Archive for the ‘مقالات’ Category

علم الحروف - رونيه گينون

الأحد, شباط 14th, 2010

علم الحروف*

guenon_1

رونيه گينون**

في التوطئة لدراسة في "تبرير الله في القبالة"[1]، بعدما قال الكاتب إن "القبالة تنطلق من فرضية أن اللسان العبري هو اللغة الكاملة التي علَّمها الله للإنسان الأول"، تراه استنسَب إبداء تحفُّظه على "الادعاء الموهوم القائل باحتفاظ العبرية بعناصر اللغة الطبيعية صافيةً، بينما لا يمتلك القائمون عليها من هذه اللغة غير نتف وتحريفات". غير أن قوله هذا لا يحول دونه والتسليم بأنه "يبقى من المرجح أن تكون الألسنة القديمة قد تفرعت عن لغة قدسية واحدة ألَّفها ملهَمون"، وبأنه "لا تزال ثمة جزمًا كلمات تعبِّر عن ماهية الأشياء ونِسَبها العددية"، وبأن هذا "يصح على فنون العِرافة أيضًا". فاستحسنَّا أن نزيد هذه المسألة تدقيقًا، وإن كنا نود لفت النظر، بادئ ذي بدء، إلى أن كاتبنا قد نظر إلى الأمر من منظار "فلسفي" بالأخص، بينما نعتزم نحن، جريًا على عادتنا دومًا في الواقع، الوقوف عليه من الصعيد المُسارَري initiatique والنقلي traditionnel.

النقطة الأولى التي يجدر لفت الانتباه إليها هي التالية: إن التأكيد على أن اللسان العبري هو بعينه لغة الوحي البدئي، وإنْ كان يبدو تأكيدًا ظاهريًّا exotérique ليس في اللب من مذهب القبالة، إلا أنه في الواقع يستر ببساطة أمرًا أعمق بكثير. والدليل على ما نذهب إليه هو أننا نقع على هذا التأكيد بعينه بخصوص ألسنة أخرى، وأن هذا التأكيد على "القِدَم" primordialité، إن صح التعبير، لا يجوز تسويغه، مأخوذًا على حرفيَّته، في الحالات كلها، بما أنه ينطوي على تناقض بيِّن. هذا التأكيد يجري بالأخص على اللسان العربي؛ لا بل إنه لَرأي واسع الشيوع نوعًا ما في البلدان الناطقة به أنه كان اللغة الأصلية للإنسانية[2]. لكن الأمر اللافت للنظر – وهو ما جعلنا نعتقد بأن الحالة عينها تنطبق على اللسان العبري – هو أن هذا الرأي العامي واهي الأساس وفاقد الحجة، من حيث إنه على تناقض صريح مع التعليم النقلي الحقيقي للإسلام القائل بأن "لسان آدم" كان اللغة السريانية، التي لا تمت إلى البلد المسمى "سوريا" حاليًّا، ولا إلى أية ألسنة متفاوتة في القِدَم بقيت محفوظةً في ذاكرة بني البشر حتى يوم الناس هذا. فـ"اللغة السريانية" هذه، حَسب تأويل هذا اللفظ، هي لغة "الشمس الإشراقية" تحديدًا؛ إذ إن لفظ سوريا Sūriā هو في الواقع اسم الشمس باللغة السنسكريتية، وهذا دليل، على ما يبدو، على أن جذر هذا الاسم سور sur (وهو واحد من الجذور المشيرة إلى النور) ينتمي بعينه إلى هذه اللغة الأصلية. إنها، إذن، "سوريا" القديمة التي قال عنها هوميروس إنها جزيرة واقعة "فوق أورتيجيا"، مما يُطابق بينها وبين تولا Tula الشمال الأقصى Hyperborée، و"فيها منقلَبات الشمس"[3]. وعاصمة هذا البلد، حسب [المؤرخ اليهودي][4] يوسيفُس، كانت تُسمَّى هليوپوليس Héliopolis، "مدينة الشمس"[5]، وهو اسم أطلِقَ أيضًا فيما بعد على المدينة المسماة أوْن On في مصر الفرعونية، مثلما كان اسم طيبة Thèbes أولاً من أسماء عاصمة أورتيجيا. وإنه لَمِن المفيد دراسة تناقُل هذه الأسماء على التتالي، وغيرها كثير، فيما يخص نشأة المراكز الروحية الثانوية لمختلف الفترات التاريخية، وهي نشأة وثيقة الصلة بنشأة الألسنة التي قُدِّر لها أن تُستعمَل كـ"مركَبات" للأشكال النقلية الموافقة لها. وهذه الألسنة هي وحدها اللغات التي يجوز أن تُدعى بـ"اللغات الحَرام" langues sacrées ["لغات الخواص"]؛ إذ تقوم صحة مناهج القبالة بالدقة على التمييز الأساسي بين اللغات الحَرام وبين "ألسنة العوام" أو الألسنة الدنيوية، شأن هذه المناهج كشأن عمليات مشابهة نقع عليها في منقولات أخرى.

فنقول ما يلي: كما يتكون المركز الروحي الثانوي على صورة المركز الأعلى والقديم، كما شرحنا ذلك في دراستنا عن ملك العالم[6]، يجوز لنا أن نرى إلى اللغة الحَرام، أو "القدسية" hiératique إذا شئتم، على أنها صورة أو صدى للغة الأصلية، التي هي اللغة الحَرام المثلى والتي هي "الكلمة المفقودة" أيضًا، أو بالأدق، المحتجبة عن إنسان "عصر الظلام"[7]، مثلما أضحى المركز الأعلى محتجبًا عن بصره وبعيدًا عن متناوله. إلا أننا لسنا بتاتًا هنا بإزاء "نتف وتحريفات" [كما جاء في الدراسة أعلاه]، بل على العكس، بإزاء تكييفات نظامية حتمتْها ظروفُ الزمان والمكان، أي بالمختصر، حَسب تعليم سيدي محيي الدين بن عربي في مستهل الباب الثاني من الفتوحات المكية، اضطرار كل نبي أو ناقل وحي إلى استعمال لسان يفهمه سامعوه، لسان أخص تلاؤمًا بالتالي مع عقلية شعب بعينه في حقبة بعينها. وعلة ذلك هي عينها علة تنوع الأشكال النقلية؛ وهذه العلة هي التي تستتبع، كمعلول مباشر، تنوعًا في اللغات التي يُقيَّض لها أن تُستعمَل كوسائل للتعبير عن كلٍّ من هذه الأشكال. وبالتالي، فإن اللغات الحَرام كافة هي التي ينبغي النظر إليها على أنها حقًّا صنيعة "ملهَمين"، وإلا لما جاز لها أن تضطلع بالدور الذي أنيط بها أساسًا. أما فيما يخص اللغة البدئية، فأصلُها "غير بشري" لا محالة، كما هو أصل المنقول القديم نفسه؛ وتتسم كل لغة حَرام بهذه الخاصية، من حيث إنها، في مبانيها وفي معانيها، صدى لهذه اللغة البدئية. إلى ذلك، يمكن لهذا الأمر أن يُترجَم بطُرُق مختلفة، ليست لها الأهمية نفسها في كل حالة على حدة، لأن مسألة التكييف تدخل هنا مرة أخرى بالحسبان: تلك هي، على سبيل المثال، حالُ الشكل الرمزي للعلامات المستعمَلة للكتابة[8]، وكذلك حال التوافق بين الأعداد والحروف، وبالتالي بين الأعداد والكلمات المؤلَّفة من هذه الحروف، وبالأخص في اللسانين العبري والعربي.

من العسير قطعًا على أهل الغرب أن يستبينوا ماهية اللغات الحَرام في حقيقتها لأنهم، في الظروف الحالية على الأقل، ليسوا على صلة مباشرة مع أي واحدة منها. وبوسعنا أن نذكِّر بهذا الصدد بما سبق وألمعنا إليه في مناسبات أخرى بشأن صعوبة استيعاب "العلوم النقلية" sciences traditionnelles، وهي أكبر بكثير من صعوبة استيعاب التعاليم من رتبة ميتافيزيقية صرف، وذلك بسبب طابع هذه العلوم التخصصي الذي يربطها ربطًا لا تُفصَمُ عُراه بهذا الشكل النقلي بعينه أو ذاك، بما لا يسمح بنقلها كما هي عليه من حضارة إلى أخرى، تحت طائلة جعلها مبهمة كل الإبهام، أو التوصل بها إلى نتائج موهومة، لا بل خاطئة تمامًا حتى. كذا فَلِفَهم مرمى رمزية الحروف والأرقام كلها فهمًا فعليًّا، يجب عيش هذه الرمزية، إذا جاز القول، بكل تطبيقاتها في ظروف الحياة المألوفة حتى، كما هو متاح في بعض بلدان الشرق؛ غير أنه من رابع المستحيلات ادعاء إقحام اعتبارات وتطبيقات من هذا القبيل على اللغات الأوروبية، التي لا تناسب هذه الأغراض بتاتًا والتي لا تقابل حروفَها قيمٌ عددية أصلاً[9]. فالمحاولات التي شاء بعضهم أن يتنطع لها على هذا الصعيد من الأفكار، خارج نطاق أي معطيات نقلية، هي بالتالي ضالة زائغة من نقطة انطلاقها؛ وحتى لو اتفق لبعضهم أحيانًا أن يتوصل إلى بضع نتائج صحيحة، في مجال حساب النيم[10] على سبيل المثال، فإن هذا لا يبرهن على صحة العمليات المتَّبعة ولا على شرعيتها، وإنما ينمُّ فقط عن وجود نوع من الملَكة "الحدسية" (لا جامع بينها طبعًا وبين الكشف العقلي intuition intellectuelle الحق) عند واضعي هذه العمليات موضع التطبيق، كما يحصل في الواقع مرارًا في "فنون العرافة"[11].

في شرح سيدي محيي الدين على المبدأ الميتافيزيقي لعلم الحروف، ينظر الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية إلى الكون مرموزًا إليه بكتاب مسطور: هذا هو نفسه رمز كتاب العالم Liber Mundi المعروف عند أصحاب وردة الصليب، وكذلك رمز سِفْر الحياة Liber vitæ الوارد ذكره في رؤيا يوحنا[12]. وإن القلم الإلهي هو الذي سطَّر أصلاً حروف هذا الكتاب جمعًا لا على التفصيل؛ وهذه "الحروف العاليات" هي الأعيان الثابتة أو المُثُل الإلهية[13]. وإذ إن كل حرف هو في الآن نفسه عدد، يُلحظ التوافقُ بين هذا التعليم وبين المذهب الفيثاغورثي. وهذه الحروف العاليات نفسها، التي هي مجموع المخلوقات، إذ تكثَّفتْ أصلاً في علم الله الكلي، تنزَّلت من بعدُ، بالنَّفَس الإلهي، إلى السطور السفلى، فكوَّنت الكون المتجلِّي وصوَّرتْه. وهنا لا مناص لنا من إجراء مقارنة مع الدور الذي تلعبه الحروف، بالمثل، في عقيدة سِفِر يصيره ספר יצירה في نشأة الكون؛ فلعلم الحروف أهمية تكاد أن تكون هي نفسها في كلا القبالة العبرية والتصوف الإسلامي[14].

انطلاقًا من هذا المبدأ، يُفهم من دون مشقة التوافقُ القائم بين الحروف وبين مختلف أجزاء الكون المتجلِّي، وبالأخص أجزاء عالمنا. إذ إن وجود توافقات وقرانات بين الكواكب والبروج من هذا القبيل معروف، فلا نتوقف عنده، مكتفين بالإشارة إلى أنه يُحكِم شدَّ الوثاق بين علم الحروف والنجامة astrologie بوصفها من علوم "الكونيات"[15]. إلى ذلك، وبموجب المقايسة التكوينية بين "الكون الصغير" microcosme و"الكون الكبير" macrocosme، يوافق كلٌّ من هذه الحروف عضوًا من أعضاء بدن الإنسان؛ وبهذا الخصوص، نشير تلميحًا إلى وجود تطبيق علاجي لعلم الحروف، حيث يُستعمَل كلُّ حرف استعمالاً بعينه لشفاء الأدواء التي تصيب العضو الذي يوافقه خصوصًا.

يستتبع ما قلناه لتوِّنا أنه يجب النظر في علم الحروف تبعًا لرُتَب مختلفة، يجوز إرجاعها إجمالاً إلى "العوالم الثلاثة"[16]: فعلم الحروف، محمولاً على معناه الأعلى، هو معرفة الأشياء كلها في عين مبدئها، بصفتها "أعيانًا ثابتة" تتعالى عن التجلِّي برمته؛ وعلى معناه "الأوسط"، إذا صح التعبير، علم الحروف هو علم التكوين، أي معرفة صنع العالم المتجلِّي أو تشكيله؛ وأخيرًا، على معناه الأدنى، هو معرفة خواص الأسماء والأعداد، بصفتها تعبِّر عن طبيعة كل موجود، وهي المعرفة التي تتيح بواسطتها، في جملة ما تتيح، على سبيل التطبيق وبفضل التوافق بين الأسماء والأعداد وبين الموجودات، ممارسة عمل من رتبة "السحر" على الموجودات نفسها وعلى الأحداث التي تخصُّها. فبالفعل، حسبما يشرح ابن خلدون في مقدمته، تتمتع الطِّلَسْمات المكتوبة، إذ هي مؤلَّفة من العناصر [الحروف] نفسها المكوِّنة لكلية الموجودات، وبحُكْم خاصيتها هذه، بقدرة التأثير على هذه الموجودات. ولهذا فإن معرفة اسم موجود ما، بما هو تعبير عن طبيعته، تمنح سلطانًا عليه؛ وهذا هو أحد تطبيقات علم الحروف الذي عادةً ما يشار إليه باسم السيمياء[17]. ومن الحري ملاحظة أن السيمياء تتخطى بكثير مجرد عمليات "العرافة" كافة: إذ يمكن أولاً، بحساب الأعداد الموافقة للحروف والأسماء، التوصل إلى التنبؤ بأحداث بعينها[18]؛ إلا أن هذا ليس سوى الدرجة الأولى، درجة المبتدئين إذا جاز القول، إذ يمكن من بعدُ إجراء تحويلات [فلكية] على نتائج هذا الحساب من شأنها أن تؤدي إلى تعديل موافق في الأحداث ذاتها[19].

وهاهنا أيضًا يجب التمييز بين درجات جد مختلفة، كما هي حال المعرفة نفسها التي ليست السيمياء إلا تطبيقًا عمليًّا من تطبيقاتها: فعندما يمارَس هذا العملُ في عالم المحسوسات فحسب، نكون في الدرجة الدنيا، وفي هذه الحالة فقط يجوز الكلام على "السحر". ولا يصعب تذهُّن أننا نتعامل مع أمر من رتبة مختلفة تمامًا حين نكون بإزاء عمل له وَقْع في العوالم العُلوية: ففي هذه الحالة، نكون بالطبع بإزاء عمل من رتبة "المُسارَرة" initiation بالمعنى الأتم للكلمة؛ ووحده الذي بلغ درجة "الكبريت الأحمر" قادر على العمل فعليًّا في العوالم كافة. وتسمية "الكبريت الأحمر" هذه تشير إلى مُماثَلة، ربما قد تفاجئ بعض الناس، بين علم الحروف والكيمياء[20]: فَكِلا هذين العِلمين، بالفعل، إذ يؤخذان على معناهما العميق، ليسا في الواقع غير علم واحد؛ وما يعبِّران عنه كلاهما، وإنْ في مظاهر جد مختلفة، ليس سوى سيرورة المُسارَرة بعينها التي تكرِّر بدقة متناهية سيرورة التكوين، حيث إن التحقُّق التام لإمكانات أحد الموجودات يحصل بالضرورة مرورًا بأشواط تحقُّق الكون الكلِّي نفسها[21].



* Voile d’Isis, février 1931 ; repris dans René Guénon, Symboles de la Science sacrée, Gallimard, 1962, pp. 50-56.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المنقولات الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] Cf. F. Warrain, La Théodicée de la Kabbale, éd. Vega, Paris.

[2] شائع كذلك قولهم إن العربية هي "لغة أهل الجنة"؛ وتأويله، بغض النظر عن سذاجته إذا أخِذَ على محمل حرفي، أن اللغة التي نطق بها آدم، "أبو البشر"، أي اللغة الأصلية التي نطقت بها إنسانيتنا في دورها الحالي، هي عينها اللغة التي سيُنطَق بها في نهاية هذا الدور. (المحرِّر)

[3] راجع: هوميروس، الأوديسة، النشيد 15: 403-405. أورد گينون في الأصل الفرنسي أن الجزيرة المذكورة هي أوجيجيا Ogygie، بينما الصحيح أنها أورتيجيا Ortygie، لأن أوجيجيا، كما ورد مرارًا في النص الهوميري، هي الجزيرة التي احتجزت فيها الإلهة كاليپسو بنت أطلس البطل عوليس طوال سبع سنين على أمل أن يُغرَم بها وينسى موطنه إيثاكي (النشيد 7: 244 وما بعده). أما جزيرة تولا، الواقعة في أقصى الشمال، فهي، حسب مصادر گينون، المركز الأعلى الذي انطلق منه الإشعاع الروحي للمنقول القديم في بداية دور الإنسانية الحالي. (المحرِّر)

[4] ما بين معقوفتين [...] من إضافة المدقق توضيحًا للمقصود. (المحرِّر)

[5] هي الحصن الشمسي عند أصحاب وردة الصليب، مدينة الشمس عند [الراهب الدومينكاني توماسو] كمپانيلا، إلخ. وإلى هذه الـ"هليوپوليس" الأولى ينبغي في الواقع إرجاع رمزية طائر الفينكس [العنقاء] الدورية.

[6] Cf. René Guénon, Le Roi du monde, Gallimard, 1958.

[7] إشارة إلى الـكالي يوگا Kali-yuga، عصر الدم والحديد والنار، رابع (وآخر) أعصر دور إنسانيتنا الحالي الذي بدأ منذ أكثر من 5000 عام حَسب العقائد الهندوسية. (المحرِّر)

[8] يمكن أن تطرأ على هذا الشكل تعديلات تُوافق عمليات إعادة تكييف نقلية لاحقة، كما حصل للسان العبري بعد الأسْر البابلي؛ وهنا نتكلم على "إعادة تكييف" réadaptation، لأنه من المستبعد أن تكون الكتابة العبرية القديمة قد ضاعت حقًّا إبان فترة السبعين عامًا القصيرة من السبي، حتى إننا لَنعجب من عدم انتباه الناس عمومًا إلى ذلك. وقد طرأت وقائع من النوع نفسه لا محالة، في حقب متفاوتة في القِدَم، على كتابات أخرى، وخصوصًا على الأبجدية السنسكريتية، وإلى حدٍّ معين، على رسوم الكتابة الصينية.

[9] كلام گينون هنا غير دقيق تمامًا؛ فهو لا ينطبق، مثلاً لا حصرًا، على اللغة اليونانية القديمة التي كان لكل حرف من حروفها قيمة عددية، على غرار حروف الأبجدية الفينيقية التي اشتُقتْ منها، ولا على اللسان الفرنسي القديم الذي أتاحت إمكاناته العددية لمتنبِّئ مثل نوستراداموس وضع "رباعياته" عملاً بأحكام علم قريب الشبه من الزايرجة الشهيرة المنسوبة للسبتي، الصوفي المغربي. (المحرِّر)

[10] هو الحساب الذي يستنبط طباع فلان من الناس ومصيره، غالبًا أو مغلوبًا، من حروف اسمه؛ وهو مذكور، كما يورد ابن خلدون في المقدمة، في آخر كتاب السياسة المنسوب لأرسطو، الأمر الذي يؤكد وجود هذا العلم عند الإغريق. (المحرِّر)

[11] يبدو أننا نستطيع أن نقول القول نفسه في النتائج التي يتحصل عليها التنجيم الحديث، البعيد كل البعد عن النجامة النقلية الحق، على الرغم من المظاهر "العلمية" لمناهجه؛ فالنجامة النقلية، التي ضاعت مفاتيحها فعلاً على ما يبدو، لم تكن قط مجرد فنٍّ من "فنون العرافة"، وإنْ كانت قابلةً طبعًا لتطبيقات من رتبة العرافة، لكنْ بصفة ثانوية و"طارئة" تمامًا.

[12] [رؤيا 21: 27.] لقد سبق لنا أن أشرنا في مناسبة أخرى إلى الصلة بين رمزية "سِفْر الحياة" هذه وبين رمزية "شجرة الحياة" [رؤيا 22: 19]، حيث تمثل أوراق الشجرة وحروف الكتاب على حدٍّ سواء جميع موجودات الكون ("العشرة آلاف موجود"، وفق منقول الشرق الأقصى).

[13] "الحروف العاليات"، حسب تعريف الجرجاني، "هي الشئون الذاتية الكامنة في غيب الغيوب، كالشجرة في النواة" (التعريفات). (المحرِّر)

[14] تجدر الإشارةُ أيضًا إلى أن "كتاب الكون" هو في الآن نفسه "الرسالة الإلهية"، "إمام" الكتب الشريفة كافة؛ والكتب النقلية ليست سوى ترجمات لهذه الرسالة الإلهية إلى الألسنة البشرية: ذلك مؤكد تأكيدًا صريحًا في ڤيدا Veda الهنود وفي القرآن الكريم؛ كما أن فكرة "الإنجيل الأزلي" تبيِّن أيضًا أن هذا التصور نفسه ليس غريبًا تمامًا عن المسيحية أو أنه، على الأقل، لم يكن غريبًا عنها دومًا.

[15] ثمة توافقات أخرى أيضًا: مع العناصر [الإسطقسات]، والصفات المحسوسة، والأفلاك السماوية، إلخ؛ وحروف الأبجدية العربية الـ28 ذات علاقة بالطبع بمنازل القمر.

[16] المقصودة هي: العالم الجسماني والعالم النفساني والعالم الروحاني. (المحرِّر)

[17] لفظ سيمياء لا يبدو عربيًّا محضًا؛ إنه آتٍ على الأرجح من كلمة سيميا sêmeia اليونانية التي تعني "إشارات"، مما يجعله معادلاً لاسم جيمطرِية גימטריה‎ [حساب الجُمَّل] القَبالي، ذي الأصل اليوناني أيضًا والمشتق لا من جومطريا geometria [هندسة]، كما يقال في الغالب، بل من غراماتيا grammateia (من غراماتا grammata، "حروف" باليونانية).

[18] يمكن التوصل أيضًا، في بعض الحالات، اعتمادًا على حساب من النوع نفسه، إلى حل مسائل من رتبة عقيدية؛ وهذا الحل يتبدى أحيانًا على هيئة رمزية شديدة اللفت للنظر.

[19] كما في الزايرجة مثلاً (راجع مقدمة ابن خلدون، آخر المقدمة السادسة من الفصل الأول من الكتاب الأول). (المحرِّر)

[20] من ألقاب سيدي محيي الدين بن عربي "الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر".

[21] إنه لَمِنَ العجب، على أقل تقدير، أن نلحظ أن الرمزية الماسونية نفسها، التي تلعب فيها "الكلمة المفقودة" والبحث عنها دورًا هامًّا، تخص درجات المُسارَرة بألفاظ مستقاة في وضوح من علم الحروف: "تهجئة"، "قراءة"، "كتابة". و"المعلم" [الماسوني]، الذي من ألقابه لقب "لوح التسطير"، لو أنه كان ما يجب أن يكونه حقًّا، لما تمكن من قراءة "سِفْر الحياة" فحسب، بل لاستطاع أن يسطِّر فيه أيضًا، أي أن يعاون واعيًا على تحقيق خطة "مهندس الكون الأعظم" – ومنه، نستطيع أن نحكم على المسافة الفاصلة بين حيازة هذه الرتبة اسمًا وبين حيازتها فعلاً.

تأثير الحضارة الإسلامية في الغرب - رونيه گينون

الأثنين, كانون الثاني 25th, 2010

تأثير الحضارة الإسلامية

في الغرب*

رونيه گينون**

أكثر الأوروبيين لم يقدِّروا المدد الذي تلقُّوه من الحضارة الإسلامية حق قدره، ولا هم فهموا طبيعة اقتباساتهم عن هذه الحضارة في الماضي، حتى إن بعضهم بلغ به الأمر حدَّ تجاهُل كل ما يتعلق بها تجاهلاً تامًّا. وهذا متأتٍّ من أن التاريخ، كما يتعلمونه، يشوِّه الوقائع ويبدو كما لو أنه قد حُرِّف عن سابق إصرار حول كثير من النقاط. فهذا التعليم يغالي في إظهار قلة مبالاته حيال الحضارة الإسلامية، ومن عادته أن ينتقص من جدارتها كلما تسنت له الفرصة لذلك.

ومنه أهمية لفت النظر إلى أن تعليم التاريخ في جامعات أوروبا لا يُبرز التأثير المذكور[1]؛ فالحقائق التي يجب أن تقال بهذا الصدد، على العكس، سواء تعلق الأمر بالتدريس أو بالكتابة، تُستبعَد استبعادًا مقصودًا، ولاسيما فيما يخص أهم الأحداث. فعلى سبيل المثال، إذا كان معلومًا عمومًا أن الأندلس ظلت تحت الحكم الإسلامي طوال عدة قرون، لا يقال أبدًا إن هذا ينسحب على بلاد أخرى، مثل صقلية والجزء الجنوبي من فرنسا الحالية. ويميل بعضهم إلى عزو سكوت المؤرخين هذا عن تلك الحقائق إلى أحكام مسبقة دينية بعينها – فليكن؛ ولكنْ ما القول يا ترى في المؤرخين الحاليين (الذين أغلبهم لا دين له، هذا إنْ لم يكن يعادي الأديان كلها) حين يثنُّون قول أسلافهم ما يناقض الحقيقة؟ ومنه يجب أن تُرى في ذلك تبعة من تبعات غرور أهل الغرب واعتدادهم بأنفسهم، وهما عيبان يحولان بينهم وبين الاعتراف بحقيقة ديونهم للشرق وبأهمية هذه الديون.

أغرب ما في الأمر بهذا الصدد هو رؤية الأوروبيين يزعمون أنهم الورثة المباشرون للحضارة الإغريقية، في حين أن حقيقة الوقائع تدحض هذا الزعم. فالواقع المستخلَص من التاريخ نفسه يثبت جزمًا أن علوم الإغريق وفلسفتهم انتقلت إلى الأوروبيين عبر وسطاء مسلمين. بعبارة أخرى، فإن التراث العقلي للإغريق لم يبلغ الغرب إلا بعد أن أشبعه الشرق الأدنى درسًا وتمحيصًا، ولولا العلماء والفلاسفة المسلمون لبقي الأوروبيون على جهل مطبق بهذه المعارف مدة طويلة للغاية، هذا لو توصلوا إلى الاطلاع عليها أصلاً.

يجدر بنا لفت النظر إلى أننا نتكلم هنا على تأثير الحضارة الإسلامية، لا العربية خاصة، كما يقال في بعض الأحيان عن خطأ؛ إذ إن أغلب الذين مارسوا هذا التأثير في الغرب لم يكونوا عربًا أقحاحًا، وإذا اتفق للسانهم أن يكون اللسان العربي، فتلك فقط نتيجة من نتائج اعتناقهم الإسلام دينًا.

وبما أن السياق ساقنا إلى الكلام على اللسان العربي، ترى بوسعنا أن نسوق برهانًا أكيدًا على امتداد هذا التأثير عينه في الغرب في وجود عدد من المصطلحات ذات الأصل والجذر العربيين أكبر بكثير مما يُظن عمومًا، وقد اندمجت في اللغات الأوروبية كلها تقريبًا واستمر استعمالها حتى أيامنا هذه، مع أن أوروبيين كثيرين ممن يستخدمونها يجهلون أصلها الحقيقي جهلاً تامًّا. وبما أن الكلمات ليست غير ناقل للأفكار ووسيلة لتخريج الفكر، فمن السهولة بمكان أن يُستنتَج من هذه الوقائع منطقيًّا انتقالُ الأفكار والتصورات الإسلامية نفسها.

فالواقع أن تأثير الحضارة الإسلامية طال، إلى حدٍّ كبير للغاية وعلى نحو محسوس، جميع المجالات، من علوم وفنون وفلسفة إلخ. ولقد كانت الأندلس آنذاك وسطًا هامًّا جدًّا بهذا الخصوص والمركز الرئيس لإشعاع هذه الحضارة. بيد أنه ليس في نيتنا أن نتناول كل واحد من هذه المجالات بالتفصيل، ولا أن نعيِّن نطاق امتداد تأثير الحضارة الإسلامية، بل أن نشير فقط إلى وقائع بعينها نعدُّها هامة بصفة خاصة، مع أن الاعتراف بهذه الأهمية يقتصر على قلة قليلة من الناس في عصرنا.

فيما يتعلق بالعلوم، بوسعنا أن نميز بين العلوم الطبيعية والعلوم الرياضية. فبخصوص الأولى، نعلم يقينًا أن بعضها نقلته الحضارة الإسلامية إلى أوروبا التي اقتبسته عنها اقتباسًا تامًّا. فالكيمياء، مثلاً، احتفظت دومًا باسمها العربي، وهو اسم يعود بأصله في الواقع إلى مصر القديمة، وذلك على الرغم من أن المعنى الأول والعميق لهذا العلم بات يجهله العصريون جهلاً تامًّا، وكأنما ضاع عليهم[2].

أما الأسطرونوميا astronomie [= علم الأفلاك][3]، على سبيل مثال آخر، فإن المصطلحات الفنية المستعمَلة فيه في الألسنة الأوروبية كافة لا تزال، في معظمها، عربية الأصل، كما أن أسماء العديد من الأجرام السماوية مافتئت هي أسماءها العربية، يستعملها علماء الفلك على حالها في البلدان كافة. وهذا عائد إلى أن اطلاع الغرب على مؤلفات علماء الفلك الإغريق القدماء، مثل بطليموس الإسكندري، تم عبر ترجمات عربية، وذلك بالتوازي مع اطلاعه على مؤلفات أخلافهم المسلمين. كما أن من السهل عمومًا تبيان أن معظم المعارف الجغرافية المتعلقة بأبعد أمصار آسية أو إفريقية اكتسبها طوال زمن مديد مستكشفون عرب ساحوا في العديد جدًّا من هذه الأقاليم. وبوسعنا أن نورد العديد من الوقائع الأخرى من هذا النوع.

وفيما يتصل بالمخترعات، التي ليست غير تطبيقات للعلوم الطبيعية، فقد اتبعت هي الأخرى طريق الانتقال نفسه، أي الوساطة الإسلامية؛ وقصة "الساعة المائية" التي أهداها الخليفة هارون الرشيد للإمبراطور شارلمان لا تزال قيد الذاكرة إلى الآن.

فيما يخص العلوم الرياضية، يجدر بنا أن نوليها انتباهًا خاصًّا من هذه الناحية. ففي هذا المجال الواسع، لم ينتقل العلم الإغريقي فحسب إلى الغرب بواسطة الحضارة الإسلامية، بل والعلم الهندي أيضًا. فلقد اختص الإغريق بتطوير الجومطريا géométrie [= الهندسة] بالذات، وحتى الأرثماطيقي arithmétique [= علم العدد] كانت، بنظرهم، مرتبطة بالنظر في الأشكال الهندسية الموافقة. وهذه المنزلة التي أنزلوا الهندسة تظهر عندهم بوضوح، كما في كتب أفلاطون مثلاً. غير أن ثمة فرعًا آخر من الرياضيات، تابعًا لعلم العدد، غير معروف في الألسنة الأوروبية باسم يوناني، شأن العلوم الأخرى[4]، وذلك لأن قدماء الإغريق كانوا يجهلونه. هذا العلم هو الجبر algèbre، الذي كانت الهند منبعه الأول والذي تبيِّن تسميتُه العربية تبيانًا كافيًا كيفية انتقاله إلى الغرب.

هناك واقع آخر تحسُن الإشارة إليه هنا، على كونه أقل أهمية، من حيث إنه يؤيد ما ذهبنا إليه، ألا وهو أن الأرقام التي يستعملها الأوروبيون معروفة في كل مكان على أنها أرقام "عربية"، وإنْ يكن أصلها الأول هنديًّا في الواقع؛ إذ إن علامات الترقيم التي استعملها العرب أصلاً لم تكن غير حروف الأبجدية نفسها.

فإذا تركنا الآن الفحص عن العلوم لنفحص عن الفنون، للحظنا، فيما يخص الأدب والشعر، أن الكثير من الأفكار المقتبَسة عن الكتاب والشعراء المسلمين استُعمِلت في الآداب الأوروبية، حتى إن بعض الكتاب الغربيين ذهب حتى تقليد أعمالهم تقليدًا بحتًا. بالمثل، بوسعنا أن نقتفي بعض آثار التأثير الإسلامي في صنعة المعمار، وذلك بصفة أخص في العصر الوسيط: بذا فإن تصالُب القوسين [القوطي]، الذي ثبُتت خصوصيتُه إلى حدِّ أن أسلوبًا معماريًّا برمته قد تسمى باسمه، يعود بأصله، بلا مِراء، إلى المعمار الإسلامي، وذلك على الرغم من اختلاق العديد من النظريات الطريفة لستر هذه الحقيقة. فهذه النظريات يدحضها وجود تواتُر عند البنائين أنفسهم يصر دومًا على انتقال معارفهم اعتبارًا من الشرق الأدنى. ولقد كانت هذه المعارف تتصف بخاصية سرية تضفي على فنِّهم معنى رمزيًّا، كما كانت وثيقة الصلات للغاية بعلم العدد، وقد أسنِدَ مصدرُها الأول دومًا إلى بناة هيكل سليمان.

sixpartite_rib_vault-scheme

مهما يكن من أمر الأصل البعيد لهذا العلم، لا يصح أن يكون قد انتقل إلى أوروبا العصر الوسيط بواسطة غير واسطة العالم الإسلامي [إبان حروب الفرنجة]. ويجدر بنا أن نقول بهذا الخصوص إن هؤلاء البنائين، المؤتلفين في سلك الصنعة الذي كان يختص بشعائر خاصة، كانوا يعدُّون أنفسهم "غرباء" في الغرب ويتسمُّون بهذه التسمية، حتى في مسقط رأسهم؛ وقد بقي هذا اللقب حتى يوم الناس هذا، مع أن هذه الأمور أمست غامضة ولم يعد مطلعًا عليها من الناس سوى عدد ضئيل.

في هذا العرض السريع، لا مناص من أن نخص بالذكر مجالاً آخر هو مجال الفلسفة، حيث بلغ التأثير الإسلامي في العصر الوسيط من الخطورة قدرًا لم يعد معه بمستطاع أي من خصوم الشرق الأكثر ضراوة أن يتجاهل قوته. وبوسعنا القول محقين بأن أوروبا في ذلك الوقت لم يكن عندها أي سبيل آخر لتحصيل معرفة الفلسفة الإغريقية؛ فالترجمات اللاتينية لكتب أفلاطون وأرسطو التي كانت مستعمَلة آنذاك لم تتم عن الأصول الإغريقية مباشرة، إنما تمت فعلاً عن ترجمات عربية سابقة، مذيلةً بشروح الفلاسفة المسلمين من ذلك العصر، مثل ابن رشد وابن سينا إلخ.

إن فلسفة ذلك العصر، المعروفة باسم الفلسفة "المدرسية" scolastique، تصنَّف عمومًا إلى إسلامية ويهودية ومسيحية. بيد أن الفلسفة الإسلامية هي المنبع الذي استقت منه الفلسفتان الأخريان، وبالأخص الفلسفة اليهودية التي ازدهرت في الأندلس والتي كانت عربية اللسان، كما يمكن لنا أن نتبينه من مصنفات في أهمية مصنفات موسى بن ميمون[5] الذي ألهم الفلسفة اليهودية اللاحقة على مدى قرون عدة حتى اسپينوزا، حيث لا يزال بالإمكان الوقوع عنده على بعض أفكار الفيلسوف القرطبي.

ولكن لا ضرورة للاستمرار في تعداد وقائع يعرفها جميع مَن عندهم بعض إلمام بتاريخ الفكر. إذ من المستحسن، ختامًا، دراسة وقائع أخرى، من رتبة مختلفة تمامًا، يجهلها أغلب العصريين كل الجهل وليس لديهم، في أوروبا بالأخص، أدنى فكرة عنها، في حين أن هذه الأمور، من وجهة نظرنا، ذات فائدة أهم بكثير من جميع المعارف الظاهرة للعلم وللفلسفة. ونقصد بذلك التصوف، بكل ما يلتحق به ويتفرع منه من معارف مشتقة، هي عبارة عن علوم مختلفة كل الاختلاف عن العلوم التي يعرفها العصريون.

ففي الواقع، ليس عند الأوروبيين، في أيامنا هذه، ما من شأنه أن يذكِّر بهذه العلوم؛ لا بل إن الغرب، أكثر من ذلك، يجهل كل شيء عن المعارف الحقيقية، من نحو التصوف ونظائره، في حين كان الأمر على غير ذلك تمامًا في العصر الوسيط؛ وفي هذا المجال أيضًا، يبدو التأثير الإسلامي آنذاك على أنصع ما يكون وأوضحه. فمن السهل جدًّا، في واقع الأمر، اقتفاء آثار هذا التأثير في أعمال ذات معان متعددة كانت الغاية الفعلية منها شيئًا آخر تمامًا غير مجرد صنعة الأدب.

لقد بدأ بعض الأوروبيين أنفسهم يكتشفون شيئًا من هذا القبيل، بالأخص لدى توفرهم على درس قصائد دانتي، لكنْ من غير أن يتوصلوا إلى فهم طبيعتها الحقيقية فهمًا كاملاً. فمنذ بضعة أعوام، قام المستشرق الإسباني دون ميگيل أسين پلاثيوس بوضع مؤلف عن التأثيرات الإسلامية في أعمال دانتي[6]، أثبت فيه أن العديد من الرموز والعبارات التي استعملها الشاعر الفلورنسي قد سبقه إلى استعمالها بعض الصوفية المسلمين، ولاسيما سيدي محيي الدين بن عربي. لكن ملحوظات هذا العلامة، بكل أسف، لم تبيِّن أهمية الرموز المعمول بها.

وهناك أيضًا كاتب إيطالي، توفي مؤخرًا، هو لويجي ڤالِّي، درس أعمال دانتي دراسة أعمق قليلاً، فخلص إلى أن مؤلف الكوميديا الإلهية لم يكن وحده مَن استعمل الطرائق الرمزية المستعمَلة في الشعر الصوفي الفارسي والعربي؛ ففي بلد دانتي وبين معاصريه، كان جميع هؤلاء الشعراء أعضاء في تنظيم سري يدعى "أوفياء المحبة" Fedeli d’amore، كان دانتي نفسه أحد رؤسائه. ولكن حين حاول لويجي ڤالِّي أن ينفذ إلى معاني "لغتهم السرية" الاصطلاحية، تعذر عليه هو الآخر أن يتميز الخاصية الحقيقية لذاك التنظيم أو للتنظيمات الأخرى ذات الطابع نفسه التي تألفت في أوروبا في العصر الوسيط[7]. أما الحقيقة فهي أن شخصيات مجهولة بعينها كانت تقف من وراء هذه الجمعيات وتلهمها، وكانت معروفة بأسماء مختلفة، أهمها اسم "إخوان وردة الصليب". إلى ذلك، لم تكن لدى هؤلاء الأفراد قواعد مكتوبة بتاتًا ولم يؤلفوا جمعية قط، كما لم تكن تجمعهم بتاتًا لقاءات محددة، وكل ما يمكن لنا أن نقول فيهم هو إنهم بلغوا مقامًا روحيًّا يجيز لنا أن نسميهم "صوفية" أوروبيين، أو على أقل تقدير متصوفة حصَّلوا مرتبة عالية من مراتب التصوف. ويقال أيضًا إن "إخوان وردة الصليب" هؤلاء، الذين كانوا "يتسترون" بسلك صنعة البنائين الذين تكلمنا عليهم، علَّموا الكيمياء وغيرها من العلوم المماثلة للعلوم التي كان ازدهارها في العالم الإسلامي آنذاك على أشده. والحق إنهم كانوا يشكلون حلقة من حلقات السلسلة الواصلة بين الشرق والغرب، عاقدين صلة دائمة مع الصوفية المسلمين، وهي صلة ترمز إليها الأسفار المنسوبة إلى مؤسِّسهم الأسطوري[8].

بيد أن هذه الوقائع كلها لم يطلع عليها التاريخ العادي الذي لا تطال استقصاءاته ما هو أبعد من ظاهر الوقائع، في حين أن هاهنا مخبأ المفتاح الحقيقي، إذا جاز التعبير، الذي يتيح حل كثير من الألغاز التي تظل بغيره دائمة الغموض وتبقى رموزها عصية على الفك.


* Études traditionnelles, XII-1950, pp. 337-344 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 76-87. نُشر هذا المقال المكتوب بالعربية رأسًا في مجلة المعرفة.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المنقولات الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أن موقف الاستشراق إجمالاً من الحضارات الشرقية، عمومًا، ومن الحضارة الإسلامية، خصوصًا، قد تطور كثيرًا منذ الوقت الذي كُتِبَ فيه هذا المقال (ثلاثينيات القرن العشرين)، فأصبح أكثر موضوعية وتواضعًا. (المحرِّر)

[2] أغلب الظن أن اسم "الكيمياء" alchimie مشتق من اسم كِمي Kémi (= "أرض السواد") الذي كان يُطلَق على مصر القديمة. والواقع أن تسمية الغرب لهذا العلم بالـ"هرمسية" hermétisme يشير إلى أنه علم مصري الأصل (حيث إن هرمس المثلث بالحِكَم Hermès Trismégistos هو المقابل الإغريقي للإله المصري تحوت Thoth)، ما لبث أن اتخذ، في فترة ازدهار حضارة الإسكندرية على الأغلب، شكلاً إغريقيًّا، وانتقل من بعدُ على هذا الشكل، في العصر الوسيط، إلى كلٍّ من العالمين الإسلامي والمسيحي، وإلى الثاني عن طريق الأول تحديدًا، كما يبرهن عليه العديد من المصطلحات العربية والمعربة التي اعتمدها الهرمسيون الأوروبيون، وذلك على غرار جابر بن حيان الذي يقال إنه درسه على الإمام محمد الباقر الذي أخذه عن النبي إدريس (= هرمس = أخنوخ) عبر سلسلة غير منقطعة من العارفين. (المحرِّر)

[3] ما بين معقوفتين [...] من إضافة المترجم توضيحًا للمقصود. (المحرِّر)

[4] الواقع أن اعتماد إخوان الصفاء، مثلاً لا حصرًا، المصطلحات اليونانية معربةً لتسمية أنواع العلوم الرياضية الأربعة (العدد والهندسة والفلك والموسيقى)، بالإضافة إلى الجغرافيا، يؤكد جزمًا أخذ الحضارة الإسلامية إياها عن الإغريق (راجع: رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء، الرسائل 1-5 من القسم الرياضي، مج 1، دار صادر، بلا تاريخ). (المحرِّر)

[5] راجع: إسرائيل ولفنسون، موسى بن ميمون: حياته ومصنفاته، لجنة التأليف والترجمة والنشر (نسخة بالأوفست عن طبعة القاهرة، 1935)، ص 57 وما يليها. (المحرِّر)

[6] Cf. Miguel Asín Palacios, La escatología musulmana en la Divina Comedia, seguida de la Historia y crítica de una polémica, Tercera edición, Instituto Hispano Árabe de Cultura, Madrid, 1961.

[7] Cf. René Guénon, L’ésotérisme de Dante, Paris, Gallimard, 1957.

[8] راجع: أكرم أنطاكي وديمتري أڤييرينوس، "قصة أسطورة: الوردة+ الصليب"، سماوات: http://samawat.org/essays/rosa_crucis_aaantaki_dna. (المحرِّر)

الخلق والتجلي - رونيه گينون

الأحد, كانون الثاني 17th, 2010

الخلق والتجلِّي*

رونيه گينون**

سبق لنا أن لفتنا النظر، في مناسبات عدة، إلى أن فكرة "الخلق" création، – إذا كان المراد فهمها بمعناها الصحيح والدقيق، ومن غير أن يُسرَف في مدلولها إلى حدٍّ قد يزيد عنه أو ينقص، – لا تصادَف في الواقع إلا في منقولات تنتمي إلى خط واحد، هو الخط المؤلف من اليهودية والمسيحية والإسلام. ولما كان هذا الخط هو خط الأشكال النقلية التي يصح القول فيها بأنها "دينية" بحصر المعنى، لا بدَّ أن يُستنتَج من ذلك وجودُ صلة مباشرة بين هذه الفكرة وبين وجهة النظر الدينية نفسها. ففي كل مكان آخر، من شأن كلمة "خلق"، إذا ما تمسكنا باستعمالها في حالات بعينها، أن تؤدي حتمًا تأدية شديدة الغلط فكرةً مختلفةً يفضَّل لتأديتها إيجادُ تعبير آخر. على كل حال، ليس هذا الاستعمال على الأغلب، في واقع الأمر، إلا نتيجة واحد من هذه الالتباسات أو هذه المماثَلات المغلوطة التي كثيرًا ما يقع فيها أهل الغرب في كل ما يتعلق بالمذاهب المشرقية. بيد أنه لا يكفي تفادي الوقوع في هذا الالتباس، إنما يجب إيلاء حرص مماثل لتجنُّب غلط آخر معاكس، ألا وهو الإصرار على رؤية تناقُض أو تضاد ما بين فكرة الخلق وبين هذه الفكرة الأخرى التي ألمحنا إليها لتوِّنا والتي أصح مصطلح بحوزتنا لتأديتها هو "التجلِّي" manifestation؛ وهذه النقطة الأخيرة هي التي نعتزم التوسع فيها في هذا المقال.

إن بعض القوم، بالفعل، إذ يقرُّون بأن فكرة الخلق غير موجودة في المذاهب المشرقية (ماعدا الإسلام الذي لا يجوز، بطبيعة الحال، إقحامُه ضمنها بهذا الصدد)، سرعان ما يزعمون، ومن غير أن يحاولوا التوغل في عمق الأمور، بأن غياب هذه الفكرة إنما هو علامة على وجود نقص أو خلل، ليخلصوا من ذلك إلى أن المذاهب المقصودة لا يجوز أن تُعتبَر تعبيرًا ملائمًا عن الحقيقة. ولئن صح هذا على أهل الفريق الديني، حيث غالبًا ما يغالى في التأكيد على "حصرية" مؤسفة، تراه يصح كذلك على بعضهم من أهل الفريق المناوئ للدين ممن يصرون أن يستخلصوا، من المعاينة نفسها، نتائج معاكسة تمامًا: فهؤلاء، بطبيعة الحال، إذ يهاجمون فكرة الخلق هجومهم على جميع الأفكار الأخرى من رتبة الدين، يتظاهرون بأنهم يرون في غيابها نفسه نوعًا من التفوق؛ وهم، بالطبع، لا يفعلون ذلك في الواقع إلا بدافع الرفض والمعارضة، وليس البتة دفاعًا حقًّا عن المذاهب المشرقية التي لا يكترثون بها بتاتًا. أيًّا ما كان الأمر، فإن هذه المآخذ وهذه المدائح عديمة القيمة وغير مقبولة على حدٍّ سواء، من حيث إنها جميعًا تصدر في الحاصل عن الغلط إياه، إنما مستغَلاً تبعًا لنوايا متعاكسة، طبقًا للميول الخاصة بالذين يرتكبونه؛ والحقيقة هي أن حجة كلا الفريقين واهية لا سند لها، وأن الحالتين تعكسان عدم فهم يكاد أن يكون متساويًا عند كليهما.

ولا يبدو سبب هذا الضلال المشترك، إلى ذلك، عصيًّا على الاكتشاف: فالذين لا يتخطى أفقهم العقلي التصورات الفلسفية الغربية يتخيلون عادة أنه حيثما لا يمت الأمر إلى الخلق، وحيث يبدو مع ذلك جليًّا، من ناحية أخرى، أنه لا يتعلق بنظريات مادية، لا يمكن الوقوع إلا على "الحلولية" panthéisme. بيد أنه معلوم إلى أي حدٍّ باتت هذه الكلمة، في زماننا، غالبًا ما تُستعمَل خبط عشواء: فهي عند بعضهم تمثل فزاعة حقيقية، حتى إنهم يظنون أنفسهم مَعفيِّين من الفحص الجدي عن الشيء الذي يسارعون إلى تطبيقها عليه (واستعمال تعبير "الوقوع في الحلولية" بهذا الشيوع دليل مميِّز بهذا الخصوص)، في حين أن بعضهم الآخر – على الأرجح لهذا السبب بالذات أكثر منه لأي دافع آخر – يتبنونها عن طيب خاطر، وهم متأهبون تمامًا لاتخاذها نوعًا من الراية التي يلوحون بها. ومنه، من الواضح نوعًا ما أن ما قلناه لتوِّنا يرتبط وثيق الارتباط، في فكر كلا الفريقين، بتهمة "الحلولية" التي تُرمى بها عمومًا تلك المذاهب المشرقية بعينها والتي يعفينا تبياننا المتكرر لضلالها التام، بل وحتى لعدم معقوليتها (بما أن الحلولية في واقع الأمر نظرية ضد ميتافيزيقية أساسًا)، من لزوم الوقوف عندها مرة أخرى أيضًا[1].

بما أن المناسبة ساقتنا إلى الكلام على الحلولية، سننتهزها لنبدي على الفور ملحوظة، تتصف هنا بشيء من الأهمية، بخصوص كلمة معينة من عادة القوم أن يقرنوها بالتصورات الحلولية: هذه الكلمة هي كلمة "صدور" émanation التي يصر بعضهم – للأسباب عينها أيضًا ومن جراء الالتباسات عينها – على استعمالها للإشارة إلى التجلِّي حين لا يتبدى في صورة الخلق. بيد أن هذه الكلمة، على الأقل حين توصف بها المذاهب النقلية الأرثوذكسية حصرًا، يجب إقصاؤها إقصاءً مطلقًا، ليس بسبب هذا الاقتران المؤسف فقط (وسيان إنْ كان له في الواقع ما يبرِّره عمقيًّا إلى حدٍّ ما أو لا، فالأمر لا يهمُّنا فعليًّا)، لكنْ بالأخص لأنها، بحدِّ ذاتها وبحدِّ مغزاها الاشتقاقي، لا تعبِّر حقيقةً عن شيء آخر غير محض استحالة. وبالفعل، فإن فكرة "الصدور" هي حصرًا فكرة "خروج"؛ لكنما يجب عدم النظر في التجلِّي من أي وجه على هذا النحو، إذ ما من شيء يمكن له حقًّا أن "يخرج" من المبدأ: فلو قُيِّض لأي شيء أن يخرج منه، لما عاد يجوز لهذا المبدأ، إذ ذاك، أن يكون لانهائيًّا، ولَتحدَّد بواقع التجلِّي بالذات؛ فالحقيقة هي أنه لا يوجد خارج التجلِّي، ولا يمكن لشيء أن يوجد خارجه، إلا العدم المحض. وحتى لو أراد القوم النظر إلى "الصدور"، لا من حيث المبدأ الأعلى اللانهائي، لكنْ من حيث الوجود Être – المبدأ المباشر للتجلِّي – وحسب، لأثار هذا المصطلح اعتراضًا، وإنْ يكن مختلفًا عن الاعتراض السابق، فهو ليس أقل حسمًا: فلو اتفق للموجودات أن "تخرج" من الوجود لكي تتجلى، لما جاز القول بأنها موجودات حقًّا، ولعدمت حصرًا كل كون existence، حيث إن الكون، أيًّا ما كانت كيفيته، لا يمكن له أن يكون شيئًا آخر غير تطبُّع بالوجود؛ وهذه النتيجة، فضلاً عن كونها بوضوح غير معقولة بحدِّ ذاتها (كما في الحالة الأخرى)، تتناقض أصلاً مع فكرة التجلِّي نفسها.

أما وقد سقنا هذه الملحوظات، سنقول بصريح العبارة إن فكرة التجلِّي، كما تنظر إليها المذاهب المشرقية نظرة ميتافيزيقية بحتة، لا تتعارض بتاتًا مع فكرة الخلق؛ بل الصحيح أن الفكرتين تعودان فحسب إلى مستويين مختلفين وإلى وجهتَي نظر مختلفتين، بحيث تكفي معرفة موقع كلٍّ منهما في مكانها الحقيقي حتى يتبين أنه لا يوجد بينهما أي تنافُر. فالاختلاف هاهنا، كالاختلاف على العديد من النقاط الأخرى، ليس في الحاصل إلا الاختلاف إياه بين وجهتَي النظر الميتافيزيقية والدينية؛ ولئن صح أن وجهة النظر الأولى من رتبة أعلى من الثانية وأعمق، لا يقل صحة أنها لا يجوز بتاتًا أن تعطل الثانية أو أن تُناقضها؛ وحسبنا برهانًا على ذلك أن كلتاهما جميعًا يمكن لهما فعلاً أن توجدا سوية ضمن الشكل النقلي نفسه (ستكون لنا على كل حال عودة إلى ذلك لاحقًا). فالأمر، من حيث العمق، ما هو إذن إلا اختلاف ليس، على كونه من درجة أكثر تشديدًا بسبب التباين الواضح جدًّا بين المجالين الموافقين، أكثر خرقًا للمألوف ولا أكثر إحراجًا من الاختلاف بين وجهتَي النظر المتباينتين اللتين يجوز شرعًا اتخاذ كلٍّ منهما في مجال بعينه، وذلك تبعًا لدرجة عمق التوغل فيه. تخطر ببالنا هنا، مثلاً، وجهتا نظر من نحو وجهتَي نظر شنكراتشاريا ورامانوجا بخصوص الـڤيدنتا[2]؛ فالصحيح أن عدم الفهم أصر، هناك أيضًا، أن يجد تناقضات لا أساس لها من الصحة في الواقع؛ لكن ذاك بالذات ليس من شأنه إلا أن يجعل المقايسة أدق وأتم.

إلى ذلك، يجدر التدقيق في معنى فكرة الخلق بالذات، من حيث إنها، هي الأخرى، تفسح في المجال أحيانًا لشتى ضروب سوء الفهم: إذا كان فعل "خَلَقَ" مرادفًا لـ"أوجَد من عدم"، وذلك تبعًا للتعريف المقبول بالإجماع، ولكنْ غير الموضح كفاية ربما، يجب قطعًا أن نعني به، قبل كل شيء، عدم وجود شيء خارج المبدأ؛ بعبارة أخرى، فإن المبدأ، وإنْ يكن "خالقًا"، غني بذاته، فلا حاجة له إلى الاستعانة بنوع من "الجوهر" substance الواقع خارج ذاته والمتصف بكون مستقل إلى حدٍّ ما، الأمر الذي يبقى في الحاصل – والحق يقال – غير قابل للتصور. ومنه، نرى على الفور أن العلة الأولى لوجود مثل هذه الصياغة هي التأكيد صراحة أن المبدأ ليس البتة مجرد "ديميورغوس" Démiurge ["إله مصوِّر"[3]] (وهنا لا حاجة للتمييز إنْ كان المقصود هو المبدأ الأعلى أو هو الوجود، لأن ذلك يصح على كلتا الحالتين على حدٍّ سواء)؛ غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن كل تصوُّر "ديميورجي" هو تصوُّر مغلوط جذريًّا؛ لكنه، على كل حال، تصوُّر لا يجوز أن يطبَّق إلا على مرتبة أدنى بكثير تُوافق وجهة نظر أضيق بكثير؛ تصوُّر، إذ لا يقع إلا في طور معين ثانوي من السيرورة الكوسموغونية[4]، تراه لا يعود يمس المبدأ ولا ومن وجه. والآن، إذا تقيد القوم بالكلام على "الإيجاد من عدم" من غير مزيد من التدقيق، كما جرت العادة، فثمة خطر آخر لا مناص من تفاديه: ألا وهو النظر إلى هذا "العدم" بوصفه نوعًا من المبدأ الذي، وإنْ يكن سلبيًّا أغلب الظن، يصدر عنه بالفعل الكونُ المتجلِّي؛ إذ إن في ذلك عودة إلى ضلالة تكاد أن تكون مشابهة للضلالة التي أرادوا الاحتراس منها بنسبتهم إلى "العدم" ذاك نوعًا من "الجوهرية"؛ وهذه الضلالة، بمعنى ما، قد تكون أفدح حتى من الأخرى، من حيث إنه ينضاف إليها تناقُض صوري، هو عبارة عن إضفاء حقِّية ما على "العدم"، أي في الحاصل على عدم الوجود. فإنْ زعم القوم، تفاديًا لهذا التناقض، أن "العدم" المقصود ليس العدم المحض، بل إنه ليس عدمًا إلا بالنسبة إلى المبدأ، لارتكبوا بذلك أيضًا غلطًا مزدوجًا: فهم يفترضون هذه المرة، من ناحية، وجود شيء يتصف بالحقِّية فعلاً خارج المبدأ، وعندئذ لا يعود هناك أي اختلاف حقيقي مع التصور "الديميورجي" نفسه؛ وهم يتجاهلون، من ناحية أخرى، أن الموجودات ليست صادرة بتاتًا عن هذا "العدم" النسبي عبر التجلِّي، من حيث إن المنتهي لا يكف أبدًا عن كونه معدومًا بحتًا في مرأى من اللانهاية.

في ما قيل لتوِّه، وفي كل ما قد يقال غيره بخصوص فكرة الخلق أيضًا، ثمة، من حيث الطريقة التي يُنظَر بها في التجلِّي، شيء ناقص، لكنه مع ذلك أساسي للغاية: إنه بالذات مفهوم الإمكان possibilité الذي لا يظهر فيها؛ لكن هذا – فليُلحظْ جيدًّا – ليس مأخذًا البتة، ومثل هذه النظرة، على كونها ناقصة، ليست بذلك أقل شرعية، لأن مفهوم الإمكان هذا، في حقيقة الأمر، لا موجب لتدخُّله إلا حين تُتَّخذ وجهةُ النظر الميتافيزيقية، بينما ليست وجهة النظر هذه، كما سبق لنا أن قلنا، هي المتخَذة حين يُنظر في التجلِّي على أنه خلق. فالتجلِّي – ميتافيزيقيًّا – يفترض سلفًا بالضرورة وجود ممكنات معينة قادرة أن تتجلى؛ لكنه إذا انبثق هكذا عن الإمكان، لا يجوز أن يقال بأنه يأتي من "العدم"، لأن من الواضح أن الممكن ليس "معدومًا". رُبَّ معترض يقول: ألا يناقض ذلك بالدقة فكرة الخلق ["الإيجاد من عدم"]؟ والجواب سهل للغاية: جميع الممكنات محتواة في الممكن الكلِّي الذي ليس إلا واحدًا مع المبدأ بذاته؛ وإذن ففيه بالذات، في المحصلة، تكون هذه الموجودات محتواة حقًّا على حالها الدائمة ومنذ الأزل؛ ولو كان الأمر على غير ذلك في الواقع، لكانت عندئذ في حقيقة الأمر "عدمًا"، ولما صح الكلام أصلاً على "ممكنات". ومنه، إذا كان التجلِّي ينبثق عن هذه الممكنات أو عن بعضها (ولنذكِّر هنا أنه، فضلاً عن ممكنات التجلِّي، لا بدَّ أيضًا من النظر في ممكنات عدم التجلِّي، في المبدأ الأعلى على الأقل، ولكنْ ليس بعدُ حين يقتصر الكلام على الوجود)، فهو لا يأتي من شيء يكون خارج المبدأ؛ وذلك بالضبط المعنى الذي أقررنا به لفكرة الخلق مفهومةً حقَّ فهمها، بحيث إن وجهتَي النظر ليستا عمقيًّا قابلتين للتوفيق بينهما وحسب، بل هما حتى على توافُق تام. إلا أن الفارق بينهما يتلخص في أن وجهة النظر التي تعود إليها فكرة الخلق لا تنظر في أي شيء يتعدى التجلِّي، أو على الأقل لا تنظر إلا في المبدأ من غير مزيد من التعمق، لأنها مازالت بعدُ وجهة نظر نسبية، بينما من وجهة النظر الميتافيزيقية، على العكس، يكون ما هو ضمن المبدأ، أي الإمكان، هو الأساس في الواقع، وهو ما يهم أكثر بكثير من التجلِّي بحدِّ ذاته.

يجوز قولنا، في المحصلة النهائية، بأننا بصدد تعبيرين مختلفين عن حقيقة واحدة، شريطة أن نضيف، بالطبع، أن هذين التعبيرين يوافقان وجهين أو وجهتَي نظر هما في واقع الحال مختلفتين حقًّا؛ ولكن يحق للمرء عندئذ أن يتساءل إنْ لم يكن أتم هذين التعبيرين وأعمقهما كافيًا تمامًا، وما هي علة وجود التعبير الآخر: إنها، بادئ ذي بدء وعلى وجه العموم، علة وجود كل وجهة نظر ظاهرية exotérique بالذات، بوصفها صياغة للحقائق النقلية المقتصرة على ما لا غنى عنه للبشر قاطبة وفي الوقت نفسه متاح لهم من غير تمييز. ومن ناحية أخرى، فيما يتعلق بالحالة الخاصة التي نحن بصددها، قد توجد دوافع "سانحة"، إذا جاز القول، تخص أشكالاً نقلية بعينها، وذلك بسبب الظروف العَرَضية التي يجب أن تتكيف معها والتي تتطلب احتراسًا صريحًا من أي تصوُّر لأصل التجلِّي بكيفية "ديميورجية"، في حين أن اتخاذ حيطة مشابهة قد يكون غير ضروري مطلقًا في مكان آخر. غير أن المرء، حين يلحظ أن فكرة الخلق ملازمة بالدقة لوجهة النظر الدينية حصرًا، قد يسوقه هذا إلى التفكير في ضرورة وجود شيء آخر أيضًا؛ وهذا ما بقي علينا أن نفحص عنه الآن، حتى إذا لم يكن ممكنًا لنا التوسع في جميع القضايا التي قد يتيح هذا الجانب من المسألة الدخول فيها.

سيان إنْ كان المقصود هو التجلِّي منظورًا إليه ميتافيزيقيًّا أو كان الخلق، فإن الاتكال التام للموجودات المتجلِّية على المبدأ، في كل ما هي عليه حقًّا، مؤكَّد عليه، في وضوح وصراحة على حدٍّ سواء، في كلتا الحالتين؛ إنما مقدار الدقة التي يُنظَر بها في هذا الاتكال في كلٍّ منهما هو الذي يُظهر فارقًا مخصوصًا، يوافق بدقة شديدة الفارق بين وجهتَي النظر المذكورتين. فهذا الاتكال، من وجهة النظر الميتافيزيقية، هو في الوقت نفسه "تطبُّع" participation: فالموجودات كلها، بمقدار ما فيها من الحقِّية في ذاتها، متطبِّعة بالمبدأ، بما أن كل حقِّية مستمَدة منه أصلاً؛ إلى ذلك، لا يقل صحة أن هذه الموجودات، بوصفها عَرَضية ومحدودة، شأنها شأن التجلِّي بأسره التي هي جزء منه، معدومة بالنسبة إلى المبدأ، كما قلنا أعلاه؛ لكن ثمة في هذا التطبُّع شيء من قبيل الصلة مع المبدأ – وبالتالي، صلة بين المتجلِّي وغير المتجلِّي – هي التي تتيح للموجودات تخطِّي شرط النسبية الملازم للتجلِّي. أما وجهة النظر الدينية فهي، على العكس، تصر بالحري على العدمية التي تتصف بها الموجودات المتجلِّية، وذلك لأن وجهة النظر هذه، بحُكم طبيعتها، ليس من شأنها أن تقودها إلى ما يتعدى شرط التجلِّي؛ وهي تتضمن النظر إلى الاتكال من منظار يوافقه عمليًّا موقف العبودية servitude، على حدِّ الاصطلاح العربي الذي لا يؤديه معنى الكلمة الفرنسية المقابلة له، أغلب الظن، إلا تأدية ناقصة نوعًا ما بهذا المؤدى الديني حصرًا، لكنه يؤديه بما يكفي للسماح بفهمه فهمًا أفضل مما تفعل كلمة adoration (التي تقابل في الواقع بالأحرى مصطلحًا آخر مشتقًّا من الجذر [العربي] نفسه: العبادة)؛ مهما يكن من أمر، فإن حال العبد، منظورًا إليها على هذا النحو، هي حصرًا شرط "المخلوق" حيال "الخالق".

ومادمنا قد استعرنا لتوِّنا مصطلحًا من لغة المنقول الإسلامي، فلنضف ما يلي: لا يجرؤ أحد جزمًا على التشكيك في أن الإسلام، من حيث وجهه الديني أو الظاهر، يقول بالخلق، على أقل تقدير بقدر ما يمكن للمسيحية نفسها أن تقول به؛ ومع ذلك، فهذا لا يحول بتاتًا دون الإسلام، في وجهه الباطن ésotérique، ووجودَ مستوى معين تختفي فكرة الخلق اعتبارًا منه. كذا فإن هناك عبارة يكون الصوفي (وليُنتبَه جيدًا إلى أن المقصود هنا ليس مجرد متصوف) تبعًا لها منزهًا عن الخلق: "الصوفي لم يُخلَق"؛ ومؤدى هذا القول هو أن حاله تتعدى شرط "المخلوق". فالصوفي، بالفعل، بوصفه قد تحقق بـ"الهوية المطلقة" Identité Suprême، وبالتالي، اتحد فعلاً بالمبدأ غير المخلوق، لا يمكن له بالضرورة أن يكون إلا "غير مخلوق". إن وجهة النظر الدينية، هاهنا، قد تم تخطيها بما لا يقل ضرورة، لتحل محلها وجهة النظر الميتافيزيقية البحتة؛ ولكن إذا كان جائزًا لوجهتَي النظر كلتيهما أن تتوازيا على هذا النحو في المنقول إياه، كلٍّ منهما على المرتبة التي تناسبها وفي المجال الموافق لها حصرًا، فذاك يبرهن بكل وضوح أنهما غير متعارضتين أو غير متناقضتين من أي وجه.

نحن نعلم أن من المحال أن يوجد تناقُض فعلي، إنْ ضمن المنقول الواحد وإنْ بين هذا المنقول وبين المنقولات الأخرى، بما أن هذه كلها ليست إلا تعبيرات متنوعة عن الحقيقة الواحدة. فإذا عنَّ لأحدهم أن يرى بينها تناقضات ظاهرية، أفليس عليه أن يستنتج من ذلك، بكل بساطة، أن ثمة في الأمر شيئًا لا يفهمه حق فهمه أو يفهمه فهمًا ناقصًا، بدلاً من أن يدعي رمي المذاهب النقلية نفسها بعيوب ليست موجودة، في الواقع، إلا من جراء قصوره العقلي هو؟

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Études traditionnelles, X-1937, pp. 325-333 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 88-101.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المنقولات الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] بخصوص الحلولية، راجع: ابن عربي، "الرسالة الوجودية"، بتقديم ديمتري أڤييرينوس: "التصوف والحلولية"، سماوات: http://samawat.org/texts/epistle_of_unity_ibn_arabi. (المحرِّر)

[2] كلمة ڤيدنتا Vēdanta السنسكريتية تعني "غاية الڤيدا" وتشير إلى تأويل الحقيقة الكلية، المعبَّر عنها في أسفار الڤيدا، في ضوء الأوپنشاد؛ والڤيدنتا هو أحد المذاهب الستة الكبرى في المنقول الهندوسي. يُعَد شنكراتشاريا ("المعلم شنكرا"، 788-820) صاحب مذهب أدڤيتا advaita ("التوحيد المنزِّه" أو اللاثنوي) في الڤيدنتا الذي يشدد على الوحدة بين الذات أو الروح الفردية (آتمن Ātman) وبين الحق المطلق (برهمن Brahman)؛ أما رامانوجا (ت 1137)، فهو صاحب مذهب ڤششتادڤيتا vishishtadvaita ("التوحيد المشبِّه") الذي يعلِّم أن المرء، إذا سلَّم أمره لمشيئة الحق، يستطيع أن ينال ببركته الخلاص. بعبارة أخرى، يقول شنكرا، بالمصطلح الإسلامي، بوحدة الحق والخلق (= "وحدة الوجود" الأكبرية) من منطلق خبرته العرفانية (جنيانا jñāna)، بينما يقول رامانوجا بالاثنينية من منطلق خبرته التعبدية (بهكتي bhakti). كتب كلاهما، في ضوء مذهبه، شروحًا على أسفار الـبرهماسوترا والأوپنشاد والـبهگڤدگيتا. (المحرِّر)

[3] ما بين معقوفتين [...] من إضافة المترجم توضيحًا للمقصود. والديميورغوس dêmiourgos: تسمية تشير في الأفلاطونية والغنوصية إلى الإله الأدنى الذي شكَّل العالم وصوَّره. (المحرِّر)

[4] الكوسموغونيا kosmogonia: من اليونانية، كوسموس kosmos، "العالم"، وغونوس gonos، "نشوء"؛ والمقصودة هي السيرورة المتدرجة لنشأة الكون على أطوار ومراتب. (المحرِّر)

علم الكف في التصوف الإسلامي - رونيه گينون

الأثنين, كانون الأول 21st, 2009

علم الكف في التصوُّف

الإسلامي*

رونيه گينون**

أتيحَ لنا في مناسبات عدة أن نبيِّن إلى أي حدٍّ صار تصوُّر "العلوم النقلية" sciences traditionnelles، في الأزمنة الحديثة، غريبًا بنظر أهل الغرب، وإلى أي حدٍّ بات صعبًا عليهم فهمُ طبيعتها الحقيقية. ولقد وقعنا، مؤخرًا، على مثال على عدم الفهم هذا في دراسة مخصصة لمحيي الدين بن عربي، استغرب كاتبها أن يجد عند الشيخ الأكبر، إلى جانب المذهب الروحي الخالص، استطرادات عديدة في النجامة astrologie، في علم الحروف وحساب الجُمَّل، في الهندسة الرمزية، وفي أمور أخرى عديدة من الرتبة عينها، يبدو أنه ارتأى أنها لا تمتُّ بقربى إلى هذا المذهب. والواقع أنه وقع في التباس مزدوج: إذ إنه قدَّم أيضًا الجانب الروحي حصرًا من تعليم سيدي محيي الدين بالذات على أنه "سرَّاني" mystique، في حين أنه تعليم ميتافيزيقي ومُسارَري initiatique أساسًا[1]؛ فلو كان المقصود عبارة عن "سرَّانية"، لما كان له بالفعل متاتٌ بقربى إلى أي "علوم"، مهما تكن. بينما، على العكس، بمجرد أن يتعلق الأمر بعقيدة ميتافيزيقية، فإن هذه العلوم النقلية (التي يجهل كاتبنا قيمتها، في واقع الأمر، جهلاً تامًّا، وذلك تبعًا للحكم المسبق المُحدَث المألوف) تُشتق من هذه العقيدة اشتقاقًا سويًّا، مثلما تُشتق النتائج من المبدأ، وهي، بهذه المثابة، أبعد ما تكون عن تمثيل عناصر دخيلة وغير متجانسة، إذا جاز القول، بل هي جزء لا يتجزأ من التصوف، أي من جملة المعارف المُسارَرية.

معظم هذه العلوم النقلية اليوم ضاع على أهل الغرب ضياعًا تامًّا، وهم لا يعرفون مما تبقى منها غير بقايا متفاوتة في الابتسار، متدنِّية غالبًا، إلى حدِّ أنها اتخذت هيئة وصْفات تجريبية أو مجرد "فنون تكهنية" arts divinatoires، مجردة بطبيعة الحال من كل قيمة عقيدية. وحتى نُفهم [قارئنا][2] من خلال مثال مقدارَ بُعد مثل هذه الطريقة في النظر إليها عن حقيقة الأمر، سنورد فيما يلي بضعة دلائل على ماهية علم الكف chirologie في التصوف الإسلامي؛ وهو علم ليس في الواقع غير فرع واحد من فروع علم الفراسة physiognomonie العديدة، مع أن هذه الكلمة [الفرنسية]، نظرًا لعدم وجود مصطلح أفضل، لا تؤدي بالدقة كل إحاطة المصطلح العربي الذي يدل على جملة هذه المعارف[3].

يرتبط علم الكف، في شكله الإسلامي، مهما بدا ذلك غريبًا بنظر الذين يعدمون أي مفهوم عن هذه الأمور، بعلم الأسماء الإلهية ارتباطًا مباشرًا: يرسم تنسيق الخطوط الرئيسية على كف اليد اليسرى العدد 81 وعلى كف اليد اليمنى العدد 18، أي ما مجموعه 99، عدد أسماء الله الصفاتية. أما اسم "الله" نفسه، فتشكِّله الأصابع على النحو التالي: الخنصر يقابل الألف، البنصر يقابل اللام الأولى، الوسطى والسبابة تقابلان اللام الثانية، المشددة، والإبهام يقابل الهاء (التي يجب أن تُرسَم، طبقًا للأصول، على صورتها "المفتوحة")؛ وذاك هو السبب الرئيسي لاستعمال اليد كرمز، ولانتشاره كل هذا الانتشار في جميع الأقطار الإسلامية (حيث يشير سبب ثانوي إلى العدد 5، ومنه اسم "خُمْس" الذي يُطلَق أحيانًا على هذه اليد الرمزية). وبذلك يمكن لنا أن نفهم هذا القول من سفر سيدنا أيوب: "… فيختم على يد كل بشر ليعلَم البشرُ ما صَنَعَه" (أيوب 37: 7)؛ ولنضف بأن هذا لا يعدم صلةً بدور اليد الأساسي في شعائر التبريك والتكريس[4].

"خمس" نموذجي من مصر، مرسومة في وسطه "شجرة الحياة".

من ناحية أخرى، فإن من المعلوم عمومًا وجود تقابُل بين مختلف أجزاء اليد وبين الكواكب؛ وهذا التقابل قد حافظ عليه علم الكف الغربي نفسه، لكنْ بطريقة لم يعد يستطيع أن يرى فيه من خلالها غير مجرد تسميات اتفاقية، في حين أنه، في واقع الأمر، يعقد صلة فعلية بين علم الكف والنجامة. بالإضافة إلى ذلك، فإن كل فلك من أفلاك الكواكب السبعة يقوم عليه واحد من الأنبياء الكبار ويكون منه بمثابة "القطب"؛ والصفات والعلوم التي تعود بالأخص إلى كلٍّ من هؤلاء الأنبياء على علاقة مع التأثير النجمي الموافق. أما جدول أقطاب الأفلاك السبعة فهو التالي:

الفلك

النبي القطب

فلك القمر

سيدنا آدم

فلك عطارد

سيدنا عيسى

فلك الزهرة

سيدنا يوسف

فلك الشمس

سيدنا إدريس

فلك المريخ

سيدنا داود

فلك البرجيس [المشتري]

سيدنا موسى

فلك الكيوان [زحل]

سيدنا إبراهيم

ويختص سيدنا آدم بالفلاحة (راجع سفر التكوين 2: 15: "وأخذ الربُّ الإله الإنسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها")؛ سيدنا عيسى بالمعارف من رتبة روحية خالصة؛ سيدنا يوسف بالجمال والفنون؛ سيدنا إدريس بالعلوم "الوسيطة"، أي العلوم من رتبة كوسمولوجية ونفسانية؛ سيدنا داود بالحُكم والإمامة؛ سيدنا موسى، الذي يقترن به دومًا أخوه سيدنا هارون، بأمور الدين بوجهيه: الشرع والعبادات؛ سيدنا إبراهيم بالإيمان (الذي بخصوصه يجب الربط بين هذا التقابل مع الفلك السابع وبين ما ذكرناه مؤخرًا بخصوص دانتي، من حيث مقامه في أعلى درجات السلَّم المُسارَري السبع [للتنظيم الهيكلي المعروف في وقته بـ"الإيمان المقدس" Fede Santa الذي يقال إن الشاعر، مؤلِّف الكوميديا الإلهية، كان من رؤسائه، على رتبة قدوش Kadosch، وهي كلمة عبرية تعني "قدوس" أو "مكرَّس"][5]).

رسم مأخوذ من مخطوط وسيطي يمثل الحاج الزاهد وقد بلغ في معراجه "فلك النجوم الثابتة" وأطل منه على "الفلك المحيط"، حيث صار بإمكانه معاينة "المحرك الأول" (ممثلاً بالعجلة) الذي يدير حركة الكون بأسره في الاتجاهات كلها.

بالإضافة إلى ما سبق، يتوزع حول هؤلاء الأنبياء الكبار، على أفلاك الكواكب السبعة، الأنبياء الآخرون المعلومون (أي الواردة أسماؤهم في القرآن الكريم، وعددهم 25) والمجهولون (أي جميع الآخرين، حيث عدد الأنبياء وفقًا لما يورده المأثور هو 124000).

والأسماء الـ99 التي تعبِّر عن الصفات الإلهية موزعة هي الأخرى تبعًا لهذا السباعي: 15 على فلك الشمس، نظرًا لموقعه المركزي، و14 على كلٍّ من الأفلاك الستة الأخرى: 15 + (6 في 14) = 99. وقراءة العلامات على جزء اليد المقابل لأحد الكواكب تدل على نسبة (س/14 أو س/15) اتصاف الفرد بالصفات العائدة لهذا الكوكب؛ وهذه النسبة عينها توافق عددًا مساويًا (س) من الأسماء الإلهية بين الأسماء الخاصة بالفلك الكوكبي المقصود؛ وهذه الأسماء يمكن فيما بعد تعيينها بواسطة حساب هو في الواقع طويل للغاية وشديد التعقيد.

رسم يمثل خطوط اليد وعلاقة أجزائها بالكواكب والبروج.

ولنضف أنه في ناحية المعصم، فوق اليد بحصر المعنى، يتوضع التقابل مع الفلكين الأعليَين، فلك النجوم الثابتة والفلك المحيط، اللذين، مع أفلاك الكواكب السبعة، يُتمان العدد 9[6]. إلى ذلك، تقع في مختلف أجزاء اليد البروج signes du Zodiac الـ12، ذات العلاقة مع الكواكب التي تشغل هذه البروج (برج واحد لكلٍّ من الشمس والقمر، برجان اثنان لكلٍّ من الكواكب الخمسة الأخرى)، وكذلك أشكال علم الرمل[7]؛ إذ إن جميع العلوم النقلية وثيقة الارتباط بعضها ببعض.

مخطوط يبين أشكال علم الرمل في علاقتها مع الطبائع الأربعة والجهات الأربع والحروف.

تدل قراءة اليد اليسرى على طبيعة الفرد، أي على جملة الميول والاستعدادات أو الإمكانات التي تكوِّن بنوع ما صفاته الفطرية. وتعرِّف قراءة اليد اليمنى بصفاته المكتسَبة؛ وهذه تتغير في الواقع تغيرًا مستمرًّا، بحيث إن القيام بدراسة موصولة يحتم إعادة هذه القراءة كل أربعة أشهر. وفترة الشهور الأربعة هذه تؤلف، بالفعل، دورة تامة، بمعنى أنها تفضي للعودة إلى برج يوافق الطبع [العنصر] نفسه الذي جرى الانطلاق منه؛ ومعلوم أن هذا التوافق مع الطبائع [العناصر] يجري بحسب الترتيب المتوالي التالي: نار، تراب، هواء، ماء. فمن الغلط إذن أن يُظن، كما فعل بعضهم، أن الفترة المقصودة لا يجوز أن تكون غير ثلاثة أشهر، لأن فترة الشهور الثلاثة توافق فصلاً فحسب، أي جزءًا من الدورة السنوية، وهي ليست بحدِّ ذاتها دورة تامة.

تبيِّن الدلائل القليلة السابقة، على إيجازها، كيف أن العلم النقلي الناشئ نشأة نظامية يرتبط بالمبادئ من رتبة عقيدية ويتوقف عليها تمامًا؛ ومن شأنها، في الوقت نفسه، أن تُفهم ما سبق لنا أن قلناه مرارًا وتكرارًا من أن علمًا كهذا مُحكم الارتباط بشكل نقلي معين، بحيث إنه غير قابل للاستعمال مطلقًا خارج نطاق الحضارة التي أنشِئ من أجلها على هذا الشكل بعينه. فهاهنا، على سبيل المثال، من شأن الاعتبارات العائدة للأسماء الإلهية والأنبياء – وهي بالدقة الاعتبارات التي يقوم عليها كل ما تبقَّى – ألا تكون قابلة للتطبيق خارج نطاق العالم الإسلامي حصرًا، مثلما أن حساب النيم calcul onomantique، كمثال آخر، المستعمَل إما على حدة وإما كعنصر من عناصر قراءة الطالع في بعض طُرُق النجامة، لا يصح إلا على الأسماء العربية التي لكلٍّ من حروفها قيمة عددية معلومة[8]. فثمة دومًا، في رتبة التطبيقات العَرَضية هذه، مسألة "تكييف" تجعل من المُحال نقل هذه العلوم كما هي من شكل نقلي إلى آخر؛ وذاك، أغلب الظن، واحد من أسباب صعوبة فهمها على مَن ليس عندهم ما يكافئها في حضارتهم، شأن أهل الغرب المُحدَثين[9].

مصر، 18 ذي العقدة 1350 هـ (مولد سيد علي البيومي).

الترجمة عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Le Voile d’Isis, mai 1932, pp. 289-295 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 68-75.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المنقولات الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] راجع: ديمتري أڤييرينوس، "موقع المُسارَرة من علم الباطن"، سماوات: http://samawat.org/essays/esotericism_initiation_dna. (المحرِّر)

[2] ما بين معقوفتين [...] من إضافة المترجم إلى النص بغية توضيح المقصود. (المحرِّر)

[3] "الفراسة"، من الفعل الثلاثي فَرَسَ، تثبيت النظر وإدراك الباطن من نظر الظاهر؛ ومنه، جاء في الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله". راجع أيضًا: توفيق فهد، الكهانة العربية قبل الإسلام، دار قدمُس، دمشق، طب 1: 2007، ص 271-300. (المحرِّر)

[4] جدير بالذكر أن المُسارَرة ("البيعة" الصوفية) تتم بمنح بركة السلسلة الروحية ("الروح القدس" بالمصطلح المسيحي) للمريد عبر اليد بوضعها إما على يافوخ الرأس أو الوجه، وإما بشبك الأيدي بين الشيخ والمريد (وهذا هو المدلول الروحي للآية 10 من سورة الفتح بخصوص "بيعة الرضوان": "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم")، وإما بطُرُق أخرى لا مجال هنا لإيرادها. ونضيف هنا، على سبيل الإشارة، أن عدد سلاميات أصابع اليد الواحدة هو 14 (4 + 1 = 5 = عدد أصابع اليد = عدد أركان الإسلام = الطبائع الأربعة + الأثير)، وفي كلا اليدين: 14 في 2 = 28 (8 + 2 = 10 = 5 في 2)، عدد الحروف العربية وحاصل الجمع الثيوصوفي لأعداد قيمتها الإجمالية (5995 = 9 + 5 + 5 + 9) وعدد منازل القمر (راجع: رونيه گينون، "ملحوظة في ملائكيات الأبجدية العربية"، سماوات: http://samawat.org/articles/angelology_arabic_alphabet_guenon)؛ كما أن القيمة العددية لكلمة يد في حساب الجُمَّل تساوي 14 (10 + 4). إلى ذلك، فإن لكلمة وجه القيمة العددية نفسها (6 + 3 + 5)، بما يشير، في سياقنا، إلى الصلة الشعائرية المذكورة بين اليد والوجه، حيث إن عدد عظام الوجه هو كذلك 14. (المحرِّر)

[5] Cf. René Guénon, L’ésotérisme de Dante, Gallimard, 1957, chap. II, pp. 13-14.

[6] وفقًا لكوسمولوجيا كوميديا دانتي ألجياري (1265-1321)، تنطلق النفس الإنسانية من الجحيم (وهي على هيئة مخروط مقلوب، مغروس في نصف كرة الأرض الترابي)، لتعرج صاعدةً، مرورًا بجبل المَطْهَر الواقع في نصف الكرة المائي (وجنة عدن على قمته)، فالأفلاك التسعة (أفلاك الكواكب السبعة + فلك النجوم الثابتة، حيث البروج + الفلك البلوري، حيث المحرك الأول Primum mobile)، وصولاً إلى سماء الفردوس، حيث مرفأ النور الإلهي المركوز في قلب وردة الغبطة السماوية؛ وفي ذروة رؤيا المعراج يُشاهَد الله في الوسط، تحيط به الأفلاك الملائكية التسعة. (المحرِّر)

بنيان الكوسمولوجيا عند دانتي: تنطلق النفس الإنسانية من الجحيم، لتعرج صاعدة، مرورًا بالمطهر، فالأفلاك السماوية التسعة، وصولاً إلى الفردوس.

[7] علم الرمل géomancie من فنون التكهُّن؛ وأساسه الاقتراع بقراءة الأشكال الـ16، المؤلفة من نقاط وشُرَط والناجمة عن "ضرب الرمل" على سطح مستو. راجع: فهد، الكهانة العربية قبل الإسلام، ص 149-152. (المحرِّر)

[8] راجع: "ملحوظة في ملائكيات الأبجدية العربية"، سماوات: http://samawat.org/articles/angelology_arabic_alphabet_guenon. (المحرِّر)

[9] المعطيات التي استفدناها أساسًا لهذه الملحوظات مستقاة من رسائل غير منشورة للشيخ سيد علي نور الدين البيومي، مؤسِّس الطريقة البيومية، الذي لا تزال مخطوطاته حاليًّا في عهدة أخلافه المباشرين.

الصلة بين الأبجدية العربية وعلم الملائكة - رونيه گينون

الجمعة, كانون الأول 11th, 2009

ملحوظة حول ملائكيات

الأبجدية العربية*

guenon

رونيه گينون**

يمثَّل العرش المحيط، كما يسهل فهمُه، برسم دائرة، في مركزها الروح، كما شرحنا ذلك في غير مكان[1]؛ والعرش يحمله ثمانية ملائكة يشغلون مواقعهم على محيط الدائرة: الأربعة الأولون عند الجهات الأربع الأصلية، والأربعة الآخرون عند الجهات الأربع الفرعية. وأسماء هؤلاء الملائكة الثمانية مشكَّلة من ثماني مجموعات من الحروف، مأخوذةً [وفق قواعد حساب الجُمَّل][2] تبعًا لترتيب قيمها العددية، بحيث إن جملة هذه الأسماء تضم حروف الأبجدية ككل.

بيد أن المقام هنا يجيز لنا إبداء ملاحظة: المقصودة بطبيعة الحال هي الأبجدية ذات الـ28 حرفًا؛ ولكن يقال إنه لم يكن للأبجدية العربية أولاً غير 22 حرفًا، تقابل بالضبط حروف الأبجدية العبرية؛ ومنه التمييز المعمول به بين الجفر الصغير، الذي لا يستعمل غير هذه الحروف الـ22، وبين الجفر الكبير، الذي يستعمل الحروف الـ28، آخذًا بها جميعًا مع قيم عددية متميزة. ويجوز القول، إلى ذلك، بأن الـ28 (8 + 2 = 10) محتوى في الـ22 (2 + 2 = 4)، مثلما أن الـ10 محتوى في الـ4، تبعًا لصيغة الرابوع Tétraktys الفيثاغورثي الشريف: 1 + 2 + 3 + 4 = 10[3]؛ والواقع أن الحروف الإضافية الستة ليست إلا حروفًا معدلة عن ستة من الحروف الأصلية التي تتشكل منها بمجرد إضافة نقطة وتُرَدُّ إليها فورًا بحذف هذه النقطة عينها. وهذه الحروف الإضافية الستة هي التي تؤلف المجموعتين الأخيرتين من المجموعات الثماني التي تكلمنا عليها لتوِّنا؛ ومن البيِّن أنه لو لم يكن يُنظَر إليها كحروف متميزة، لتبدلتْ هذه المجموعات، إنْ من حيث عددها وإنْ من حيث تأليفها. ومنه، لا بدَّ أن العبور من أبجدية الـ22 حرفًا إلى أبجدية الـ28 حرفًا قد ترافق بالضرورة بتغيير في أسماء الملائكة التي نحن بصددها، وإذن، بتغيير في "الكيانات" التي تشير إليها هذه الأسماء. ولكنْ، مهما بدا ذلك من الغرابة بنظر بعضهم، فمن السوي في الواقع أن يكون الأمر على هذا النحو: إذ إن جميع التعديلات على الأشكال النقلية، وبالأخص منها تلك التي تقع على بنيان ألسنتها الشريفة، لا مناص من أن تكون لها بالفعل "أنماط بدئية" archétypes في العالم السماوي.

أما وقد قيل ما قيل، فإن توزيع الحروف والأسماء هو التالي:

شرقًا

أبجد[4]

عند الجهات الأصلية

غربًا

هوز

الأربع:

شمالاً

حطي

جنوبًا

كلمن

شمال شرق

سعفص

عند الجهات الفرعية

شمال غرب

قرشت

الأربع:

جنوب شرق

ثخذ

جنوب غرب

ضظغ

يلاحَظ أن كلاً من هاتين الجملتين ذات الأربعة أسماء يحوي نصف الأبجدية بالضبط، أي 14 حرفًا، موزعةً على التوالي على النحو التالي:

في النصف الأول: 4 + 3 + 3 + 4 = 14

في النصف الثاني: 4 + 4 + 3 + 3 = 14

والقيم العددية للأسماء الثمانية، المشكَّلة من حاصل جمع قيم حروفها، مأخوذةً بالطبع على الترتيب أعلاه نفسه، هي:

[أبجد =] 1 + 2 + 3 + 4 = 10

[هوز =] 5 + 6 + 7 = 18

[حطي =] 8 + 9 + 10 = 27

[كلمن =] 20 + 30 + 40 + 50 = 140

[سعفص =] 60 + 70 + 80 + 90 = 300

[قرشت =] 100 + 200 + 300 + 400 = 1000

[ثخذ =] 500 + 600 + 700 = 1800

[ضظغ =] 800 + 900 + 1000 = 2700

وقيمة كل من الأسماء الثلاثة الأخيرة مساوية على الترتيب لقيمة كل من الأسماء الثلاثة الأولى مضروبةً بـ100؛ وهذا بطبيعة الحال بيِّن إذا لوحظ أن الأسماء الثلاثة الأولى تحوي الآحاد من 1 إلى 10 وأن الثلاثة الأخيرة تحوي المئين من 100 إلى 1000؛ والحروف في كلا المجموعتين موزعة توزيعًا متساويًا إلى 4 + 3 + 3.

قيمة النصف الأول من الأبجدية تساوي حاصل جمع قيم الأسماء الأربعة الأولى: 10 + 18 + 27 + 140 = 195.

بالمثل، فإن قيمة النصف الثاني تساوي حاصل جمع قيم الأسماء الأربعة الأخيرة: 300 + 1000 + 1800 + 2700 = 5800.

وأخيرًا، فإن القيمة الإجمالية للأبجدية ككل تساوي 195 + 5800 = 5995.

العدد 5995 هذا لافت للنظر بتناظره: قسمه الأوسط هو 99، عدد أسماء الله الصفاتية؛ والرقمان على طرفيه يشكلان العدد 55، الذي يساوي حاصل جمع الأعداد العشرة الأولى، حيث ينقسم المثنى إلى نصفيه (5 + 5 = 10)؛ فضلاً عن ذلك، فإن 5 + 5 = 10 و 9 + 9 = 18 هما القيمتان العدديتان للاسمين الأول والثاني.

من الممكن تبيُّن الطريقة التي يتم بها الحصول على العدد 5995 تبينًا أفضل بتوزيع الأبجدية، تبعًا لتقسيم آخر، إلى ثلاث متواليات ذات تسعة حروف، يُزاد عليها حرفٌ مفرد: حاصل جمع الآحاد، من 1 إلى 9، يساوي 45: القيمة العددية لاسم آدم (= 1 + 4 + 40 = 45، أي من منظور المراتب الباطنية: القطب الغوث في المركز، الأوتاد الأربعة عند الجهات الأربع الأصلية، النجباء الأربعون على المحيط[5])؛ حاصل جمع العشرات، من 10 إلى 90، يساوي 45 في 10؛ حاصل جمع المئين، من 100 إلى 900، يساوي 45 في 100؛ أما مجموع حواصل هذه المتواليات الثلاث التساعية فيساوي، إذن، حاصل جداء 45 في111 [= 1 + 10 + 100]، العدد "القطباني" الذي هو عدد حرف الألف [= 1 + 30 + 80 = قطب = 100 + 9 + 2] "مبسوطًا": 45 في 111 يساوي 4995؛ ثم لا بدَّ من إضافة عدد الحرف الأخير، 1000، واحدة الدرجة الرابعة التي تنهي الأبجدية، مثلما تبدؤها واحدة الدرجة الأولى، وبذا نحصل في الآخِر على 5995.

أخيرًا، فإن حاصل جمع أرقام هذا العدد يساوي 5 + 9 + 9 + 5 = 28، أي عدد حروف الأبجدية نفسه، الذي يمثل قيمتها الإجمالية.

بالوسع قطعًا التوسع في المزيد من الاعتبارات انطلاقًا من هذه المعطيات، لكن هذه المؤشرات القليلة كافية للتمكن، على أقل تقدير، من تحصيل لمحة عن بعض تطبيقات علم الحروف وعلم العدد في المنقول الإسلامي.

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Études traditionnelles, VIII-IX, 1938, pp. 324-327 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 62-67.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المأثورات "الدينية" الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] راجع: رونيه گينون، "الروح"، سماوات: http://samawat.org/articles/ruh_guenon. (المحرِّر)

[2] ما بين معقوفتين [...] في النص من إضافة المترجم بغية توضيح المقصود. (المحرِّر)

[3] Cf. René Guénon, « La Tétraktys et le carré de quatre », Études traditionnelles, avril 1937 ; repris dans Symboles de la Science sacrée, Gallimard, 1962, pp. 107-112.

[4] بطبيعة الحال، فإن كلاً من حرفَي الألف والباء، ككل حروف الأبجدية الأخرى، يشغل هنا موقع ترتيبه العددي: وهذا لا يمت بصلة إلى الاعتبارات الرمزية التي عرضنا لها في غير مكان والتي تخص كلاً منهما، فضلاً عن ذلك، بدور آخر أكثر خصوصية. [راجع: "الروح"، سماوات: http://samawat.org/articles/ruh_guenon. (المحرِّر)]

[5] "القطب – وقد يُسمى غوثًا باعتبار التجاء الملهوف إليه –: وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في كل زمان، أعطاه الطلَّسْم الأعظم من لَدُنْه؛ وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد؛ بيده قسطاس الفيض الأعم، وزنُه يتبع علمَه، وعلمُه يتبع علمَ الحق، وعلمُ الحق يتبع الماهيات غير المجعولة؛ فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل. وهو على قلب إسرافيل من حيث حصته الملكية الحاملة مادة الحياة والإحساس، لا من حيث إنسانيته؛ وحكم جبرائيل فيه كحكم النفس الناطقة في النشأة الإنسانية؛ وحكم ميكائيل فيه كحكم القوة الجاذبة فيها؛ وحكم عزرائيل كحكم القوة الدافعة فيها" (تعريفات الجرجاني)؛ "الأوتاد: هم الرجال الأربعة الذين على منازل الجهات الأربع من العالم، أي الشرق والغرب والشمال والجنوب؛ بهم يحفظ الله – تعالى – تلك الجهات لكونهم محالَّ نظره تعالى" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية)؛ "النجباء: وهم الأربعون المشغولون بحمل أثقال الخلق – وهي من حيث الجملة كل حادث لا تفيء القوة البشرية بحمله –، وذلك لاختصاصهم بموفور الشفقة والرحمة الفطرية، فلا يتصرفون إلا في حق الغير؛ إذ لا مزيد لهم في ترقِّياتهم إلا من هذا الباب" (تعريفات الجرجاني). (المحرِّر)

الروح - رونيه گينون

السبت, كانون الأول 5th, 2009

الـرُّوح*

رونيه گينون**

تبعًا للمعطيات النقلية لعلم الحروف [في التصوف][1]، لم يخلق الله العالم بحرف الألف، أول الحروف، بل بحرف الباء، ثانيها. وبالفعل، على الرغم من أن الواحد هو بالضرورة المبدأ الأول للتجلي، فإن الاثنين هو ما يقتضيه الواحدُ مباشرة، وهو الذي سوف تحدث بين حدَّيه، – كما لو بين قطبَي هذا التجلي المتكاملين، اللذين يرمز إليهما طرفا حرف الباء، – الكثرةُ غير المنتهية للأكوان العَرَضية existences contingentes كلُّها. فالباء، إذن، هو بالذات أصل الخلق، وهذا الخلق يتم "به" و"فيه"، بمعنى أنه في آن معًا "واسطة" الخلق و"محلُّه"، تبعًا لمعنيَيه الاثنين حين يؤخذ كحرف جر. والباء، في دوره القديم هذا، يمثل الروح، الذي يجب فهمه بوصفه الروح الجامع للكون الكلي existence universelle والذي يتطابق مع النور[2] أساسًا؛ وهو يحدث بالأمر الإلهي مباشرةً ("من أمر ربِّي" [الإسراء 85])، وما إنْ يحدث حتى يكون، بمعنى ما، الأداة التي بواسطتها يُجري هذا "الأمرُ" الأشياءَ كلها التي سوف "تترتب" بذلك جميعًا بالنسبة إليه[3]؛ فقبله لا يوجد إذن غير الأمر: إثبات الوجود المحض والصياغة الأولى للمشيئة العليا، مثلما أنه قبل الاثنين لا يوجد سوى الواحد أو قبل الباء لا يوجد سوى الألف. بيد أن الألف هو الحرف "القطباني"[4] الذي صورته بالذات هي صورة "المحور" الذي يتم الأمر الإلهي تبعًا له؛ ورأس الألف الأعلى – وهو سر الأسرار – ينعكس في نقطة الباء، باعتبارها مركز الدائرة الأولية التي تحدُّ مجال الكون الكلي وتحيط به؛ دائرة، إذا نُظِرَ إليها إلى ذلك من جميع الجهات الممكنة في آن معًا، هي في الواقع كرة: الصورة القديمة والجامعة التي تولد منها بالتمايز جميع الصور الخاصة.

إذا نُظِرَ إلى الشكل العمودي للألف وإلى الشكل الأفقي للباء، لتبيَّن أن الصلة بينهما هي الصلة بين مبدأ فاعل ومبدأ مفعول؛ وهذا يتوافق مع معطيات علم العدد حول الواحدية والاثنينية، لا في التعليم الفيثاغورثي وحسب (والاطلاع عليه هو الأوسع بهذا الخصوص)، بل وفي تعليم جميع المنقولات أيضًا. وخاصية المفعولية هذه ملازمة بالفعل لدوره المثنى (كـ"واسطة" وكـ"محل" كلي) الذي تكلمنا عليه لتوِّنا؛ لذا فإن كلمة "روح"، باللسان العربي، كلمة مؤنثة – على أن ننتبه إلى أن المفعول أو السالب بالنسبة إلى الحق يصير، بحسب قانون القياس، فاعلاً أو موجبًا بالنسبة إلى الخلق[5]. فمن الجوهري أن نتدبر هنا هذين الوجهين المتضادين، بما أن المقصود هنا بالدقة، إذا جاز لنا أن نعبِّر على هذا النحو، هو عينه "الحد" الموضوع بين الحق والخلق، وهو "حد" ينفصل به الخلق عن مبدئه الإلهي ويتصل به في آن معًا، وذلك تبعًا للجهة التي يُنظَر إليه منها؛ فهو إذن، بعبارة أخرى، البرزخ بامتياز[6]؛ ومثلما أن الله هو "الأول والآخِر" [الحديد 3] بالمعنى المطلق، فإن الروح هو "الأول والآخِر" بالنسبة إلى الخلق.

هذا لا يعني، بالطبع، أن مصطلح "الروح" لا يجوز أن يؤخذ أحيانًا بمؤديات أكثر خصوصية، كما هي حال كلمة "روح" esprit أو مكافئاتها المتفاوتة دقةً في ألسنة أخرى؛ فهكذا قد تبادَر إلى ذهن بعضهم أن المقصودة منها، في بعض سور القرآن بالأخص، إشارة إما إلى سيدنا جبريل وإما إلى ملَك آخر تنطبق عليه تسمية "الروح" هذه بصفة أخص. وذاك كله قد يكون صحيحًا قطعًا، تبعًا للحالة أو تبعًا للتطبيقات الناتجة عنها، لأن كل ما هو مشاركة في الروح الكلي أو مواصَفة من مواصفاته، أو ما يؤدي دوره من هذا القبيل وعلى مراتب متنوعة، هو روح أيضًا بمعنى نسبي، بما في ذلك الروح بوصفه مقيمًا في الإنسان أو في أي موجود خاص آخر. غير أن ثمة نقطة لا يوليها العديد من المفسرين من أهل الظاهر ما يكفي من الانتباه على ما يبدو: حين يشار إلى الروح صراحة إلى جانب الملائكة تمييزًا له عنهم[7]، كيف يجوز التسليم عندئذ بأن المقصود، في الواقع، هو ببساطة "أحد" هذه الملائكة؟ أما التأويل الباطني فمفاده أن المقصود عندئذ هو سيدنا ميططرون (وهو عينه مِطَطْرون القبالة العبرانية[8])؛ وهذا يتيح، إلى ذلك، توضيح اللبس الذي يقع بهذا الخصوص، بما أن ميططرون يتمثل هو الآخر كملَك، مع أنه حقيقةً، باعتباره مُسْتَعْليًا عن مجال الأكوان "المنفصلة"، شيء آخر وأكثر من ملَك؛ وذاك، في الحاصل، يقابل تمامًا الوجه المثنى للبرزخ[9].

لوحة تمثل كبير الملائكة ميططرون، عامل التجليات الإلهية ومبدأ النبوات.

هناك اعتبار آخر يتوافق تمامًا مع هذا التأويل، وهو التالي: في تمثيل العرش، يقيم الروح في المركز، وهذا المقام هو بالفعل مقام ميططرون؛ والعرش هو محل "الحضرة الإلهية"، أي محل الـشكينه التي هي، في المنقول العبراني، "قرينة" مططرون أو الوجه المتمِّم له[10]. إلى ذلك، يجوز لنا القول حتى بأن الروح يتطابق، على نحو ما، مع العرش بالذات، لأن العرش، إذ يطوِّق العوالم كلها و"يحيط" بها (ومنه نعت المحيط المضاف إليه)، يتطابق مع الدائرة الأولية التي تكلمنا عليها أعلاه[11]. وإننا لنقع هنا أيضًا على وجهَي البرزخ: إنه، من جهة الحق، الرحمن "المستوي على العرش"[12]؛ أما من جهة الخلق، فهو لا يتراءى بمعنى ما إلا منكسرًا من خلال "عدسة" الروح، وهو ما يتصل مباشرة بمعنى حديث النبي: "مَن رآني فقد رأى الحق". وذاك، بالفعل، هو سر التجلي "النبوي"[13]؛ ومعلوم أن مططرون، تبعًا للمنقول العبراني أيضًا، هو عامل "الظهورات الإلهية" théophanies ومبدأ النبوة بالذات[14]، ما يعني، بلغة الإسلام، أنه ليس غير الروح المحمدي الذي ليس جميع الأنبياء والمرسلين فيه إلا واحدًا، وهو الذي، في "الدنيا"، يتخذ تعبيره الأخير فيمَن هو "خاتَمهم"، أي مَن يجمعهم في مختصر أخير هو انعكاس لوحدتهم المبدئية في "العليا" (حيث هو "أول خلق الله": إذ إن الآخِر في النظام المتجلي هو، بالقياس، الأول في النظام المبدئي)، فيكون بذلك "سيِّد الأولين والآخِرين". بذلك – وبه فقط – يجوز فهم جميع أسماء النبي وألقابه بمعناها العميق، بما هي في المحصلة أسماء الإنسان الكامل وألقابه، البرزخ الجامع الذي تجتمع فيه أخيرًا مراتب الكون كلها، مثلما كان يحتويها جميعًا فيه منذ الأصل: "عليه صلاة ربِّ العرش دومًا"!

الترجمة عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Études traditionnelles, VIII-IX, 1938, pp. 287-291 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 54-61.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المأثورات "الدينية" الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste لا يزال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] ما بين معقوفتين [...] في النص من إضافة المترجم بغية توضيح المقصود. (المحرِّر)

[2] لهذا أيضًا فإن الباء (أو ما يكافئه) هو الحرف الاستهلالي للكتب الشريفة: فالتوراة تبدأ بكلمة براشيت בראשית ["في البدء..."]، والقرآن بالبسملة؛ ومع أنه ليس بحوزتنا حاليًّا نص الإنجيل بلغة شريفة، يجوز لنا على أقل تقدير أن نلحظ بأنه، لو توفر لنا نصُّه العبري، لكانت إذ ذاك الكلمة الأولى من إنجيل يوحنا ["في البدء..."] هي براشيت أيضًا. [لذا جاء في مقدمة هذا الإنجيل عن الكلمة الإلهي: "به كان كل شيء.../ فيه كانت الحياة/ والحياة نور الناس" (1: 2-4).]

[3] من جذر امر אמר يُشتق باللسان العبري فعلُ يامر יאמר، المستعمَل في سفر التكوين للتعبير عن فعل الخلق المتمثل بوصفه "الكلم" [القول] الإلهي. [راجع سفر التكوين 1، حيث يرد فعل "قال..." عشر مرات.]

[4] كما سبق لنا أن أشرنا في غير مكان، ألف = قطب = 111 (راجع: René Guénon, « Un hiéroglyphe du Pôle », Études traditionnelles, mai 1937 ; repris dans Symboles de la Science sacrée, Gallimard, 1962, pp. 113-115)؛ ولنضف بأن للاسم الإلهي أعلى القيمة العددية نفسها [1 + 70 + 30 + 10 = 111].

[5] في القبالة العبرانية، يقابل هذا الوجه المثنى، بمعنى ما، وجه شكينه שכינה، المؤنثة، ووجه مططرون מטטרון، المذكر، كما سيتبين مما يلي.

[6] [يقول ابن عربي: "فكأنه (الإنسان) برزخ بين العالم والحق وجامع لخلق وحق؛ وهو الخط الفاصل بين الحضرة الإلهية والكونية، كالخط الفاصل بين الظل والشمس" (رسالة إنشاء الدوائر، طبعة ليدن، ص 22)؛] راجع: T. Burckhardt, « Du barzakh », Études traditionnelles, décembre 1937.

[7] على سبيل المثال، في سورة القدر، الآية 4: "تنزَّلُ الملائكةُ والروحُ فيها بإذن ربِّهم من كلِّ أمر".

[8] هناك خلاف بين الباحثين في القبالة حول أصل اسم "مِطَطْرون" Metatron. فبعضهم يقول بأنه يوناني الأصل: من كلمتَي ميتا meta، "بعد"، وثرونوس thronos، "عرش"، اللتين تعنيان مجتمعتين: "الخادم وراء العرش" أو "المستوي على العرش بعد عرش المجد"؛ وهناك مَن يذهب إلى أن أصله كلمة ميتاتور metator اللاتينية التي تعني "الرسول" أو "القائد"؛ لكن الفرضية التي تهمنا هنا بالأخص هي التي تشتق الاسم من كلمة مطرا mitra الكلدانية التي تعني "مطر"، نظرًا للدور الذي تنسبه غالبية المنقولات إلى المطر كرمز إلى تنزُّل "اللطائف الروحانية" من السماء على الأرض. أيًّا ما كان الأمر، فإن الموروث يفيد بأنه الملَك الذي حال بين النبي إبراهيم وبين ذبح ابنه اسحق (في الرواية التوراتية) أو إسماعيل (في الرواية الإسلامية)؛ ذلك أن قيمة مططرون מטטרון العددية (314) مساوية لقيمة شدَّي שדי ("الشديد" أو "شديد القوى") الذي يقال إنه لقب إله إبراهيم (إل شدي אל שדי). (المحرِّر)

[9] في بعض العبارات الباطنية، يقترن اسمُ "الروح" بأسماء الملائكة الأربعة الكبار الذين مقامه منهم، في النظام السماوي، مقام النبي محمد من الخلفاء الراشدين في النظام الأرضي؛ وذاك يناسب تمامًا ميططرون الذي، إلى ذلك، يتطابق بذلك تطابقًا واضحًا مع الروح المحمدي.

[10] هي النفس الكلية في مذهب ابن عربي، مثلما أن مقابل ميططرون عنده هو العقل الأول أو روح العالم أو البرزخ إلخ. (المحرِّر)

[11] حول موضوع العرش والملَك مططرون هذا، منظورًا إليه من منظار القبالة والملائكيات angélologie العبرانيَين، راجع: Basilide, « Notes sur le monde céleste », Études traditionnelles, juillet 1934 وأيضًا: « Les Anges », Études traditionnelles, février 1935, pp. 88-90.

[12] تبعًا للآية 5 من سورة طه: "الرحمن على العرش استوى".

[13] يجوز لنا أن نلحظ أنه بذلك يجتمع، على نحو ما، تصور النبي وتصور الـأڤتارا Avatāra ["التنزُّل" الإلهي، تجسُّد الإله ڤشنو في المذاهب الهندوسية] اللذان يصدران في اتجاهين متعاكسين: إذ يصدر الثاني اعتبارًا من المبدأ الذي يتجلى، بينما يصدر الأول اعتبارًا من "حامل" هذا التجلي (والعرش هو أيضًا "حامل" الإله).

[14] Cf. René Guénon, Le Roi du Monde, Gallimard, 1958, p. 28.

الفقر - رونيه گينون

الأحد, تشرين الثاني 8th, 2009

الفـقـر*

رونيه گينون**

يجوز لنا التعريف بالكائن العَرَضي l’être contingent بوصفه الموجود غير واجب الوجود بذاته؛ ومنه، فإن مثل هذا الموجود لاشيء بحدِّ ذاته، ولا شيء مما هو إياه يخصُّه بالذات. وتلك هي حالة الإنسان، بوصفه فردًا، كما وحالة جميع الموجودات المتجلية، كائنةً ما كانت حالُها، لأنه مهما يكن الفارق بين مراتب الوجود الكوني فإن هذا الفارق دومًا بحُكم العدم في مرأى من المبدأ[1]. وهذه الموجودات، بشرية كانت أو غير بشرية، هي إذن، في كل ما هي إياه، متكلةٌ اتكالاً تامًّا على المبدأ الذي "لا موجود لما سواه بالحقيقة… فوجودُ الموجودات وعدمُها سيَّان"[2]؛ ووعي هذا الاتكال هو ما تشير إليه بالضبط عدة منقولات بوصفه "الفقر الروحي". في الوقت نفسه، فإن النتيجة المباشرة لهذا الوعي، بنظر الكائن الذي بلغه، هي التجرد من جميع الأشياء المتجلية، وذلك لأنه يعرف مذ ذاك أن هذه الأشياء هي الأخرى لاشيء، وأن أهميتها بكل دقة معدومة بالنسبة إلى الحق المطلق. وهذا التجرد، في حالة الإنسان، يقتضي أساسًا وقبل كل شيء عدم الاكتراث بثمار العمل، كما تعلِّم الـبهگڤدگيتا، وهو عدم اكتراث يفلت به الموجودُ من التسلسل غير المنتهي لعواقب هذا العمل: إنه "العمل عديم الرغبة" (نِشْكاما كرما nishkāma karma)، بينما "العمل المدفوع بالرغبة" (سَكاما كرما sakāma karma) هو العمل المؤدى بقصد نيل ثماره.

بذلك التجرد يخرج الموجود إذن من الكثرة؛ إنه، بحسب العبارات التي تستعملها العقيدة الطاوية، يفلت من تقلبات "تيار الأشكال"، من تناوب أحوال "الحياة" و"الموت"، "التكثف" و"التبدد"[3]، عابرًا من محيط دائرة "العجلة الكونية" إلى مركزها، الذي يشير لاو-تسُه إليه بالذات بوصفه "الفراغ (غير المتجلي) الذي يضم الأشعة ويجعل منها دولابًا"[4]. ويقول لاو-تسُه أيضًا:

مَن يبلغ أقصى الفراغ فذاك يثبت ثباتًا راسخًا في الراحة… الرجوع إلى الجذر (أي إلى المبدأ، الأصل الأول للموجودات كافة وغايتها الآخِرة في آن معًا) هو دخول في حال الراحة.[5]

ويقول لِيه-تسُه:

السلام في الفراغ حال تستعصي على التعريف، لا تؤخذ ولا تُعطى، بل يُتوصل إلى الرسوخ فيها.[6]

هذا "السلام في الفراغ" إنما هو السكينة في التصوف الإسلامي[7]، التي هي في الوقت نفسه "الحضرة الإلهية" في مركز الكائن، الداخلة في الاتحاد مع المبدأ، وهو اتحاد لا يمكن له أن يتم فعلاً إلا في هذا المركز بالذات:

المقيم في اللامتجلِّي تتجلى له الموجودات كلها… إنه، متحدًا بالمبدأ، متناغم، به، مع الموجودات كافة. إنه، متحدًا بالمبدأ، يعرف كل شيء بالعلل العامة العليا، ومن ثَم لا يعود يستعمل مختلف حواسه ليعرف خصوصًا وعلى التفصيل. علةُ الأشياء الحقيقيةُ غير مرئية، لا يُحاط بها، مستعصية على التعريف والتعيين. وحده الروح الذي استعاد مقامه في حال البساطة الكاملة يستطيع بلوغها في المشاهدة العميقة.[8]

و"البساطة" – وهي عبارة عن توحيد قدرات الكائن جمعاء – هي التي يتصف بها الرجوع إلى "الحال القديمة" l’état primordial؛ وإننا لنرى هنا كل الفارق الفاصل بين معرفة الحكيم المتعالية وبين العلم العادي و"الدنيوي" profane. وهذه "البساطة" هي أيضًا المشار إليها في غير مكان بوصفها حال "الطفولة" (بالسنسكريتية باليا bālya)، مفهومةً بالطبع بالمعنى الروحي، التي تُعتبَر في العقيدة الهندوسية شرطًا مسبقًا لاكتساب المعرفة بامتياز. وهذا يذكِّر بالكلام المشابه الوارد في الإنجيل:

مَن لا يقبل ملكوت الله مثل الطفل لا يدخله.[9]
أحمدك يا أبتِ، ربَّ السموات والأرض، على أنك أخفيتَ هذه الأشياء على الحكماء والأذكياء، وكشفتَها للصغار.[10]

"الطفولة" و"الصغر" هنا، عمقيًّا، مكافئان لـ"الفقر"، الذي كثيرًا جدًّا ما يرد في الإنجيل أيضًا والذي يُساء فهمُه للغاية عمومًا: "طوبى للفقراء بالروح، فإن لهم ملكوت السموات"[11]. وهذا الفقر يؤدي، بحسب التصوف الإسلامي، إلى الفناء، أي إلى محق "الأنية"[12]؛ وبهذا "الفناء" يتم بلوغ المقام الإلهي، الذي هو نقطة المركز التي يتم فيها تجاوُز جميع التمييزات الملازمة للمنظورات الخارجية، حيث تتلاشى جميع التعارُضات وتنحل في توازن كامل:

في الحال القديمة، كانت هذه التناقضات معدومة. فكلها مشتق من تكثُّر الكائنات (الملازم للتجلي والعَرَضي مثله) ومن ارتباطاتها الناتجة من الدوران الكلِّي (أي من دوران "العجلة الكونية" حول محورها)… وهي تكف من فورها عن التأثير في الكائن الذي اختزل أنيَّته المميزة وحركته الخاصة إلى لاشيء تقريبًا.[13]

هذا الاختزال لـ"الأنية المميزة"، التي تنتهي إلى التلاشي باختصارها إلى نقطة واحدة، هو عينه الفناء وعينه "الفراغ" الذي ورد ذكره أعلاه؛ ومن الجلي، إلى ذلك، بحسب رمزية العجلة، أن تباطؤ "حركة" الموجود يتناسب طردًا مع اقتراب هذا الموجود من المركز:

هذا الكائن لا يعود ينازع أي كائن آخر لأنه راسخ في اللانهاية، ممحو في اللامنتهي[14]. لقد بلغ نقطة انطلاق التحولات وهو واقف فيها، وهي نقطة محايدة لا نزاعات فيها. فبتركيزه طبيعتَه، وبتغذيته روحَه الحيوي، وباستجماعه قدراته كلها، اتحد بمبدأ التكونات كلها. وبما أن فطرته تامة (مجموعة إجمالاً في الوحدة المبدئية) وروحه الحيوي سليم، ليس بمقدور أي موجود أن يمسَّ به.[15]

إن "البساطة" التي ورد ذكرها أعلاه تقابل الوحدة "بلا أبعاد" للنقطة القديمة التي تفضي إليها حركةُ الرجوع إلى الأصل:

الإنسان المطلق البساطة يثني ببساطته الموجودات كلها، … بحيث إن لا شيء يعارضه في أقاليم الفضاء الستة، ولا شيء يعاديه، والنار والماء لا يؤذيانه.[16]

إنه يقف، بالفعل، في المركز الذي تصدر منه – إشعاعًا – الجهاتُ الست وتأتيه، عبر حركة الرجوع، ليحيِّد بعضُها بعضًا مثنى مثنى، بحيث إن تَعارُضها المثلث، في هذه النقطة المفردة، يتوقف تمامًا، ولا شيء مما ينجم عن هذا التعارض أو يقع فيه يقوى على المساس بالكائن المقيم في الوحدة السرمدية. فهذا الكائن، إذ لا يعارض شيئًا، لا يقوى أي شيء على معارضته، لأن التعارض بالضرورة علاقة متبادلة تتطلب وجود حدين متعارضين، وهي، بالتالي، لا تتوافق مع الوحدة المبدئية؛ و"العداء"، الذي ليس غير عاقبة للتعارض أو تجلٍّ خارجيٍّ له، لا يمكن له إلا أن ينعدم حيال موجود بات خارج كل تعارُض وتخطاه. والنار والماء، اللذان هما نمط الأضداد في "عالم العناصر"، لا يمكن لهما أن "يؤذياه" لأنهما، والحق يقال، لم يعودا موجودين بنظره أصلاً بوصفهما ضدين، إذ قد رجعا، – وقد توازَنا وحيَّد كلٌّ منهما الآخر باجتماع خصائصهما المتعارضة في الظاهر، لكنْ المتكاملة في الواقع، – إلى لاتمايز "الأثير القديم".

رمز "عجلة الأشياء" في الطاوية: الدائرة والجهات الست المنطلقة من محيطها إلى المركز

نقطة المركز هذه التي يتم بها، لدى الكائن البشري، الاتصال مع الأحوال العليا أو "السماوية" هي أيضًا "الباب الضيق" في رمزية الإنجيل[17]؛ وبالوسع مذ ذاك فهم ما هم "الأغنياء" الذين يعسر عليهم الدخول منه[18]: إنهم الكائنات المتعلقة بالكثرة والعاجزون، بالتالي، عن الارتقاء من المعرفة التفصيلية إلى المعرفة الإجمالية. فهذا التعلق، بالفعل، مضاد مباشرة للتجرد الذي ورد ذكره أعلاه، مثلما أن الغنى مضاد للفقر، ومن شأنه أن يقيِّد الموجود إلى المتوالية غير المنتهية لدورات التجلي[19]. والتعلق بالكثرة هو أيضًا، بمعنى من المعاني، "الغواية" الكتابية التي، إذ تذيق الكائن ثمرة "شجرة معرفة الخير والشر"، أي المعرفة الثنوية والتفصيلية بالأشياء العَرَضية، تبعده عن وحدة المركز الأصلية وتمنعه من بلوغ ثمرة "شجرة الحياة"[20]؛ فبهذا، بالفعل، يخضع الكائن لتناوب الطفرات الدورية، أي للولادة والموت. وسلوك الشوط غير المنتهي للكثرة ممثل بالدقة بلفات الحية الملتفة حول جذع الشجرة الذي يرمز إلى "محور العالم": إنه طريق الضالين بالمعنى الاشتقاقي للـ"ضلال"، في مقابل الصراط المستقيم، الصاعد شاقوليًّا على طول المحور نفسه والمذكور في فاتحة القرآن الكريم[21].

"الفقر"، "البساطة"، "الطفولة"، مصطلحات مؤداها واحد؛ و"التجريد"[22] الذي تعبِّر عنه هذه الكلمات كلها يفضي إلى "فناء" هو، في الواقع، ملء الوجود[23]، مثلما أن "اللافعل" (وُو-وي wou-wei) [في العقيدة الطاوية[24]] هو كمال الفعل، بما أن منه تُشتق سائر النشاطات الخاصة: "المبدأ دومًا غير فاعل، غير أن كل شيء يتم به"[25]. وبهذا يكون الموجود الذي بلغ نقطة المركز قد حقق بذلك بالضبط تكامُل الحال الإنسانية: إنه "الإنسان الحق" (تشِن-جِن tchenn-jen) في الطاوية؛ وحين، انطلاقًا من هذه النقطة وارتقاءً إلى الأحوال العليا، يحقق محصلة إمكاناته كاملةً، يكون قد صار "الإنسان الإلهي" (تشُن-جِن tcheun-jen)، وهو الإنسان الكامل في التصوف الإسلامي. بذا يجوز لنا القول بأن "الأغنياء" من منظار التجلي هم "الفقراء" حقًّا في مرأى من المبدأ، وعكسه بعكسه؛ وهذا أيضًا ما يعبِّر عنه بوضوح ناصع قولُ الإنجيل: "هكذا يصير الأولون آخِرين، والآخِرون أولين"[26]. وبهذا الخصوص، لا بدَّ لنا من أن نعاين، مرة أخرى أيضًا، التوافق التام بين جميع العقائد النقلية، التي ليست غير تعبيرات متنوعة عن الحقيقة الواحدة.

مصر، 11-12 ربيع الأول 1349 هـ (مولد النبي).

الترجمة عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Le Voile d’Isis, octobre 1930, pp. 714-721 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 44-53.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المأثورات "الدينية" الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] يقصد رونيه گينون، في لغته الاصطلاحية، بكلمة "مبدأ" Principe العلة الأونطولوجية المستقلة عن معلولاتها. (المحرِّر)

[2] محيي الدين بن عربي، رسالة الأحدية [راجع نصها كاملاً في سماوات: http://samawat.org/texts/epistle_of_unity_ibn_arabi. كل مُضاف بين معقوفتين [...] إلى النص الأصلي من تدخُّل المترجم لتوضيح المقصود. (المحرِّر)].

[3] يستعمل أرسطو، بمعنى مشابه، مصطلحَي "الكون" و"الفساد".

[4] طاو-ته-كنگ، 11.

[5] طاو-ته-كنگ، 16.

[6] ليه-تسه، 1.

[7] راجع الفصل حول "الحرب والسلم" في كتابنا رمزية الصليب.

[8] ليه-تسه، 4.

[9] إنجيل لوقا 18: 17.

[10] إنجيل متى 11: 25؛ إنجيل لوقا 10: 21.

[11] إنجيل متى 5: 2.

[12] هذا "الفناء" لا يعدم المقايسة، حتى بخصوص المعنى الحرفي للمصطلح المشير إليه، مع نرڤانا nirvāna العقيدة الهندوسية؛ وفيما يتعدى الفناء، هناك أيضًا فناء الفناء الذي يقابل بالمثل الـپرنرڤانا parinirvāna.

[13] تشوانگ-تسه، 19.

[14] أول هذين التعبيرين ["راسخ في اللانهاية"] يعود إلى "الشخصية" وثانيهما ["ممحو في اللامنتهي"] يعود إلى "الفردية". [و"الشخصية"، في اصطلاح گينون، هي الجانب ما فوق البشري من الإنسان، مقام أحوال الوجود المستعلية عن الموجود كفرد، بينما "الفردية" هي الجانب البشري منه حصرًا، ببُعديه الجسماني والنفسي الفردي. فـ"رسوخ الشخصية في اللانهاية"، إذن، هو تحقيقها لإمكاناتها كافة، بينما "محو الفردية في اللامنتهي" هو زوال الأنية المميزة (أو "شفافيتها" التامة بالأصح) بحيث تعبِّر تعبيرًا غير مقيد عن الإمكانات السابقة في حياة الفرد. (المحرِّر)]

[15] المصدر نفسه. تعود الجملة الأخيرة أيضًا إلى شروط "الحال القديمة": هذه هي ما يشير إليه المنقول اليهودي-المسيحي بوصفه خلود الإنسان قبل "السقوط"؛ وهو خلود يستعيده، بعودته إلى "مركز العالم"، مَن يقتات من "شجرة الحياة".

[16] ليه-تسه، 2.

[17] راجع: إنجيل متى 7: 13؛ إنجيل لوقا 13: 24. (المحرِّر)

[18] راجع: إنجيل متى 19: 23-25؛ إنجيل مرقس 10: 23-26؛ إنجيل لوقا 18: 24-25. (المحرِّر)

[19] إنه سمسارا samsāra البوذية، الدوران غير المنتهي لـ"عجلة الحياة" الذي يجب على الكائن أن يفلت منه حتى يبلغ الـنرڤانا.

[20] راجع: العهد القديم، سفر التكوين 3. (المحرِّر)

[21] هذا "الصراط المستقيم" مطابق لـته te أو "الاستقامة" عند لاو-تسه، وهو المسلك الذي يجب على الكائن أن يتبعه حتى تجري حياته بحسب "الطريق" (طاو Tao) أو، بكلمات أخرى، بالتوافق مع المبدأ.

[22] هو "تجريد المعادن" dépouillement des métaux في الرمزية الماسونية.

[23] هو البقاء في التصوف الإسلامي. (المحرِّر)

[24] راجع: رونيه گينون، "الطاوية والكونفوشية"، سماوات: http://samawat.org/essays/taoism_confucianism_guenon. (المحرِّر)

[25] طاو-ته-كنگ، 37.

[26] إنجيل متى 20: 16.

التوحيد - رونيه گينون

السبت, تشرين الأول 24th, 2009

التـوحـيـد*

رونيه گينون**

مذهب التوحيد، أي إثبات أن مبدأ كل وجود مبدأ واحد من حيث الماهية، نقطة أساسية تشترك فيها المنقولات الأرثوذكسية كافة – حتى إنه يجوز لنا القول بأن تطابُقها في العمق يظهر حول هذه النقطة بالذات على أوضح ما يكون، مترجَمًا إلى تطابُق في التعبير حتى. فبالفعل، حين تكون المقصودة هي الوحدة يُمَّحى كلُّ تنوع؛ أما حين يتم النزول إلى الكثرة، تظهر اختلافاتُ الأشكال، فتكون كيفيات التعبير نفسها عندئذ عديدةً عديدَ ما تدل عليه، ومن شأنها أن تتنوع تنوعًا غير محدود لتتكيف مع ظروف مختلف الأزمنة والأمكنة. لكن "التوحيد واحد"، كما تقول العرب؛ أي أنه نفسه في كل مكان وفي كل زمان، ثابت ثبات المبدأ، مستقل عن الكثرة والتغير اللذين لا يقدران أن يطالا إلا التطبيقات من رتبة عَرَضية contingent.

كذا فيجوز لنا أن نقول بأنه ما من مكان أبدًا شهد، على العكس من الرأي الشائع، ظهورَ مذهب "شِرْكي" polythéiste حقًّا، أي يقبل تعدُّد مبادئ مطلقة وغير قابلة للاختزال [إلى الوحدة]. فهذه "التعددية" ليست ممكنة إلا كانحراف ناجم عن جهل العوام وقلة فهمهم، عن نزوعهم إلى التعلق حصرًا بكثرة المتجلي: ومنها "الوثنية" idolâtrie بكل صورها، وهي وليدة التباس الرمز بحدِّ ذاته بما هو مخصص للتعبير عنه، وتشخيص personnification مختلف الصفات الإلهية منظورًا إلى كلٍّ منها ككائن مستقل، وهو الأصل الوحيد الممكن لـ"وثنية" فعلية. وهذا النزوع لا ينفك يشتد بمقدار ما نمضي قُدُمًا في انبساط دورة من دورات التجلي، لأن هذا الانبساط نفسه إنما هو نزول في الكثرة، وبسبب من الإظلام الروحي الذي يرافقه حتمًا. لذا فإن الأشكال النقلية الأحدث تاريخيًّا هي التي يجب أن تنص على إثبات التوحيد بأكثر ما يكون من الظهور في الخارج؛ وهذا الإثبات، في الواقع، ليس معبَّرًا عنه في أي مكان آخر بهذه الصراحة وبكل هذا القدر من الإصرار غير الإسلام، حتى ليبدو وكأنه يمتص في ذاته حتى، إذا جاز القول، كل إثبات آخر.

الفارق الوحيد بين العقائد النقلية، بهذه الصدد، هو الفارق الذي أشرنا إليه لتوِّنا: إثبات الوحدة موجود في كل مكان، إنما لم تكن ثمة، في الأصل، حاجة إلى صياغته صياغة صريحة لإظهاره بوصفه أكثر الحقائق وضوحًا، وذلك لأن البشر كانوا آنذاك من القرب الشديد من المبدأ بحيث ما كان لهم أن يغفلوا عنه وما كان له أن يغيب عن أنظارهم. أما الآن، على العكس، فيجوز لنا القول إن غالبيتهم، وقد انخرطوا بكليتهم في الكثرة وفقدوا المعرفة الكشفية بالحقائق من رتبة علوية، لا يتوصلون إلى فهم الوحدة إلا بشق النفس؛ ولهذا تصير من الضرورة، شيئًا فشيئًا، إبان تاريخ البشرية الأرضية، صياغةُ إثبات الوحدة هذا مرارًا وتكرارًا وعلى نحو أكثر فأكثر نصاعة، وإذا صح القول، على نحو أكثر فأكثر إلحاحًا.

إذا أمعنَّا النظر في الوضع الحالي للأشياء، لرأينا أن هذا الإثبات أكثر استتارًا نوعًا ما في بعض الأشكال النقلية، حتى لكأنه يكوِّن أحيانًا جانبها الباطني (على أن تؤخذ كلمة "باطني" بمعناها الأوسع)، في حين أنه، في أشكال أخرى، بادٍ لكل الأنظار، بحيث يصل الأمر إلى عدم رؤية سواه (مع أن ثمة، هاهنا أيضًا، أمورًا أخرى كثيرة، لكنها لا تعود إلا ثانوية حياله). وهذه الحالة الأخيرة هي حالة الإسلام، حتى في وجهه الظاهر: فمذهب الباطن لا يفعل في حالته سوى شرح كل ما هو متضمن في هذا الإثبات وبسط سائر النتائج المشتقة منه؛ وهو إنْ فعل ذلك بعبارات كثيرًا ما تتطابق مع العبارات التي نصادفها في منقولات أخرى، من نحو الڤيدنتا[1] والطاوية[2]، لا مجال لنتعجب من ذلك ولا لنرى فيه أثر "اقتباسات"، هي إلى ذلك مختلَف عليها تاريخيًّا[3]؛ فالأمر هكذا ببساطة لأن الحقيقة واحدة، ولأن التوحيد، على هذه الرتبة المبدئية، كما سبق أن قلنا في البداية، يُترجَم بالضرورة إلى تطابُق في التعبير حتى.

من ناحية أخرى، تجدر ملاحظة – ونحن لا نزال نعاين الأشياء في وضعها الحالي – أن الشعوب الغربية، ولاسيما شعوب الشمال، هي الشعوب التي يبدو أنها تعاني أكثر ما تعاني من المصاعب في فهم التوحيد، من حيث إنها في الوقت نفسه الأكثر انخراطًا من سواها جميعًا في التغير والكثرة. والأمران بالطبع متلازمان؛ ولعل في ذلك ما يعود، جزئيًّا على الأقل، إلى شروط حياة هذه الشعوب: المسألة مسألة مزاج، لكنها أيضًا مسألة مناخ؛ وكل من الأمرين إلى ذلك تابع للآخر، إلى حدٍّ معين على الأقل. ففي بلدان الشمال، بالفعل، حيث ضياء الشمس ضعيف ومحتجب غالبًا، تبدو الأشياء كلها للأنظار ذات قيمة متساوية، إذا جاز القول، وبصورة تثبت إثباتًا بحتًا وجودها الفردي من غير أن تشفَّ عما يتعداه؛ وبهذا، لا تُرى حقًّا، في التجربة العادية نفسها، إلا الكثرة. لكن الأمر على غير ذلك تمامًا في البلدان التي يمتص فيها الشمس[4]، بضيائه الشديد، إذا صح القول، الأشياء كلها في ذاته، فيجعلها تختفي من أمامه مثلما تختفي الكثرةُ من أمام الوحدة، لا لأن هذه الكثرة تنعدم على صعيدها الخاص، بل بالدقة لأن وجودها هذا في حُكم العدم من منظار المبدأ. بذا فإن الوحدة تصير على نحو ما محسوسة: فهذا الوهج الشمسي هو صورة سطوع عين شيڤا[5] التي تستهلك كل تجلٍّ وتحيله رمادًا. فالشمس يفرض ذاته هنا بوصفه الرمز بلا منازع إلى المبدأ ("الله أحد")، واجب الوجود، الغني بذاته عن العالمين في صمدانيَّته المطلقة ("الله الصمد")، الذي تتكل عليه في وجودها ورزقها الموجوداتُ كلها، التي ليست خارجه إلا عدمًا.

إن لـ"وحدانية الله" monothéisme، مع أنها تحدُّ من المعنى بعض الشيء بإيحائها إيحاءً يكاد أن يكون حتميًّا إلى منظور ديني حصرًا، – لـ"وحدانية الله" بالتالي، نقول، خاصية "شمسية" أساسًا: إذ هي ليست "محسوسة" في أي مكان آخر بقدر ما هي محسوسة في الصحراء، حيث تنوُّع الأشياء مختزَل إلى حدِّه الأدنى وحيث يُظهر السراب، في الوقت نفسه، كل ما يقع من العالم المتجلي على صعيد الوهم. هناك، يوجِد ضياءُ الشمس الأشياءَ ويعدمها على التوالي، أو بالأحرى، – لأن من الغلط قولنا إنه "يعدمها" – يحوِّلها ثم يعيد امتصاصها بعد إظهاره إياها[6]. وليس بالوسع إيجاد صورة أصح للوحدة التي تسري خارجيًّا في الكثرة، مع بقائها هي هي ومن غير أن تتأثر بها، ثم تعيد إلى ذاتها، بحسب المظاهر أيضًا، هذه الكثرةَ التي لم تخرج أصلاً من الوحدة قط، وذلك لأنه لا يمكن لأي شيء أن يوجد خارج المبدأ، الذي لا يمكن أن يضاف إليه شيء ولا أن يُحذَف منه شيء، كونه كلية الوجود الواحد التي لا تتجزأ. ففي ضياء بلدان الشرق الشديد، حسب المرء أن يرى لكي يفهم هذه الأمور، فيعقل من فوره حقيقتها العميقة؛ وبالأخص، يبدو من المحال عدم فهمها هكذا في الصحراء، حيث الشمس يخط الأسماء الإلهية بحروف من نار في كبد السماء[7].

جبل سيدنا موسى، 23 شوال 1348 هـ؛
مصر، سيدنا الحسين، 10 محرم 1349 هـ
(ذكرى موقعة كربلاء).

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Le Voile d’Isis, juillet 1930, pp. 512-516 ; repris dans René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Gallimard, 1973, pp. 37-43.

** فيلسوف فرنسي (1886-1951)، ولد في بلوا (فرنسا) وتوفي بالقاهرة. شُغف بالروحانيات منذ حداثة سنِّه، فدفعه حب الاستطلاع إلى اختبار معظم مدارسها الحديثة، حتى اهتدى أخيرًا إلى تصور متكامل عن وحدة المأثورات "الدينية" الأصيلة في العالم قاطبة، بوصفها تعبيرات متنوعة متفرعة عن "منقول قديم" Tradition Primordiale واحد، فاطمأن إليه وراح، بالتوازي مع حياة باطنية غنية، يكتب فيه المقالات والكتب والرسائل، مؤسِّسًا بذلك لمذهب "نقلي" traditionnaliste مازال أثرُه ساري المفعول حتى يومنا هذا. من مؤلفاته الكثيرة الهامة: الإنسان ومآله بحسب الڤيدنتا، أزمة العالم الحديث، رمزية الصليب، الثالوث الأكبر، لمحات عن المُسارَرة. (المحرِّر)

[1] المقصود هو مذهب "اللاثنوية" (أدڤيتا advaïta) أو التوحيد الخالص في الهندوسية. (المحرِّر)

[2] راجع: رونيه گينون، "الطاوية والكونفوشية"، سماوات: http://samawat.org/essays/taoism_confucianism_guenon. (المحرِّر)

[3] المقصود هو الرد على رأي بعض المستشرقين القائل بأن التصوف الإسلامي ليس من الإسلام الأصلي في شيء، بل نشأ كمذهب بعد نزوع المجتمع الإسلامي للانصراف إلى الدنيويات واحتكاك تيار الزهد في الإسلام، بوصفه ردة فعل على ذاك النزوع، بالفلسفة اليونانية والرهبنة المسيحية والتصوف البوذي واقتباسه منها. (المحرِّر)

[4] ارتأى المترجم تذكير الشمس، وذلك لثلاثة أسباب: الأول لغوي بحت، باعتبار أن الفرنسية تذكِّر الشمس وتؤنث القمر؛ والثاني متعلق بالرمزية الكوسمولوجية والميثولوجية للشمس كمبدأ فاعل (مذكر)، في مقابل رمزية القمر كمبدأ منفعل (مؤنث)؛ والثالث انسجامًا مع ميثولوجيا الشرق الأدنى القديم التي جعلت الألوهة الشمسية مذكرة (الإله شمش مثلاً). (المحرِّر)

[5] شيڤا هو المظهر المميت من مظاهر الثالوث (تريمورتي trimūrti) الإلهي الهندوسي: برهما، ڤشنو، شيڤا؛ ويمثل برهما نقطة التوازن بين قوة الحفظ والتجديد (ڤشنو) وبين قوة التدمير والإتلاف (شيڤا). ولشيڤا أعين ثلاث، تتوضع ثالثتها عموديًّا في مركز الجبهة؛ وهي ترمز إلى الشمس، القمر، النار الماحقة والحكمة العليا. (المحرِّر)

[6] راجع الهامش السابق. (المحرِّر)

[7] نود هنا، تعقيبًا على كلام گينون، لفت النظر إلى أن الإسلام، من منظار باطني بحت، دين "شمسي" و"قمري" في آن معًا، كونه يربط مواقيت الصلاة – ركنه الروحي بامتياز – بحركة الشمس في القبة السماوية، حيث إن إقامتها هي التي تربط الزمن الأرضي (النسبي) بالزمن الكوني (المطلق) الذي ترمز إليه حركة الشمس، بينما يربط بداية الصوم ونهايته، مثلاً، برؤية الهلال، باعتبار الصوم منسكًا مرتبطًا بالصعيد الأرضي (النسبي) للأشياء، ويتعلق أساسًا بالعمل الداخلي على الجسم والنفس؛ بعبارة أخرى، كل ما يتصل من مناسك الإسلام بالروح (الجانب ما فوق الفردي من الإنسان) مرتبط رمزيًّا بالشمس، وكل ما يتصل منها بالنفس (الجانب الفردي منه) مرتبط بالتقويم القمري وبمنازل القمر. (المحرِّر)

الدعوة إلى اللاعنف: للمقهورين أم للقاهرين؟ - جان-ماري مولر

الأحد, تشرين الأول 18th, 2009

هل يُدعى القاهرون بالأولى

إلى اللاعنف أم المقهورون؟

muller_2

جان-ماري مولِّر*

ثمة سؤال يتكرر طرحُه من حين لآخر، فيما يشبه الاستفزاز: "لماذا يُنصح باللاعنف دومًا للمقهورين؟ ألا يجب بالأولى أن يُدعى إليه القاهرون؟" بدايةً، هل من اللائق "النصح باللاعنف" للمقهورين؟ يجدر بالمرء، أولاً، ألا يقف على منبر الواعظ، لأن الذي يحصي ضربات العصي ليس كمن يتلقاها. ومن بعدُ، هل من اللائق "دعوة القاهرين إلى اللاعنف"؟ وهل من الممكن أصلاً، في الواقع، تخيُّل قاهر لاعنفي؟ قطعًا، لو اتفق للقاهرين أن يهتدوا إلى اللاعنف لانعدم القهر إلى الأبد. لكن فرضية كهذه عبارة عن مثالية محضة ولا تصلح للإحاطة بالواقع في شيء.

إن القاهر هو الذي يتحمل المسؤولية الأولى – المسؤولية الأصلية – عن العنف. فالقاهر – ولا ريب – هو المحرض الحقيقي على العنف، وإنْ يكن يتشبث بموقف الناكر لعنفه هو، إذ يزعم، واثقًا من حقِّه، أنه لا يستعمل إلا مقدار القوة الضروري كي يدرأ عن نفسه مقاومة المقهور. أما وأن الأمر كذلك، وبما أن القاهر عنيف بالطبع، يقضي المنطق الخالص بإلزامه أن يكون غير عنيف. لكن هذا السؤال، فيما يتعدى ظاهر هذا المنطق، سؤال موارب أساسًا، من حيث إنه يشي بأننا حيال جماعتين بشريتين تتخذان، في النزاع الناشب بينهما، موقعين متوازيين، الأمر الذي يجيز لنا مخاطبتهما باللغة نفسها بإسداء "النصائح" نفسها. لا شيء من ذلك طبعًا.

لا مناص لنا من الاعتراف بواقع الحال: إذا كان بمقدور المقهورين، بوصفهم مقهورين، أن يختاروا اللاعنف، فإن القاهرين، بوصفهم قاهرين، ليس بوسعهم أن يختاروه. وإذا كان من المعقول أن يختار المقهورون اللاعنف لمقاومة القهر، فمن طبيعة القاهرين أن يختاروا العنف إصرارًا على قهرهم؛ وقد تعلمنا من التاريخ أنهم لن يقلعوا عنه بمحض إرادتهم. إن هدف المقهورين من أخذهم بالخيار اللاعنفي هو بالضبط إكراه القاهرين على الإقلاع عن عنف ظلمهم.

لا يمكن للقهر الذي ينتهك حقوق الإنسان الأساسية، إذ ينال من كرامته وحريته، إلا أن يحرض انتفاض المقهورين وجميع الذين ينتوون تأكيد تضامنهم مع قضيتهم. والانتفاضة تتضمن المقاومة – وهي مقاومة قاسية. لكن من فرائض اللاعنف أن يُنظَر إلى القاهر بصفته هو الآخر إنسانًا يحمل هو الآخر، في أعماق سريرته، طلبًا للعدل.

اللاعنف نضال لا يساوم ضد الظلم يلازمه احترامٌ لإنسانية الظالمين؛ وهذا الاحترام لشخص الخصم من شأنه لا أن يوهن المقاومة، بل أن يقويها. فاللاَّعنف يمارس مقاومة للعنف أشد برفضه مضاعفة العنف؛ وهو، ببقائه على صعيد العدل، يتيح بذلك تركيز الصراع ضد الظلم.

ومنه، فإن اللاعنف لا يريد العدول عن مناشدة ضمير القاهر وعقله حتى يوقظ فيه إنسانيته، فيحمله على إنصاف المقهور. بهذا المعنى، فإن المقصودة فعلاً هي دعوة القاهر لا إلى اختيار اللاعنف، بل إلى الإقلاع عن العنف، أي – إذا جاز لنا أن… نكتب – إلى اختيار عدم العنف.

لكن القاهرين، على الأرجح، لن يكترثوا بمثل هذه الدعوات إطلاقًا، بل سيصمُّون آذانهم عن حجج المقهور ويظلون عصيِّين على الإقناع؛ وسيكون دأبهم الدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم بكل سهام العنف التي في جعبتهم. وهم، إذ يفعلون ذلك، منسجمون مع منطقهم – وهو منطق صعب المراس: إنه منطق القدرة الكلية.

غير أن هذه الدعوات إلى عدم العنف، هذه النداءات إلى ضمائر القاهرين وعقولهم، ليس محكومًا عليها بالضرورة أن تَعدم كل جدوى. فبين جماعة القاهرين بالذات، قد يحصل في الغالب أن ينفتح بعض الأشخاص على هذه النداءات، فيعون الظلم الواقع على المقهورين. وتبين التجربة، حتى في أشرس النزاعات، أن بعض المنتمين إلى جماعة القاهرين يكفُّون عن التضامن مع جماعتهم وينشقون عنها ويحامون عن قضية المقهورين. بعضهم، مجازفًا بنفسه أشد المجازفة، لا يتردد جهرًا في مقاومة سياسة القهر التي تنتهجها جماعته، وذلك بإعمال وسائل العمل المباشر اللاعنفي؛ في حين أن بعضهم الآخر قد يذعن للاقتناع، لأسباب پراغماتية، بأن مصلحته تقتضي ضمنًا إيجاد تسوية مع المعسكر الخصم. وهذان كلاهما يمكن لهما عندئذ أن يلعبا دورًا حاسمًا في تطور النزاع بتيسيرهما البحث عن حلٍّ بنَّاء.

والحال، فإن من شأن عنف المقهورين حصرًا أن يقضي غالبًا على جهود المنشقين الذين ينهضون بين القاهرين؛ إذ إن من خصائص العنف أن يرص صفوف أفراد المعسكر الخصم وينزع إلى لمِّ شمل هذا المعسكر في كتلة موحَّدة. وإنها لواقعة مُثبَتة بالبرهان القاطع أن العنف يسيء إلى أعدل القضايا ويعسِّر الدفاع عنها، وذلك لأن العنف ينطوي على قدْر من الظلم لا يُختزَل. بالمقابل، فإن لاعنف المقهورين يفسح لهؤلاء المنشقين مجالاً يمكن لهم فيه إظهارُ شرعية مطالب المقهورين.

وفي الحاصل، فإن الواقعية البحتة هي التي تنصح للمقهورين باختيار اللاعنف، لأن مقدرة القاهرين على العنف هي دومًا أكبر بما لا يقاس من مقدرة المقهورين عليه. والمقهورون، إذ يختارون العنف، يقفون على الصعيد الذي يكون القاهرون فيه أوفر عتادًا وأجْوَد تسليحًا. بذا فإن اختيار المقهورين للعنف لا يسعه إلا أن يحرض مزيدًا من القمع من جانب القاهرين ويحبس هؤلاء في منطق عنفهم. ومنه، فإن نضال المقهورين ضد قهرهم يُلزمهم إلزامًا مطلقًا بإحباط قمع القاهرين.

قصارى الأمر، إذن، أن مقاومة المقهورين اللاعنفية هي خير وسيلة لـ"دعوة القاهرين إلى عدم العنف".

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* فيلسوف وكاتب ومناضل لاعنفي فرنسي والناطق باسم "الحركة من أجل بديل لاعنفي"؛ وضع كتبًا عديدة في فلسفة اللاعنف وإستراتيجية العمل اللاعنفي، آخر ما نُشر منها بالعربية: قاموس اللاعنف، معابر للنشر/الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية (2007) واللاعنف في التربية، معابر للنشر (2009)، بترجمة محمد علي عبد الجليل.

نظرات في مفهوم الثقافة - ديمتري أڤييرينوس

الأحد, أيلول 27th, 2009

نظرات في مفهوم الثقافة*

ديمتري أڤييرينوس**

يحظى مصطلح ثقافة ومشتقاته باهتمام متزايد في عصرنا. فكثيرًا ما نسمع في وسائل الإعلام كلمات من نحو: "المثقفون"، "إشعاع ثقافي"، "مثقف طليعي"، "دور المثقف الثوري"، "ثقافة شعبية"، "ثقافة عالِمة"، إلخ؛ وكذلك شعارات من نحو: "الثقافة هي الحاجة العليا للمجتمع"، "الثقافة غذاء العقل"، إلخ. فهل تساءلنا جديًّا عن معنى هذه العبارات؟!

كلمة "ثقافة"، بالعربية، هي المصدر من فعل ثَقِفَ أو ثَقُفَ، وهي تحتمل معنيين: إما الحذق والخفة والظرف في الفهم والحديث، وإما تهذيب الشخصية الإنسانية وتأديبها والمضي بها إلى أعلى درجات الكمال – والمعنى الثاني، بالطبع، هو الذي اخترت أن يكون موضوع حديثي اليوم.

أما كلمة culture، بالفرنسية أو بالإنكليزية، فهي مشتقة من المصدر اللاتيني cultura، وتعني "فن الزراعة والعناية بالنباتات". (لعل هذا الأصل اللساني للكلمة يشير إلى أن بدايات الثقافة مرتبطة باستقرار الإنسان البدائي في قرى ونشوء المجتمع الزراعي.) كلنا يعلم أنه توجد على كرتنا الأرضية أعداد لا حصر لها من النباتات التي تنمو، من دون معونة الإنسان، وفقًا لسيرورات طبيعية؛ وكلنا يعلم أيضًا أنه تجري في الطبيعة سيرورات خَلْق من أبدع ما يكون: أشجار باسقة، زهور رقيقة، نباتات متسلقة، نباتات زاحفة، ليس لجمالها الخارق أي دخل بالجهود التي يبذلها الإنسان.

أما الزراعة، في مقابل نمو النباتات الطبيعي، فتعني تكريس مجهود أو اهتمام لتطور النبتة المزروعة. لذا يتضمن عمل المُزارع – أي مُزارع – القيام بكل ما من شأنه أن يشجع عملية التطور تلك، بما يرافقها من إزهار وإثمار وإيناع، ويكفل الحفاظ على النبتة في صحة طيبة. وتتضمن الزراعة عددًا من العمليات: علينا، أولاً، أن نحرث الأرض، ثم أن نغذيها بأن نُمِدَّها بالعناصر الضرورية؛ ثم علينا أن نرويها، كما علينا أن نقتلع منها الأعشاب الضارة اقتلاعًا مستمرًّا. والمجهود الذي نقوم به يجب ألا يكون عشوائيًّا أو مزاجيًّا، بل منظم ودقيق. لكن هذه العمليات جميعًا، من حرث وتسميد وري إلخ، لن تجدي نفعًا إذا خَلَتِ التربة من بذرة أو جذر، من بصلة أو غرسة، أي إذا لم تتضمن عنصرًا من عناصر الطبيعة، أولاً وآخرًا.

الإنسان، إذن، عاجز عن خلق بذرة أو تصنيع غرسة. بوسعه طبعًا أن يُصالِب بين أجناس مختلفة من النوع نفسه، فيحصل بالتلقيح المتصالب على ثمار مختلفة في شكلها ومذاقها وخصائصها؛ أو أن يُجري تطعيمًا، كأنْ يغرس طُعمًا من شجرة مثمرة في شجرة مثمرة أخرى (الحمضيات مثلاً)، وأن يقوم بعمليات أخرى كثيرة. لكن جميع هذه التجارب تحتاج إلى مواد من إنتاج ذلك المعمل المعقد الشاسع الذي ندعوه الطبيعة.

لذا، مهما بدا لنا عمل المُزارع أصيلاً وعبقريًّا، فهو لا يفعل أكثر من مدِّ يد العون إلى سيرورة طبيعية. للنبتة طبيعتها الخاصة: فهي تنمو بمقتضى قوانين محددة، بحسب سيرورة متضمنة في برنامجها الجيني: لا يمكن لنا أن نحصل على بلوطة من حبة قمح، ولا على تينة من بذرة كرز؛ إذ إن كلاً منهما ينمو بحسب السيرورة التي تنطوي عليها البذرة. انظروا إلى بذرة التين ما أصغرها! إنها تكاد ألا تُرى بالعين المجردة، لكنها تحوي إمكانية أن تصبح شجرة ضخمة تستظل بها جحافل من الناس. هذه القدرة الكامنة توجد في كل بذرة، ويقتصر دور المُزارع على مساعدة هذه القدرة الطبيعية على التفتح، وذلك بدراستها ومحاولة تفهُّم سيرورات عملها.

كثيرًا ما تدور نقاشات – عقيمة في الغالب! – حول الأهمية النسبية لكلٍّ من "الطبع" و"التطبع": هناك مَن ينادي بترك الطبيعة تعمل بمطلق الحرية؛ وهناك أيضًا مَن يعتقد بضرورة تطبيق قوى خارجية "تطبِّع" القوى الداخلية وتحل محلها. الزراعة تعني إمكانية وجود قوى خارجية يمكن لها أن تلعب دورًا في عملية إفصاح القوى والعوامل الكامنة عن ذاتها (فلو لم يكن الأمر كذلك لما احتاج المُزارع إلى بذل أي مجهود)؛ لكن كونَ بعض العمليات يتضمن وجود عامل مساعد يشير إلى أن عوامل البيئة والقوى الخارجية تأتلف مع الإمكانية الداخلية؛ وعلى هذا الائتلاف يتوقف نمو النبتة وتفتُّحها. أما التدخل البشري القسري فتكون نتائجه كارثية في الغالب. يروي الحكيم الصيني منشيوس القصة التالية، أنقلها لكم من غير تعليق:

كان في مملكة سونگ رجل عجوز عَجول زرع حقله وأخذ يترقب نمو الأشتال فيه بفارغ الصبر. غير أن الأشتال واصلت نموها الطبيعي وخيبتْ أمل الرجل. وذات يوم، خطر بباله أن يسحب الأشتال إلى أعلى حتى يسرِّع في نموها. أنهى الرجل سَحْب الأشتال كلها، ثم عاد إلى بيته منهوك القوى وقال لذويه: "تعبت كثيرًا من سَحْب الأشتال طوال اليوم، لكن تعبي لم يذهب سدى، إذ أمست اليوم أطول منها بالأمس." ولما سمع ابنه هذا الخبر ذهب إلى الحقل مسرورًا، فرأى الأشتال آخذة في الذبول.

تتجلى الطبيعة من خلال تناغم الداخل والخارج، الباطن والظاهر، في عملية تطورية متصلة الأسباب والنتائج. فمهما تكن الدرجة التي يبلغها التطور في تجليات الحياة، يُعَدُّ الباطن والظاهر خطان متوازيان يتفاعلان تفاعلاً متواصلاً، ويتوقف النمو على طبيعة هذا التفاعل. فالقوى الخارجية، على سبيل المثال، يمكن لها إما أن تثبط القوى الداخلية وإما أن تنشطها.

* * *

يعتقد علماء النفس السلوكيون behaviorists بوجود إمكانية لإشراط conditioning الفرد، بحيث يتصرف بحسب المطلوب منه. ويقوم اعتقادهم هذا على إمكانية تطويع الحيوان: فهُم يُشرطون الحيوانات بمعاقبتها عندما تمتنع عن تنفيذ ما يتوقع منها مروضوها وبمكافأتها عندما تطيعهم. ويتم ترويض حيوانات السيرك على هذا النحو: فالفيل، بجثته الضخمة ووزنه الهائل، يصعب عليه أن يقف على قائمة واحدة؛ لكنه يُساط ويقدَّم له الموز وسائر أنواع المكافآت لينفذ هذا التطويع المخالف لطبيعته. بالطريقة ذاتها، يُجبَر المساجين في معسكرات الاعتقال على الكلام والتصرف وفقًا لرغبة السلطات. ومنه، يتوهم السلوكيون أن بوسعهم، باستعمال قوى خارجية، تطويع البشر على التصرف بحسب ما يُملى عليهم.

ولهذا السبب أيضًا، كثيرًا ما يُظَن، عندما يأتي ذكر الثقافة، بأنها مسألة فَرْض قوالب معينة على الناس – قَوْلَبَتهم – ليس إلا. يمكن لنا، على سبيل المثال، أن نتعلم كيفية التصرف، كيفية التحدث بأسلوب أو بلهجة معينين، ارتداء ثيابنا بحسب الموضة الدارجة في المجتمع، إلخ. إن الطريقة التي تتم التربية وفقًا لها، والتقاليد التي يجد المرء نفسه، منذ ولادته، محاطًا بها، والتعليم الذي يلقِّن الطفل ماذا يفكر وكيف يفكر – هذه العوامل جميعًا تشكل جانبًا من "الثقافة" المزعومة. وبالمثل، فإن التراث – وهو خلاصة التفكير الجمعي للأجيال السابقة – يُفرَض فرضًا على الذين "ينتمون" إليه، فيدخلون في قالبه.

على نحو مماثل، يلعب كلٌّ من التاريخ والعرق واللغة والدين والمناخ الاجتماعي دوره في تكوين أسس شخصية الفرد. وهكذا يتلون تعبير "ثقافة" – عندما يُستعمَل بالمعنى الجمعي – بصبغة إقليمية، قطرية، قَبَلية، دينية، طائفية، متعصبة ومتزمتة غالبًا. من هذا المنطلق، نجد "الثقافة الإسلامية" و"الثقافة المسيحية"، "الثقافة العربية" و"الثقافة الغربية"، إلخ. لقد أضحت الثقافة عامل تفتيت وتجزئة، وكأن مهمة كل ثقافة باتت "منافسة" الثقافات الأخرى! إن كل أمة أو جماعة بشرية تخشى فقدان ثقافتها أو "طمسها" أو "غزوها" لأن كل فرد من أفراد هذه الأمة أو الجماعة يماهي بين هذه الثقافة وبين الأفكار الجمعية التي كونتها "عشيرته" وطريقتهم في السلوك. فالثقافة، لدى كل جماعة بشرية، هي الوسيلة الجماعية للبحث عن الأمان – أكانت هذه الجماعة دينية، عرقية، إقليمية، أو قومية. والفرد نفسه مشروط كذلك من الخارج، لأن ما دعوناه "ثقافة" ما هو إلا مسألة عادات وأذواق مكتسَبة وتقيُّد بقواعد معينة للسلوك.

* * *

يقيم المجتمع، في كل حضارة، أطُرًا ومقاييس (= قوالب) غير قابلة للتبديل؛ وكل مَن يراعي هذه الأطُر والمقاييس، كل مَن يدخل في هذه القوالب، يرتقي على الصعيد الاجتماعي ويُعَد، بنظر الناس، "مثقفًا". قد تكون لحضارة أخرى عادات مختلفة وأساليب ومناهج تربوية (= قوالب) أخرى؛ ومع ذلك، يَعدُّ المجتمع اكتساب هذا "الورنيش" ثقافةً! قد تتضمن كلمة "ثقافة" قدرة المرء على القيام بعدد من الأمور، كأن يكون صاحب ذوق أدبي أو موسيقي، أو يكون متكلمًا بارعًا، فيلمع في المناقشات والمناظرات – ولا همَّ فيما بعد إذا ربط "ثقافته" بمصلحة فردية (أي بـ"الأنا" ego) أو بمنفعة اجتماعية. إنما يجب ألا يغيب عن بالنا أن المصلحة أو المنفعة الضيقة، بما أنها تختلف من شخص لآخر ومن فئة اجتماعية لأخرى، فإن الثقافة، إذا فهمناها على هذا النحو، تعدم أية قاعدة فعل.

* * *

لا يمتُّ عنوان هذا الحديث إلى "التثقف" بأية صلة، لأن التثقف، في الواقع، أمر لا وجود له! فعندما "نتثقف"، أو بتعبير آخر، عندما نزيد من "مركزية الأنا" egocentricity لدينا، لا تكون ثمة ثقافة-زراعة حق، مهما كانت القدرات والمواهب التي ننمِّيها فينا ذات شأن. الثقافة-الزراعة الحقيقية فعل داخلي، بناء باطني للإنسان، يرمي إلى تهذيب شخصيته، كما جاء في بداية الحديث، وإلى ربطه، من خلال كل عمل يقوم به وكل فكرة يفكر فيها وكل شعور يشعر به، بالعالم كله. في وسعنا أن نطبِّق قوى خارجية مختلفة، لكن هذا لا يُعَدُّ ثقافة-زراعة إلا بقدر ما يفيد في نمو النبتة، أي في بث الحركة في العمل الداخلي. ويؤسفني أن أقول إن مَن لم يمعن النظر بعدُ في فكرة انتماء ما ندعوه الـ"أنا" إلى طبيعة الإنسان الحق أو عدم انتمائه لن يتمكن من أن يصبح إنسانًا مثقفًا، لا اليوم ولا في أي يوم!

إن رغبتنا في التثقف – أقول الرغبة ولا أقول الإرادة – غالبًا ما تكون شكلاً من أشكال الأنانية. هي رغبة ليس في التفوق على عامة الناس وحسب، بل ورغبة في نيل منزلة رفيعة بين المتفوقين منهم! إنها تتحول إلى طموح إلى المجد والتميز وإلى إيجاد هوية متفوقة. (جدير بالذكر أن "الطموح" و"الطمع" يشيران إلى دافع واحد، إلى آلية فكرية واحدة، وإنْ يكن على مستويين مختلفين.) وتكون الثقافات الدينية والقومية إلخ بمثابة المعبَر إلى بلوغ تلك المنزلة المنشودة.

* * *

أضحت حاجة "البحث عن هوية" أحد المفاهيم الأوسع انتشارًا في أيامنا هذه، لأنه يؤلمنا أن نكون بلا هوية، أن نكون "لاأحد"‍‍ nobody! فمنذ طفولتنا المبكرة نُشرَط – بل نُبرمَج – على تعلُّم كيف نصبح "أحدًا" somebody! لذا نجد معظم فئات المجتمع تُنشئ أبناءها على تحقيق أهدافها ومطامحها (= مطامعها). وهكذا يقتصر دور الأبناء على تلبية طموح الآباء وأحلام المجتمع ورغباته. نقرأ، بهذا الصدد، في النبي لجبران:

إن أولادكم ليسوا بأولادكم.
إنهم أبناء وبنات توق الحياة إلى ذاتها.
بكم يأتون إلى الحياة، لكنْ ليس منكم [...].
لكم أن تمنحوهم محبتكم، ولكن دون أفكاركم،
فلهم أفكارهم. [...]
ولكم أن تجتهدوا لتكونوا مثلهم، لكن لا تسعوا أن تجعلوهم مثلكم.
فالحياة لا تعود القهقرى، ولا هي تتمهل عند الأمس.

إن زرع مطامح (= مطامع) الآباء في نفوس البنين يجرِّد التربية من مضمونها الأخلاقي والروحي. فهي إذ ذاك، إذا اقترنت بالعلم، تشير إلى بلوغ هدف اجتماعي وتولِّي منصب مرموق: يجب أن أصبح طبيبًا، مهندسًا، محاميًا، "مسؤولاً" (كذا!) – وإلا فلن أكون نفسي حقًّا. لذا أضحت الثقافة الحقيقية عملة نادرة في مجتمعنا وفي سائر المجتمعات.

* * *

أود هنا، وقد أتيت على ذكر التربية، أن أتوسع قليلاً في مفهومها – بقدر ما يسمح به الوقت المخصص للحديث – لأنها، برأيي، تهدف إلى تحقيق غاية نبيلة وسامية، هي إفصاح صميمي وجوهري عن غاية وجود الإنسان نفسه. فالتربية الحقيقية هي سيرورة تعليم الإنسان معنى وجوده والغاية منه. وليس من معنى لوجود الإنسان وغاية إلا بتحقيق المعرفة والمحبة: تتجلى المعرفة في تعليم الإنسان بأنه قد وُجد في هذا العالم ليعرف وبأن عليه، بالتالي، أن يصرف حياته مفتشًا عن حقيقة وجوده؛ وتتجلى المحبة في تعليم الإنسان بأن وجوده مرتبط بغاية أخلاقية أصيلة فيه، سامية غاية السمو، تتلخص في سعيه إلى تحقيق الحرية والطمأنينة والسلام، التي تتجسد بأنصع صورها في الخدمة والتضحية والعمل في سبيل سعادة الإنسانية جمعاء. الإنسان موجود في المجتمع، مع الآخرين، لأن الإنسان "المجرد" أو "المعزول" غير موجود؛ فوجوده مع الآخرين يشير إلى التضامن والمشاركة والتعاطف، لا إلى الانقسام والمنافسة والتناحر.

هكذا تكون التربية السوية – والثقافة جزء منها – وسيلة لتحقيق إنسانية الإنسان. لكن التربية في عالم تكنولوجي وإيديولوجي منقسم على ذاته تهدف إلى إشباع نَهَم الإنسان في مجتمع فاسد، إلى إشباع غروره وعنجهيته، وتشير إلى "تربية" شهواته ونزواته من خلال تحصيل المعرفة. ففي حقل العلم، مثلاً، يتعلم الإنسان السعي في اكتساب المعلومات للتزوُّد بمعرفة تقنية، لكنْ دون ربط هذه المعرفة بغاية إنسانية رفيعة. ولعل التعلق بالقومية أو الإقليمية أو الدين، والعمل على توطيد هذا التعلق، أمسى غاية من غايات العلم في شكله الحديث. وجليٌّ أن الإيديولوجيات السائدة لا تدعو الإنسان إلى تحصيل العلم والثقافة إلا لمنافسة الإيديولوجيات الأخرى. لذا يندر أن نعثر على إنسان يتعلم أو يتثقف ليزداد رقيًّا في سلَّم المعرفة والمحبة، أو لأن واجبه الإنساني السامي يستدعي ضرورة المعرفة لأنها وثيقة الارتباط بمعنى وجوده.

ومنه، نرى أن كل ثقافة مقيدة بإيديولوجيا معينة، أو بأية فكرة لا تُعنى بصقل باطن الإنسان ولا تكرِّس المعرفة كوسيلة للتحرُّر وللسمو بإنسانية الإنسان، تؤدي حتمًا إلى النزاع والحروب. إن ربط الثقافة بالإيديولوجيا مسعى مغلوط من أساسه، لكنه، بكل أسف، واقعي: فالواقع يشير إلى أن الثقافة تتضمن، في مفهومها الواقعي الممارَس، فكرة التجزئة والنزاع.

* * *

نحن، إذن، نعبِّر عن "هويتنا" بالانفصال عن الآخرين، بالإصرار على خصائصنا "الفريدة"، بعَزْونا إلى أنفسنا مميزات خاصة، وبالتمسك بثوابنا الخاص. وهكذا، كلما أصررنا على أهمية هوية ما، ازددنا انفصالاً عن بقية الناس: يحاول كلٌّ منا أن يحس بأهميته كفرد، بأنه "أنا"، وأن يُبقي على هذا الإحساس ويحافظ عليه بكل قواه، فيقول: "أنا كذا وكذا…" مع ذلك، تبقى هذه الهوية وهمية، لأنها مجرد صورة من صنع الـ"أنا" نفسها. فواقع أن الإنسان، عندما يشعر بأنيَّته (الفردية أو الجمعية) وقد تقلَّصتْ، لسبب من الأسباب، وانتُقِص من أهميتها، يصاب بالذعر وبالقلق، ويناضل بكل قوته ليعيد إلى الـ"أنا" حجمَها المتوهَّم. يشير كل ما سبق إلى أن الاحتفاظ بهوية ما ثابتة من المحال.

الثقافة، إذن، عاجزة عن تحقيق ما ليس موجودًا أصلاً. فهذه الهوية الزائفة، هذا الإحساس الوهمي بـ"الأنا"، هذا الشعور الزائف بالانفصال، ما هو إلا نتاج للإشراطات المطبقة علينا بفعل التربية المشوهة التي تُعَدُّ الثقافةُ – للأسف – جزءًا منها، كما سلف. ومن هنا تنجم معاناة البشرية، شقاؤها المزمن: الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمارس العنف ويتعمد الوصول به إلى أقصى درجات القسوة وقَهْر الآخرين؛ إنه الكائن الوحيد الذي يحفر قبره بيديه وبأظافره؛ إنه وحده الذي يبني من جهة، ليهدم ما بناه من جهة ثانية؛ وحده الذي يدمر الطبيعة ويستنفد مواردها؛ وحده الذي يستقتل للوصول إلى السلطة والنفوذ ويطلب، في جشع لا يعرف الحدود، أشياء تافهة ليس في حاجة إليها. هذه الرغبة في النفوذ، هذا الجشع، هذه القسوة، تنجم جميعًا عن أفكاره الخاصة التي يروق له أن يدعوها "ثقافة"! ومع ذلك، فهو يأبى إلا أن يتشبث بهذه الأفكار، وكأن حياته نفسها متوقفة على الاستمرار في اعتناقها! هل تعلمون كيف يصيد بعضُ قبائل الزنوج القرود؟

أتذكر – منفعلاً – أنني، وأنا بعدُ طفل، شاهدت عند أحد رفقائي – وكانت عنده آلة عرض سينمائية للأطفال – فيلمًا قصيرًا إلى حدِّ السذاجة، فيلمًا لا تزال صورُه مرتسمة في مخيِّلتي وتستدعي فيَّ ذلك الانفعال الأول إلى اليوم. على ملاءة سرير بيضاء، مثبَّتة بدبابيس على حائط غرفته، رأينا صورًا متراقصة لكيفية اصطياد الزنوج للقرود: يقوم الزنوج بربط قرعة مجوفة إلى نخلة جوز هند، ثم يتوارون بعد أن يلقوا في قاعها بحفنة من حبات الفول السوداني. وما هي إلا هنيهات حتى يظهر القرد، فيحشر يده في عنق القرعة الضيق جدًّا ويقبض على حبات الفول. لكن عنق القرعة أضيق من أن يسمح له بسحب يده منها وهي قابضة على الحبات. فيشد القرد ويشد، ويزعق جزعًا، لكن من غير جدوى. فما قَبَضَ عليه، متوسمًا فيه الغذاء، هو الذي يستبقيه أسيرًا! ثم ما يلبث الزنوج أن يعودوا، فيوثقون الحيوان المسكين ويكسرون القرعة لتخليص قبضته العالقة. وإلى اليوم، لا أزال أتساءل: ما الذي يمنع القرد من فتح قبضته المغلقة على حبات الفول والإفلات من الفخ المنصوب له؟ بربكم، ألسنا نفعل عين ما يفعله القرد عندما نتشبث بركام من الأفكار والمفاهيم والمعتقدات الضيقة التي تغذي فينا وهم الثقافة والمعرفة، بينما لا تفعل هذه في الواقع غير إبقاء عقولنا مأسورة، حبيسة جدران صماء وأفق ضيق؟!

(أدعوكم، بهذا الصدد، إلى قراءة رواية ميخائيل نعيمه اليوم الأخير، حيث نقرأ كيف صرف أستاذ جامعي كبير الساعات الـ24 المتبقية من حياته بعد أن جاءه في منتصف الليل هاتفٌ خاطبَه قائلاً: "قُمْ ودِّعْ اليوم الأخير!")

* * *

يقول أرنولد توينبي: "إن التقدم الذي ندعوه حضارة ليس إلا تطورًا في التكنولوجيا والعلم والتحكم بمصادر الطاقة." هذا "التقدم" المزعوم، إذن، ليس ارتقاءً في سلَّم الفضيلة والأخلاق، لأن الفضيلة والأخلاق لا تنمو مترافقةً مع الشعور بالانفصال عن الآخرين، ولا مع الرغبة في أن نكون "أحدًا"! لنعد إلى مثال البذرة: إنها لا تنمو بفضل عناية المُزارع، بل بفضل طاقة الحياة الكامنة فيها، فتهبنا شموخ السنديان ورقَّة البنفسج. لكن المُزارع إذا أتلف البذرة لن تنمو أبدًا؛ على النحو نفسه، لن ينمو الإنسان إذا احتفظ بصورة "الأنا" الوهمية هويةً وتمسَّك بها وتشبث، أي إذا حاول "زراعة" ما هو غير موجود أصلاً!

الثقافة الحقيقية هي ما يساعد على تجاوز "الأنا"، أو بالأدق، على إدراك وهمها، بحيث تنكسر قوقعتها، فتتسع وتتسع لتشمل الكون بأسره. لقد كتب المفكر الثيوصوفي جيناراجاداشا يقول:

الإنسان المثقف ليس كذلك بفضل نشأته ومحتده، لكن بفضله هو. هكذا يمكن لنا أن نصادف أناسًا لم ينالوا إلا حظًّا يسيرًا من الثقافة والتعليم، لكنهم صقلوا في أنفسهم وجهات نظر تعبِّر عن ثقافة رفيعة، لأن وجهة النظر التي يتبناها المثقف الحقيقي هي مركز ليس هو بذاته، بل هو "أنا" أوسع بما لا يقاس.

الثقافة الزائفة، إذن، تتضمن كوننا مشروطين بإحساسنا الوهمي بالانفصال والتفرُّد؛ إنها كل ما يسعى إلى توطيد إحساسنا بـ"الأنا".

* * *

يتوهم الإنسان أن ذكاءه وقدراته ملك له. لهذا يلتذ كل رجل، كل امرأة، كل طفل، – عن وعي منهم أو عن غير وعي، – بحالة الرضا الذاتي. نحن نحاول دومًا إرضاء أنفسنا بالإحساس بثوابنا؛ وبالطبع، كلما وجدنا تقصيرًا لدى الآخرين، نصير – مباشرةً – أشد إحساسًا بتفوقنا عليهم. وإلى هذا مردُّ استعدادنا الدائم للنقد؛ ولهذا يلذ لنا كشف عيوب الآخرين: إذ إننا عندما نرى ذواتنا خالية من هذه العيوب، يزداد إحساسنا بالتفوق؛ ولهذا نرى "القشة" في عين قريبنا، بينما نعمى عن رؤية "الخشبة" في عيننا، كما يقول المسيح. إن وعينا لحسناتنا وثواباتنا أكبر حجر عثرة أمام تفتُّح الثقافة الحقيقية.

* * *

بذا، ليست الثقافة الحقيقية توطيدًا لإحساسنا بالأنا وبالتفرُّد، بل إدراك نافذ لوهم صورة "الأنا" واستئصال لها من الجذور؛ الأمر الذي يستدعي يقظة كلِّية دائمة. فإذا انعدمت اليقظة، تغيب الثقافة الحقيقية، لتسود "ثقافة الأنا"! محال أن نحصل على حديقة جميلة غنَّاء إذا اكتفينا فقط باقتلاع عشبة طفيلية من حين لآخر؛ إذ يجب علينا ألا نكف عن تكريس انتباهنا بكامله، يقظتنا، وكل ما أوتينا من قدرة، لتحقيق هذه الغاية. بالمثل، يجب علينا أن نولي اجتثاث "الأنا" من أعماقنا اهتمامنا كله، في كل لحظة من لحظات حياتنا اليومية. فكلما تقلصت حدود "الأنا"، ازداد عمق شعور الإنسان بالطبيعة، بروعة الأصوات والألوان، بطيبة الإنسان، بالنظام وبالتناغم، بالصحة النسبية للأفكار المعروضة أمامه أو بغلطها النسبي، بخصال الآخرين، وبالانفتاح على الكون والحياة، حيثما تجلَّت.

لقد عجز الإنسان عن اكتشاف مغزى وجوده لأنه كرس صورة "الأنا" هويةً له؛ ومع هذا العجز، فقد علاقته المباشرة مع الطبيعة، ففقدت نظرته إلى الأشياء المحيطة به بساطتها وصفاءها، واختل توازنه الداخلي، فراح يبحث عن مخرج، في محاولة منه لاستعادة حالة التوازن تلك – فكانت الثقافة بالمفهوم الرائج هي البديل، بكل ما تتضمن من علم وفلسفة وفن وتراث وتكنولوجيا إلخ. وبذلك تشكَّل لدى الإنسان ميلٌ إلى تنمية قدراته الذهنية، فبات يُكثِر من القراءة، ولا يدع حفلة موسيقية أو معرضًا فنيًّا يفوته؛ صار يسرد آراء الآخرين في الفلسفة والعلم والفن، متهافتًا على قشورها، متناسيًا الجمال الذي يحيط به! يروي تراث بوذية زنْ القصة التالية، أنقلها لكم هي الأخرى من غير تعليق:

كان التلميذ دائم الشكوى لمعلِّمه: "أنت تحجب عني سرَّ الزنْ الأعظم." وما كان ليتقبل نفي المعلم ذلك. ذات يوم، بينما كان المعلم والتلميذ سائرين في نزهة على التلال، صدح طائر يشدو. قال المعلم: "هل سمعت ذلك الطائر يشدو؟" "نعم"، أجاب التلميذ. "طيب، أنت تعلم الآن أني لم أحجب عنك شيئًا." "نعم"، أجاب التلميذ.

الثقافة الحقيقية، إذن، فعل وعي، ولا قيمة فيها للقشور أو للطلاء الخارجي. إنها ثمرة تربية طبيعية سليمة وتعمُّق في فهم سلَّم القيم الأزلية التي ليست من خَلْق الإنسان: فالفطنة كلها، والجمال كله، والكمال كله في الطبيعة؛ والإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة، وما يتحلى به من فطنة أو مواهب ما هو إلا وسيلة للإفصاح عن الحقيقة التي تعتمل في أعماقه وتُعَدُّ جميع قوانين الكون كذلك إفصاحًا عنها. إن روائع العالم الحقيقية ليست ثمرة جهود الإنسان، بل هي في الطبيعة نفسها: فلننظر إلى روعة التعايش بين الحشرات والنباتات، إلى هجرات الطيور، إلى الزهرة التي تيمِّم وجهها شطر الشمس، إلى مودة الدلفين، وإلى ظاهرات طبيعية أخرى لا حصر لها، لندرك عظمة عجائب الطبيعة والمعجزات التي تجترحها كل لحظة. أمام ذلك كله، ليست "فتوح" العلم التي يتشدق بها الإنسان إلا ضربًا من لهو الأطفال و"مخدرات معنوية"، على حدِّ تعبير ميخائيل نعيمه، إنْ خدرت شعوره بسموه ونبل رسالته حينًا فلن تخدره إلى الأبد!

* * *

عندما يقر الإنسان بضرورة تخلِّيه عن "الأنا"، عن الصورة الزائفة التي يرسمها عن نفسه، عندما يطلق يده من إسار "حبات الفول"، يصير بإمكانه أن يتحد بكمال يفوق أبعد شطحات مخيِّلته. إذ ذاك فقط يكون الإنسان مثقفًا، لأنه يجعل من نفسه تربة صالحة لـ"الكلمة-البذرة". وعندما يكتشف أنه في الحق واحد مع الكل في الكل، مع الوجود كله، مع القدرة التي تتجلى في روائع الكون، بما فيها نفسه، مع الروح السرمدي الذي منه، به، فيه، وإليه كلُّ شيء – إذ ذاك، بفعل وعيه الكوني، بفعل المحبة التي تصهره في بوتقتها، يبلغ مرتبة الروح. هذا وليس في قاموس الروح كلمة "أنا" أو كلمة "آخر": فالروح لا تعترف إلا بالوجود الكلِّي الذي يتجلى في أشكال لا حصر لها – هذا ما تؤكد عليه الحكمة الخالدة، على اختلاف ظهوراتها التاريخية.

نعم، أيها الإخوة والأخوات، لن يتأتى لنا أن نعي غاية وجودنا ونحققها ما لم نقتلع من أنفسنا كل ما من شأنه أن يوطد إحساسنا بـ"الأنا". لن نكون مثقفين حقيقيين إلا إذا جعلنا من عقولنا وقلوبنا – بل من عقلنا وقلبنا، لأننا واحد في الجوهر – حديقة نزرع فيها من زهور العالم أجملها؛ حديقة يمتزج فيها جوهرنا العميق بجوهر الأشياء كلها، في ألق من نور وفيض من المحبة.



* صياغة نهائية لحديث شبه مرتجَل ألقِيَ في أحد اجتماعات حلقة "الرسالة"، دمشق، 1987.

** كاتب ومترجم؛ محرِّر في مجلة معابر: www.maaber.org.