[42] راجع: لوري، المصدر السابق نفسه، ص 105، 109؛ كتاب الموازين الصغير، المصدر السابق نفسه، ص 207.

[43] راجع: كتاب البيان، المصدر السابق نفسه، ص 293-300.

[44] كتاب البيان، المصدر نفسه، ص 300؛ راجع شرحه في پ. لوري، "الأخرويات الكيميائية عند جابر بن حيان" (مقال بالفرنسية)، 2000.

[45] كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل، في مجموعة من رسائل…، ص 142-143؛ راجع أيضًا: لوري، الكيمياء والتصوف في أرض الإسلام، ص 111.

[46] كوربان، المصدر السابق نفسه، ص 151.

ماذا يحاول أن يقول لي؟ - ج. كريشنامورتي

السبت, آذار 13th, 2010

ماذا تراه يحاول أن يقول لي؟*

krishnaji_4

كريشنامورتي: أنا إنسان عادي. أصادف كتابًا من كتب ك[1]، فيصعقني تصريح أو تصريحان مما جاء في الكتاب، فأرغب في معرفة المزيد عن الأمر. أرى أنه يعارض – أو أنه لا يؤيد – المؤسسات والمنظمات "الروحية" المزعومة. وهو يحدِّثني عن مشكلاتي. إنه يدل على ماهية مشكلاتي وعلى حلِّ تلك المشكلات. وهَبْ أن عندي مشكلة – لست سعيدًا في عملي، لست سعيدًا في علاقتي مع الآخرين، تراني برمًا نوعًا ما بالحياة ككل لأني وجدت أن معناها فعليًّا ضئيل جدًّا. أذهب إلى العمل، أتعاطى الجنس، عندي أسرة، أو لا أسرة عندي، وتراني أشرب، وغير ذلك. إذا كنت في الهند، فأنا مقيد بالتراث، وأرى أنه "ضد التراث"، إذا جاز لي أن أستعمل هذا التعبير. وهو لا يعطيني أي توجيهات؛ سواء كنت غربيًّا، أوروبيًّا، أو شرقيًّا، هنديًّا، فهو لا يعطيني أي توجيهات، وتراني أريد توجيهات، فأنا متعود ذلك. ولأنه لا توجد [عنده] توجيهات، قد أطرح الكتاب وأقول: "أي هراء هذا الذي يتحدث عنه!"

أما إذا كنت محبًّا للبحث بعض الشيء، فأسأل: "لماذا ليس عنده توجيهات؟ لماذا لا يأمرني بما يجب أن أفعل؟" وأبدأ بالاستفسار وقراءة المزيد. أكتشف أن التوجيهات تجعل المرء أكثر آلية، أكثر غفلة بنفسه فحسب، فأواصل التقصي. أرى أنه مصيب تمامًا. أرى حماقة التوجيهات. وأرى كذلك أنه كانت هناك توجيهات من قبلُ لأني درست الأمور الدينية بعض الشيء، فأقول: "والآن، ماذا أنا فاعل؟" ذلك هو سؤالي الأساسي. ماذا أنا فاعل؟ – أنا الذي يعيش حياة عادية: أذهب إلى المكتب أو المصنع، أو أمارس نوعًا من العمل – ماذا أنا فاعل؟ من خلال قراءتي للكتاب، هل يأمرني بما يجب أن أفعل؟ وأجد أنه لا يفعل ذلك بتاتًا. فماذا يحاول أن يقول لي يا ترى؟ إنه يحاول أن يقول لي: "كن واعيًا بنفسك، تعرَّفْ إلى شرطك، انظرْ ما هي الفخاخ وتقصَّ تلك الفخاخ – الفخ الديني، الاقتصادي"، إلخ، إلخ.

إن ما يحاول أن يقوله لي أساسًا هو أن أوقظ ذكائي – لا ذكاءه أو الذكاء الذي يتجلَّى في الكتاب؛ إنه يحاول أن يقول لي: "كُرمى للحق، أيقظْ ذكاءك، أشهرْه، تساءلْ، حاججْ، ناقشْ، شكِّكْ." إنه يقول لي ذلك كله. لذا أبدأ باكتشاف أني نوعًا ما شخص غبي، فظ، جلف. لكني لست عديم الحساسية تمامًا، وهو يقول لي: "استيقظ، إنها حياتك، أحلِل النظام فيها في حذاقة." لكن تنشئتي كلها قامت على "مُرني بما أفعل"؛ لذا تراني أقاوم هذا، فأرتد إلى تلك الـ"مُرني بما أفعل". ومع ذلك فهو يقول: "لا تسلْ عما أنت فاعل، بل غُصْ في الأمر، ناقشْ." ومن ثَمَّ تنشأ فيَّ المقاومة في مقابل ما قرأت. وهكذا يوجد نزاع بين ما قرأت وبين مقاومتي.

ثم أصل إلى مأزق، بسبب كسلي، بسبب حياتي الأسرية وسائر تلك المشكلات، فأنصرف عن الأمر مدة، قد تكون عامًا أو ستة أشهر أو يومًا واحدًا. أنصرف عنه مدة ما. لكن البذرة زُرعت فيَّ، بذرة أن "المسئول عن أفعالك هو أنت ولا أحد سواك!" ذاك ما يقوله لي وأوافق عليه. أرى منطقيته، فأقبل ذلك. لكن عندي عملاً، أذهب إلى المكتب أو المصنع، أنا نجار أو عالِم أو ما شاكل، وأرى أكثر فأكثر التناقض في حياتي بين ما قرأت وبين ما أنا عليه. وهكذا يجري نشاط فصامي: تقبُّل لفظي للكتاب ولما قرأت من ناحية، وحياتي اليومية من ناحية ثانية.

فأنا الآن مهتم بالنزاع. أعي فجأة بأن حياتي ككل قائمة على النزاع. والآن أقول مجددًا: "مُرني، أرجوك، بما أفعل حيال هذا النزاع الرهيب عندي." فهناك فيَّ من جديد هذا التناقض الواقع: "مُرني، دعني أتقبَّل أفكارك." ومن ثَمَّ أعي تدريجيًّا بأني أنشئ سلطة. أصير تدريجيًّا واعيًا بأن ما أريده حقًّا هو السلطة، شخصًا يرشدني. وهو ذا يقول: "لا تفعل ذلك، كن نورًا لنفسك." وأستسلم – فالأمر على غاية من الصعوبة. فتراني تائهًا بلا أمل. أنا تائه، ولعلي مكتئب، فأقول: "طيب، الأمر لا يستحق الجهد، فلننسَه. ليس عندي الطاقة، ليس عندي الحافز، ولعلي أصل ذات يوم إلى مكان ما أو سواه."

هذا ما يحدث عمومًا مع غالبيتنا، كما أفهمه – وقد أكون مخطئًا. هناك الذين بلغوا هذه النقطة ويستمرون، لا يستسلمون، لا يقرون بالهزيمة – ولعل تلك هي حال غالبيتنا. ثم أرى أهمية إيقاظ الذكاء والتيقظ لواقع أني يجب أن أكون نورًا لنفسي. أنا لست شديد الفطنة؛ أنا فعال إلى حدٍّ ما في نشاطي الدنيوي؛ لكن هذا الأمر يستدعي نوعًا مختلفًا تمامًا من الذكاء، نوعًا مختلفًا تمامًا من التفتح.

فأين أنا الآن؟ عليَّ أن أعيش في هذا العالم. عليَّ أن أجني المال. عندي عائلة، وعليَّ أن أعيلها. زوجتي غير مهتمة بهذا كله. أولادي يذهبون إلى المدرسة، يزدادون جلافة وفظاظة وقلة حساسية، وليس بيني وبينهم علاقة. فأرى اللخبطة الرهيبة التي افتعلتها لنفسي وللآخرين. والآن، كيف لي أن أوقظ ذلك الذكاء بحيث يكون بوسعي التعامل مع هذا كله؟ لقد سبق لي أن قرأت كتبًا عديدة، لا [كتب] ك وحسب بل كتب أخرى أيضًا؛ أصبت قليلاً من الفلسفة الهندية ومما قاله البوذيون. لست مهتمًّا بصفة خاصة بالمسيحية لأنها لا تتأسس على فلسفة، بل تقوم على الاعتقاد والإيمان والسلطة، بحيث إنها لا تستهويني كثيرًا. وهكذا بتُّ أدرك بأني أتخبط في هذه الفوضى وأسأل نفسي عما أنا فاعل. كيف لي أن أوقظ ذاك الذكاء الذي سيتعامل في وضوح مع قضايا العلاقة هذه كلها، إلخ، إلخ؟ فهو يقول: "كن واعيًا… كن واعيًا بالعالم الخارجي، بما يحدث فيه، انظر إليه من دون أي تحيُّز." أجد ذلك صعبًا نوعًا ما، لكني أسعى في وعي أحكامي المسبقة، إشراطي. وأصير واعيًا بأفعالي، بخواطري، بمشاعري، بالمجالات التي أعدم فيها الحساسية: أنا تافه نوعًا ما، أنا طَموح، إلى ما هنالك. وإذن فأنا أكتشف في نفسي عوامل، مصادرَ انعدام حساسيتي وبدايةَ هذا الذكاء الذي ينسلُّ انسلالاً طفيفًا. إنه ليس كامل الإزهار بعدُ، لكنه في بدايته. وأبدأ فعليًّا برؤية الأشياء التي ليست حقيقية في حياتي، الأشياء الزائفة، النفاقية نوعًا ما، فأبدأ أقول: "هل من الممكن ألا أكون منافقًا، ألا أدَّعي، ألا أضع أقنعة بحسب البيئة، بحسب الناس الذين أقابلهم؟" أرى أنه ممكن فعلاً، وأبدأ بنبذ هذا كله. لقد بدأت أدرك أن الذكاء ليس إنكار الزيف، بل هو بالأحرى وعي الزائف.

لقد بدأت أدرك أن الأشياء التي ظننتها قيِّمة، أو ذات مغزى ما، لا معنى لها فعليًّا على الإطلاق. القيم، المُثُل التي اتخذتها، لا قيمة لها فعليًّا، لا عمق فيها. وذاك الإدراك بالذات بأنها عديمة العمق يجعل الزائفة منها أو التي لا مغزى لها تتلاشى. لم أصارعها، لم أقل بأنها صحيحة أو خاطئة، بل إن مجرد إدراك عدم معناها، عدم صحتها، مجرد ذاك الإدراك يبدأ في كشح ما ليس حقيقيًّا. فأنا صائر – لا، لست صائرًا؛ بلى، سأستعمل كلمة "صيرورة" – أنا صائر أكثر فأكثر وعيًا، أكثر فأكثر تنبهًا، أكثر فأكثر يقظة.

وهو يقول أيضًا في ذلك الكتاب شيئًا غريبًا نوعًا ما، لا أفهمه تمامًا. يقول: "لا تخضْ تلك السيرورة كلها، اقفزْ إليها! لا تمض خطوة فخطوة فخطوة، فتلك مضيعة للوقت. ففي عملية الخطوة فخطوة هذه يمكن لك أن تستمر إلى ما لا نهاية مكتشفًا مختلف أشكال خداع النفس وهكذا دواليك." ومن ثَمَّ يقول: "لا تسمح بمرور زمن بين الرؤية والفعل." وذاك بنظري مسرف في الخروج من مجال إدراكي. بذا أجدني أتقصى: ماذا يعني بذلك؟

وإذن فهل أنا بادئ برؤية أهمية الإدراك وعلاقته بالفعل؟ ذاك هو موقفي. ذاك ما سأقرِّره. ذاك ما سيقوله شخص عادي – هو أنا – وقد بلغ تلك النقطة وعلق فيها. أدور وأدور في دوائر، لكني على نحو ما غير قادر على كسر تلك الدائرة. فأسألك، أنت الذي كتب ذلك الكتاب أو صرح بهذه الأقوال: "ماذا أنا فاعل؟" فتراه يكرر الشيء نفسه: "لا تتكلْ على سواك." إنه لا ينفك يحيلني إلى نفسي. وإذن، تراني أسأم ذلك بعض الشيء، وقد أقول: "أواه، اذهب إلى الجحيم، أنا عالق وأنت لا تساعدني!" فيقول: "ما من أحد يستطيع أن يساعدك، ما من مؤسسات، ولا منظمات، ولا سلطة أو ضغوط خارجية من أي نوع تستطيع أن تساعدك." فهل تراني أصغي إليه؟ أم أن جزعي من كسر الدائرة من الهول بحيث إني لا أصغي حتى إلى ما يقول؟

وإذن، فأنا هاهنا. لست مصغيًا. وتراك تأتي وتقول لي بأن أصغي. عندما تكون عندي مشكلة خطيرة مع نفسي، فأريد جوابًا، فأكون عميق الاهتمام بالمشكلة للغاية، أجد نفسي عاجزًا عن الإصغاء. المشكلة لاذعة للغاية، عميقة الإزعاج للغاية، وأنت تقول لي: "أصغ"، فلا أستطيع. لا أعرف كيف أصغي. لكنك أخبرتني عن فعل الإصغاء، وتلك البذرة قد زُرعت. وهكذا أصغي، أتعلم. وأجدني أفعل الشيء الذي حذرني منه بالذات: "لا تسمح بمرور زمن…" أظنني سأتعلم الإصغاء، أتعلم كل شيء عنه، تدريجيًّا، ببطء، على راحتي. وهو يقول: "تلك مضيعة للوقت فحسب." وإذن فقد بلغتُ تلك النقطة. تابعوا الآن.

زانن، 23 تموز 1982 (1)



* From the transcript of the tape recording of the International Committee Meeting at Saanen, 23 July, 1982 ©2000 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd., pp. 5-9.

[1] كان من عادة كريشنامورتي أن يشير إلى نفسه بحرف "ك" تجنبًا لاستعمال ضمير المتكلم. (المحرِّر)

إپكتيتوس - ألان

الأثنين, آذار 8th, 2010

إپكتيتوس*

alain_1

ألان**

"ادحض الرأي الباطل، تقض على الشر" – هكذا يتكلم إپكتيتوس[1]. والنصيحة تصلح لِمَن كان يتوقع نيل الشريط الأحمر[2]، فيمتنع عن النوم مشغول البال بأنه لم ينله. هذا غلوٌّ في تقدير سطوة قطعة شريط؛ حسب المرء أن يفكر فيه كما هو – قليل من حرير، قليل من صباغ أحمر – فلا يكدِّره الأمر. ويُكثر إپكتيتوس من إيراد أمثلة قاسية؛ فهذا الصديق الصالح يصطحبنا من كتفنا قائلاً: "ها أنت ذا مغتمٌّ لأنك لم تقوَ على احتلال هذه المكانة المرغوبة في السيرك[3] التي تظن أنك حقيق بها. تعال إذن، فالسيرك خال الآن؛ تعال والمسْ هذا الحجر الرائع؛ بوسعك حتى أن تجلس عليه." الدواء هو هو إياه لصدِّ جميع المخاوف وجميع المشاعر المستبدة: يجب الذهاب إلى الشيء رأسًا ورؤية ما هو.

وإپكتيتوس هذا نفسه يقول للمسافر المبحر: "أنت خائف من هذه العاصفة، وكأن عليك أن تبتلع هذا البحر الكبير برمته؛ ولكنْ، يا عزيزي، بحسْبك مكيالان من الماء لكي تغرق." إنه موقن أن حركة الموج المهولة هذه تمثل الخطر الحقيقي أسوأ التمثيل. يقول المرء ويفكر: "بحر هائج؛ صوت الهاوية؛ أمواج غاضبة؛ نذير؛ هجوم." ذلك ليس صحيحًا البتة؛ إنه مجرد تذبذب تابع لجاذبية الأرض والمدِّ والجَزْر والريح؛ ما من قَدَر مشؤوم؛ ليس هذا الصخب كله ولا هذه الحركة كلها ما سيقتلك؛ ما من قضاء مبرم: يمكن للمرء أن ينجو من الغرق، كما يمكن له أن يغرق في ماء هادئ. المشكلة الحقيقية هي هذه: هل سيبقى رأسك خارج الماء؟

تناهى إلى سمعي ما يُروى عن بحارة قديرين كانوا، إذا دنوا من صخرة ملعونة بعينها، ينبطحون على القارب مغطين عيونهم. وبذا كان كلام سبق لهم أن سمعوه يقتلهم. وجثثهم الملفوظة على ذاك الشاطئ نفسه كانت تشهد للرأي الباطل. أما مَن يُحسن التفكير في مجرد صخور، في تيارات، في دوامات، وفي الحاصل، في قوى مترابطة وقابلة للتعليل تمامًا، فهو قادر على التحرر من إسار الرعب كله، وربما من الضرر كله. مادام المرء يناور، فهو لا يرى إلا خطرًا واحدًا بعينه في وقت واحد. المبارز الماهر لا يجزع البتة لأنه يرى رؤية واضحة ما يفعل وما يفعل خصمه؛ أما إذا سلَّم أمره للقَدَر، فإن النظرة السوداء التي تتربص به تطعنه قبل أن يطعنه السيف؛ وهذا الخوف أسوأ من الضرر.

إن رجلاً عنده حصاة في الكلية ويسلِّم أمره للجراح يتخيل بطنًا مفتوحًا ودمًا دافقًا. أما الجراح فلا. الجراح يعرف أنه لن يشق خلية واحدة، أنه سيباعد فقط بين خلايا هذه المستعمرة من الخلايا ويشق لنفسه ممرًّا عبرها؛ ربما اتفق له أن يدع قليلاً من هذا السائل الذي يغمرها ينزف، لعله أقل حتى مما يكلف جرحٌ من النزف يدًا سيئة التضميد. إنه يعرف ما هم أعداء هذه الخلايا الحقيقيون الذين تشكِّل لصدِّهم هذا النسيجَ المرصوصَ الذي يقاوم الحديد؛ إنه يحدد مكمن هذا العدو – الجرثومة – بهذه الحصاة التي تسد الطريق على الفضلات الطبيعية؛ إنه يعرف أن مبضعه يحمل الحياة، لا الموت؛ يعرف أن ذلك كله، بعد أن يندحر الأعداء، سرعان ما سيحيا من جديد، على غرار الجرح الدقيق والنظيف، لا يكاد أن يُحدَث حتى يلتئم. فإذا تسلح العليل بهذه الأفكار، إذا دحض الرأي الباطل، فهذا قد لا يشفيه من الحجر، لكنه على الأقل يشفيه من الخوف.

10 كانون الأول 1910

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Épictète », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 164-166.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] فيلسوف رواقي يوناني اللسان (حوالى 50-130 م)؛ كان عبدًا في روما، أعتقه سيده، ثم ما لبث أن نُفي. مدار أخلاقه حول الفارق بين ما يتوقف على الفرد وما لا يتوقف عليه؛ لم يكتب، فلم يصلنا منه غير المحادثات والوجيز اللذين دوَّنهما أحد تلامذته. (المحرِّر)

[2] كناية عن الفوز بمنزلة عالية وما يصاحبه من تشريف. (المحرِّر)

[3] ميدان مستدير مدرَّج في روما القديمة كان يتصارع فيه المُجالدون أو يصارعون الحيوانات الضارية. (المحرِّر)

الشعور بالمسؤولية - ج. كريشنامورتي

السبت, آذار 6th, 2010

لماذا عليَّ أن أشعر

بالمسؤولية؟*

دأب ج. كريشنامورتي، في السنوات التي سبقت وفاته (1986)، على الاجتماع الدوري بأعضاء لجان مؤسسة كريشنامورتي الدولية في زانن بسويسرا، وذلك ليكلمهم ويناقش معهم رؤيته بخصوص صون تعليمه وشروط نشره الأمين وأفضل السبل لازدهار المدارس التي استلهمته في التربية بعد أن يغيب.

krishnaji_5

سنعمد في الشهور المقبلة إلى نشر ترجمات لمقتطفات من أحاديثه إلى اللجان الدولية وحواراته مع أفرادها، نقلاً عن نصوص مُعدة للقاءات مؤسسة كريشنامورتي الدولية في بروكوود پارك، إنكلترا، في أيار 2000.

* * *

كريشنامورتي: ليتكم تجيبون عن هذا السؤال! ليت بعضكم يصرف همَّته إليه، فلا يهدأ له بال حتى يجيب عنه. هَبْ أني أعمل في هذا كله، ومات ك[1]، ما هي مسؤوليتي؟ لقد شعرتُ بشيء مقدس، لا في الشخص وحسب – وهو أمر خارج عن الموضوع –، بل وبشيء شعرتُ به شعورًا عميقًا للغاية، في كلامه، في حضوره. فماذا أنا فاعل يا ترى؟ كيف تراني سأحافظ على حرارة، على نار ذاك الشيء المقدس الذي شعرت به، فأصونها، أغذيها، حتى لا تخبو؟ وكذلك، ما هي مسؤوليتي نحو باقي الأفراد الذين يعملون في هذا الاتجاه، ومسؤوليتي الشخصية في حياتي اليومية؟ تلك هي مقاربتي للمسألة برمتها.

أتراني أحيا فعليًّا ما يجري الكلام عليه، أم أن الأمر لم يتعدَّ التفسير اللفظي والتحمس؟ هل تخطيتُ مجرد الألفاظ؟ وما هي مسؤوليتي الأولى حيال بقية الأفراد الذين يعملون معًا؟ هل عندي روح، صفة التعاون العميق الفعلية مع أيٍّ كان؟ هل عندي حسٌّ بالتواصل معهم؟ ذلك سيكون استفساري الأول عن مسؤوليتي: هل عندي يا ترى صلة حقيقية، لا مجرد صلة مادية عبر الرسائل أو عبر هذا النشاط أو ذاك، بل هل عندي صلة حقيقية مع غيري ممن يتحركون في الاتجاه نفسه؟

سؤال: لماذا علينا أن نتصف بذلك؟ لماذا علي أن أشعر بالمسؤولية؟

كريشنامورتي: مهلاً. أنا مسؤول لأنني أشعر بأني العالم. صحيح؟ لا أدري إنْ كنتَ قد فهمتَ ذلك. أشعر بأني مسؤول عن سائر العالم؛ مهما حدث في العالم فأنا مسؤول، سواء كان في بلفاست، في إنكلترا، أو كان تهديد الحرب في الشرق الأوسط، أو المجاعة في الهند، إلخ، إلخ. تراني كإنسان، هو جزء من سائر الإنسانية، أشعر بأني مسؤول – مسؤولية عميقة. إنها ليست مجرد نتيجة لفظية، بل تراني أشعر بذلك شعورًا قويًّا جدًّا. ولقد عملت معكم جميعًا، فأشعر بأني مسؤول عنكم جميعًا. وتراني لا أريد لتلك المسؤولية أن تخبو، تذوي، تموت. أريد أن ألتقيكم، أريد أن أتناقش معكم. ذلك كل ما أعنيه.

وما سيهمُّني أيضًا هو إنْ كانت مجرد مجموعة صغيرة هي التي تحمل الإناء الذي تنمو فيه الزهرة؛ ربما كان أفراد يحملونه في مجموعة صغيرة، لكني أريد أن أنثر البذور في العالم بأسره. تلك هي مسؤوليتي. لا يهمني مَن يفهم أو مَن لا يفهم، لكنها مسؤوليتي أن أزرع البذرة حيثما تقع – سواء على قطعة أرض بور أو في تربة خصبة. تلك هي مسؤوليتي، ذاك ما سيهمُّني إذا مات ك وكنت أعمل مثلكم جميعًا.

وسيهمُّني، كذلك، الحرصُ على الشيء الذي شعرت بأنه مافتئ مقدسًا وعلى صون حرمته. وإذن فإن جل اهتمامي سينصب على هذا. إذ إن البشرية باتت فاقدةً كل احترام لأي شيء. صحيح؟ لا يزال هناك بعض احترام متبقٍّ في الهند؛ إنه ضحل بعض الشيء، لكنْ لا يزال هناك بعض الاحترام. إنهم يشعرون باحترام نحو الشخص الديِّن. قد لا يفعلون أي شيء حيال الأمر، فيكتفوا بتطويق رأسه بأطواق الزهور ولا يفعلوا شيئًا حيال الأمر؛ ما يقوله لا يهمك مادمت في حضرته، مادام عندك هذا الشعور بالاحترام. لا يزال ذلك موجودًا نوعًا ما في الهند. أما باقي العالم، فلا يصح فيه قولي هذا. ربما في الشرق لا يزال موجودًا بعض الشيء. أما في الغرب، فقد تلاشى، ولا أحد يحترم أحدًا.

فكيف لي أن أتصف بصفة الاحترام هذه لذاك الشيء المقدس الذي شعرت به، فأساعد على الحرص بأن يكون عند غيري من الناس حسُّ الاحترام هذا لما هو مقدس؟ لا أدري إن كنتُ أحسن نقلَ ما أشعر به. ذاك سيكون كل همي عندما يموت ك. لن ينصب عظيم اهتمامي على نفسي، على تقدُّمي، على سعادتي، لأن ذلك يتحقق بفهم تلك التعاليم. بطبيعة الحال، أنا أعمل على إذابة فوارقي كلها، خصوصيات مزاجي والحدود التي تميِّزني كلها. لكن بفعل الدراسة، بفعل الاستماع بالذات، تعلمت الكثير لأني استمعت إلى ذلك الرجل – ك – عددًا من السنين، فتشربت حسًّا معينًا بما هو عظيم ونبيل، إلى ما هنالك. فهذا بات جزءًا مني، بات في داخلي، كالجرثومة، كالبذرة النامية، المزهرة. فتراني أود أن ألتقي غيري من الناس الذين يتصفون بالحركة نفسها وأتناقش وأكون معهم. وهذا لا يعني بأننا سوف نصير عصبة، مجموعة صغيرة تهتم بذاك فحسب، فتحتفظ به لنفسها كالجوهرة، لا تجرؤ على عرضها لأنها نفيسة للغاية. فذاك تصرف شديد الضيق، شديد الزيف، شديد المحدودية. وإذن، لو كانت عندي موهبة الكلمة، موهبة الكتابة، أو أي موهبة أخرى، لعبَّرت عنه بقدر استطاعتي في الخارج، من دون أن أختلق كل التوافه عن عبادة الشخص والسلطة وسائر ما هنالك من سخافات.

كما ترون، كنت منذ الطفولة في جمعية، لعلكم تعرفونها، هي الجمعية الثيوصوفية. الدكتورة بيزانت[2]، التي كانت حقًّا إبان حياتها شخصية عظيمة جدًّا، فكريًّا وكخطيبة مفوهة، جعلت الجمعية شيئًا خارقًا، حيويًّا، حيًّا، في العالم بأسره. وعندما ماتت، انتهى الأمر إلى التبدد التدريجي. فكما في المنظمات كلها، عندما يغيب القائد يصير الشيء عقيمًا؛ قد يكون حَسَنَ التنظيم، لكن الحياة تغادره. لا أقول هذا بخصوص رادها بورنييه، الرئيسة الحالية للجمعية الثيوصوفية، لأني أعرفها حق المعرفة.

وإذن، أشعر بأن مؤسسة ك هذه في مختلف أرجاء العالم يجب ألا تختفي، ألا تفقد حيويتها. أعرف بأن مؤسسة ك مجرد تنظيم – جميعنا يعرف ذلك، ولستُ مضطرًّا إلى الخوض فيه مجددًا – لطباعة الكتب، لتنظيم الأحاديث؛ إنها ليست شكلاً جديدًا من الكنائس. لكني، على نحو ما، أشعر بأنه حين يموت ك هناك خاصية معينة في جميع هذه المدارس يجب صونها.

زانن، 17 تموز 1981



* From the transcript of the tape recording of the International Committee Meeting at Saanen, 17 July, 1981 ©2000 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd., pp. 1-4.

[1] كان من عادة كريشنامورتي أن يشير إلى نفسه بحرف "ك" تجنبًا لاستعمال ضمير المتكلم. (المحرِّر)

[2] هي آني بيزانت (1847-1933). بدأت حياتها الفكرية مناضلة في الحركة الاشتراكية الفابية، ثم تتلمذت في الثيوصوفيا على السيدة بلاڤاتسكيا. آلت إليها رئاسة الجمعية الثيوصوفية في العام 1907 وظلت على رأسها حتى وفاتها. شمل عملها في الهند مجالات التربية والإصلاح الاجتماعي والسياسي. هي التي أعلنت الفتى كريشنامورتي وعاءً لتجسد "المعلم العالمي"، فأقامت نفسها وصية عليه وعلى تربيته الروحية وتعليمه، وكانت له بمثابة الأم. لكنه في العام 1929، في أعقاب تحوله الروحي الحاسم، حل "أخوية النجمة" المعدة لاستقبال المعلم، واستقال من الجمعية الثيوصوفية، وأخذ تعليمه المستقل على عاتقه ومسؤوليته، معلنًا أن الحقيقة لا يحتويها أي معتقد ولا تقبل تنظيمًا من أي نوع. يُجمع مؤرخو سيرته أنه ظل على محبته لها واحترامه لذكراها. (المحرِّر)

إكسير الحياة - ديمتري أڤييرينوس

السبت, آذار 6th, 2010

إكسير الحياة

ديمتري أڤييرينوس

كلُّ نفس ذائقة الموت.
القرآن الكريم، آل عمران 185

كلُّ شيء فهو خاضع للتغير. ومنه، فإن التفكر
يشي للقارئ قطعًا بالاستنتاجات المنطقية
التالية، التي مفادها أن كونًا شروطه غير دائمة
أساسًا لا يمكن لشيء فيه أن يمنح الديمومة.
وإذن، فما من جوهر ممكن، حتى إذا اتفق له
أن يُستخلَص من أعماق اللانهاية، ما من
تركيبة عقاقير قابلة للتخيل، سواء كان مصدرها
أرضنا أو أي أرض أخرى، حتى إذا قام بتدبيرها
أرفع العقول، ما من طريقة حياة ولا من نهج، حتى
بإرشاد من العزيمة الأشد والبراعة الأعظم،
يمكن له أن ينتج الثبات.
ومنه، نرى أن التصور المثالي الشائع عن "الخلود"
ليس مغلوطًا من أساسه فحسب، بل هو من قبيل
المحال الفيزيقي والميتافيزيقي. فالفكرة، أكان
يغازلها ثيوصوفيون أو غير ثيوصوفيين، مسيحيون أو
أرواحيون، ماديون أو مثاليون، إنما هي وهم من
بنات الخيال.
ج.م.، إكسير الحياة

هي آية من كتاب للحكيم شنكراتشاريا، مؤسس مذهب اللاثنوية (أدڤيتا advaita = التوحيد المطلق) في الهندوسية، مافتئ عمقُها وبساطتُها يلهمان أجيالاً عديدة، في الهند وغيرها، تنص على الآتي:

[ما أروعها] صورة: تحت شجرة البَنْيان، [يجلس] معلم شاب وتلامذة شيوخ؛ المعلم يعلِّم صامتًا والمريدون تتلاشى شكوكهم. (شنكرا، ستوترا دكشنامورتي، 3)

تشير هذه الآية إلى الحكيم دكشنامورتي، أحد مظاهر الإله الكبير (مهاديڤا Mahādeva) شيڤا؛ وهي تصفه بوصفه معلم اليوگا المثالي، شابًّا أبدًا. وإنه لمما يحيِّر الذهن أن يوضع الشبابُ والشيخوخةُ جنبًا إلى جنب – الشباب متصفًا بالحكمة والشيخوخة بالحيرة والشك – على خلفية شجرة البَنْيان (التينة الهندية) الجليلة، رمز طول البقاء ودوام الطبيعة.

شيڤا دكشنامورتي يعلم تحت شجرة البنيان.

بحسب ما نقل إلينا الأثر، يتصف جميع المخلدين بالشباب الدائم؛ إذ ليس بوسعنا أن نتخيل مخلدًا مافتئ يشيخ، حتى يصير في الشوط السابع من الحياة البشرية "بلا أسنان، بلا عينين، بلا ذوق، بلا شيء"، كما يقول شكسپير على لسان جاك السوداوي في مسرحيته كما تشاء (ف 2، م 7). إن شخصًا كهذا يصعب علينا أن نتصوره على هيئة الـديڤا deva الملهمة: فالديڤا، أو الآلهة المخلدون في الميثولوجيا الهندية، لا يهرمون، كما تشي بذلك صورة الإله المخلد الذي لا تلامس قدماه الأرض، وإذا فعل تدنَّس وعوقب على فعلته! والديڤا ليسوا متمتعين بالشباب الدائم وحسب، بل ويشعون نورًا وحيوية وغبطة.

وبحسب الأدبيات الثيوصوفية، فإن بوسع السادة الحكماء، كونهم منعتقين من إسار قانون كرما karma، أن يعيشوا سنوات عديدة في جسم فيزيقي (إذا شاءوا أن يتخذوا واحدًا) من غير أن يبدو عليهم أثر للشيخوخة. عندما سأل تشارلز جونستُن السيدة بلاڤاتسكيا عن عمر معلِّمها، أجابته:

لا أستطيع أن أحدد لك [عمره] بدقة، لأنني لا أعرفه. لكني أستطيع أن أقول لك ما يلي: قابلته للمرة الأولى حين كان لي من العمر عشرون عامًا – في العام 1851 –، وكان آنذاك في أوج الرجولة. وأنا اليوم امرأة هرمة، أما هو فلم يَشِخْ بمقدار يوم واحد.

كرما – قانون العلة والمعلول law of causality في المنقولات الشرقية، الذي يسميه الفيلسوف الهندي س. رادهاكرشنان "قانون انحفاظ الطاقة الخُلُقية" – يؤثر فينا جميعًا على المستويات الفيزيقية والعاطفية والذهنية. فالجسم الذي نتخذه والشروط التي تحكم تحولات هذا الجسم بتأثير أفعالنا وعواطفنا وخواطرنا – هذا كله جزء من "لعبة" القوى الكرمية. إذا ولدنا متسمين بسِمات وراثية ومختصين بخواص إثنية معينة، فذلك من مفعول كرما في حياتنا.

غير أن بوسعنا، من خلال أسلوب حياتنا في الحاضر، أن نجعل الجسم فتيًّا رشيقًا أو هرمًا بغيضًا. يتغير الجسم تبعًا للشروط الذهنية التي يتعرض لها: فالكرب، مثلاً، يحفر في الوجه الغضون، والطموح يغلِّظ ملامحه؛ الرغبات الأنانية تسبب التوتر والقلق، فلا تؤثر على الصحة وحسب، بل وعلى مظهر الجسم الخارجي أيضًا. لذا فإن بعض الناس يزدهي حسنًا مع تقدُّم العمر، بينما يغدو بعضهم الآخر منفرًا حتى في سنِّ الخمسين!

تتنوع المواقف الذهنية تنوعًا كبيرًا بحسب ما إذا كان المرء يعيش متعلقًا بأغراض الحس والذهن أو غير متعلق. والحكماء، من حيث هم خالصون من التعلق بأوهام العالم، لا يعانون "مشكلات" من شأنها أن تُتلف بنيان الجسم. فهم لا يولدون كرما في الحاضر، وأغلبهم قد استهلك الـكرما المتولد في الماضي؛ ومنه، فإن أجسامهم لا تبلى، أو على أقل تقدير، لا تبلى سريعًا كما تبلى أجسام عوام الناس.

* * *

"ما أروع الشباب!" – كما يُجمع الناس؛ ومَن يستميتون منهم في البقاء شبابًا بالأخص يشعرون، على نحو ما، بجمال الشباب وحيويته الفائرة، كما يعذبهم خوفهم من الموت. الشباب الأسوياء يقظون، متحمسون، متجاوبون مع الطبيعة ومع رفاقهم البشر، مع الطيبة والجمال، بكل فرح وعفوية. حماستهم وعفويتهم متأتيتان من كونهم أقل إشراطًا من الراشدين؛ وبراءتهم تجعلهم يطفرون فرحًا لأقل سبب، بينما يعجز الراشدون عن ذلك. لذا كلما احتك الراشدون بالشباب، تراهم يختبرون "بالنيابة" جزءًا من هذا الفرح، من هذه العفوية البريئة، فتراهم يحلمون بإيجاد وسيلة يستعيدون بها شبابهم.

لقد سعى القوم، في مختلف العصور، في اكتشاف إكسير الحياة. ففي الهند الڤيدية، تغنَّى الشعراء الملهَمون بشراب الـسوما Soma الذي كان تعاطيه يقرِّبهم من الآلهة (أناشيد الڤيدا، ج 1)؛ وبعضهم تمرس بالكيمياء alchemy، أو بتلاوة التعاويذ، أو بتركيب الأشربة السحرية، أو فرض على نفسه تقشفًا صارمًا من أجل صون الجسم والحيلولة بينه وبين الشيخوخة. لكن هذه الجهود لم تُكلل بالنجاح على ما يبدو؛ إذ ما من أحد نقل إلينا سر الشباب الدائم! فهل من الممكن يا ترى التغلب على مفعول الزمن بمثل هذه التدابير؟ معرفة الإجابة تستلزم معرفة ماهية الشباب، ينبوعه الأصلي، إذا صح التعبير: هل هو ملازم للجسم يا ترى؟ وهل يمكن للجسم أن يتلبس الشباب المعافى والعمر المديد بمجرد تغيير تركيبه الكيميائي أو بزرع عضو مستعار فيه، ككبد خنزير أو دماغ قرد؟! حين تهرم أجسام الناس فإن أذهانهم هي الأخرى تهرم وتتصلب من فرط وطأة الذكريات والأحكام المسبقة والرغبات والشهوات عليها. فهل الأمر متعلق بالجسم بحدِّ ذاته، أم أن ثمة طريقة أخرى؟

* * *

في الآية التي استهللنا بها هذا المقال، وجدنا أن المعلم الشاب يشع حكمة ويستطيع التواصل من غير كلام. والسياق يستحضر بالبال ذاك السؤال الجوهري الذي لم ينفك الحكيم الهندي رامنا مهارشي – تقدس سرُّه – يردده طوال عمره: "مَن أنا؟" وبعبارة أخرى، ما هي "الأنا" التي تستميت في البقاء شابة؟ – تلك هي المسألة الجوهرية؛ ومن دون الإجابة عنها إجابة حقيقية، يتعذر اكتشاف سر الشباب الدائم. فالديناصورات ذات الأدمغة الضئيلة كانت تتمتع بعمر مديد، حتى ضرب نيزك الأرض منذ حوالى 30 مليون سنة، فأدت عواقب ذلك الاصطدام المروع إلى انقراضها على ما يبدو؛ لكن البشر يتمنون التمتع بشباب المخلدين، لا العيش قرونًا مديدة كالديناصورات!

يشبِّه كتاب الـبهگڤدگيتا Bhagavad-Gītā الجسم بثوب:

كما أن المرء يخلع أثوابه البالية فيرتدي أثوابًا أخرى جديدة، كذلك النفس المتجسدة تخلع جثتها البالية وترتدي جثة أخرى جديدة. (2: 22)

ترانا نعلم أن الثياب الجديدة خير من الثياب البالية، لكنْ حتى المصاب بمرض عضال أو الكسيح أو طريح الفراش تراه يتشبث بجسمه العليل. لقد علَّم البوذا بأن كل مركَّب مصيره أن يتحلل، بينما شددت الـگيتا أن "كل مولود يموت حتمًا" و"كل ميت يولد حتمًا من جديد" (2: 27). وحده "ساكن الجسم" (2: 30) خالد لا ينال منه الموت. فما لم نع أن الذات الحق (آتمن ātman) ليست الجسم، بل ذلك العنصر السري الذي يستعمل الجسم ويغادره عند أوان الموت، لن نكتشف سر الكائن الشاب، الخالد أبدًا:

إنه لم يولد أزلاً، ولا هو يموت أبدًا، ولا هو – الموجود أصلاً – يمكن له أن يعدم الوجود. إنه غير مولود، أبدي، دائم، سرمدي؛ فهو لا يُقتَل حين يُقتَل الجسمُ. (بهگڤدگيتا 2: 20)

أغلبنا يستشعرون في أنفسهم وجود شيء عميق، ليس قطعًا بالجسم، الذي هو غير الوجود أو الذات. والدليل المباشر على صحة ذلك هو استعمالنا ياء المتكلم للإشارة إلى كلٍّ من العناصر التي يتألف منها كياننا، كأنْ نقول: "جسمـي"، "مشاعري"، "ذهنـي"، إلخ؛ ترانا نرصد العواطف، الذكريات، الخواطر، وغيرها من الفعاليات الباطنة، فنعرف يقينًا أننا لسنا أيًّا منها. فإذا اتفق لجسمنا أن يصاب بعاهة مستديمة، مثلاً، فهذا لا يؤثر على شعورنا بالوجود. الذكريات، الصور، تقلبات الذهن، إلخ، – ما يسميه ج. كريشنامورتي "مضمون الوعي" content of consciousness – لا تنفك تولد وتختفي؛ أما الشعور بالوجود فيبقى، غير متأثر بها، غير متماه مع الخواطر أو المشاعر أو الأحاسيس، من حيث إن هذه لا تولد أصلاً إلا لتصير إلى التلاشي. فلو كان محتمًا علينا أن نتماهى مع مثل هذه التقلبات المتواصلة، لتغير طبعنا تغيرًا مستمرًّا. هناك دومًا شعور أصيل بالوجود يبطِّن هذه التغيرات كلها، ونحن نستشعره لا محالة عند الهنيهات التي يخلد ذهننا فيها إلى السكون.

* * *

مع أن بوسع البوذيين، مثلاً، أن يتمثلوا البوذا كصورة ذهنية، فهو القائل (سميوتا 3: 120) بأن مَن رأى الـدهرما Dharma (= "الناموس" أو "الحق"؛ بالپالية: دهمَّا dhamma) وحده رآه حقًّا (ومثله قول المسيح في إنجيل يوحنا 14: 10: "مَن رآني رأى الآب"). البوذا (= "المستنير") هو الوعي اليقظ، وليس شخصًا. والوحدة مع الـدهرما أو الحق هو مقام الحكمة (= الاستنارة): فمَن فهم التعليم حق فهمه وبلغ مقام الحكمة عرف البوذا. بالمثل، ألمحت السيدة بلاڤاتسكيا إلى أن الذين يريدون رؤية "المعلم" غالبًا ما يريدون رؤية جسم ووجه، أي صورة فحسب، لا رؤية المعلم حقًّا؛ لكن هذه الصورة مجرد قناع، وليست بالمعلم. المعلم، في الجوهر، وعي خالص، سام، نبيل، يتخلل كل شيء، كله محبة وحكمة وسلام؛ وهذا الوعي لا يحُول أبدًا، ولا يزول نقاءُ طبيعته. وفي كتاب الـيوگا ڤاسشتها Yoga Vāsishtha النفيس، نقع على تفسير لأبدية المخلد: "ذهني لا يرود الماضي ولا الآتي، بل يقيم في الحاضر دومًا". الماضي والآتي مجرد ظاهرتين ذهنيتين متولدتين من حركة الذهن: عندما يعود الذهن القهقرى لاسترجاع خبراته السابقة، تراه يفتعل "الماضي"؛ وحين تستحثه الرغبة والأمل في الحصول على شيء ما، تراه يختلق "المستقبل"؛ أما حين يكف الذهن عن الشرود مراوحًا بين الماضي والآتي، فيثبت راسخًا في الحاضر، فهو يتحرر من الزمن. وفي الحاضر، في "الآن الدائم" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية) وحده، تكون المحبة – ذاك الشعور الكوني الذي يتخلل كل علاقة حقيقية.

والمخلد، مواصلاً تعليمه، يقول إن خواطر من قبيل: "حصلت اليوم على هذا، وسأحصل غدًا على أفضل منه" لا تظهر في ذهنه بتاتًا؛ لا تخطر بباله أبدًا أفكار من نحو: "هذا صديقي، قريبي، وذاك الآخر غريب، مجهول". الحكيم، صاحب "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā) الموصوف في الـگيتا (2: 55-58)، متحرر من الرغبة التي تُسقط المستقبل على شاشة الذهن وتعود إلى مخزون الماضي لتستعيد ذكرى المرغوبات؛ إنه مطمئن، ساكن، فرح، خالد قطعًا، بما أنه قد أفلت من قبضة الزمن.

هذا الزمن-الطاغية حيٌّ فينا، تغذيه نشاطاتنا الذهنية ورغباتنا المحمومة في الأشياء الزائلة؛ وتبعًا لشرطنا الذهني حيالها، يجري تيار الزمن سريعًا كالسيل أو يسيل بطيئًا كالساقية. الأهواء والشهوات تعكر صفو أذهان البشر المائتين، بينما المخلدون لا يلوثون أذهانهم بالتفكير الدنيوي والشهوة، فيختبرون الخلود والشباب الدائم.

* * *

حتى نظل شبابًا وجميلين، علينا بالضرورة أن نتحرر من الضغوط النفسية – تلك الرغبات الملحة في الوصول، في تبوأ المنزلة الأولى، في النجاح الدنيوي – التي تجعلنا عبيدًا للزمن. فالخضوع لسيرورة الزمن يحرم المخ والذهن من الحساسية والمرونة ويتركه نهبًا لمخاوف مركزية الأنا egocentricity التي تنهش الجسم وتُبليه.

ومنه، على المرء أن يحيا حياة من نمط مختلف حتى يصون "شبابه". فكما جاء في الـدهمپدا Dhammapada، كتاب صحيح أحاديث البوذا:

مَن اكتفى غافلاً بقطف أزهار [الدنيا] اخترمه الموتُ كالطوفان إذ يجرف القرية الغافية. (الأزهار، 47)

"أزهار الدنيا"، مهما بدت فاتنة، مصادر وهمية للسعادة؛ وقد جاء في كتيب صوت الصمت: "تحت كل زهرة، تكمن أفعى متكورة". وفي الرسالة إلى أهل إفسُس، يستشهد القديس بولس بنشيد مسيحي قديم جاء فيه: "تنبَّهْ، أيها النائم، وقُمْ من بين الأموات، يضئْ لك المسيح" (5: 14)؛ وهذا الكلام ليس دعوة إلى إيقاظ جثة من قبرها، بل استنهاض للمريد كي يخرج من غفلة الشرط البشري، الشبيه بالموت بالمقارنة مع حياة الروح.

التعلق هو جوهر الذهن الدنيوي؛ أما نهاية التعلق فهي الحرية. فحتى يكون الذهن شابًّا، عليه أن يكون حرًّا، غير متعلق بالدنيويات. وقد جاء في الـدهمپدا أيضًا:

اليقظة هي الطريق إلى الخلود؛ الغفلة هي الطريق إلى الموت: الأيقاظ لا يموتون البتة، أما الغافلون فهم شبه أموات. (اليقظة، 21)

فاليقظة الدائمة في أثناء الحياة اليومية، التي تساعد على التخلص من كل هوى أو خاطر أناني، هي الصراط المؤدي إلى المقام الإلهي، مقام الاستنارة والمحبة والحكمة؛ أما الأنانية فهي الجهل، ظلام الغفلة (أڤيديا avidyā)، انعدام المحبة والحكمة.

* * *

فهل ترانا نجدد "شبابنا" بأن نحيا حياة مستقيمة – هي "إكسير الحياة" الحق – أو ننتظر العلماء والسحرة حتى يطيلوا لنا عمرًا نصرفه في بؤس الأنانية؟!