Archive for آذار 6th, 2010

الشعور بالمسؤولية - ج. كريشنامورتي

السبت, آذار 6th, 2010

لماذا عليَّ أن أشعر

بالمسؤولية؟*

دأب ج. كريشنامورتي، في السنوات التي سبقت وفاته (1986)، على الاجتماع الدوري بأعضاء لجان مؤسسة كريشنامورتي الدولية في زانن بسويسرا، وذلك ليكلمهم ويناقش معهم رؤيته بخصوص صون تعليمه وشروط نشره الأمين وأفضل السبل لازدهار المدارس التي استلهمته في التربية بعد أن يغيب.

krishnaji_5

سنعمد في الشهور المقبلة إلى نشر ترجمات لمقتطفات من أحاديثه إلى اللجان الدولية وحواراته مع أفرادها، نقلاً عن نصوص مُعدة للقاءات مؤسسة كريشنامورتي الدولية في بروكوود پارك، إنكلترا، في أيار 2000.

* * *

كريشنامورتي: ليتكم تجيبون عن هذا السؤال! ليت بعضكم يصرف همَّته إليه، فلا يهدأ له بال حتى يجيب عنه. هَبْ أني أعمل في هذا كله، ومات ك[1]، ما هي مسؤوليتي؟ لقد شعرتُ بشيء مقدس، لا في الشخص وحسب – وهو أمر خارج عن الموضوع –، بل وبشيء شعرتُ به شعورًا عميقًا للغاية، في كلامه، في حضوره. فماذا أنا فاعل يا ترى؟ كيف تراني سأحافظ على حرارة، على نار ذاك الشيء المقدس الذي شعرت به، فأصونها، أغذيها، حتى لا تخبو؟ وكذلك، ما هي مسؤوليتي نحو باقي الأفراد الذين يعملون في هذا الاتجاه، ومسؤوليتي الشخصية في حياتي اليومية؟ تلك هي مقاربتي للمسألة برمتها.

أتراني أحيا فعليًّا ما يجري الكلام عليه، أم أن الأمر لم يتعدَّ التفسير اللفظي والتحمس؟ هل تخطيتُ مجرد الألفاظ؟ وما هي مسؤوليتي الأولى حيال بقية الأفراد الذين يعملون معًا؟ هل عندي روح، صفة التعاون العميق الفعلية مع أيٍّ كان؟ هل عندي حسٌّ بالتواصل معهم؟ ذلك سيكون استفساري الأول عن مسؤوليتي: هل عندي يا ترى صلة حقيقية، لا مجرد صلة مادية عبر الرسائل أو عبر هذا النشاط أو ذاك، بل هل عندي صلة حقيقية مع غيري ممن يتحركون في الاتجاه نفسه؟

سؤال: لماذا علينا أن نتصف بذلك؟ لماذا علي أن أشعر بالمسؤولية؟

كريشنامورتي: مهلاً. أنا مسؤول لأنني أشعر بأني العالم. صحيح؟ لا أدري إنْ كنتَ قد فهمتَ ذلك. أشعر بأني مسؤول عن سائر العالم؛ مهما حدث في العالم فأنا مسؤول، سواء كان في بلفاست، في إنكلترا، أو كان تهديد الحرب في الشرق الأوسط، أو المجاعة في الهند، إلخ، إلخ. تراني كإنسان، هو جزء من سائر الإنسانية، أشعر بأني مسؤول – مسؤولية عميقة. إنها ليست مجرد نتيجة لفظية، بل تراني أشعر بذلك شعورًا قويًّا جدًّا. ولقد عملت معكم جميعًا، فأشعر بأني مسؤول عنكم جميعًا. وتراني لا أريد لتلك المسؤولية أن تخبو، تذوي، تموت. أريد أن ألتقيكم، أريد أن أتناقش معكم. ذلك كل ما أعنيه.

وما سيهمُّني أيضًا هو إنْ كانت مجرد مجموعة صغيرة هي التي تحمل الإناء الذي تنمو فيه الزهرة؛ ربما كان أفراد يحملونه في مجموعة صغيرة، لكني أريد أن أنثر البذور في العالم بأسره. تلك هي مسؤوليتي. لا يهمني مَن يفهم أو مَن لا يفهم، لكنها مسؤوليتي أن أزرع البذرة حيثما تقع – سواء على قطعة أرض بور أو في تربة خصبة. تلك هي مسؤوليتي، ذاك ما سيهمُّني إذا مات ك وكنت أعمل مثلكم جميعًا.

وسيهمُّني، كذلك، الحرصُ على الشيء الذي شعرت بأنه مافتئ مقدسًا وعلى صون حرمته. وإذن فإن جل اهتمامي سينصب على هذا. إذ إن البشرية باتت فاقدةً كل احترام لأي شيء. صحيح؟ لا يزال هناك بعض احترام متبقٍّ في الهند؛ إنه ضحل بعض الشيء، لكنْ لا يزال هناك بعض الاحترام. إنهم يشعرون باحترام نحو الشخص الديِّن. قد لا يفعلون أي شيء حيال الأمر، فيكتفوا بتطويق رأسه بأطواق الزهور ولا يفعلوا شيئًا حيال الأمر؛ ما يقوله لا يهمك مادمت في حضرته، مادام عندك هذا الشعور بالاحترام. لا يزال ذلك موجودًا نوعًا ما في الهند. أما باقي العالم، فلا يصح فيه قولي هذا. ربما في الشرق لا يزال موجودًا بعض الشيء. أما في الغرب، فقد تلاشى، ولا أحد يحترم أحدًا.

فكيف لي أن أتصف بصفة الاحترام هذه لذاك الشيء المقدس الذي شعرت به، فأساعد على الحرص بأن يكون عند غيري من الناس حسُّ الاحترام هذا لما هو مقدس؟ لا أدري إن كنتُ أحسن نقلَ ما أشعر به. ذاك سيكون كل همي عندما يموت ك. لن ينصب عظيم اهتمامي على نفسي، على تقدُّمي، على سعادتي، لأن ذلك يتحقق بفهم تلك التعاليم. بطبيعة الحال، أنا أعمل على إذابة فوارقي كلها، خصوصيات مزاجي والحدود التي تميِّزني كلها. لكن بفعل الدراسة، بفعل الاستماع بالذات، تعلمت الكثير لأني استمعت إلى ذلك الرجل – ك – عددًا من السنين، فتشربت حسًّا معينًا بما هو عظيم ونبيل، إلى ما هنالك. فهذا بات جزءًا مني، بات في داخلي، كالجرثومة، كالبذرة النامية، المزهرة. فتراني أود أن ألتقي غيري من الناس الذين يتصفون بالحركة نفسها وأتناقش وأكون معهم. وهذا لا يعني بأننا سوف نصير عصبة، مجموعة صغيرة تهتم بذاك فحسب، فتحتفظ به لنفسها كالجوهرة، لا تجرؤ على عرضها لأنها نفيسة للغاية. فذاك تصرف شديد الضيق، شديد الزيف، شديد المحدودية. وإذن، لو كانت عندي موهبة الكلمة، موهبة الكتابة، أو أي موهبة أخرى، لعبَّرت عنه بقدر استطاعتي في الخارج، من دون أن أختلق كل التوافه عن عبادة الشخص والسلطة وسائر ما هنالك من سخافات.

كما ترون، كنت منذ الطفولة في جمعية، لعلكم تعرفونها، هي الجمعية الثيوصوفية. الدكتورة بيزانت[2]، التي كانت حقًّا إبان حياتها شخصية عظيمة جدًّا، فكريًّا وكخطيبة مفوهة، جعلت الجمعية شيئًا خارقًا، حيويًّا، حيًّا، في العالم بأسره. وعندما ماتت، انتهى الأمر إلى التبدد التدريجي. فكما في المنظمات كلها، عندما يغيب القائد يصير الشيء عقيمًا؛ قد يكون حَسَنَ التنظيم، لكن الحياة تغادره. لا أقول هذا بخصوص رادها بورنييه، الرئيسة الحالية للجمعية الثيوصوفية، لأني أعرفها حق المعرفة.

وإذن، أشعر بأن مؤسسة ك هذه في مختلف أرجاء العالم يجب ألا تختفي، ألا تفقد حيويتها. أعرف بأن مؤسسة ك مجرد تنظيم – جميعنا يعرف ذلك، ولستُ مضطرًّا إلى الخوض فيه مجددًا – لطباعة الكتب، لتنظيم الأحاديث؛ إنها ليست شكلاً جديدًا من الكنائس. لكني، على نحو ما، أشعر بأنه حين يموت ك هناك خاصية معينة في جميع هذه المدارس يجب صونها.

زانن، 17 تموز 1981



* From the transcript of the tape recording of the International Committee Meeting at Saanen, 17 July, 1981 ©2000 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd., pp. 1-4.

[1] كان من عادة كريشنامورتي أن يشير إلى نفسه بحرف "ك" تجنبًا لاستعمال ضمير المتكلم. (المحرِّر)

[2] هي آني بيزانت (1847-1933). بدأت حياتها الفكرية مناضلة في الحركة الاشتراكية الفابية، ثم تتلمذت في الثيوصوفيا على السيدة بلاڤاتسكيا. آلت إليها رئاسة الجمعية الثيوصوفية في العام 1907 وظلت على رأسها حتى وفاتها. شمل عملها في الهند مجالات التربية والإصلاح الاجتماعي والسياسي. هي التي أعلنت الفتى كريشنامورتي وعاءً لتجسد "المعلم العالمي"، فأقامت نفسها وصية عليه وعلى تربيته الروحية وتعليمه، وكانت له بمثابة الأم. لكنه في العام 1929، في أعقاب تحوله الروحي الحاسم، حل "أخوية النجمة" المعدة لاستقبال المعلم، واستقال من الجمعية الثيوصوفية، وأخذ تعليمه المستقل على عاتقه ومسؤوليته، معلنًا أن الحقيقة لا يحتويها أي معتقد ولا تقبل تنظيمًا من أي نوع. يُجمع مؤرخو سيرته أنه ظل على محبته لها واحترامه لذكراها. (المحرِّر)

إكسير الحياة - ديمتري أڤييرينوس

السبت, آذار 6th, 2010

إكسير الحياة

ديمتري أڤييرينوس

كلُّ نفس ذائقة الموت.
القرآن الكريم، آل عمران 185

كلُّ شيء فهو خاضع للتغير. ومنه، فإن التفكر
يشي للقارئ قطعًا بالاستنتاجات المنطقية
التالية، التي مفادها أن كونًا شروطه غير دائمة
أساسًا لا يمكن لشيء فيه أن يمنح الديمومة.
وإذن، فما من جوهر ممكن، حتى إذا اتفق له
أن يُستخلَص من أعماق اللانهاية، ما من
تركيبة عقاقير قابلة للتخيل، سواء كان مصدرها
أرضنا أو أي أرض أخرى، حتى إذا قام بتدبيرها
أرفع العقول، ما من طريقة حياة ولا من نهج، حتى
بإرشاد من العزيمة الأشد والبراعة الأعظم،
يمكن له أن ينتج الثبات.
ومنه، نرى أن التصور المثالي الشائع عن "الخلود"
ليس مغلوطًا من أساسه فحسب، بل هو من قبيل
المحال الفيزيقي والميتافيزيقي. فالفكرة، أكان
يغازلها ثيوصوفيون أو غير ثيوصوفيين، مسيحيون أو
أرواحيون، ماديون أو مثاليون، إنما هي وهم من
بنات الخيال.
ج.م.، إكسير الحياة

هي آية من كتاب للحكيم شنكراتشاريا، مؤسس مذهب اللاثنوية (أدڤيتا advaita = التوحيد المطلق) في الهندوسية، مافتئ عمقُها وبساطتُها يلهمان أجيالاً عديدة، في الهند وغيرها، تنص على الآتي:

[ما أروعها] صورة: تحت شجرة البَنْيان، [يجلس] معلم شاب وتلامذة شيوخ؛ المعلم يعلِّم صامتًا والمريدون تتلاشى شكوكهم. (شنكرا، ستوترا دكشنامورتي، 3)

تشير هذه الآية إلى الحكيم دكشنامورتي، أحد مظاهر الإله الكبير (مهاديڤا Mahādeva) شيڤا؛ وهي تصفه بوصفه معلم اليوگا المثالي، شابًّا أبدًا. وإنه لمما يحيِّر الذهن أن يوضع الشبابُ والشيخوخةُ جنبًا إلى جنب – الشباب متصفًا بالحكمة والشيخوخة بالحيرة والشك – على خلفية شجرة البَنْيان (التينة الهندية) الجليلة، رمز طول البقاء ودوام الطبيعة.

شيڤا دكشنامورتي يعلم تحت شجرة البنيان.

بحسب ما نقل إلينا الأثر، يتصف جميع المخلدين بالشباب الدائم؛ إذ ليس بوسعنا أن نتخيل مخلدًا مافتئ يشيخ، حتى يصير في الشوط السابع من الحياة البشرية "بلا أسنان، بلا عينين، بلا ذوق، بلا شيء"، كما يقول شكسپير على لسان جاك السوداوي في مسرحيته كما تشاء (ف 2، م 7). إن شخصًا كهذا يصعب علينا أن نتصوره على هيئة الـديڤا deva الملهمة: فالديڤا، أو الآلهة المخلدون في الميثولوجيا الهندية، لا يهرمون، كما تشي بذلك صورة الإله المخلد الذي لا تلامس قدماه الأرض، وإذا فعل تدنَّس وعوقب على فعلته! والديڤا ليسوا متمتعين بالشباب الدائم وحسب، بل ويشعون نورًا وحيوية وغبطة.

وبحسب الأدبيات الثيوصوفية، فإن بوسع السادة الحكماء، كونهم منعتقين من إسار قانون كرما karma، أن يعيشوا سنوات عديدة في جسم فيزيقي (إذا شاءوا أن يتخذوا واحدًا) من غير أن يبدو عليهم أثر للشيخوخة. عندما سأل تشارلز جونستُن السيدة بلاڤاتسكيا عن عمر معلِّمها، أجابته:

لا أستطيع أن أحدد لك [عمره] بدقة، لأنني لا أعرفه. لكني أستطيع أن أقول لك ما يلي: قابلته للمرة الأولى حين كان لي من العمر عشرون عامًا – في العام 1851 –، وكان آنذاك في أوج الرجولة. وأنا اليوم امرأة هرمة، أما هو فلم يَشِخْ بمقدار يوم واحد.

كرما – قانون العلة والمعلول law of causality في المنقولات الشرقية، الذي يسميه الفيلسوف الهندي س. رادهاكرشنان "قانون انحفاظ الطاقة الخُلُقية" – يؤثر فينا جميعًا على المستويات الفيزيقية والعاطفية والذهنية. فالجسم الذي نتخذه والشروط التي تحكم تحولات هذا الجسم بتأثير أفعالنا وعواطفنا وخواطرنا – هذا كله جزء من "لعبة" القوى الكرمية. إذا ولدنا متسمين بسِمات وراثية ومختصين بخواص إثنية معينة، فذلك من مفعول كرما في حياتنا.

غير أن بوسعنا، من خلال أسلوب حياتنا في الحاضر، أن نجعل الجسم فتيًّا رشيقًا أو هرمًا بغيضًا. يتغير الجسم تبعًا للشروط الذهنية التي يتعرض لها: فالكرب، مثلاً، يحفر في الوجه الغضون، والطموح يغلِّظ ملامحه؛ الرغبات الأنانية تسبب التوتر والقلق، فلا تؤثر على الصحة وحسب، بل وعلى مظهر الجسم الخارجي أيضًا. لذا فإن بعض الناس يزدهي حسنًا مع تقدُّم العمر، بينما يغدو بعضهم الآخر منفرًا حتى في سنِّ الخمسين!

تتنوع المواقف الذهنية تنوعًا كبيرًا بحسب ما إذا كان المرء يعيش متعلقًا بأغراض الحس والذهن أو غير متعلق. والحكماء، من حيث هم خالصون من التعلق بأوهام العالم، لا يعانون "مشكلات" من شأنها أن تُتلف بنيان الجسم. فهم لا يولدون كرما في الحاضر، وأغلبهم قد استهلك الـكرما المتولد في الماضي؛ ومنه، فإن أجسامهم لا تبلى، أو على أقل تقدير، لا تبلى سريعًا كما تبلى أجسام عوام الناس.

* * *

"ما أروع الشباب!" – كما يُجمع الناس؛ ومَن يستميتون منهم في البقاء شبابًا بالأخص يشعرون، على نحو ما، بجمال الشباب وحيويته الفائرة، كما يعذبهم خوفهم من الموت. الشباب الأسوياء يقظون، متحمسون، متجاوبون مع الطبيعة ومع رفاقهم البشر، مع الطيبة والجمال، بكل فرح وعفوية. حماستهم وعفويتهم متأتيتان من كونهم أقل إشراطًا من الراشدين؛ وبراءتهم تجعلهم يطفرون فرحًا لأقل سبب، بينما يعجز الراشدون عن ذلك. لذا كلما احتك الراشدون بالشباب، تراهم يختبرون "بالنيابة" جزءًا من هذا الفرح، من هذه العفوية البريئة، فتراهم يحلمون بإيجاد وسيلة يستعيدون بها شبابهم.

لقد سعى القوم، في مختلف العصور، في اكتشاف إكسير الحياة. ففي الهند الڤيدية، تغنَّى الشعراء الملهَمون بشراب الـسوما Soma الذي كان تعاطيه يقرِّبهم من الآلهة (أناشيد الڤيدا، ج 1)؛ وبعضهم تمرس بالكيمياء alchemy، أو بتلاوة التعاويذ، أو بتركيب الأشربة السحرية، أو فرض على نفسه تقشفًا صارمًا من أجل صون الجسم والحيلولة بينه وبين الشيخوخة. لكن هذه الجهود لم تُكلل بالنجاح على ما يبدو؛ إذ ما من أحد نقل إلينا سر الشباب الدائم! فهل من الممكن يا ترى التغلب على مفعول الزمن بمثل هذه التدابير؟ معرفة الإجابة تستلزم معرفة ماهية الشباب، ينبوعه الأصلي، إذا صح التعبير: هل هو ملازم للجسم يا ترى؟ وهل يمكن للجسم أن يتلبس الشباب المعافى والعمر المديد بمجرد تغيير تركيبه الكيميائي أو بزرع عضو مستعار فيه، ككبد خنزير أو دماغ قرد؟! حين تهرم أجسام الناس فإن أذهانهم هي الأخرى تهرم وتتصلب من فرط وطأة الذكريات والأحكام المسبقة والرغبات والشهوات عليها. فهل الأمر متعلق بالجسم بحدِّ ذاته، أم أن ثمة طريقة أخرى؟

* * *

في الآية التي استهللنا بها هذا المقال، وجدنا أن المعلم الشاب يشع حكمة ويستطيع التواصل من غير كلام. والسياق يستحضر بالبال ذاك السؤال الجوهري الذي لم ينفك الحكيم الهندي رامنا مهارشي – تقدس سرُّه – يردده طوال عمره: "مَن أنا؟" وبعبارة أخرى، ما هي "الأنا" التي تستميت في البقاء شابة؟ – تلك هي المسألة الجوهرية؛ ومن دون الإجابة عنها إجابة حقيقية، يتعذر اكتشاف سر الشباب الدائم. فالديناصورات ذات الأدمغة الضئيلة كانت تتمتع بعمر مديد، حتى ضرب نيزك الأرض منذ حوالى 30 مليون سنة، فأدت عواقب ذلك الاصطدام المروع إلى انقراضها على ما يبدو؛ لكن البشر يتمنون التمتع بشباب المخلدين، لا العيش قرونًا مديدة كالديناصورات!

يشبِّه كتاب الـبهگڤدگيتا Bhagavad-Gītā الجسم بثوب:

كما أن المرء يخلع أثوابه البالية فيرتدي أثوابًا أخرى جديدة، كذلك النفس المتجسدة تخلع جثتها البالية وترتدي جثة أخرى جديدة. (2: 22)

ترانا نعلم أن الثياب الجديدة خير من الثياب البالية، لكنْ حتى المصاب بمرض عضال أو الكسيح أو طريح الفراش تراه يتشبث بجسمه العليل. لقد علَّم البوذا بأن كل مركَّب مصيره أن يتحلل، بينما شددت الـگيتا أن "كل مولود يموت حتمًا" و"كل ميت يولد حتمًا من جديد" (2: 27). وحده "ساكن الجسم" (2: 30) خالد لا ينال منه الموت. فما لم نع أن الذات الحق (آتمن ātman) ليست الجسم، بل ذلك العنصر السري الذي يستعمل الجسم ويغادره عند أوان الموت، لن نكتشف سر الكائن الشاب، الخالد أبدًا:

إنه لم يولد أزلاً، ولا هو يموت أبدًا، ولا هو – الموجود أصلاً – يمكن له أن يعدم الوجود. إنه غير مولود، أبدي، دائم، سرمدي؛ فهو لا يُقتَل حين يُقتَل الجسمُ. (بهگڤدگيتا 2: 20)

أغلبنا يستشعرون في أنفسهم وجود شيء عميق، ليس قطعًا بالجسم، الذي هو غير الوجود أو الذات. والدليل المباشر على صحة ذلك هو استعمالنا ياء المتكلم للإشارة إلى كلٍّ من العناصر التي يتألف منها كياننا، كأنْ نقول: "جسمـي"، "مشاعري"، "ذهنـي"، إلخ؛ ترانا نرصد العواطف، الذكريات، الخواطر، وغيرها من الفعاليات الباطنة، فنعرف يقينًا أننا لسنا أيًّا منها. فإذا اتفق لجسمنا أن يصاب بعاهة مستديمة، مثلاً، فهذا لا يؤثر على شعورنا بالوجود. الذكريات، الصور، تقلبات الذهن، إلخ، – ما يسميه ج. كريشنامورتي "مضمون الوعي" content of consciousness – لا تنفك تولد وتختفي؛ أما الشعور بالوجود فيبقى، غير متأثر بها، غير متماه مع الخواطر أو المشاعر أو الأحاسيس، من حيث إن هذه لا تولد أصلاً إلا لتصير إلى التلاشي. فلو كان محتمًا علينا أن نتماهى مع مثل هذه التقلبات المتواصلة، لتغير طبعنا تغيرًا مستمرًّا. هناك دومًا شعور أصيل بالوجود يبطِّن هذه التغيرات كلها، ونحن نستشعره لا محالة عند الهنيهات التي يخلد ذهننا فيها إلى السكون.

* * *

مع أن بوسع البوذيين، مثلاً، أن يتمثلوا البوذا كصورة ذهنية، فهو القائل (سميوتا 3: 120) بأن مَن رأى الـدهرما Dharma (= "الناموس" أو "الحق"؛ بالپالية: دهمَّا dhamma) وحده رآه حقًّا (ومثله قول المسيح في إنجيل يوحنا 14: 10: "مَن رآني رأى الآب"). البوذا (= "المستنير") هو الوعي اليقظ، وليس شخصًا. والوحدة مع الـدهرما أو الحق هو مقام الحكمة (= الاستنارة): فمَن فهم التعليم حق فهمه وبلغ مقام الحكمة عرف البوذا. بالمثل، ألمحت السيدة بلاڤاتسكيا إلى أن الذين يريدون رؤية "المعلم" غالبًا ما يريدون رؤية جسم ووجه، أي صورة فحسب، لا رؤية المعلم حقًّا؛ لكن هذه الصورة مجرد قناع، وليست بالمعلم. المعلم، في الجوهر، وعي خالص، سام، نبيل، يتخلل كل شيء، كله محبة وحكمة وسلام؛ وهذا الوعي لا يحُول أبدًا، ولا يزول نقاءُ طبيعته. وفي كتاب الـيوگا ڤاسشتها Yoga Vāsishtha النفيس، نقع على تفسير لأبدية المخلد: "ذهني لا يرود الماضي ولا الآتي، بل يقيم في الحاضر دومًا". الماضي والآتي مجرد ظاهرتين ذهنيتين متولدتين من حركة الذهن: عندما يعود الذهن القهقرى لاسترجاع خبراته السابقة، تراه يفتعل "الماضي"؛ وحين تستحثه الرغبة والأمل في الحصول على شيء ما، تراه يختلق "المستقبل"؛ أما حين يكف الذهن عن الشرود مراوحًا بين الماضي والآتي، فيثبت راسخًا في الحاضر، فهو يتحرر من الزمن. وفي الحاضر، في "الآن الدائم" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية) وحده، تكون المحبة – ذاك الشعور الكوني الذي يتخلل كل علاقة حقيقية.

والمخلد، مواصلاً تعليمه، يقول إن خواطر من قبيل: "حصلت اليوم على هذا، وسأحصل غدًا على أفضل منه" لا تظهر في ذهنه بتاتًا؛ لا تخطر بباله أبدًا أفكار من نحو: "هذا صديقي، قريبي، وذاك الآخر غريب، مجهول". الحكيم، صاحب "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā) الموصوف في الـگيتا (2: 55-58)، متحرر من الرغبة التي تُسقط المستقبل على شاشة الذهن وتعود إلى مخزون الماضي لتستعيد ذكرى المرغوبات؛ إنه مطمئن، ساكن، فرح، خالد قطعًا، بما أنه قد أفلت من قبضة الزمن.

هذا الزمن-الطاغية حيٌّ فينا، تغذيه نشاطاتنا الذهنية ورغباتنا المحمومة في الأشياء الزائلة؛ وتبعًا لشرطنا الذهني حيالها، يجري تيار الزمن سريعًا كالسيل أو يسيل بطيئًا كالساقية. الأهواء والشهوات تعكر صفو أذهان البشر المائتين، بينما المخلدون لا يلوثون أذهانهم بالتفكير الدنيوي والشهوة، فيختبرون الخلود والشباب الدائم.

* * *

حتى نظل شبابًا وجميلين، علينا بالضرورة أن نتحرر من الضغوط النفسية – تلك الرغبات الملحة في الوصول، في تبوأ المنزلة الأولى، في النجاح الدنيوي – التي تجعلنا عبيدًا للزمن. فالخضوع لسيرورة الزمن يحرم المخ والذهن من الحساسية والمرونة ويتركه نهبًا لمخاوف مركزية الأنا egocentricity التي تنهش الجسم وتُبليه.

ومنه، على المرء أن يحيا حياة من نمط مختلف حتى يصون "شبابه". فكما جاء في الـدهمپدا Dhammapada، كتاب صحيح أحاديث البوذا:

مَن اكتفى غافلاً بقطف أزهار [الدنيا] اخترمه الموتُ كالطوفان إذ يجرف القرية الغافية. (الأزهار، 47)

"أزهار الدنيا"، مهما بدت فاتنة، مصادر وهمية للسعادة؛ وقد جاء في كتيب صوت الصمت: "تحت كل زهرة، تكمن أفعى متكورة". وفي الرسالة إلى أهل إفسُس، يستشهد القديس بولس بنشيد مسيحي قديم جاء فيه: "تنبَّهْ، أيها النائم، وقُمْ من بين الأموات، يضئْ لك المسيح" (5: 14)؛ وهذا الكلام ليس دعوة إلى إيقاظ جثة من قبرها، بل استنهاض للمريد كي يخرج من غفلة الشرط البشري، الشبيه بالموت بالمقارنة مع حياة الروح.

التعلق هو جوهر الذهن الدنيوي؛ أما نهاية التعلق فهي الحرية. فحتى يكون الذهن شابًّا، عليه أن يكون حرًّا، غير متعلق بالدنيويات. وقد جاء في الـدهمپدا أيضًا:

اليقظة هي الطريق إلى الخلود؛ الغفلة هي الطريق إلى الموت: الأيقاظ لا يموتون البتة، أما الغافلون فهم شبه أموات. (اليقظة، 21)

فاليقظة الدائمة في أثناء الحياة اليومية، التي تساعد على التخلص من كل هوى أو خاطر أناني، هي الصراط المؤدي إلى المقام الإلهي، مقام الاستنارة والمحبة والحكمة؛ أما الأنانية فهي الجهل، ظلام الغفلة (أڤيديا avidyā)، انعدام المحبة والحكمة.

* * *

فهل ترانا نجدد "شبابنا" بأن نحيا حياة مستقيمة – هي "إكسير الحياة" الحق – أو ننتظر العلماء والسحرة حتى يطيلوا لنا عمرًا نصرفه في بؤس الأنانية؟!