Archive for the ‘افتتاحيات’ Category

الأعماق الساكنة 1 - ديمتري أڤييرينوس

الأحد, آب 1st, 2010

الأعماق الساكنة 1

البصيرة النافذة والوعي السطحي

ديمتري أڤييرينوس

سأحدثك عن سلام حميم
كسلام الأعماق الساكنة…

ج. كريشنامورتي

لا بدَّ أن تنطرح، عاجلاً أو آجلاً، مسألةُ ما يسمى في الأدبيات الروحية بـ"البصيرة العميقة" أو "النافذة" insight على كل مَن يأخذ حياته الداخلية مأخذ الجد. فالوعي consciousness، عند كلٍّ منا، يشتغل على مستويات متفاوتة، لكن وعينا الشخصي العادي غالبًا ما يشتغل على المستوى السطحي فقط. فلنفحص، إذن، عن المقصود بكلٍّ من مستويَي الوعي "السطحي" و"العميق"؛ إذ إن من الممكن لكلمة ما، بكل بساطة، أن تدل على ضدِّ شيء ما نعرفه، أو نظنُّنا نعرفه، بينما هو في الواقع ضدٌّ لا نعرفه معرفة فعلية، لا بل هو نقيض متوهَّم.

على سبيل المثال، قد نقارن – نظريًّا – بين حال ذهن مضطرب، مشوش، يمزقه الخوف والقلق، وبين حال من الهدوء والسكينة؛ غير أن هذه "السكينة" المفترَضة ليست واقعًا نختبره، بل حال متخيَّلة من بنات أفكارنا. كذا فإننا، إذ نحيا عادةً حياة سطحية، يسهل علينا أن نسلِّم بوجود نقيض للسطحية نصطلح على تسميته "العمق"؛ لكن ماهية العمق ليست أمرًا يسير الفهم حق فهمه.

تعلِّمنا معطيات الحكمة القديمة، على اختلاف مدارسها، أن الوعي يشتغل فينا على مستويات مختلفة عبر "مَركبات" vehicles، قوام كل مَركبة منها "مادة" من طبيعة مرتبة الكون الموافقة لهذه المركبة بعينها، وهو بذلك مقيَّد بهذه المادة، مشروط بخصائصها – وهذا البنيان المركَّب هو ما يجعل الإنسان مختصَرًا جامعًا لمراتب الكون الكلي بأسره. لكن على الرغم من سهولة استيعاب هذا الأمر مبدئيًّا على الصعيد النظري، فإن إدراكه ليس بالسهولة نفسها عندما نحاول استقصائه على الصعيد العملي، نظرًا لوجود التباس فادح للوعي بمَركباته: كما أن التيار الكهربائي (غير المرئي) قد يلتبس بالمصباح (المرئي) المضاء به، بحيث نظن أن المصباح ذاتي الإضاءة، ترانا كثيرًا ما ننظر إلى الكيفيات التي تنتظم عمل الوعي المقيَّد بالجسم المادي بوصفها الوعي بحدِّ ذاته.

في الموروث الروحي الڤيدنتي Vēdanta الهندي أن كيفيات الوعي أربع (سنطوي كشحًا عن المصطلحات السنسكريتية مؤقتًا، على أن نعود إلى تفصيل ذلك في الجزء الثاني من المقال)، وهي:

1. وعي اليقظة؛

2. الوعي الأحلامي؛

3. وعي النوم العميق؛

4. الوعي الفائق super-consciousness، اللاموصوف، المستعلي عن الكيفيات الثلاث السابقة؛ وبلوغ الكيفية الرابعة للوعي تلك يكون بسلب الأوصاف والصفات عنها، لا بوصفها.

الوعي الحواسي

يشتغل الوعي على مستوى الجسم المادي عبر الحواس الخمس؛ فالوعي الحواسي، في أساسه، وعي جسماني. أما الوعي الأحلامي، فيتجلَّى حين يخلد الجسم إلى الراحة وتكف الحواس المادية عن العمل – اللهم إلا غريزيًّا وحسب: حتى حين يكون الجسم غافيًا، ينتفض النائم مستيقظًا عندما يرن جرس المنبِّه، ما يعني أن جزءًا ما من المخ كان في أثناء النوم مستمرًّا في تسجيل الصوت. لم تكتمل للعلم تمامًا صورةُ ما يحدث ضمن الوعي الغريزي الرابض في الدماغ حين يكون الجسم غافيًا، لكن المؤكد أن الحواس في معظمها تكف حينئذٍ عن العمل: الإدراك الحسي يغفو، مفسحًا في المجال لنمط آخر من الوعي، يدعى اصطلاحًا بالوعي الأحلامي.

الوعي الأحلامي

في الوعي الأحلامي، تراوح المعطيات والصور والانطباعات المتولدة عن الإدراك الحسي مكانها، ممتزجةً أحيانًا بعناصر أخرى، فتؤلف الأحلام على اختلاف أنماطها. وهذا لا يحدث والجسم غاف وحسب، ولكن في أحوال اليقظة المزعومة التي تهجع فيها الحواس أو تتخدر أيضًا. من ذلك انقياد كثير من الناس إلى ما يُصطلَح على تسميته تارة بالشرود وطورًا بـ"أحلام اليقظة"، التي تشبه الحلم من وجوه عدة لأن كيفية الوعي هذه لا تُستعمَل فيها الحواسُ المادية.

على سبيل المثال، إذا كنت ساهمًا، "شاردًا" في خواطري وأفكاري، فقد يتفق لي أن أصادف شخصًا أعرفه من غير أن ألتفت إليه، وذلك لأن إدراكي الحسي يكون عندئذ منكفئًا على الداخل وليس ناشطًا؛ فلو كان كذلك لانتبه لحضور الشخص الآخر، لمظهره وقيافته وأقواله وتعبيرات وجهه إلخ. وعي اليقظة يستعمل عادةً النوافذ الموجودة في الجسم (الحواس)؛ أما في كيفية الوعي الأحلامية، فتنغلق هذه النوافذ، سواء كان الحلم من أحلام اليقظة في أثناء الصحو أم حصل لدى خلود الجسم إلى النوم. وبما أن اللبس كثير الوقوع بين الكيفيتين نتيجة تداخلهما أحيانًا، من حيث إن الحد الفاصل بينهما واهٍ ودائم الانزياح، قلما يعي الناس أنهما كيفيتان متمايزتان الواحدة من الأخرى.

عند الحيوان، يشتغل الوعي أساسًا على المستوى الجسماني؛ لذا فإن حواس الحيوانات تكون في الحالة السوية تامة الاستنفار والتنبُّه. سمع الحيوان حاد، وحاسة اللمس عنده دقيقة: تميز أذن الكلب أو الهر، مثلاً، ترددات صوتية لا تستطيع آذاننا سماعها؛ كما أن بوسع الفيل أن يحس بخرطومه بوجود دبوس صغير على الأرض وأن يلتقطه برقة تعجز عنها غالبية البشر، وذلك لأنهم فقدوا قطعًا جزءًا كبيرًا من قدرتهم الفطرية على العمل على المستوى الجسماني (ولعلهم فقدوا القدرة على العمل كما ينبغي على المستويات كلها!). وهذا ينعكس على الذهن تشويشًا فيما يخص ماهية الوعي حقًّا.

الوعي العادي

يستثمر الإنسان "البدائي" معظم طاقته الإدراكية على المستوى العاطفي-الانفعالي؛ ومن هنا حدة انفعالاته وشدة أهوائه. فهو قد لا يتروى قبل أن يفتك بخصمه؛ وهياجه وغضبه وغيرته ورغبته تنشأ من وعي محمول على المَركبة التي يسميها الهنود "مَركبة الرغبة" kāma-rūpa ويشتغل عبر "مادة" هذه المَركبة. وتختلط بهذا الوعي كيفية الوعي الناشطة على المستوى الذهني هي الأخرى؛ وهذا أيضًا جزء من المستوى الثاني للوعي الذي يعمل عبر الحواس. بذا فإن تماس الحواس مع الموضوعات الخارجية يولد ذبذبات من طبيعة الرغبة kāma والفكر manas معًا؛ وثنائي رغبة-فكر kāma-manas هذا يفعِّل النشاط الحسي. وهذا المركَّب المؤلف من ثالوث حس-رغبة-فكر، متماهيًا مع الجسم، هو ما نتوسم فيه ذاتنا أو "هويتنا" الشخصية. ومنه، عندما يقول أحدهم: "أعي"، فهو غالبًا ما يقصد الوعي على أصعدة الإحساس والهوى والرغبة واللذة والنفور إلخ؛ ومنه نسمع تعليقات مثل: "هذا لذيذ"، "هذا لا يروق لي"، "هذا ممتع"، "هذا كريه"، إلخ.

يتضمن الوعي صنع صور عن الأشياء وتسميتها. عندما يقع بصرنا على غرض ما، يلتقط الفكر صورة هذا الغرض، فيحفظه مع كل ما يستطيع جمعه من خصائصه التي توجد لكلٍّ منها مفردة اسمية مخزونة في الذاكرة. وهذه الخواطر والتنويعات عليها التي يقولب الفكر نفسه وفقًا لها هي ما ندعوه خطأ بـ"الوعي". عندما نتكلم على أنفسنا بوصفنا بشرًا، فإننا نفترض ضمنًا أن مخنا يحتفظ بهذا المضمون فيه. قد نصرح، نظريًّا، بأن الوعي شيء مختلف عن مضمونه؛ لكن هذا، كما ذكرنا أعلاه، مجرد أمر نسلِّم به دون أن نكلف نفسنا مشقة التحقق من صحته. فنحن، في الحالة العادية، عندما نفكر في "نفسنا" أو "ذاتنا"، نفكر وفقًا للصور المخزونة في المضمون المذكور وحسب. لكن هذا المضمون، مهما بلغ من السعة، فإنه يظل محدودًا؛ وبالتالي، فإن الوعي الذي يعمل وفقًا لكيفيات هذا المضمون المختلفة محدود هو الآخر، ويفتقر بالتالي إلى التجدد والإبداع، وذلك لأنه لا يعدو كونه تنويعات على العناصر نفسها التي يتألف منها.

النوم العميق

في وعي النوم العميق، تؤول دوامة معطيات الحواس والذكريات إلى الهجوع. مع ذلك، يستمر استحضار نوع من "الأنية" – وعي أنَوي (من "أنا") ego-consciousness أساسي. وفقط لدى هجوع الوعي الأحلامي، وليس قبله، يستتب وعي النوم العميق؛ فهما متنافيان، يتعذر تجاورُهما. إن مثلهما كمثل كوتين مفتوحتين تطلان من مستويين مختلفين على العالم الخارجي: إذا اتفق لأحدهم أن يقف عند الطابق الأرضي لبرج مرتفع، فسيرى مشهدًا معينًا، لكنه عندما يطل من الطابق العاشر، لن يستطيع أن يرى ما يقع تحته مباشرة، فتكون رؤية ذلك القطاع من المشهد مغلقة دونه؛ أما إذا صعد إلى طوابق أعلى، فسيطل على مشهد مختلف تمامًا. ربما تداخلت هذه المشاهد تداخلاً طفيفًا، كما قد يحدث لدى رؤية بعض الأحلام "العظيمة" (كارل يونگ)، لكن كلاً منها يستبعد المشاهد الأخرى.

الفهم والعمق

كثيرًا ما ترد كلمة "فهم" على لساننا، لكنْ من غير أن ندرك أبعادها الحقيقية. فمن أين ينبثق الفهم؟ بوسع الذهن أن يرصد اشتغال الحواس وأن يرصد نفسه في آن معًا. وعندما يرى الذهن نفسه، قد يظن أنه نفذ من السطح إلى العمق؛ الأمر الذي قد يكون وهمًا، وذلك لأن مجرد الانتقال من الإدراك الحسي إلى الإدراك الذهني، أو من حال اليقظة إلى حال الحلم، لا يقتضي بالضرورة نفاذ البصيرة، ولا يفضي إليها من باب أولى. لا يجوز للعمق أن يلتبس علينا بنمط معين من التفكير أو بنوع بعينه من الرصد. فلعله يجدر بنا، بالأحرى، أن نتساءل عما إذا كان رصدنا يتصف، عمقيًّا، بخصائص المستويات الأخرى أيضًا.

من ذلك، على سبيل المثال، الحركة والسعي واتخاذ أهداف معينة إلخ. يرغمنا وضع هدف نصب أعيننا على العمل في اتجاه معين من منظور مُتصوَّر سلفًا؛ إذ إن الوعي العادي حافل دومًا بالتصورات المسبقة والمرامي والمساعي إلى أهداف، كما وبالحركات المقيَّدة بتلك المرامي والأهداف والمشروطة بها. وقد يكون هذا الفخ – فخ التباس الوعي العميق ببنات أفكارنا – من الحذق بحيث لا ندري به.

أما العمق، بالمعنى الحقيقي للكلمة، فشأنه شأن مختلف كليًّا، حيث تتوقف فيه هذه الحركة، فيكف السعي الملازم لها ويزول كل تصور مسبق، فلا يعود الإدراك مجرد كيفية من كيفيات الوعي أو حال من أحواله الطارئة. إذ ذاك فإن نوعًا جديدًا من جريان الوعي يستتب، حتى في أثناء نشاط جزء من الوعي وفقًا لكيفية بعينها (حسية، عاطفية، فكرية)، مثلما أن معظم كتلة الماء في نهر عميق تسترسل في الجريان قُدُمًا من غير أن تعرقلها دوامات السطح وأمواجه وزبده.

ومنه، يقال إن الوعي في حالة الإنسان المستنير يكون على المستوى العميق مبطِّنًا لخواطره وأقواله وأفعاله كلها على المستوى الخارجي؛ وأيًّا ما كان تماس هذا المرء مع العالم الخارجي، وعلى أي مستوى كان هذا التماس يتم، فإن الوعي العميق – الوعي المستنير أو البصيرة النافذة – يشكل عنده الطبقة التحتانية المبطِّنة للتماس مع العالم الخارجي.

تلكم هي الأعماق الجوفية الساكنة لعالم الظواهر.

وللحديث بقية…*


* http://samawat.org/editos/quiet_depths_2_dna.

عن التسامح وأشياء أخرى… - ديمتري أڤييرينوس

الثلاثاء, تموز 13th, 2010

عن التسامح وأشياء أخرى…*

ديمتري أڤييرينوس

إلى الحاج حسين مدخنة

كثيرًا ما يجري في هذه الآونة الحديث عن مفاهيم من نحو "التسامح"، "التعايش"، "التجاور السلمي"، إلخ، وكأن احترام التعددية وقبول الآخر المختلف صارا من تقاليدنا الثقافية الراسخة وبتنا نحيا جنة التفاهم في العالم العربي وعلى الكرة الأرضية بأسرها!

ينطوي الاستعمال الدارج لكلمة "تسامُح"، في الخطاب الثقافي بعامة والديني بخاصة، على رياء مبطن. فكأن الأطراف المعنية بهذا الخطاب لا ينفك بعضها "يخطئ" بحق بعضها الآخر، فلا يلبث هذا البعض، على مضض شديد، أن "يسامحه" على خطئه، وكأن شيئًا لم يكن! لكن من الواضح للغاية أن منطق المراءاة هذا غير صحيح، ولا يمكن له أن يظل ساري التطبيق على المدى الطويل.

لا تُباعِد بين المنظومات الدينية للبشرية عناصر إيمانية جوهرية، بل تُباعِد بينها منظومات لاهوتية وكلامية معقدة، متوسَّع فيها حتى التخمة، يحكمها منطق إقصائي مؤداه: "حتى أكون على صواب يجب أن يكون الآخر بالضرورة على خطأ". لكأننا بالبشر الذين كدحوا معًا، تألموا معًا، ماتوا معًا، باتت تفصل بينهم نقاط فقهية شقاقية تدفع بهم إلى التناحر – حتى القتل في أحيان كثيرة! وكأن الدين، الذي يُفترَض فيه أن يؤدي وظيفة التأليف بين قلوب البشر، بات دوره التاريخي الرئيسي تسويغ استعلاء الإنسان على الإنسان، الشقاق بين الإنسان والإنسان، فتك الإنسان بالإنسان…

لن يكون هناك إسلام، على سبيل المثال، مادام مسلمون يعتقدون باحتكار الحقيقة الدينية المطلقة، وبأنهم "خير أمة" بالمعنى الحصري للعبارة؛ ولن تكون هناك مسيحية في وجود خمسمائة طائفة "مسيحية" تتبارى في رفع الحواجز العقائدية فيما بينها، من ناحية، وفيما بينها وبين الأديان الأخرى، من ناحية ثانية، ولا تزال تتوهم أن "لا خلاص خارج الكنيسة"؛ ولن تكون هناك إسرائيلية ما ظل أبناء دين عريق يختزلون دينهم إلى دولة قومية عنصرية، عمادها فكرة "شعب مختار" – وقِسْ على ذلك سائر الملل والنحل التي تعج بها كرتنا الأرضية.

كذلك لن يكون ثمة تسامُح ديني، أو حتى تسامُح عمومًا (بالمعنى غير المنافق للكلمة)، والأديان العالمية الكبرى تجهل (أو تتجاهل) وحدة تطلعاتها الروحية، مصرة فقط على اختلافاتها وخلافاتها المذهبية. قطعًا ليس ضروريًّا – وليس مستحبًّا حتى – أن تذيب الأديان المختلفة، التي تلبي حاجات مختلف الأمم، النفسية والثقافية، هوياتها وتنوعاتها في نوع من المؤسسة المشتركة – ولاسيما أن التسامح الحقيقي يقع قطعًا خارج نطاق المؤسسات التي لا تهمها بالدرجة الأولى سوى ديمومتها الزمنية –، لكن من الجوهري قطعًا، من أجل نجاة الدافع الديني الأصيل في النفس الإنسانية، أن ترتقي المؤسسات الدينية فوق الخلافات السطحية التي تجزؤها وتُباعِد فيما بينها، فتسعى في التلاقي لصياغة ميثاق مشترك بالمبادئ الروحية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية.

* * *

"الإنسان المتدين" Homo religiosus ليس مجرد إنسان ينتسب إلى منظومة عقائدية لاهوتية وحسب. فالدين، وإنْ كان تعويضًا "معقولاً" عن غياب خبرة روحية كونية مركوزة الأساس في أعماق روح الإنسان، إلا أنه أيضًا، على صعيد الحياة الاجتماعية، محاولة لتطبيق المثالية في العمل، لـ"أمْثَلَة" العمل الإنساني، إذا جاز التعبير. الإنسان المتدين إنسان يتبنى شرعة أسمى من شرعة الشهوة البهيمية، فيسعى في الحياة وفقًا لهذه الشرعة، رافعًا سوية اهتماماته من مستوى الحاجة البيولوجية البحتة إلى مستوى "الأنْسَنَة" humanization.

على الإنسان الفرد المتوسط، الضائع وسط الحجج المتباينة والمتناقضة والمتلاغية لألف مذهب ومذهب، أن يجابه اليوم مشكلة القيم الروحية. هذا الإنسان، أيًّا كان دينه و/أو مذهبه، يتحرق في أعماقه شوقًا إلى حياة ملؤها الفطنة والصدق وحسن المعشر؛ لكن هذه القيم الإنسانية البسيطة يعتِّم عليها، بل يغيِّبها تمامًا، الإسفاف الكلامي واللاهوتي، إلى حدِّ أن الغالبية الساحقة من البشر يعانون حالة يرثى لها من البلبلة والخواء الروحي.

بيد أن عصر التباري المذهبي، شأنه شأن عصر التباري الصناعي، يدنو على ما يبدو من خاتمته. إن مسألة أي المناسك الدينية "مرضي عند الله" مسألة ثانوية جدًّا – هذا إنْ كانت تؤخذ على محمل الجد أصلاً! المسألة الجوهرية هي بالأحرى: أي هذه المناسك يُدني أكثر من سواه من ممارسة المبادئ الروحية في الحياة الاجتماعية. فمَن "يعمل بمشيئة الآب" مخلصًا هو الأكثر قبولاً عند الآب: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (القرآن، سورة الحجرات 13). فالأديان ليست عظيمة بتعقيد عقائدها، ولا بالعدد الغفير من أتباعها، ولا بغنى أوقافها، ولا قطعًا بوجاهة رجالاتها. الأديان لا تكون عظيمة حقًّا ما لم يعمل معتنقوها على تطبيق المبادئ والقيم الروحية الأزلية على المشكلات المادية التي تواجه جنسنا البشري، فيساهموا مساهمة مخلصة وفعالة في النمو الأخلاقي والتلاقي العقلي واليقظة الروحية للإنسانية.

كلما أوغلنا في الفحص عن هذه المبادئ والقيم، ازددنا قناعة بإمكانية الوحدة الدينية. فالفوارق التي ظهرت في الكلام واللاهوت لم تكن موجودة في الوحي الأصلي، بل تسللت خلسة عبر اجتهادات المفسرين والشارحين التابعين؛ ضيق الأفق العقلي الماثل في مختلف المعتقدات غير صادر بالضرورة عن المؤسِّسين، بل لقد كرَّسه فيما بعد أتباع غيارى على الدين، لكنهم متعصبون، فاتهم فهمُ الرؤيا التأسيسية للتراث الذي وصلهم نقلاً، وما كان في الأصل ضرورة "ظرفية" عملية بات بنظرهم جزءًا لا يتجزأ من الدين.

كلما جلس الگورو للصلاة في المساء، جاءت قطة الأشرم وسط المصلين وألهتهم عن صلاتهم. لذا أمر الگورو بربط القطة في أثناء صلاة العشاء.

وبعد وفاة الگورو، ظل القوم على ربطهم القطة في أثناء صلاة العشاء. وعندما نفقت القطة، جيء بقطة أخرى إلى الأشرم حتى تُربَط على ما ينبغي طوال مدة الصلاة.

وبعد ذلك بقرون، كتب علماء من تلاميذ الگورو رسائل فقهية مفصلة في المعنى الشعائري لربط قطة في أثناء إقامة الصلاة!

أجل، لقد أمست أدياننا كشوفًا شوهاء، يلتبس فيها الجوهري بالثانوي. لذا بات وجود ميثاق روحي عالمي من قبيل الضرورة القدرية من أجل لمِّ شتات المعتقدات، التي لم تكن منقسمة جوهريًّا في الأصل، وغربلتها لفرز الجوهر فيها من المظهر.

* * *

الكلمات كائنات ذهنية خطرة للغاية. فالجهلة بين إخواننا البشر يضللهم مظهرُ الجزالة والأهمية الذي تتشح به الكلمات. "القاموس المحيط"، بهذه المثابة، أساس لسوء التفاهم: كلما ازداد عدد الكلمات التي بحوزتنا، اتسعت الإمكانية المتاحة لنا إنْ لإساءة فهم غيرنا وإنْ لإساءة بيان ما نقصد. إننا نلفق خطابات لا تنتهي، وكلماتنا، بكل أسف، هي التي تغدو الأساس في حجتنا، لا خبرتنا الروحية الحية. ترانا مثلاً، بكل صلف، ندعو عابد برهما "كافرًا"، وعابد الروح العظمى "وثنيًّا"، إلخ، بينما عابد الله على طريقتنا وحده مؤمن حق! بيد أن كلمة "الله"، في ذهن الإنسان المتوسط العادي، غدت في أيامنا كلمة عديمة المعنى، من حيث إنها لم تعد تنقل فهمًا حاذقًا عميقًا لأي من مظاهر الألوهة الشاملة الكلية الحضور. الفضيلة الوحيدة التي تتصف بها هذه الكلمة (إنْ صحت تسميتها "فضيلة"!) هي أنها، بحُكْم شيوع استعمالها، لا تزال محل إجماع ويألفها الجميع. إن تديُّننا، بمعنى من المعاني، باطل، وذلك لأننا نخفق في إدراك أن برهما والروح العظمى والله ليست آلهة مختلفة، بل أسماء متنوعة لمسمى واحد: الذات الإلهية المطلقة المقيدة بنسبية تأويل اللغة الخاصة بكل دين. بذا فإن جهلنا يغرينا أن نكرس الفوارق حيث لا فوارق، بحيث أمسى الدين، بوصفه قوة روحية فاعلة في المجتمع، عاجزًا عن التأثير.

* * *

عندما رست سفينة المطران يومًا واحدًا عند شاطئ جزيرة نائية، قرر أن يستغل الوقت بأفضل ما يمكن من النفع. وبينما كان يتنزه على شاطئ البحر، مرَّ بثلاثة صيادين يصلحون شباكهم. وقد شرح له هؤلاء، بإنكليزية رطنة، أن قومهم تنصَّروا منذ قرون على يد الإرساليات. "نحن مسيحي!" قالوا، يشير كلٌّ منهم إلى رفيقيه فخورًا.

تأثر المطران بكلامهم. أتراهم يعرفون صلاة الرب؟ لم يسمعوا بها قط؟! صُدِم المطران!

- ماذا تقولون إذن عندما تصلون؟
- نرفع عيون إلى سماء. نصلي: "نحن ثلاثة، أنت ثلاثة، ارحمنا."

هالت المطران طبيعة صلاتهم البدائية، الصريحة الزندقة، فأنفق اليوم كله يلقنهم صلاة الرب. كان الصيادون قليلي الاستيعاب، لكنهم بذلوا قصارى جهدهم، وقبل أن يتابع المطران سفره في اليوم التالي كان بالغ الارتياح لسماعهم يتلون الدعاء كاملاً دون أي غلط.

ثم اتفق لسفينة المطران، بعد شهور، أن مرت مرة أخرى على مقربة من تلك الجزائر، وإذ كان المطران يذرع ظهر السفينة جيئة وذهابًا مرددًا صلواته المسائية، تذكر مسرورًا الرجال الثلاثة في تلك الجزيرة النائية الذين باتوا قادرين أن يصلوا بفضل جهده الصبور. وبينما هو مستغرق في الفكرة، اتفق له أن رفع نظره، فلحظ بقعة ضوء آتية من الشرق.

واصل الضوء الاقتراب من السفينة. وإذا بالمطران، وهو يحدق مذهولاً، يرى ثلاثة أخيلة تمشي على الماء! أوقف القبطان السفينة وانحنى الجميع على الدرابزين لينظروا المشهد.

وعندما صارت المسافة تتيح الكلام، تعرف المطران إلى أصدقائه الصيادين الثلاثة الذين نادوا معًا: "مطران! يا مطران! نسمع سفينتك يمر قرب جزيرة فنأتي سريعًا سريعًا للقائك."

- ماذا تبغون؟ سأل المطران مذهولاً.
- يا مطران، قالوا، نحن آسف جدًّا جدًّا. نحن ننسى صلاة لطيفة. نقول: "أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمُك، ليأتِ ملكوتك…" ثم ننسى. نرجوك تقول لنا صلاة ثانية.

شعر المطران بالتواضع وقال: "عودوا إلى بيوتكم، يا أصدقائي، وكلما صلَّيتم قولوا: "نحن ثلاثة، أنت ثلاثة، ارحمنا!"

يصلي البشر لآلهتهم، مكثرين الكلام غالبًا؛ وصلواتهم، في أكثر الأحيان، تصريحات مفصلة عن رغباتهم المحدودة: تراهم يتوسلون إلى الإله أن يخصهم بالرعاية، وينصرهم على خصومهم، ويرفع مصالحهم الصغيرة فوق الخير العام. أجل، إن صلوات البشر، في معظمها، صروح شامخة من الأنانية وسوء الفهم وضيق النظر! ففي الأمور الروحية لا نزال ضحايا الكلمات والعبارات الاصطلاحية التي تحجب الحقائق البسيطة.

لذا يتعين علينا، في أمور الدين، أن نغادر بيداء الكلمات وندخل رياض الصمت. فلنشعر بالقيم الروحية، ولنستشعرها عند سوانا، برفاقية وحدة المقصد ووحدة المصير. إن مصافحة بسيطة صادقة لتنقل من الدين والسلوى الروحية أكثر بكثير من مائة خطبة أو موعظة مطنبة في الكلام؛ والتضامن المخلص نحو الغاية المشتركة هو أفرَض ما يجب على الدين اليوم أن يدعو إليه عالمنا المتألم. فوحده هذا الشعور الحميم بالتضامن من شأنه أن ينقلنا من "التسامح" tolerance، حيث أحب الآخر على الرغم من اختلافه عني، إلى "القبول" acceptance، حيث أحب الآخر لأنه مختلف عني.

* * *

اقتُرح في الأمم المتحدة ذات يوم أن تراجَع الكتب الشريفة، فيُحذَف منها كلُّ ما يؤدي إلى التعصب أو القسوة ويُتلَف كلُّ ما يسيء إلى كرامة الإنسان. لكنْ هيهات، والكتب التي وُجِدت أصلاً من أجل الإنسان باتت أهم بكثير من الإنسان!

قال أحدهم للبوذا: "الأمور التي تعلِّمها، سيدي، لم أجدها في الكتب الشريفة."

"ضِفْها عليها إذن"، قال البوذا.

وبعد هنيهة صمت حَرج، مضى الرجل قائلاً: "هل لي أن أجترأ عليك، سيدي، فأقول إن بعض الأمور التي تعلِّمها يناقض الكتب الشريفة فعلاً؟"

فقال البوذا: "تحتاج الكتب إذن إلى بعض التصويب."

* * *

في بداية هذا العام [2001]، ودَّعنا قرنًا ندر فيه، في الظاهر على الأقل، ما يجيز لنا استشفاف بارقة أمل بالقرن الذي أقبلنا عليه. زماننا الموسوم بإيديولوجيات حلَّقت بالفظاعة البشرية إلى ذرى لم يكن الإنسان يحلم ببلوغها من قبل – زماننا هذا، نقول، يود أن يرى في النواحي الإيجابية للعولمة (الثقافية والروحية بالدرجة الأولى، التي تتجسد فيها عالمية الإنسان، بأبعادها العبرسياسية والعبرثقافية والعبردينية – وكلُّها انعكاسات للعقل الإنساني الواحد) عربونًا لعالم أكثر تضامنًا ووحدة. وكجواب عن فتوح "التكنولوجيا العدوانية" (ندره اليازجي) التي تسببت في العقود الأخيرة في أكثر المآسي هولاً، يأمل زماننا من الثورة الجينية صباحًا أكثر إشراقًا. هو نوع من الحلم الپروميثي بالسيطرة على القدر، لا بل، عند بعضهم، باكتناه سرِّ الحياة؛ وكذلك، أمل بالسيطرة على تبعات النمو لضمان كوكب أكثر أمانًا للجميع. فهل يحق لنا أن نحلم؟

إن القرن العشرين الموسوم، في الفلسفة المحرِّكة له، بعصر الأنوار الأوروبي، لم يستطع أن يحول دون تكرار مجازر مروعة في أماكن أخرى بعد بضع سنوات من وقوعها. لكأن الثقافة والهمجية فرسا رهان: صور العنف نفسها تتكرر يومًا بعد يوم، وكأنها قضاء مبرم محتوم. والحصيلة مرعبة، ما في ذلك ريب. ذلك أن "التقدم"، مستوى المعيشة، الاستهلاك، الديمقراطية – هذه المعايير الحديثة المزعومة التي يقوَّم بها مستوى المدنية في بلد ما –، لم يحدث قط أن وُزِّعت بهذا المقدار الفاحش من الظلم: الاستهلاك الجماهيري المحموم يسير جنبًا إلى جنب مع البؤس المستشري؛ الشقة بين عدد الأغنياء المتناقص في دول الشمال وبين عدد الفقراء المتزايد في دول الجنوب مافتئت في اتساع؛ الإنترنت – رمز عولمة التلاقح الثقافي والتبادل التجاري المنتصرة، التي لولاها لما أمكن لكاتب هذه السطور أن يخاطبك بهذه السهولة – يتجاهل تمامًا مناطق وأقاليم شاسعة ملقاة في غياهب النسيان؛ حتى موت الإيديولوجيات يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لاجتياح نوع من الفكر الموحَّد الشامل، لانتصار نموذج فكري أحادي يواصل، بلا كلل، تسطيح التضاريس الثقافية كلها، وتوحيد الأزياء الروحية كلها، لصالح دين جديد تؤدى فيه فروضُ العبادة والطاعة المطلقة لـ"أمير هذا العالم" الذي لن نسميه!

حقًّا إنها لصورة قاتمة، تحبط آمال الحالمين بعالم جديد أفضل، بقدر ما ينتشي بها مَن توجوا أنفسهم سادة لهذا الكوكب و"شرطة" عليه!

مع ذلك، ففي قلب هذا الرصد القاتم للتهديد الأرعن باستعمال أكثر وسائل التدمير سطوة في تاريخ البشر يمكن للرجاء أن يعشِّش – هشًّا قطعًا، لكنه حقيقي. يكمن الأمل في وعي مصيرنا المشترك على هذا الكوكب الأزرق الوادع وفي إدراك وحدتنا الجوهرية… لأنه في هذا العالم الذي تدانت أقاصيه، وتوحدت مشاربه، وشفَّت لعبته الكونية، أصبح ممكنًا لكل ما يصدر عن جهة ما – دولة، مؤسسة، باحث فرد، هم، هنَّ، أنت، أنا – أن يبلغ الآخر، فإما أن يساعده أو يسعفه، وإما أن يمعن في إغراقه؛ ولأنه في عالم يقدم بلا هوادة للـ"أنا"، للـ"شخص"، أكثر من أي وقت مضى، ألعابًا أكثر، أعيادًا أكثر، لحظات مُسْكِرة مشتركة أكثر، يخترق الخواءَ الروحي المعاصر – "متلازمة الجماعة" الحمقاء هذه! –، وكأنه البرق الساطع في ظلام دامس، انعكاسٌ باهتٌ لهويتنا الحقيقية المشتركة القابعة في أغوار نفوسنا.

يكمن الأمل، إذن، في صحوة بعضهم على هذه الهوية الواحدة. ألعله ضرب من ضروب التمني الساذج أو الحلم المستحيل؟ لكنْ… ألم يقل الشهيد مارتن لوثر كينگ ذات يوم عصيب من تاريخ بلاده: "أنا عندي حلم…"؟!



* صياغة نهائية منقحة عن افتتاحية العدد الرابع من مجلة معابر: www.maaber.org.

في العالم… لكن ليس من العالم - ديمتري أڤييرينوس

الخميس, تموز 1st, 2010

في العالم…

لكنْ ليس من العالم

ديمتري أڤييرينوس

إني بلَّغتُهم كلمتك فأبغضهم العالم،
لأنهم ليسوا من العالم كما أني لست
من العالم. لا أسألك أن تُخرجهم من
العالم، بل أن تحفظهم من الشرير.

إنجيل يوحنا 17: 14-15

في أكثر من لقاء مع أستاذنا ندره اليازجي مؤخرًا، شدد – كعادته حين يتطرق إلى فلسفته الأخلاقية – على وجوب "تطبيق أنبل المبادئ في أدنى العوالم على سلَّم الوجود وأكثفها وأصعبها"، مكررًا عبارة "أن نكون في العالم دون أن نكون منه".

إذا قلبنا مدلول كلٍّ من حرفَي الجر في عبارة الأستاذ اليازجي العميقة، نجد أنهم قلة بين الناس، على ما يبدو، مَن يفقهون معنى أن يكون الإنسان جزءًا لا يتجزأ من العالم بالمعنى الروحي للكلمة، لا بالمعنى "الانتمائي" الدنيوي السائد، في حين أن سواهم منخرطون في العالم، غارقون فيه، شأنهم شأن الغريق في مستنقع وحل، فلا يعون ما يجري عليهم. لقد كانت الحياة قديمًا تشبَّه بالدوران مع عجلة، حتى قيل إن الأمير قد يغدو خادمًا والحاجب وزيرًا! العالم الأرضي برمته، كالنملة العالقة بدولاب دائر، يرتفع وينخفض، ولا أحد على يقين من أن "سعادة" اليوم ستدوم غدًا. كذا فإن عجلة سمسارا samsāra في التراث الروحي للشرق ترمز، في جملة ما ترمز إليه، إلى حال الحيرة القصوى التي نعيش فيها في هذا العالم الدائم التقلب، حيث لا أحد مستثنى من فقدان ما يملكه، أو يتمتع به، أو يتلهف للحصول عليه.

من الرموز الأخرى المستعمَلة لوصف العالم في التراث الهندي رمز "خضم الحياة" (بهڤا-ساگرا bhava-sāgara): يقال في هذا البحر إنه محفوف بالمهالك، تثور فيه العواصف وتجول فيه أسماك القرش وغيرها من المخلوقات المفترسة؛ والحياة الدنيوية تشبَّه بالسباحة الشاقة في هذا الخضم. لكنْ حتى الذين يتفقون – نظريًّا – مع ما تدل عليه هذه الصور البيانية الموحية قلما يأخذون ضرورة إحداث تعديل ملموس في حياتهم على محمل الجد، فيواصلون العيش "يفترسهم" الخطر وكأنه غير موجود أصلاً. غير أن مكمن الخطر ليس في احتمال خسارة المال أو المنصب أو مكابدة الذل بعد العزة؛ أخطر الأخطار إنما هو الانجراف الأعمى في تيارات "خضم الحياة"، من غير أي وعي بما يحدث، وفقدان البوصلة المعنوية والقيمية والروحية.

وثمة وصف ثالث للحياة الدنيوية، تؤديه كلمتا بهڤا-روگا bhava-rōga، "داء عضال": كما أن المرض يوهن خلايا الجسم كافة وينخر في صحته، فيؤدي في المآل إلى التلف والموت، كذلك فإن الانتماء الدنيوي إلى العالم مرض نفسي، قوامه الأوهام والتحريفات الذهنية، ويقود في المآل إلى التحلل الأخلاقي والعبثية. فمادمنا نعيش حالاً من الحيرة المتواصلة، تكاد الحصيلة أن تكون محتومة: فالتأرجح بين الأضداد، بين الآمال والمخاوف، يفضي لا محالة إلى اضطراب الذهن وإلى فقدان السلام الداخلي. وهذه، بدرجة قد تزيد أو تنقص، هي خبرة أغلب الناس من مختلف مشارب الحياة ومختلف الأوضاع في العالم. إن الأمل بالارتقاء في المجتمع، بكسب مودة الناس، بالصيرورة شخصًا مرموقًا، إلى آخر ما هنالك، إنما تترافق مع الخوف من الإخفاق والخسارة؛ ومن هذين الضدين الأساسيين – الخوف والأمل – تتولد سائر الأضداد الأخرى، كما تؤكد الـبهگڤدگيتا (4: 22). فالأمل المتحقق يقود إلى التهلل والزهو بالنصر، بينما الأمل غير المتحقق يؤدي إلى خور الهمة والإحباط؛ الذهن، إذ ذاك، يتقاذفه نفسيًّا السخط والرضا، فيبقى حائرًا أو جاهلاً من حيث اختبار قيمة الحياة ومعناها وغايتها القصوى، كما يشدد الأستاذ اليازجي أيضًا في تضاعيف مؤلفاته العديدة[1].

* * *

هناك وسائل عديدة يلجأ الناس إليها للتهرب من مشكلة التقلب من حال إلى حال، بين اليسر والعسر، بين الآمال والمخاوف. من أشكال الهروب هذه طلب الملذات الذي بات شديد الشيوع في أيامنا هذه: تجريب أطباق جديدة في المأكل، "موضات" جديدة في الملبس، اكتشاف بلدان وأماكن جديدة، إلخ. إن هذه النشاطات ليست سيئة بالضرورة، على أن يوازنها مبدأ الاعتدال ولا تبطِّنها القسوة أو عدم الاكتراث بحاجات الآخرين؛ لكن المشكلة في مهارب كهذه أنها تستبقي مشكلة الذهن الأساسية دون حل: الحيرة، البلبلة، القلق، إلخ. أشكال الهروب كلها تلهينا عن الحاجة إلى التفكر الجدي في الحياة وفي معناها العميق، لأن الإثارة الحسية تحيِّد الحيرة مؤقتًا وحسب، فلا تلبث هذه أن ترتد إلينا في عنف أشد من ذي قبل.

من أشكال الهروب الأخرى الانقطاع عن "العالم" وعن أعماله والقول: "لا أريد أن أشارك في هذه اللعبة!" وهكذا يعيش المرء حياته منغلقًا على نفسه، إما مستغرقًا في شؤون أسرته أو جاليته، أو حتى "أمَّته"، وإما طالبًا الخلاص الفردي. كم من الناس، في أيام تفجُّر العنف والحيرة الهائلة هذه، هم من الانهماك في شؤونهم الخاصة بحيث يعيشون متناسين كل ما عداهم تمامًا. فلو لم يكن الأمر كذلك، لكان أغلب الناس انتفضوا على سياسات حكوماتهم الجائرة في حق شعوب بأسرها، ولثاروا على تصنيع أسلحة الدمار وانتهاك الغابات وإنتاج المحاصيل المعدلة جينيًّا GMO وغيرها من النكبات الصناعية والأبحاث "العلمية" الخطيرة المستشرية في العالم الحديث، ولاستطاعوا أن يضعوا لها حدًّا. لكن ثمة الكثير من الراحة في الأنانية والانصياع وإيكال أمر القرار إلى الآخرين "بالنيابة"؛ وبذا يفعل أغلب الناس ما يفعل سواهم، منساقين مع التيار، آملين، مع ذلك، نوال الأفضل. حياة المحاكاة والانصياع والخنوع قطعًا جزء من الحياة الدنيوية.

* * *

مهما يكن الطريق الذي يسلكه الناس، فإن الإعياء والسأم سرعان ما يدبان في نفوسهم بمرور الوقت. والعديد من المسنين قد اختبروا هذا الأمر، لا لأن من الصعب تقبُّل إعياء جسم يهرم وحسب، لكنْ بسبب الإحساس بنوع آخر من السأم أيضًا: فالخبرات الدنيوية كلها تغدو تكرارية، وبالتالي، مملة، فاقدة الرونق، باهتة، وحتى لا تطاق. لذا فإن بعض النساء والرجال، في العصور كافة ومن جميع الحضارات، اعتزلوا الدنيا في غابة أو جبل أو دير طلبًا للوحدة وحياة الصلاة والتأمل. ولكنْ في تلك الأماكن أيضًا – إذا جاز لنا الحكم على التقارير المنشورة بهذا الصدد –، نقع على الانفعالات والخواطر وردود الفعل نفسها التي نقع عليها في "الدنيا": كأنْ نجد، مثلاً، مختلف صنوف الغيرة بسبب أشياء تافهة، كنيل حظوة لدى رئيس الدير مثلاً، القلوب الكسيرة، التنافس وطلب النفوذ، إلى آخر ما هنالك[2].

إن حياة الاعتزال الديني لا تختلف كثيرًا عن الحياة الدنيوية إذا تخللها نمط الاشتغال الذهني نفسه. بيد أن أغلب الأديان يقول بأنك لا تستطيع أن تعيش في العالم من غير أن تتعلق بتيارَي التفكير والسلوك الدنيويين، فتبقى آمنًا، طاهرًا في الداخل. فالحضور البشري ذو الذهن المتمركز على الأنية egocentric متفشٍّ في كل مكان. حتى جبل إڤرست الشاهق بات يغص بالنفايات البشرية، وأكثر الأماكن عزلة أضحت لا تخلو من الضجيج. ليس اعتزال العالم المليء بالضغط بالأمر السهل، ولا الانتماء إليه كذلك. الجسم السقيم خاضع للضغط، شأنه في ذلك شأن الذهن الوخيم، بمخاوفه وآماله ويقينياته الكاذبة؛ وهذا الضغط يبلغ أوجه في العالم الحديث، بفلسفته التنافسية التي تشدد على الترقية الفردية. ومنه، فإن العديد من الناس باتوا يجدون الملاذ في العكوف على دراسة الأديان والتصوف أو على ممارسة اليوگا والزنْ والتأمل التجاوزي TM والبرمجة اللغوية-العصبية NLP إلخ، فيكثرون من حضور محاضرات والانخراط في "دورات" حول هذه الموضوعات، موهمين أنفسهم بأن هذه النشاطات، التي يرتزق منها "المعلمون" الجُدُد، سوف تحررهم من ضغوط العيش. فما العمل إذن؟

يتوهم الناس أن التقشف في العيش أو الانضباط يقتضي الاعتزال، لكن "التقشف"[3] يمكن العمل به أينما كنا. التقشف الجسماني يعني، فيما يعني، الاستقامة وكف الأذى والعفة؛ التقشف في القول يعني قول الكلمات الصادقة، غير الجارحة، التي تساعد على بلوغ معرفة النفس؛ التقشف الذهني يعني نفاذ البصيرة، وليد الخواطر النقية والذهن الصافي، الذي يقود إلى التأمل. يقول ج. كريشنامورتي:

التأمل عمل شاق. إنه يتطلب أرقى أشكال الانضباط – ليس الانصياع، ليس التقليد، ليس الطاعة، بل انضباط يأتي عبر الانتباه الدائم، ليس إلى الأشياء من حولك خارجيًّا وحسب، بل داخليًّا أيضًا. ومنه، فإن التأمل ليس نشاطًا عازلاً، بل هو فعل في الحياة اليومية يتطلب التعاون والحساسية والفطنة. فمن دون وضع أساس لحياة مستقيمة يصير التأمل هروبًا، وبالتالي، لا قيمة له أيًّا تكن. والحياة المستقيمة ليست التقيد بالآداب الاجتماعية، بل التحرر من الحسد والجشع والسعي إلى السلطة – وكلُّها يورث العداوة. التحرر من العداوة لا يأتي عبر نشاط إرادي، بل بالانتباه إليها عبر معرفة النفس. فمن دون معرفة نشاطات النفس، يصير التأمل مجرد استثارة حسية، وبالتالي، غير ذي مغزى يُذكَر.[4]

* * *

فلننظر الآن، باختصار، إلى ماهية عدم الانتماء إلى العالم. ليس المقصود من هذه العبارة، بالطبع، عدم الانتماء الفيزيائي، بل التحرر الداخلي وسياسة السلوك اليومي الحكيمة اللذان يحُولان دون الانقياد إلى اتخاذ مواقف واعتناق قيم ومعتقدات بتأثير من الضغوط، داخلية كانت أو خارجية. في كلا الـيوگا-ڤاسشتها Yoga Vāsishtha والإنجيل، نجد نصيحة العودة أطفالاً صغارًا: "مَن لم يقبل ملكوت الله مثل الطفل لا يدخله" (إنجيل مرقس 10: 15). لماذا؟ لأن الأطفال، عمومًا، سعداء بالفطرة. فحتى الطفل الذي تساء معاملتُه ينسى الإساءة أحيانًا ويحيا سعيدًا إذا أتيح له المجال لذلك. الأطفال لا يصارعون العالم، ولا ينخرطون في نشاطات دافعها الطموح أو الطمع، ولا في ألاعيب تضخيم الأنا؛ إنهم يكونون أنفسهم وحسب. بالمقابل، فإن جوهر الحداثة يعبَّر عنه لدى الراشد في مواقف واعية أو غير واعية من الصراع والمواجهة. بطبيعة الحال، لا نتوقعنَّ من ملايين الناس على شفير الموت جوعًا ألا ينتفضوا ويصارعوا للبقاء؛ لكن الذين لا تواجههم ظروف بهذه الحدة، مافتئ فيهم شيء يصارع، على مستوى حاذق، طوال الوقت. بذا نجد نزاعًا مع البيئة، مع أفراد الأسرة، في أداء الواجبات المهنية، وبالأخص مع النفس. حتى الذين ينضمون إلى جمعيات خيرية أو تنظيمات أهلية (بات مصطلح "المجتمع المدني" كثير الشيوع في الآونة الأخيرة) طيبة المقاصد تراهم لا يقدرون على الاستنكاف من الصراع؛ ثم، وقد أعياهم الصراع، يصارعون للتحرر من الصراع! ترانا لا نجرؤ على الهدوء، بل نصر دومًا على إنجاز شيء أو التخطيط لمثل هذا الإنجاز.

فهلا تساءلنا: فيمَ نتصارع؟ ولماذا يأتي الضغط من أعماق نفوسنا؟ أيكون أن الصراع الجسماني الذي ورثناه من ماضينا الحيواني لا يزال فاعلاً في دماغنا؟ لماذا يشعر الناس الذين عندهم ما يكفي من المأكل ويتمتعون بكل ما يحتاجون إليه أنهم "فقراء"؟ أيكون أن الذهن، بطبيعته، لا يستغني عن بلوغ شرط مختلف؟ في المجتمع الحديث، حتى الأطفال يرغمون على التحضر، بعد تخرُّجهم من الجامعة، لاكتساب المزيد من المهارات، لتحقيق مردود أكثر فأكثر، لتحصيل مناصب أعلى فأعلى، مما يؤدي لا محالة إلى الصراع. يقول كريشنامورتي مخاطبًا تلامذة المدارس ومدرسيهم:

التربية حاليًّا – لسوء الحظ – تهدف إلى جعلك تنصاع لهذا المجتمع الاستحواذي، تدخل في قالبه، وتتكيف معه. ذاك كل ما يشغل بال أبويك ومدرسيك وما تنص عليه كتبك. فمادمت تنصاع، مادمت طَموحًا، استحواذيًّا، تفسد الآخرين وتحطمهم في سعيك لتحصيل المكانة والنفوذ، فأنت تُعتبر مواطنًا "محترمًا". إنك تُربى على الدخول في قالب المجتمع؛ لكن ذلك ليس تربية، بل مجرد عملية تُشرطك على الانصياع لنموذج ما. لكن الدور الحقيقي للتربية ليس أن تحولك إلى موظف أو قاض أو رئيس وزراء، بل أن تساعدك على فهم بنيان هذا المجتمع العفن في كلِّيته وتتيح لك فسحة النمو في حرية، بحيث تفلت منه وتخلق مجتمعًا مختلفًا، عالمًا جديدًا.[5]

وفيما بعد، يصارع المرء ليكون محبوبًا؛ وكلما ازدادت حاجة الناس المَرَضية إلى الحب أو الإعجاب أو الامتنان، اشتدت الضغوط في حياتهم. إنهم يستهلكون طاقتهم في الرغبة والطلب، بدلاً من أن يكونوا بأنفسهم محبين ولطيفين وخدومين، فيهدرون حياتهم في الصراع.

من غير أن نضع قائمة مستوفية بهذه الظواهر المَرَضية، حسبنا شيء من النظر الثاقب حتى ندرك أن صراع المرء لإثبات جدارته، للظهور ذكيًّا، للحصول على مزايا وامتيازات، للتقدم السريع، إلخ، – ما يُسمى "الطموح" – إنما هو عادة نفسانية مدمرة. ولكن لماذا نطلب الظهور بمظهر ما ليس منا؟ لماذا نبذل هذه الجهود كلها أصلاً؟ وهل من الممكن لنا أن نعمل ونحيا، يحدونا الحب وحده إلى عمل ما هو إبداعي وقيِّم، مفيد وخيِّر، من غير ما حاجة إلى الصراع في سبيل ذلك، أي من غير أي طموح؟ يقول كريشنامورتي أيضًا:

ماذا يحدث عندما تكون طَموحًا؟ تفكِّر في نفسك فقط، أليس كذلك؟ تكون عديم الرأفة، تنحِّي غيرك من الناس لأنك تسعى في تحقيق طموحك، تسعى في أن تصير شخصًا مرموقًا، فتوجِد بذلك في المجتمع النزاع بين الناجحين وبين المتخلِّفين عن الركب، فتنشب معركة دائمة بينك وبين الآخرين الساعين هم أيضًا في الحصول على ما تريد. فهل هذا النزاع منتج لحياة مبدعة؟ [...]

هل تكون طَموحًا حين تحب أن تفعل شيئًا من أجل ذاته؟ حين تفعل شيئًا بكيانك كله، لا لأنك تبتغي الوصول إلى منصب ما، ولا لتحقق مزيدًا من الربح، أو نتائج أعظم، بل ببساطة لأنك تحب أن تفعله – في ذلك، لا وجود للطموح، أليس كذلك؟ في ذلك، لا وجود للتنافس: فأنت لا تصارع أحدًا على المركز الأول. ألا ينبغي للتربية أن تساعدك على اكتشاف ما تحب حقًّا أن تفعله، بحيث إنك، من بداية حياتك إلى نهايتها، تعمل على شيء تشعر أنه يستحق العناء وله بنظرك مغزى عميق؟[6]

* * *

مادام الصراع عادة مستحكمة من عادات الأنية ego، فإن الناس، حتى حين يتمنون عدم الانتماء إلى العالم ويتشوقون إلى الحياة "الروحية"، ترى الذهن يستمر على عادته تلك، فيتحرق إلى لفت انتباه الـگورو guru (المعلم الروحي) أو نيل بركته، إلى تحقيق الاستنارة أو إيجاد الوسيلة الفضلى للتغلب على عيوبه إلخ – وبذا لا يكون في سلام مع نفسه أبدًا. لذا جاء في كتيب نور على الدرب: "لا يخدعنَّك قلبك في سهولة". فما أسهل على المرء أن يكون دنيويًّا فيما يوهم نفسه أنه "روحاني"[7]! بالمقابل، عندما يعي المرء أن الذات الأنانية تقتات بالصراع واستعداء الناس، بالخواطر السلبية، بردود الفعل، بترصد عيوب الآخرين والكيد لهم، إلخ، ينحل التوتر في النفس ويستتب الهدوء في الذهن.

انتهاج حياة صحيحة، السلوك العفوي الصادق كالأطفال، إنما يعني عدم طلب المزيد، عدم الاقتتال، بل البقاء على الهدوء ورباطة الجأش، مهما حصل. لا يعلِّم كلٌّ من الرواقية والطاوية غير ذلك: عدم الاضطراب ataraxia، أي الطمأنينة العميقة، اللافعل wu-wei، أي العمل من غير جهد بالتناغم مع الأرض والسماء[8]. ألا ترشد الـبهگڤدگيتا إلى ذلك عينه حين تنصح للمرء بالعمل "راسخًا في اليوگا" (6: 18)؟ اليوگا ليس مجرد رياضة بدنية أو تمارين تنفسية، بل هو التحقيق التام للتناغم بين الأرض والسماء اللتين نحن جزء لا يتجزأ منهما. حين ينعدم الشعور بالصراع وتحل السكينة في نفوسنا (ما كان الأقدمون يسمونه شما shama)، فتنعكس هذه السكينة على كل ما نفعل أو نفكر فيه، يحصل تغير ملحوظ في علاقاتنا كلها وفي جوهر كياننا نفسه.

هناك أناس لامعون للغاية، ماهرون ومثقفون، يطرحون حلولاً متنوعة لمشكلات العصر الحالي الهائلة والمتفاقمة، لكن الدواء المطروح في الغالب أسوأ من الداء. إن شيوع استعمال الـProzac الشهير وغيره من المركبات الكيميائية المضادة للاكتئاب antidepressants مثال بليغ على ما نقول. لقد كان يُفترض فيها أن تخفف من حدة التوترات في المجتمع وتعين الناس على احتمال ضغوط الحياة، لكنها جلبت عليهم مشكلات جديدة، أهونها الإدمان. ومَن يدري إلامَ سيفضي المزيد من التلاعب بالجينات؟ أترانا أعجز من أن نجد حلولاً للنزاعات المحتدمة في العالم، أو نضع حدًّا لتلويث البيئة، أو نجتث شأفة الفقر الذي لا يحرم الناس من الغذاء وحسب، بل ومن فرص تنمية مستدامة لائقة بإنسانيتهم؟ أليس ذلك لأننا ضحايا الاضطراب القائم على الأنا والتوتر والنزاع، الدنيوي أساسًا، فنُسقط أوهامًا اعتبارًا من ذهن مبلبل، وبالتالي، مظلم؟ لا ريب أن الذهن الهادئ وحده يتصف بالوضوح، لا الذهن المضطرب. أما الذهن النرجسي أو المصاب بجنون العظمة، فهو يثق أشد الثقة بقدراته ومهاراته، فيفترض أن هذه البلبلة يمكن تبديدها في لحظة عجائبية بمجرد أن يتحول إلى موضوع مألوف يركن إليه؛ لكن هذا لا يحصل البتة لأن إدراكه ليس تامًّا ولا صحيحًا.

* * *

كيف لنا أن نحصل على هدوء عميق وحسٍّ بالتناغم الداخلي، وحدهما يكفلان العمل الحميد؟ قد يبدو الهدوء والعمل متناقضين، لكن هذا ليس صحيحًا. "اللاعمل في العمل والعمل في اللاعمل" الذي تتكلم عليه الـبهگڤدگيتا (4: 18) ينبع من ذهن صاف عميق؛ وكل ما عدا ذلك اضطراب وبلبلة ونشاط غير مثمر. لذا من الحيوي للعالم وللأفراد تعلُّم العمل اعتبارًا من حال هدوء، حال صفاء وسكينة، بدلاً من العمل والذهن يصارع. فما لم نتقصَّ هذا الأمر ونتحرر فعلاً من الانجراف الإجباري في تيار الدنيوية، لا يمكن للشقاء أن يتوقف.

لذا لا مناص لنا من التريث قليلاً لندرك كيف نشتغل – لا ماذا نفعل، لا كيف نجد حلولاً للمشكلات، بل كيف تشتغل أذهاننا. لعل مجرد عمل صغير نؤديه والذهن محقق للشرط السليم أنفع بكثير من أشياء كثيرة نؤديها والذهن متمركز على ذاته. ففي المحيط، حين تهب ريح عاتية، تتشكل في البداية مويجات صغيرة؛ لكنْ إذا ما واصلت الريح هبوبها، لا تلبث المويجات أن تتحول إلى أمواج ضخمة، قد لا تقوى على مقاومتها أمتن السفن. نحن جميعًا نصارع صراعًا محمومًا، تدفعنا إلى ذلك مطامح وضيعة وحاجات وهمية. وفي المجال النفساني، كما في المحيط، ثمة سيرورة تراكمية، كما نرى ذلك في الحشود الجماهيرية التي يلهبها حتى الهياج خطاب سياسي حماسي، أو ما إنْ يستبد ببعضها خوف حتى تسري عدوى الذعر فيها، فيتفرق الناس متراكضين شَذَرَ مَذَر، وقد يدوس بعضهم على بعض! العالم كله محكوم بهذا القانون: فصراعاتنا الصغيرة تتراكم، فما تلبث أن تتضخم، متحولة إلى صراعات مسلحة وحروب. لذا فإن حكماء مثل كريشنامورتي والدالاي لاما يقولون ما مفاده: "أنت مسؤول عن العالم بأسره"[9]. فحين لا نحيا في سكينة وسلام، فالعاقبة هي الحروب لا محالة، بكل مآسيها.

* * *

الحضور الفيزيائي في العالم ليس حائلاً دون تفتُّح الوعي والاستنارة، على أن يتحقق التناغم والسكينة الداخليين. البوذا التاريخي يولد في العالم في أزمنة الانحطاط الروحي، لكنه يظل مع ذلك بوذا (= مستنيرًا). فالبوذا، وإنْ كان في العالم، ليس من العالم أبدًا. إنه حرٌّ لأن وعيه خارج نطاق تأثير تيار كرما karma، بما أنه تجسيد حي للسلام. والكرما لا يتعلق فقط بمجرد العمل المادي، بل يشمل أيضًا نوع الطاقة التي نستودعها هذا العمل. جوهر طاقة البوذا محبة وسلام، بينما الطاقة التي يولدها عوام الناس طاقة أنانية بدرجة أو بأخرى، فتتسبب في العنف على جميع الأصعدة. فحتى يحل السلام على العالم الشقي، يجب أن تخلو نفوسنا من جميع العوامل الهادرة للطاقة: الطموح والصراع والوهم والإحساس بعدم الأمان إلخ، تلك العوامل التي تُترجَم اجتماعيًّا إلى نزاع وفوضى. يقول كريشنامورتي:

حينما يرصد المرء ذلك، يمكن له أن يرى أي هدر للطاقة هو. لذا على المرء أن يستخلص نفسه من هذه الفوضى الاجتماعية، من هذا الفجور الاجتماعي – ما يعني أن على المرء أن يكون وحده. مع أنك قد تعيش في المجتمع، فأنت لم تعد تتقبل بنيته وقيمه – الوحشية، الحسد، الغيرة، روح التنافس – وبالتالي، أنت وحدك، وحين تكون وحدك فأنت ناضج.[10]

حين تتبدد أوهامنا، ننضج ونبلغ أشدنا، فنصير دعاة سلام حقيقيين، وحتى إنْ أبغضنا العالم، نحيا في العالم دون أن نكون منه.

نسأل الآب القدوس، إذ ذاك، أن "يحفظنا من الشرير"…


[1] راجع مثلاً: المحبة والوعي: حوار مع ندره اليازجي، بتقديم موسى د. الخوري، دار تساؤلات، دمشق، 2010، ص 104-106.

[2] Cf. Eugen Drewermann, Fonctionnaires de Dieu, Albin Michel, Paris, 1993.

[3] التقشف يؤديه بالسنسكريتية مصطلح تپس tapas، الذي يعني أصلاً استهلاك العناصر الفاسدة في النفس كافة.

[4] ج. كريشنامورتي، التأمل، بترجمة وتقديم ديمتري أڤييرينوس، معابر للنشر، دمشق، 2008، ص 24.

[5] ج. كريشنامورتي، "الحرية والمحبة"، سماوات: http://samawat.org/krishnamurti/think_on_these_things_3_freedom_love.

[6] ج. كريشنامورتي، "دور التربية"، سماوات: http://samawat.org/krishnamurti/think_on_these_things_1_education.

[7] راجع: ديمتري أڤييرينوس، "المادية الروحية والروحانية"، سماوات: http://samawat.org/editos/spiritual_materialism_spirituality_dna.

[8] جاء في الـطاو-تُه-كنگ، 48: "تناقصْ فتناقصْ حتى تكف عن الفعل./ باللافعل ما من شيء إلا ويمكن القيام به".

[9] راجع مثلاً: ج. كريشنامورتي، "الطبيعة، الأكثرية والأقلية، المسؤولية"، سماوات: http://samawat.org/krishnamurti/nature_minority_responsibility.

[10] ج. كريشنامورتي، "الخروج على بنية المجتمع"، سماوات: http://samawat.org/krishnamurti/revolting_against_the_social_structure.

الظواهر والحقيقة - ديمتري أڤييرينوس

الثلاثاء, حزيران 1st, 2010

الظواهر والحقيقة

ديمتري أڤييرينوس

مَن خبر العالم بنفسه، غير مبال برأي
سواه، لا يعلِّم إلا حقيقتين: حقيقة الباطن
وحقيقة الظواهر – ولا توجد حقيقة ثالثة.

سوترا بوذي

من الباطل قدني إلى الحق؛
من الظلمة قدني إلى النور؛
من الموت قدني إلى الحياة الأبدية.

أوپنشاد برهَدآرَنيَكا

الإپستمولوجيا (من اليونانية: epistêmê، "علم"، و logos، "عقل") فرع أساس من فروع الفلسفة مختص بدراسة تاريخ العلم ومبادئه ومناهجه. إنها، إذن، تتناول نظرية المعرفة والوسيلة إليها، لكن أغلب الناس لا يفقهون أهميتها لأنهم ينظرون إلى المسألة برمتها من زاوية مغالية في السذاجة. فالمعرفة الحقيقية – وهي الحكمة – ليست، بعكس ما يظنون، ميسورة المنال في واقع الأمر.

هناك معرفة حقيقية، وأخرى محرفة، وهناك انعدام المعرفة أيضًا – شكل من أشكال الوهم أو الضلال المعرفي. فحتى تكون المعرفة "حقيقية" لا بدَّ لها من أن تتطابق وماهية essence الشيء المعروف ("الشيء في ذاته"، بتعبير كانط)؛ فإذا انعدم هذا التطابق، هناك إما تحريف وإما وهم. ثمة في التراث الروحي العالمي، وخصوصًا الڤيدنتي الأدڤيتي ("اللاثنوي") Advaita Vedantā الهندي، أمثلة عديدة معروفة على هذا؛ وبما أن راهنية هذه الأمثلة لا تزال سارية، فلا مانع من إيراد واحد منها أو اثنين: إذ نظر أحدهم إلى ظل وظنه رجلاً، فهو غير "واهم" لأن هناك أساسًا موضوعيًّا لما يرى؛ كذلك الأمر إذا ظن أن ما يراه حية تسعى، لكنه في الحقيقة حبل: ليس الأمر كما لو أنه ليس ثمة موضوع يقابل فعلاً معرفته الظاهرية؛ إذ إن هناك في الواقع أساسًا لما ينبثق في ذهنه، لكن صورته الذهنية لا تتطابق مع الواقع، وبذا يجوز لنا أن نسمي المعرفة المتحصل عليها من هذه العملية "معرفة محرفة".

هناك أيضًا وهم دماغ محموم يتخيل مختلف صنوف الأشياء: الصور التي تتخلله والحوادث التي تجري فيه لا أساس لها من الواقع بتاتًا؛ أو قد يستبد به خاطر لاعقلاني irrational تمامًا، من خارج نطاق الاحتمال أو حتى الإمكان. من الأمثلة الشهيرة على ذلك مثال آخر وارد في أدبيات الڤيدنتا عن شخص يرى أرنبة برية ذات قرنين – شيئًا لا وجود له إلا في دماغ يهلس. في دماغ كهذا، يمكن لأي شيء أن يحدث؛ الأشياء كلها فيه مختلط بعضها ببعض، ويمكن لأشياء مستحيلة أن تقع. وهذه نعلم أنها "أوهام"، لكن الذهاني psychotic أو المختل ذهنيًّا تلتبس عليه هلوساته بالواقع[1].

لا مناص لكل طالب حقيقة من أن يفهم هذا الأمر في أدق دقائقه فهمًا تامًّا. فطريق المعرفة محفوف بالعثرات، والدرب إليها نفسه أشبه بحدِّ الموسى، كما يقال. ما أسهل أن نتخيل أن الفهم أو المعرفة في حوزتنا، في حين أن حظنا منهما، في أغلب الأحيان، لا يزيد عن حظ رجل عقيم في الإنجاب، أو في أحسن الأحوال، عن "عشم إبليس في الجنة"، كما يقال باللهجة المصرية المحببة. لذا يجب علينا أن نكون متيقظين أبدًا: إن استنطاق يقينياتنا العريقة وإعادة النظر فيها جذريًّا بلا هوادة هو جزء لا يتجزأ من طلب الحكمة.

* * *

لقد أسهب فلاسفة الشرق والغرب ومفكروهما الروحيون جميعًا في تفصيل وسائل المعرفة الحقيقية. والشرق ما انفك واعيًا بأهمية ربط المعرفة الحقيقية بالحياة الروحية والفلسفية. ففي الشرق، لم يُعتَد بالإپستمولوجيا كمنهاج معرفي مستقل، حسبه وظيفةً أن يحرض الذهن على التفكير، بل كان يشدد أيضًا على أهميتها العملية لطلاب الحقيقة. في تعداد وسائل المعرفة الصحيحة، يقول بعض العارفين إنها واحدة وحسب، فيما يقبل بعضهم الآخر بوجود خمس وسائل، إلى آخر ما هنالك. لكن هناك، من حيث الأساس، ثلاث وسائل مقبولة لتحصيل المعرفة الحقيقية قلما يشكك فيها أحد، وهي: العقل والإدراك وكلام الحكماء. ومع ذلك، إذا أخِذَتْ هذه الوسائل فرادى، يمكن لأي واحدة منها أن تصير عثرة في طريق السالك، كما سنرى.

إن أي امرئ متمتع بشيء من تفتح الذهن لا بدَّ أن يكون، إلى حدٍّ ما، كائنًا عقلانيًّا rational. فجميعنا نقبل بالمعقولية reasonableness كمعيار للتفكير والعمل والعلاقة والفهم؛ وغالبيتنا، حين تُسأل، تجيب بأن المعقولية شأن هام في الحياة. ثمة عامل راسخ في الذهن السوي يتمرد على اللاعقلاني irrational واللامعقول unreasonable وغير المنطقي illogical.

يقول أفلاطون وأتباع مدرسته بأن العقل noûs يتجاوب تلقائيًّا مع ما كان يعرفه وهو مستغرق في المنبع الأصلي الذي منه فاض أو انبثق. صفات الإله ("الوجود الحق" بالمصطلح الأفلاطوني) هي تلك الصفات التي ينجذب إليها العقل انجذابًا طبيعيًّا؛ وحين يستجيب الذهن والقلب لما هو معقول reasonable و/أو منطقي logical، فذلك لأن العقل يتعرف فيه إلى النظام الذي ينتمي حصرًا إلى عالم الحقيقة.

ماذا نعني بقولنا إننا عاقلون reasonable أو عقلانيون rational؟ نعني قطعًا أننا نقبل، عن وعي منا أو عن غير وعي، أن الحياة منظمة وأنه من العشوائية والاعتباط لا يخرج كوسموس cosmos ("كون منظم")، بل خاوُس chaos ("عماء"). وحتى على الصعيد الفيزيائي، نجد أن ارتباط العلة والمعلول (السبب والنتيجة) هو من القرب والوثوق بحيث يمكن استنباط الواحد من الآخر؛ والإقرار بالعلاقة السببية بينهما هو جزء من سيرورة التعقل reasoning process.

هناك، كذلك، المتلازمات الثابتة invariable concomitants، كما تسمَّى. منها، مثلاً، التلازم الثابت بين الدخان والنار: حيثما وُجِدَ دخان يلزم أن توجد نار (لا دخان بلا نار) – وإن يكن استنتاج وجود الدخان من وجود النار ليس صحيحًا بالضرورة (توجد نار بلا دخان!). العكس لا يصح دومًا إذن؛ لذا ينبغي عدم المضي بهذه القياسات إلى أبعد مما تحتمل.

ثمة في السيرورة العقلانية، أيضًا، إدراك للعلاقات وللمتعاقبات الثابتة invariable sequences. فقولنا إن 2 + 2 = 4 (لأننا برهنَّا على صحة ذلك) إنما هو إدراك لواقع ثابت. لكن من المعلوم، إلى ذلك، أن الأجزاء، مجتمعةً، لا تصنع كلاًّ بالضرورة وأن الكل هو أكثر من مجموع أجزائه: إذا جمعتَ عينين إلى أنف إلى يدين إلى قدمين إلخ، فإنك قد تركِّب دمية، لكنك قطعًا لن تصنع كائنًا بشريًّا. ومنه، قد يكون ثمة "عامل زائد" ينفي صحة مساواة 2 + 2 + = 4، مهما بدتْ "منطقية" للوهلة الأولى. ففي قولنا بأن مجموع الأجزاء لا يصنع كلاًّ على الدوام تصريح مضمَر بمظهر من مظاهر الحقيقة هو من العالمية والشمول بحيث يصح اتخاذنا إياه على سبيل التسليم.

بذا فإن إدراكنا لماهية العلاقة الفعلية – العلاقة السببية و/أو الزمنية – ولعلاقة الجزء بالكل، وتوصُّلنا إلى فهم فكري لها، هو العقلانية أو المعقولية[2]. أما الاستقالة من العقل فهي تنحٍّ عن الحقيقة وعن النظام الذي يتأسس عليه الكوسموس. لكن مكمن الصعوبة هنا هو في عدم قدرتنا أن نرى في هذا الكوسموس الشاسع كل ما هو موجود والسبل العديدة التي ترتبط بها أجزاؤه بعضها ببعض. زبدة القول إن للعقل أيضًا حدوده الصارمة التي لا يجوز المجازفة بتخطِّيها، تحت طائلة الوقوع في براثن التحريف أو الوهم.

التعقل ذو طبيعة رياضية. ومنه، فإن العقل reason الذي يُختزَل إلى معادلات أو أرقام يصير محض تجريد، فيعجز، بهذه المثابة، عن منحنا شعورًا بـالـ"ماهو" what is (التعبير لكريشنامورتي). الأشياء في ذاتها، أو الحياة كما هي، هي كل واحد لا يمكن لنا إدراكه بمجرد إحاطتنا ذهنيًّا بالعلاقة بين أجزائه وبالقوانين التي تنتظمها. فالحياة تبلِّغنا شيئًا هو من طبيعة الجمال الذي لا مناص لنا من الشعور به واختباره مباشرة – وإلا فلا. فالجمال، على اتصاله الوثيق بالرياضيات، لا يُختبَر بلغة المنطق المجرد وحده، ولا بلغة السبب والنتيجة فحسب.

* * *

مع أن في الكون نظامًا، ففيه أيضًا يكمن اللامتوقَّع الذي لا ينفك يخرق النظام القائم من أجل إبداع نظام جديد. وهذا لا يمكن أن يُعرَف إلا بالإدراك perception المباشر. ومنه، لا يستطيع العقل أن ينحِّي الإدراك بالكلية، ولا الإدراك يستطيع أن يلغي العقل تمامًا. لا بدَّ من فهم هذا الأمر حق فهمه لأنه، في حياتنا اليومية، قد يبلغ أحدهما أو الآخر من شدة السيطرة حدَّ تعطيل الفهم. إننا غالبًا ما نحسب أن إدراكنا مساو للمعرفة، وبذا نتوهم أن ما نراه هو "الـ"ـحقيقة بعينها. غير أن إدراك المجنون "معرفة" بنظره، كما سبق أن قلنا. أدوات الإدراك ("آلاته" بالمصطلح الفلسفي العربي) محدودة المدى جدًّا؛ ومع ذلك، فمن السهل أن يخيل إلينا أن الصور المنعكسة في ذهننا تعكس حقيقة ما هو موجود فعلاً. وبما أن ما نسميه الإدراك الحسي sensory perception هو، في حقيقته، سيرورة تصنيع للصور في الذهن ليس إلا، وأن كل استجابة حسية تتحول في الوعي إلى صورة، فإن ما نعرفه فعليًّا هو الصور وحسب. وهذه الخبرة قد تتطابق مع الواقع، أو قد تكون مجرد إعادة خلط لمحتويات الذهن أصلاً، أو قد يحدث أن تكون شيئًا غير موجود على الإطلاق حتى، كفيل طائر أو كالأرنبة البرية القرناء إياها!

كيف لنا أن نعرف أن ما ندركه، إما بالحواس وإما بالذهن، هو حقيقي؟ هل هو معرفة حقيقية؟ هل هو تحريف أم وهم؟ المادي يقول بأن وحده ما يدركه بحواسه موجود – ولهذا السبب بالذات فهو يعتنق المذهب المادي. إنه يستعمل ذهنه، لكنه لا يدركه؛ ومنه، فإن الذهن بنظره هو ظاهرة ثانوية epiphenomenon من ظواهر المخ أو نتيجة لازمة عن تفاعلات الجسم. الجسم، بالطبع، "حقيقي" بنظره، بما أنه يستطيع أن يراه؛ لكن هذا، فيما نرى، موقف يفتقر إلى دقة التحليل الفلسفي أو، في أفضل الأحوال، لا يلم بدقائق الإپستمولوجيا – إذ إننا نعرف مقدار محدودية إدراكنا للأشياء ومبلغ سهولة انقياده إلى الوهم. قد يرى أحدهم في يقظته مختلف صنوف الصور (راما أو العذراء أو محمدًا[3])، وقد يختبر أحلامًا ذات طبيعة غير اعتيادية؛ وما يراه قد لا يكون غير صورة مُسقَطة projected على الخارج بدافع رغبة شديدة مستبدة، تعود الحواس فتتلقفها إلى الداخل من جديد. لكننا إذا استبعدنا كل خبرة من هذا القبيل إطلاقًا بوصفها "وهمًا"، سرعان ما نجد أنفسنا في موقف سلبي تمامًا، عاجزين عن الاستجابة لأي شيء يقع خارج نطاق معرفتنا الراهنة. لذا فإن علينا، كما هو شأننا في حالة العقل، أن نتنبَّه، في الوقت نفسه، إلى كيفية استعمال الإدراك وإلى محدوديته.

* * *

لدينا، أخيرًا، كلام الحكماء (بالسنسكريتية: آپتاڤتشَنَم āptāvachanam). ما من امرئ عاقل حساس يصم أذنيه عن كلام سواه ويطلب الحقيقة بمفرده تمامًا. قد يشهد كوكبنا بين الحين والآخر ولادة أفراد أفذاذ، من قامة الپرَتْيكا بوذا Pratyeka Buddha، يمكن لهم بإعمال فطنتهم وحدها أن يجدوا بمفردهم طريقهم إلى النور وسط الظلمة[4]؛ لكن هؤلاء ثلة صغيرة بالضرورة. نحن قطعًا بحاجة إلى "مرجعية" خبرات الآخرين لكي نضع فهمنا ومدركاتنا وخبراتنا على محكِّها – وبئس مصير مَن يتوهم أنه مرجع ذاته في كل شيء! غير أن كلام الآخرين قد يكون، في كثير من الأحيان، مضلِّلاً: قد نظن أن أحدهم "حكيم"، بينما هو ليس كذلك في الحقيقة؛ ومَن يعتبره أناس كثيرون گورو guru أو معلِّمًا روحيًّا متحققًا ليس، في الغالب، إلا انعكاسًا لرغباتهم: إذا كانوا يرغبون في خوض تجارب خارقة للعادة، أو في الإحساس بالأمان، أو في ضمان آخرة سعيدة في جنان الخلد، فإنهم سرعان ما يقعون على گورو يجسد لهم هذه الرغبات[5]. هناك أصلاً مقدار كبير من الوهم في خبراتنا؛ وإذا أردنا أن نحصن الذهن ضد التحريف والأوهام، لا مهرب لنا من الإصغاء إلى كلمات الذين سبقونا ممن لمسنا فيهم نضجًا أو حكمة. لكننا يجب أن نعي بأن ثمة، هاهنا أيضًا، إمكانًا للعثار؛ إذ قد يلتبس علينا الدهاء بالنضج والحماقة بالحكمة!

الواقع أنه ما من وسيلة من وسائل المعرفة يمكن أن تؤخذ بحدِّ ذاتها. إن الاستماع إلى كلام "الحكماء" المزعومين، المستند ربما إلى مرجعية الكتب الشريفة، كالإنجيل أو القرآن أو الڤيدا، لكنْ مأخوذًا على محمل الحرف، من شأنه أن يحوِّل المرء إلى مؤمن أعمى، إلى متعصب أحمق يستنكف من إعمال عقله، فيتنكر لإدراكه نفسه. قد يصادف هذا "المؤمن" في حياته شخصًا يتفوق عليه من نواح عديدة ويتصف بخِلال وفضائل ممتازة؛ لكنْ لأن هذا الأخير يهودي، في حين أنه مسلم أو مسيحي، أو لأن ذاك مسلم وهو هندوسي، فإنه لا يجرؤ على الاعتراف بكونه إنسانًا طيبًا! "المؤمن" هنا يتنكر لإدراكه وينقاد انقيادًا أعمى للـ"مرجعيات" المزعومة. من ناحية أخرى، قد يتفق لامرئ أن يصدِّق تخيلاته وأوهامه، ويحسب أنه بلغ حالاً رفيعة من الوعي أو أنه على اتصال مباشر مع الله، فلا تلبث حشود من الناس أن تتبعه، فيَضل ويُضل سواه! إذ يمكن للناس أن يصدقوا أي شيء فيه نفي للعقل ومناقضة لخبرات الآخرين.

* * *

يكمن الخطر، إذن، في وسائل المعرفة الثلاث هذه جميعًا إذا اتُّكِلَ على كلٍّ منها على حدة في معزل عن الوسيلتين الأخريين (على الأقل). من هنا فإن مقاربة متزنة إلى الحقيقة من الأهمية بمكان دومًا. من المهم أيضًا وعي أنه حين تكون "الأنية" ego شديدة الرسوخ والتضخم، فإنها تتغلب على العقل، وتحرِّف الإدراك، وتعسِّر جدًّا أية استجابة بناءة لكلام الحكماء الحقيقيين. فالذات الشخصية الضيقة غالبًا ما تكون مدمنة على اللذة أو متحرقة إلى السلطة، وعبر تلبية شهواتها المجنونة تدمِّر القدرة على استعمال الوسائل الصحيحة إلى المعرفة.

لذا فإن التطهر والفحص عن النفس والانضباط الخلقي يجب أن تسير يدًا بيد مع استعمال هذه الوسائل إلى المعرفة. ما هي المعرفة الحقيقية؟ وما هي المعرفة الكاذبة؟ وما هو السبيل الصحيح إلى الفوز بالمعرفة الحقيقية؟ تلك مسائل بالغة الأهمية في نظر كل مَن يطلب السير على درب التحقق الروحي ويتوق إلى عناق الحقيقة الأزلية.



[1] يميز الشريف الجرجاني في تعريفاته بين "الوهم"، وهو "إدراك المعنى الجزئي المتعلق بالمعنى المحسوس"، وبين "الوهميات"، وهي "قضايا كاذبة يحكم بها الوهم في أمور غير محسوسة".

[2] يميز عمانوئيل كانط بين "العقلاني" rational وبين "المعقول" reasonable في سياق تمييزه بين "النظام المطلق" و"النظام الشرطي"، حيث إن الأول يمثل العقل العملي الخالص، بينما يمثل الثاني العقل العملي التجريبي. لكننا لن نجاري الفيلسوف الكبير في تمييزه هذا لأنه يخرج عن نطاق هذه الاعتبارات التي شئناها متصفةً بطابع العمومية.

[3] شهدت سيدة لبنانية، في بثٍّ مباشر على موجات إذاعة النور، أنها رأت بأم العين "ملائكة الرحمن" (كذا!) تقاتل جنبًا إلى جنب مع مجاهدي حزب الله في أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان (تموز 2006).

[4] الپرَتْيكا بوذا ("البوذا بذاته") لقب يُطلَق على مريد يجاهد في سبيل الانعتاق، سبق له أن التقى بالبوذا أو بواحد من حوارييه أو استمع إلى تعاليم الدهرما Dharma في عمر سابق، دون أن يكون قد طبقها حتى غايتها، بحيث إنه في دورة أعماره الأخيرة في نطاق الرغبة يزهد في الدنيا طوعًا ويعتزلها طلبًا للانعتاق الروحي النهائي، دونما حاجة، في الغالب، إلى مرشد شخصي. جدير بالذكر أن الپرتيكا بوذا لا يحق له أن يعلِّم الدهرما ولا أن يرشد سواه.

[5] راجع بهذا الصدد: ديمتري أڤييرينوس، "الشيخ والمريد"، سماوات: http://samawat.org/articles/guru_chela_dna.

التناغم مع الكون - ديمتري أڤييرينوس

السبت, أيار 1st, 2010

التناغم مع الكون

ديمتري أڤييرينوس

ثمة حرارة واحدة، نَفَس واحد،
الأشياء كلها يعطف بعضها على بعض.

أبقراط

باتت مسألة التناغم قضية ذات أهمية حيوية مصيرية – لا لتحقيق السعادة المأمولة للبشرية الشقية، بل لبقاء النوع البشري أصلاً. فلما كان تناغمنا اليوم مع البيئة ومع سوانا من البشر ومع أنفسنا شديد الاختلال – وهل من أحد يشكك في هذا الواقع المؤلم؟! –، ترانا نتسبب في وقوع أضرار هائلة على العلاقات المتبادلة، بيننا وبين الطبيعة وفيما بيننا، وعلى تطورنا نحن، نفسيًّا وجسميًّا – حتى إن العديد من المراقبين لا يستبعدون، من جراء تراكُم هذه الأضرار، وقوع كارثة عالمية ماحقة. والضرر الواقع علينا لا يمكن فصله، ولا لحظة واحدة، عن الضرر الواقع على غيرنا – فنحن، فعليًّا، مسؤولون عن الإنسانية ككل، وذلك لأن كل واحد منا مختصَر للنوع البشري بأسره، كما ظل ج. كريشنامورتي يلح مرارًا وتكرارًا.

المتناغمون داخليًّا، المتكاملون في أنفسهم، يشعون تناغمًا وفرحًا وسعادة، أينما حلُّوا ومهما فعلوا. في المقابل، عندما ينشب نزاع داخلي في النفس، فهو لا يلبث أن يُسقَط نزاعًا على الخارج. لذا يشدد كتيب صوت الصمت:

قبل أن تستطيع النفس أن ترى، لا بدَّ من بلوغ التناغم في الداخل، ومن جعل عينَي اللحم تعميان عن كل وهم. (المقطع الأول)

فكل نشاز (= وهم) على هذا الصعيد يعيق الرؤية ويؤخر تطور الإنسان ككل.

* * *

الكون، في التحليل الأخير، ليس شواشًا chaos، بل نظام cosmos – نظام هو من التناغم بحيث إن الواعين به، رصدًا ومشاهدة، يقفون أمامه فاغري الفم، في حال ذهول تام. في كتاب للأستروفيزيائي مارتن ريس بعنوان ستة أعداد فقط – وبعنوان فرعي هو "القوى العميقة التي تشكل الكون"[1] – يتناول المؤلف، الباحث في الجمعية الملكية البريطانية والأستاذ في جامعة كمبردج، بالتبسيط العلمي الراقي ستة أعداد (بعضها ضئيل وبعضها الآخر ضخم) تؤلف "صيغة" تشكيل الكون: حَسْب أحدها أن يزيد أو أن ينقص، وإنْ بمقدار طفيف، حتى تتوقف سيرورة تكوين النجوم وتنعدم الحياة كما نعرفها.

على سبيل المثال، لو اتفق للتناسب N بين قوة الجاذبية وبين القوة الكهرطيسية أن ينقص بمقدار طفيف حتى، لكانت النجوم قد اختصرت كثيرًا دورة الحياة: فالتوازن بين قوة الجاذبية، التي تشد النجم بعضه إلى بعض، وبين القوة الكهرطيسية، التي تحُول بينه وبين الانهيار، وثيق الصلة بعمر النجوم؛ ومن دون هذا التوازن الدقيق لما أتيح الوقتُ الكافي الضروري لكوكب مثل الأرض أن يتكون؛ إذ من غير شمس مستقرة يدور حولها يتضاءل احتمال وجود الأرض أو الحياة عليها. وريس، أمام هول ظاهرة الكون، يطرح السؤال الملحَّ التالي: "هل هذا التناغم مجرد واقعة خام، مصادفة؟"

كان النظام الكوني عند قدماء الهنود يُسمى رتا rita. وسوية التناغم الفائقة للخيال التي تحافظ على النظام الكوني لا تعود إلى الوقائع المقيسة والمدرَكة التي بدأ العلم يدرسها، لكنها موجودة على أبعاد حاذقة أعمق، وحدهم الفلاسفة بين العلماء باتوا يحدسون وجودها. يمثل رتا بنظر الأقدمين تناغمًا يحيط بكل شيء، وهو أساس الظواهر كلها في المجالين المرئي وغير المرئي للوجود. ولقد كان عالم الفيزياء والفيلسوف الكبير ديڤيد بوهم نافذ البصيرة حين وصف الواقع في كتابه العميق الكلية والنظام المنطوي[2] بأنه "سيرورة لا تنتهي من الحركة والتفتح" وتكلم على نظام منطو "يشكل وجهًا أساسيًّا من وجوه الواقع".

* * *

أذن الموسيقي الخبير تبلغ من رهافة الحساسية حدًّا يمكِّنه من وعي أدق انزياح عن تناغم الأصوات؛ إنه يسمع تنويعات طفيفة للغاية قد لا يلحظها مستمعوه، وعليه، كل لحظة، أن يُحكِمَ ضبط الوتر حتى يحافظ على التوافق التام. بالمثل، يحرص كل عازف في الأركسترا على إتقان عزفه بالتناغم مع زملائه: فأدق التلاوين الموسيقية هام للغاية لأنه جزء لا يتجزأ من العمل الموسيقي ككل. في رائعة ميلوش فورمَن أماديوس (1984) – ذلك الفيلم المذهل الذي يصور جوهر الإبداع – يدور حوار قصير بين موتسارت وبين القيصر يوزف الثاني، راعيه في ڤيينا، بعد العرض الأول لأوپرا الاختطاف من السراي:

القيصر: جهد طيب، يا سيد موتسارت… لا جدال في ذلك، جهد ممتاز! لقد أريتنا شيئًا… جديدًا تمامًا هذه الليلة.
موتسارت: إنه جديد فعلاً! إنه حقًّا جديد، أليس كذلك، يا مولاي؟
القيصر: حقًّا إنه كذلك.
موتسارت: فقد أعجبك إذن؟ أأعجبك حقًّا، يا مولاي؟
القيصر: بالطبع أعجبني! إنه جيد جدًّا… طبعًا، بين الحين والآخر… فقط بين الحين والآخر… بدا بعض الشيء…
موتسارت: ماذا تعني، مولاي؟!
القيصر: أعني، أحيانًا، يبدو أن فيه… كيف أقول؟… كيف يقال ذلك، أيها السيد المدير؟
مدير الأوپرا: … نغمات أكثر مما يجب، يا صاحب الجلالة؟
القيصر: بالضبط! أحسنت القول. فيه نغمات أكثر مما يجب.
موتسارت: لا أفهم! ففيه عدد النغمات المطلوب بالضبط، يا صاحب الجلالة، لا أكثر ولا أقل!

ينطبق هذا المبدأ على النظام الكوني، رتا، لكنْ على سلَّم أعظم بما لا يقاس. ويبدو أن هناك عقلاً مدبرًا أو قدرة مبدعة ("قائد أركسترا") تعيد تناغم الكون إلى نصابه آنيًّا إذا اتفق له – والكلام هنا على سبيل المجاز – أن يختل اختلالاً طفيفًا. هذا هو عمل قانون كرما karma أو كرما-نميسِس Karma-Nemesis (نميسِس: إلهة الثأر عند الإغريق)، كما تسميه السيدة بلاڤاتسكيا في موسوعتها الباطنية العقيدة السرية. إنها تذكر أن

[...] ناموس كرما الفريد – وهو ناموس أبدي وسرمدي – هو التناغم المطلق في عالم المادة، كما هو في عالم الروح. ومنه، ليس كرما هو الذي يثيب أو يعاقب، بل نحن الذين نثيب أنفسنا أو نعاقبها طبقًا لسلوكنا حيال الطبيعة، باحترامنا القوانين التي تحكم التناغم أو بانتهاكنا إياها.

وتذكر السيدة بلاڤاتسكيا أيضًا، في هذا السياق، أنه مادام أثر الاختلال الحاصل، "حتى على أصغر ذرة، في العالم اللانهائي للتناغم"، لم يوازَن، فإن الذي أساء الفعل يشقى مما يظنه عقابًا: إنه يختبر ما نسميه "الشقاء" ويحاول التهرب منه بكل الوسائل؛ وهو، إذ يجهل ما يحدث له، تراه يتخبط تخبطًا يؤدي إلى حصول المزيد من الاختلال!

* * *

يفيدنا الموروث القديم وجود أنماط عديدة من الكائنات، لا يحيط بها إدراكنا، تتمتع بالعقل على درجات متفاوتة، وتحيا في حال من التناغم غير الواعي مع الطبيعة، فتحقق "العمل العظيم" Magnum Opus عفويًّا؛ إنها تؤدي دورها بفرح في السيمفونية الكونية، وكذا تفعل سائر الموجودات ما دون البشرية التي نعرفها. وحده الموجود البشري تنطرح عليه ملحةً مسألةُ كيفية "التناغم مع الطبيعة": فنحن – وحالنا من عدم التناغم هي ما هي – نتكبد شقاء الصراع ونتحرق شوقًا إلى السلام والمحبة والجمال.

غير أن الوعي البشري، لحسن الحظ، يتمتع بالقدرة على الرصد والتفكير، بحيث إن القليل الذي يفهمه من العالم الذي يحيا فيه يكفي لتوعيته بمسؤولية الفرد عن الحفاظ على التناغم. إن من شأن جهودنا لدراسة ظواهر الحياة وفهمها – على افتراض إخلاص هذه الجهود! – أن توعِّينا بأن الشروط الفوضوية السائدة في المجتمع البشري إنما تتولد أصلاً في دخيلة نفس كلٍّ منا. ومنه، فإن الحل بأيدينا: إذا أولينا ما يكفي من الانتباه لفهم مجرى الأمور، فقد يتمكن وعينا من إحداث نقلة نوعية على مرتبة معرفية جديدة بالنظام الكوني وبمغزاه وجماله.

* * *

ليس التطور مجرد نموٍّ من درجات أدنى من تعقيد الشكل إلى درجات أعلى منه فحسب، لكنه تفتُّح كلِّي متواصل للوعي على مستويات أرقى من اليقظة أيضًا. وهذا الوعي يتضمن تقييمًا للطاقات الجوهرية للكوسموس: إنه لا يتناول بالضرورة معرفة التفاصيل، بل هو بالأحرى رؤية للمبادئ الإلهية التي تتجلى في كل تفصيل مثلما تتجلى في التيار الكلي. ويذكر المأثور أن العلم الكلي الذي لدى البوذا، على سبيل المثال، عبارة عن قدرة على معرفة الكليات على الإجمال، لا معرفة الجزئيات على التفصيل، من نحو عدد الشعرات النابتة في رأس فلان من الناس!

إن دفق التجلي يكشف عن هذه المبادئ الإلهية الكلِّية، على مراتب مختلفة، عبر ظواهر ووظائف متنوعة. ففي جريان الشلال، ترى حاسة البصر لا تدرك إلا صورة ثابتة، في حين أن حركة الماء في الواقع متواصلة. بيد أن التغيرات المتلألئة على خلفية حال ساكنة تجعلنا نختبر فرحًا منعشًا وإحساسًا بالتجدد في كل لحظة؛ وعلة ذلك أن عالم الظواهر إنما هو عبارة عن حركة دائمة وتغير لا ينتهي، إنما يبطن هذه الحركةَ الموجودُ السرمديُّ الأبدي – وهي مفارقة تتكرر بأشكال مختلفة. فنظام الكون ينطوي على تنوع لانهائي من الأشكال والصور والنماذج، بحيث إن الطاقة الخلاقة التي تبطِّنه تولِّد دومًا أشكالاً وصورًا ونماذج جديدة. وفي هذا الدفق الكلِّي، ما من شيء يماثل الآخر، وحتى ورقة الشجرة لا تشبه أي ورقة أخرى؛ إذ يبدو أن الطبيعة لا تطيق التماثل والتشابه. غير أن في تنوعات الحياة المذهلة "خيطًا" سريًّا يربط ما بين الأشياء كافة في كلٍّ واحد لا ينقسم. الإنسان الفرد أشبه ما يكون بقطرة في سعة محيط الوجود وعمقه، قد تبدو للوهلة الأولى منفصلة، لكنها في الواقع لا تنفصل عن هذا المحيط.

هذه المفارقات كلها جزء من "موسيقى الأفلاك"، بالتعبير الفيثاغورثي الجميل. سيمفونية الطبيعة يؤديها ما لا يُحصى عددُه من صنوف الموسيقيين والآلات والألحان والنغمات والإيقاعات وهلم جرا – وكل منها لا غنى عنه لحصول التناغم الإجمالي. ففي حكاية صوفية ورد أنه حين أثار نعيق غراب أجش سخط عدد من الأشخاص، فطردوا الطائر المسكين، غضب الخالق واستدعى معاونيه وسألهم لماذا نقص أحد أفراد جوقته! كل عنصر فرد فهو يستمد قيمته من الكل، لكن الكل هو الذي يؤلف "موسيقى الأفلاك".

إن كوننا بشرًا شرف عظيم أسبغته علينا الطبيعة لأن بمقدورنا أن نبتهج بجمال العناصر المختلفة كلها وبجِدَّتها، وأن نعي كذلك – حدسًا – أنها ليست، في جوهرها، غير تجلٍّ للكل الواحد غير المنقسم. فهي، بالفعل، تؤلف الوحدة ويتجلى من خلالها جزء من طبيعتها، مثلما أن الضوء يتألف من ألوان قوس قزح. كل عنصر فرد فهو يتضمن بالقوة تنوعًا هائلاً، وكل التنوعات في المآل تندغم في الوحدة الأصلية التي انبثقت منها.

* * *

تتمثل المشكلة البشرية في أن تناقضاتنا الداخلية أساسها مفارقة كبرى ينطوي عليها التجلي الكوني، إذ يظهر المبدأ العليُّ على هيئة "سواه". في كتاب پيار لوكونت دُه نوي الكلاسيكي مصير الإنسان[3]، حاول المؤلف أن يتفكر في الغايات المبطنة للتطور، فخمَّن أن هذه الغايات تشتمل على التناغم والحرية والفردية. ففي حالة إنسان متوسط، يزعزع التشديدُ على الفردية التناغمَ، فيما يبدو أنه يتيح، في الظاهر، حرية أكبر.

إن تنوع الأشكال والأنواع إنما هو وسيلة الطبيعة لتنمية المزيد من الخصائص الفردية. فهناك، على سبيل المثال، فارق هائل بين البعوضة والفيل، لا بسبب تباين حجميهما وحسب، بل لأن الأولى تكاد لا تبدي من خصائص الفردية إلا أقلها، بينما الثاني متفرد، بصفة ملحوظة، من حيث مظهره وسلوكه وفطنته. والإنسان، خلال عدة ملايين من سني تطوره، قد مضى شوطًا أبعد في هذا الاتجاه؛ ولكن منذ بضع عشرات الآلاف من السنين، عمل تطور الوعي على تنمية الحرية وحس التناغم لديه أيضًا. فمن منظار عضوي، حدثت تطورات ملحوظة من هذا القبيل: يتمتع الحيوان فيزيائيًّا بحرية حركة أكبر من النبات المغروس في التراب؛ والنوع البشري أكثر حرية أيضًا، من حيث قدرته على صنع آلات تحرر جسمه من قيود الطبيعة. وداخليًّا أيضًا، هناك تطور ما انفك يتم نحو المزيد من الحرية؛ غير أن ثمة تناقضًا ظاهريًّا عند غالبية البشر بين الحاجة إلى التناغم، من ناحية، وبين الدافع إلى التفرد، من ناحية ثانية. ينحل هذا التناقض في الأشواط الأولى ما قبل البشرية من التطور عبر تسويات الطبيعة؛ أما عند الإنسان الواعي، فهناك نزاع وصراع: فهو راغب في عقد علاقات إنسانية سوية، لكن أنانيته تحبط حظوظ اختبار هذه العلاقات اختبارًا موفقًا. إن التشديد على الفردية تشديدًا أنانيًّا هو العلة الأولى لاختلال التناغم في حياتنا. على النحو نفسه، نحن راغبون في الحرية، لكننا أيضًا في حاجة إلى نظام خارجي يحدُّ من حريتنا لتنظيم العلاقات فيما بيننا – وهذه ليست معضلة فردية وحسب، بل معضلة اجتماعية ووطنية ودولية أيضًا.

* * *

ترى مشكلتنا الرئيسة، من الآن فصاعدًا، هي التالية: هل بوسعنا أن نظل أحرارًا من غير أن نختلق أوضاعًا جماعية فوضوية مؤلمة؟ هل بوسعنا أن نكشف عن الوحدة المستترة في أعماق نفوسنا من غير أن نتصارع ونقتتل؟! يتوقف معظم الجواب على النحو الذي نفهم به أنفسنا ونتفهم القيم المركوزة في الجوهر الأساس للكون.

إن القيم العالمية الأزلية للكوسموس قيم مستقلة عن الوعي البشري المحدود، وهي لا تمت بصلة إلى ظاهر الأمور. فكما قال الشاعر ريتشارد لوڤليس:

جدران الحجر لا تصنع سجنًا،
ولا قضبان الحديد قفصًا؛
فالنفوس البريئة والمطمئنة
تتخذ ذاك ملاذًا.

إذا كانت في حبي طلاقة،
وكنت في نفسي طليقًا،
فالملائكة المحلقة في الأعالي
وحدها تنعم بمثل هذه الحرية.

حبيس السجن ليس أقل حرية من امرئ يتمتع – زعمًا – بالحرية، في حين أنه عبد لأهواء الغضب أو الطمع أو الحسد، أو أسير الذهن للطائفية أو لمذهبية ضيقة. بالمثل، فإن "فردية" أصيلة، متكاملة في ذاتها (بالمعنى اليونگي للمصطلح)، لا تفسح في المجال مطلقًا لتأكيد أهمية النفس ولا للتباهي بالمعارف الواسعة، كما لا تكترث البتة بأي انتماء طائفي أو مذهبي.

* * *

إن ما نسميها القيم الجوهرية العالمية – الحرية، الوحدة، الإخاء، السعادة، السلام، إلخ – هي من الخصائص الأصيلة في النفس: فهي لا تتكل في وجودها على أي شيء خارجي، وإنْ كان يمكن لبيئة خارجية مواتية أن تتيح المجال لتفتُّحها من غير مشقة. لكن اعتقادنا المغلوط بأننا يجب أن نجد هذه القيم أو نوجدها في الخارج – باستخدام نفوذ العلاقات البشرية، باقتناء المزيد من الأشياء والاستئثار بها، أو حتى بتغيير الظروف الخارجية ("علاقات الإنتاج"، على حدِّ المصطلح الماركسي) تغييرًا قسريًّا – هو في الأساس من الفتن والصراع والشقاء. تلك القيم إنما هي وجوه متعددة لفطرتنا الأصلية، للوعي الكوني الكامن فينا؛ ومنه، حسبنا أن نحقق هذه الفطرة حتى نكون على تناغم مطلق مع الكون!


[1] Martin J. Rees, Just Six Numbers: The Deep Forces that Shape the Universe, Weidenfeld & Nicolson, London, 1999.

[2] David Bohm, Wholeness and the Implicate Order, Ark Paperbacks, 1983.

[3] Pierre Lecomte Du Noüy, L’Homme et sa destinée (Human Destiny), La Colombe, Paris, 1948.

اطلبوا الملكوت… - ديمتري أڤييرينوس

الأحد, نيسان 11th, 2010

اطلبوا الملكوت…

ديمتري أڤييرينوس*

لا تكنزوا لأنفسكم كنوزًا في الأرض، حيث يُفسد السوس
والعث وينقب السارقون فيسرقون، بل اكنزوا لأنفسكم
كنوزًا في السماء، حيث لا يُفسد السوس والعث ولا
ينقب السارقون فيسرقوا. فحيث يكون كنزك يكون قلبك.
إنجيل متى 6: 19-21

ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟
إنجيل متى 16: 26

نذكر أن صديقًا علَّق على زيارته "جنة العريف"، أحد متنزهات قصر الحمراء بغرناطة، بقوله: "أحسست بأني في الجنة فعلاً!"

بيد أن السماء والأرض كلتاهما فينا. حين يقول أحدهم مجازًا: "أنا في الجنة!" أو "صوت فلانة ملائكي!" إلخ، فهو يعني بذلك أن ما يختبره من الروعة بحيث يُشعِرُه بنشوة غير عادية. هذه الخبرة، في الواقع، إنما هي حال وعي، لأن جميع المشاعر الذاتية، سواء كانت فرحًا أو سلامًا، خوفًا أو عذابًا، منطلقها الوعي ومستقرُّها الوعي. قد يوصف حقلٌ قانٍ من شقائق النعمان في الربيع بأنه "سماوي"، مع أنه مزهر على الأرض بكل تأكيد؛ إذ إن الخاصية "السماوية" فيه هي حال الوعي لدى رؤيته. ومنه، فإن ما يُسمى "الجنة" إنما هو حال وجود باطنية، وليس موقعًا على مرتبة وجودية أخرى أو مكانًا آخر بعينه.

قد لا يكون بعض القراء مطلعًا على مثل الغني الذي ضربه المعلم الناصري؛ لذا نورده كما جاء في إنجيل لوقا:

رجل غني أخصبت أرضه، فقال في نفسه: "ماذا أعمل؟ فليس لي موضع أخزن فيه غلالي." ثم قال: "أعمل هذا: أهدم أهرائي وأبني أكبر منها، فأخزن فيها جميع قمحي وأرزاقي، وأقول لنفسي: يا نفس، لك أرزاق وافرة تكفيك مؤونة سنين كثيرة، فاستريحي وكُلي واشربي وتنعَّمي." فقال له الله: "يا أحمق، في هذه الليلة تُسترَدُّ نفسُك منك، فلمَنْ يكون ما أعددتَه؟" فهكذا يكون مصير مَن يكنز لنفسه ولا يغتني عند الله. (12: 16-21)

ثم قال لحَوارييه، تعليقًا على المثل، هذه العبارات البديعة:

لذلك أقول لكم: لا يُهمَّكم للعيش ما تأكلون، ولا للجسد ما تلبسون. أليست الحياة أعظم من الطعام، والجسد أعظم من اللباس؟ انظروا إلى الغربان كيف لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء، وأبوكم السماوي يرزقها – وكم أنتم أثمن من الطيور! ومَن منكم يستطيع، إذا اهتم، أن يضيف إلى حياته مقدار ذراع واحدة؟ فإذا كنتم لا تستطيعون ولا إلى القليل سبيلاً، فلماذا تكونون في همٍّ من سائر الأمور؟

ولماذا يُهمُّكم اللباس؟ اعتبروا بزنابق الحقل كيف تنمو، فلا تجهد ولا تغزل ولا تنسج. أقول لكم إن سليمان نفسه، في كل مجده، لم يلبس مثل واحدة منها! فإذا كان عشب الحقل – وهو يوجد اليوم ويُطرح غدًا في التنور – يُلبسه الله هكذا، فما أحراكم بأن يُلبسكم، يا قليلي الإيمان؟!

فلا تهتموا فتقولوا: ماذا نأكل؟ أو ماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟ ولا تكونوا في قلق – فهذا كله يسعى إليه وثنيو هذا العالم. وأبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا كله. فاطلبوا أولاً ملكوته وبرَّه تُزادوا هذا كله. لا يُهمَّكم أمرُ الغد، فالغد يهتم بنفسه، ولكل يوم من العناء ما يكفيه. (إنجيل لوقا 12: 22-31؛ إنجيل متى 6: 25-34)

بعض الباحثين الروحيين يهتم بالدراسة المقارنة للأديان؛ وهي دراسة لا تجدي نفعًا إذا اقتصرت على التفاصيل وحسب – تفاصيل التقاليد والأعراف، تفاصيل العقائد والطقوس الفرعية المفرغة من مضامينها. إذ إن العديد من الكتب الشريفة قد طرأ عليها تحريف عبر القرون، ما يجعل تأويلها أبعد ما يكون عن السهولة؛ كما أن الأحاديث المنسوبة إلى الأنبياء والحكماء الكبار قيلت في لغات قديمة قد يصعب التكهن بجميع مدلولات كلماتها اليوم. لكننا إذا وقعنا على التعليم نفسه في عدة مصادر كبرى، فهو دليل قطعًا على أصالته ومعناه الروحي. جاء في الـدهمَّپدا، كتاب صحيح أحاديث البوذا:

يشكو الأحمق: "عندي بنون، عندي مال!" هو الذي لا يملك حتى نفسه في الواقع، كيف يمكن أن يكون ذا بنين ومال؟! (الأحمق، 62)

يُنقل كذلك عن البوذا أنه كلَّم رجلاً أراد أن يخبئ كنزه في حفرة عميقة، فقال له إن هذا الحرص لن يفيده بتاتًا، لأن الكنز يمكن له أن يختفي أو يُسرَق، كما يمكن لانتباهه أن يشرد فينسى أين خبأه، أو يمكن للعفاريت الخبيثة أن تختلسه؛ ثم خلص إلى القول للرهبان من تلاميذه:

إن كنزًا يُدفَن في حفرة عميقة لا يجدي نفعًا، وما أسهل ما يضيع. أما الكنز الحقيقي الذي يُجمَع بالإحسان والورع، بالاعتدال أو ضبط النفس أو الأعمال الصالحة، فهو كنز مأمون عليه لا يزول. إنه لا يُكنَز أبدًا بسلب الآخرين أو الإساءة إليهم، وليس بمقدور أي سارق أن يسرقه. المرء، عندما تحين ساعة موته، يترك غنى العالم الزائل لا محالة، أما هذا الكنز من الأعمال الفاضلة فيأخذه معه. فليعمل العقلاء أعمالاً صالحة، فهي كنز لا يضيع أبدًا. (پول كارو، إنجيل البوذا)

عبارات البوذا هذه تكافئ قول المعلم الناصري الذي استهللنا به هذا المقال: "لا تكنزوا لأنفسكم كنوزًا في الأرض…"، كما يكافئ تعليم القرآن الكريم:

ألهاكم التكاثر (1) حتى زُرتُم المقابر (2) (سورة التكاثر).

مَن كان يريد حَرْثَ الآخرة نَزدْ له في حَرْثه ومَن كان يريد حَرْثَ الدنيا نُؤتِه منها وما له في الآخرة من نصيب (20) فما أوتيتم من شيء فمَتاع الحياة الدنيا وما عند الله خيرٌ وأبقى للذين آمنوا وعلى ربِّهم يتوكلون (36) (سورة الشورى).

كذلك، جاء في الـطاو-تُه-كنگ، "كتاب الطريق والاستقامة" المنسوب إلى الحكيم الصيني لاو-تسُه:

الحكيم لا يكنز شيئًا:
إنه، إذ يستعمل ما عنده من أجل سواه،
يحصل على المزيد؛
وإذ يهب ما عنده لسواه،
يبقى عنده ما هو أعظم. (81)

بالمثل، ينصح الكتيِّب الثيوصوفي الكلاسيكي نور على الدرب للمريد بما يلي:

(15) ارغبْ في الممتلكات فوق كل شيء. (16) لكن تلك الممتلكات يجب أن تنتمي إلى النفس النقية وحدها، فتملكها جميع النفوس النقية على حدٍّ سواء، وتكون بذلك ملكًا مشاعًا لها جميعًا حين تتحد وحسب. اشتهِ من الممتلكات ما بوسع النفس النقية أن تقتنيه، حتى تُغْني به روح الحياة الجامعة تلك، التي هي وحدها ذاتك الحق.

بذا فإن التعاليم الواردة في مختلف المنقولات الكبرى، في مختلف الأزمان، تُجمع على وجود "كنوز روحية" لا يمكن الوقوع عليها في "متاع الدنيا"، بل هي "عند الله"، عند الذات الإلهية الحق التي هي ذات الجميع.

كم من "المتدينين"، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، يأخذون هذه التعاليم على محمل الجد؟ كم منهم، على غرار نَتشِكيتاس في أوپنشاد كاتها، يزهدون في الدنيويات للفوز بالخلود؟ لقد عرض ياما، ربُّ الموت، على نَتشِكيتاس ممالك واسعة، أموالاً لا تأكلها النيران، قصرًا فارهًا، ملذات من مختلف الصنوف، لكن ذلك كله لم يُغْره. كذلك…

يحكى بأن أحد السواح الأميركيين زار الرباني الپولوني الشهير حافظ حاييم [القرن 19]. ولكم كانت دهشته عظيمة عندما رأى أن منزل الرباني كان عبارة عن غرفة بسيطة مملوءة كتبًا وأثاثها منضدة ومقعد ليس غير. سأل السائح: "رابي، أين أثاثك؟" أجابه حافظ: "وأين أثاثك أنت؟" استغرب السائح: "أثاثي؟! ما أنا إلا سائح هنا!" فقال الرباني: "وأنا كذلك."

أجل، تأتي ساعة، على الدرب الروحي، لا مناص فيها، على غرار نَتشِكيتاس وحافظ حاييم وسواهما، من الزهد في كل لذة عابرة يمكن للدنيا أن تقدمها، وذلك في سبيل حياة الروح. لكن هذا ليس بالأمر السهل، لأن أغلب الناس – وهم من "وثنيي هذا العالم"! – يتعلقون بأشياء الدنيا الزائلة، مع أن ياما ينتظرهم لا محالة عند منعطف الطريق!

لكن كثيرين من هؤلاء الناس أنفسهم يتشوقون في الآخرة إلى "الجنة"، إلى بلوغ فردوس يأملون أن يكون "نسخة محسَّنة" عن الدنيا! ومنه، تراهم يؤمنون بأوصاف للجنة فيها الحور العين، والجنان المزدانة بأشجار مطعَّمة بالجواهر، وأنهار اللبن والعسل والخمر، وسائر الأشياء التي من شأنها أن تشبع شهواتهم، فيحرمون أنفسهم جزئيًّا من متع الدنيا، مؤملين أنفسهم بالحصول على متع أكبر في الآخرة! لكن المشكلة هي في كيفية بلوغ هذه "الجنة" المتخيَّلة. وحتى الناس الذين يقتنعون فكريًّا بسذاجة التصور المادي للجنة، لا يتخلصون منه نفسيًّا، فترى الكثيرين منهم، بحُكم خوفهم من الموت، يقعون في حبائل "مرشدين" و"وسطاء" يزعمون أنهم يستطيعون إرشادهم إلى الطريق. هذا الاستغلال ليس جزءًا من التنظيمات الدينية المعاصرة إلا لأن الهاجس الذي يستبد بالقوم هو كيفية استمرارهم في التمتع، بعد موت الجسم، بما يكافئ تصوراتهم للملذات الدنيوية.

بلوغ الجنة في روحانيات الشرق لا يُعتبَر هدفًا راقيًا. ففي الميثولوجيا الهندية، مثلاً، حتى الآلهة يمكن لها أن تسقط من عليائها على الأرض إذا ما اتفق لها أن تقترف إثمًا! أما الجنة الحقيقية – تلك التي لا توصف غبطتُها – فهي في باطن الذات، في كهف القلب. لذا يجدر بنا أن نتعلم التحول إلى الباطن، حتى ونحن لا نزال على الأرض. الأرض ليست شرًّا بحدِّ ذاتها – فما أجملها وما أجمل كائناتها! –، لكن الطمع الناتج عن التماس مع الأشياء الأرضية، شهوة الاستئثار بها، تصوُّر الآخرة على غرارها، هو الذي يُفقر ولا يغْني. والمجتمع الفاسد، بكل أسف، يُشرط الناس على طلب الملذات المادية: برامج الشاشة الصغيرة والحملات الدعائية المحمومة، ناهيكم عن مواقع الإنترنت الإباحية، تشجعهم على السعي وراء إشباع المطامع والشهوات، وراء الاستئثار والملاهي.

لقد أشار البوذا إلى أن الحواس، حين تكون على تماس مع أغراض الحس، والأفكار، حين تكون على تماس مع أغراض الفكر، فإن نار الظمأ (تنها tanhā، الرغبة) تتقد من جديد. لكن حياتنا اللامبالية، في أغلب الأحيان، تنصرف من غير أن نرصد كيف يقع الذهن في الفخ ويفسد. وحده الدأب على الرصد الهادئ يبين لنا كيف تلوِّث أغراضُ الحس والخواطرُ الشاردةُ الذهنَ، بعد أن "يعالجها" المخزون من الذاكرة، فتوقد من جديد نيران الشهوة والطموح. جاء في كتاب صوت الصمت:

حذار من المدح، أيها المريد. فالمدح يؤدي إلى خداع النفس. جسمك ليس ذاتًا، وذاتك بحدِّ ذاتها لا جسم لها، فلا المدح ولا الذم يؤثران فيها. (المقطع 2: الطريقان)

كيف ذلك؟ المدح، كالذم، يساهم في تشكيل صورة عن النفس من بنات المخيلة، فيتعلق بها الذهن ويرفع من حولها سورًا واقيًا يحجب عنها شساعة الحياة. وهذا الاهتمام بالصورة الوهمية يتغذى بالقيمة الزائفة التي نضفيها على صفات وممتلكات زائلة، كالجمال الجسماني أو المواهب المزعومة أو المكانة الاجتماعية، وغيرها مئات من الصور التي يخلعها الذهن. لذا جاء في صوت الصمت أيضًا:

حذار من الجهل، وبالأخص، حذار من الوهم. حوِّلْ وجهك عن أضاليل العالم؛ لا تثق بحواسك، فهي مضلِّلة. لكنْ في باطن جسمك – مقر الأحاسيس – نقِّبْ في اللاشخصي عن "الإنسان القديم"؛ وإذ تجدُّ في طلبه، انظرْ إلى الداخل: أنت بوذا ["مستنير"]. (المقطع 2: الطريقان)

أما وأننا نعيش في عالم ممتلئ بأغراض الحس، هل بوسعنا يا ترى أن نبقى غير متأثرين، أحرارًا داخليًّا من الرغبة؟ الحرية تعني أن ندرك بأن أصل الشقاء هو الرغبة في الاستئثار بالأغراض، سواء كانت ذهنية أو مادية. كل لذة فلها ما يقابلها من ألم؛ كل استثارة، كل أمل، يجلب ما يقابله من الإحباط والخيبة. وهكذا نتأرجح بين الأضداد. وعي ذلك، كما يلح ج. كريشنامورتي، وليس مجرد التفكير فيه وفهمه ذهنيًّا، يولد من التفكر العميق والرصد الهادئ الدؤوب.

الحياة، كما سبق لنا أن ذكرنا، لا تتوقف على وفرة الأشياء التي نملكها: "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" الأشياء الزائلة كلها غير حقيقية. غير أن ما نختبر، في كل شوط من أشواط حياتنا، يبدو لنا حقيقيًّا بإطلاق. ومنه، فإن اليقظة يجب أن تتم قبل أن يدرَك ما كان يبدو حقيقيًّا على أنه غير حقيقي، بل وهمي. عندما يتفق لنا أن نشعر بسعادة غامرة قد تكون "حقيقية" إلى حدٍّ ما، يجدر بنا أن نتساءل: هل هذه السعادة متكلة على غرض خارجي، على صحبة أحدهم، على امتلاك شيء، على منزلة مرموقة؟ فالسعادة المشروطة، المتكلة على غرض ما (خارجي أو داخلي)، لا تدوم، وبالتالي، لا تستحق أن نتعلق بها. يقول البوذا:

لا لذة ثمة حتى في أغراض الرغبات السماوية. القضاء على الظمأ: ذاك وحده ما يلذُّ لتلميذ اليقظ يقظة كاملة. (دهمَّپدا، اليقظ، 187)

أغرب ما في الذهن أنه يطلب الدوام والثبات في الأشياء التي هي، بحُكم طبيعتها، غير دائمة وغير ثابتة. لذا لا مناص لنا من إرخاء قبضتنا. فالزهد في الملذات الدنيوية (الكلمة السنسكريتية الدالة على الزهد، ڤيراجيا vairāgya، تعني "عدم التلون"، عدم الإذعان للرغبة في الأغراض) هو وحده الطريق إلى الجنة الحق. على فرخ البط أن يغادر الضفة ليسبح؛ وعلى العصفور الصغير أن يفلت من الغصن ويصفق بجناحيه، حتى من غير أن يدري إذا كان يقوى على الطيران. والزهد الحقيقي ليس مصارعة الرغبة للتغلب عليها، الأمر الذي يولد نزاعًا مريرًا في النفس، بل هو العمل ببساطة انطلاقًا من فطرتنا الأصلية الحرة، من الـ"بوذا" فينا. يقول كريشنامورتي:

أنا واقف على هذه الضفة من النهر. طوال قرون، تعبدتُ لآلهة على الضفة الأخرى. وتراني أرى أن ذلك ميئوس منه. وبذا أرى أنني يجب أن أعمل اعتبارًا من الضفة الأخرى [مباشرة]. التساؤل عن كيفية بلوغها هو المقاربة النقلية. [لذا] على الذهن أن يقف على الضفة الأخرى وقد تخلى عن كل فعل على هذه الضفة.

"على هذه الضفة"، أي على الأرض، عندما يستسلم القلب للغواية ثم يندم، ربما اعتمل في الذهن قلقٌ معذِّبٌ هو ما تواضع الناس على تسميته "جهنم"! إذ إن من المحال التقدم في اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه. أما التفكر الجدي، الحوار، التساؤل، فهي، على النقيض من التحسر أو التندُّم، عوامل مؤهِّبة لانبثاق الوضوح بخصوص الاتجاه الواجب اتباعه. ألم يقل المعلم الناصري: "لا تكونوا في قلق"؟ علينا أن نتساءل بلا هوادة: ماذا أطلب؟ ما معنى حياتي؟ وهل أطلبه في أشياء حقيقية؟ وعندما يتضح الطريق، يتبلور العزم، ويحدث عند ذاك الانعطاف الداخلي غير المشروط نحو ما تواضعت الأديان على تسميته "الله"، الأساس الأزلي للسعادة الحقيقية. الأديان تصير مضلِّلة حين تخفق في إلهام الناس اكتشافَ أن ثمة اتجاهًا داخليًّا واحدًا ليس غير: عدم نسبة أي فضل إلى الأنية، وعي أن الذات الإلهية الواحدة هي وحدها الفاعلة من خلالها. يقول شري كرشنا لأرجونا:

أعمالك، مأكلك، أضاحيك، عطاياك، مناسكك – هذه كلها، يا ابن كُنتي [أرجونا]، أدِّها كتقدمة لي. (بهگڤدگيتا 9: 27)

وفي القرآن الكريم أيضًا جاء:

قُلْ إن صلاتي ونُسُكي ومَحياي ومماتي لله ربِّ العالمين (سورة الأعراف 162).

هذا الوعي هو ثمرة التوق الحارق إلى الانعتاق (بالسنسكريتية: مُمكشُتڤا mumukshutva)، إلى تحقيق الذات الواحدة (آتمن tmanā)، وهو من الخصال الأساسية التي يجب على المريد أن يتحلى بها على الدرب الروحي. ومنه، ليس الاتجاه واحدًا وحسب، بل والمطلوب واحد ما له ثان: الحق العلي، القيوم السرمدي، ذو الحضور الكلي أبدًا. تقول السيدة بلاڤاتسكيا:

الكون ليس فقط الثوب الظاهر، اللباس الوهمي للألوهية، الحاضرة مع ذلك في كلِّ واحدة من ذراته، بل هو الألوهية بالذات.

ترانا نتخيل أن هناك أشياء مطلوبة كثيرة، لكن لا مناص لنا من تغيير منظارنا إلى الأمور. فكما يقول كرشنا، الذي يشخص الذات الكلِّية:

ثبِّت ذهنك فيَّ؛ انذرْ نفسك لي؛ قدِّمْ نفسك لي قربانًا؛ أكرمْني. بذا، وقد استجمعتَ نفسَك، ستُرجَع إليَّ، أنا غايتك الأسمى. (بهگڤدگيتا 9: 34)

ويروي كاتب إنجيل لوقا الحادثة التالية:

وبينما هم سائرون، دخل قرية فأضافته امرأة اسمها مرتا. وكان لها أخت تدعى مريم، جلست عند قدمَي السيد تستمع إلى كلامه. وكانت مرتا مشغولة بأمور كثيرة من الخدمة، فأقبلت وقالت: "يا سيد، أما تبالي أن أختي تركتْني أخدم وحدي؟! فمُرْها أن تساعدني!" فأجابها السيد: "مرتا، مرتا! إنك في همٍّ وارتباك بأمور كثيرة، مع أن الحاجة إلى أمر واحد! فقد اختارت مريم النصيب الأفضل، ولن يُنزَع منها." (10: 38-42)

إذا تكاثرت الأهداف لن نصل إلى أي مكان. أما إذا كنا نطلب ملكوت الله، ولا شيء سواه، فنحن بالغونه لا محالة. لكن "الملكوت" ليس غرضًا نطلبه كما نطلب أغراض الحس والذهن؛ وبالتالي، لا "مكان" نذهب إليه لبلوغه:

لا يأتي ملكوت الله على وجه يراقَب. ولن يقال: ها هو ذا هنا أو ها هو ذا هناك. فملكوت الله فيكم. (إنجيل لوقا 17: 21)

ويقول لاو-تسُه أيضًا:

من دون أن تجتاز عتبة بابك
تستطيع أن تعرف العالم بأسره.
من دون أن تنظر من نافذتك
تستطيع أن تلمح طريق السماء.
كلما أوغلتَ في البُعد قلَّتْ معرفتُك.
(طاو-تُه-كنگ، 47)

ويقول البوذا أيضًا وأيضًا:

هو الذي لا يقوى أي ظمأ آسر، خالب، على اقتياده إلى أي مكان، ذاك اليقظ، صاحب الإدراك غير المحدود، بأي أثر تقتادونه، هو الذي لا طريق له البتة؟ (دهمَّپدا، اليقظ، 180)

أغراض الحس والذهن تستثير الطموح وتوقد حس الأنية، بحيث إنه ما من خاطر، ما من شعور، ما من كلمة، من شأنها أن تقودنا إلى الغبطة. ماذا نفعل إذن؟ يجيب توكارام، المتصوف الهندي الذائع الصيت:

بمقياس الحب ألاقي اللانهاية.
لا سبيل آخر، فطبيعة الله أبعد من غاية الكلام والفكر.

جنة الله، إذن، متعذرة البلوغ من غير الحب. ومحبة الله هي محبة الكل. عندما يمتلئ قلبنا بالمحبة، تنعكس الآية فتصير: "حيث يكون قلبك يكون كنزك"! والذهن الهادئ، الساكن، إذ يزهد في كل شيء، يعي وحدته مع كل موجود، كل حياة، كل شيء، فيخشع، عابدًا، مُحبًّا، خادمًا متفانيًا. إذ ذاك، يتجلى الله مخترقًا حجاب الأنية ويفيض على الوعي بفرح لانهائي.

ذاك هو الملكوت…



* كاتب ومترجم؛ محرِّر في موقع معابر: www.maaber.org.

إكسير الحياة - ديمتري أڤييرينوس

السبت, آذار 6th, 2010

إكسير الحياة

ديمتري أڤييرينوس

كلُّ نفس ذائقة الموت.
القرآن الكريم، آل عمران 185

كلُّ شيء فهو خاضع للتغير. ومنه، فإن التفكر
يشي للقارئ قطعًا بالاستنتاجات المنطقية
التالية، التي مفادها أن كونًا شروطه غير دائمة
أساسًا لا يمكن لشيء فيه أن يمنح الديمومة.
وإذن، فما من جوهر ممكن، حتى إذا اتفق له
أن يُستخلَص من أعماق اللانهاية، ما من
تركيبة عقاقير قابلة للتخيل، سواء كان مصدرها
أرضنا أو أي أرض أخرى، حتى إذا قام بتدبيرها
أرفع العقول، ما من طريقة حياة ولا من نهج، حتى
بإرشاد من العزيمة الأشد والبراعة الأعظم،
يمكن له أن ينتج الثبات.
ومنه، نرى أن التصور المثالي الشائع عن "الخلود"
ليس مغلوطًا من أساسه فحسب، بل هو من قبيل
المحال الفيزيقي والميتافيزيقي. فالفكرة، أكان
يغازلها ثيوصوفيون أو غير ثيوصوفيين، مسيحيون أو
أرواحيون، ماديون أو مثاليون، إنما هي وهم من
بنات الخيال.
ج.م.، إكسير الحياة

هي آية من كتاب للحكيم شنكراتشاريا، مؤسس مذهب اللاثنوية (أدڤيتا advaita = التوحيد المطلق) في الهندوسية، مافتئ عمقُها وبساطتُها يلهمان أجيالاً عديدة، في الهند وغيرها، تنص على الآتي:

[ما أروعها] صورة: تحت شجرة البَنْيان، [يجلس] معلم شاب وتلامذة شيوخ؛ المعلم يعلِّم صامتًا والمريدون تتلاشى شكوكهم. (شنكرا، ستوترا دكشنامورتي، 3)

تشير هذه الآية إلى الحكيم دكشنامورتي، أحد مظاهر الإله الكبير (مهاديڤا Mahādeva) شيڤا؛ وهي تصفه بوصفه معلم اليوگا المثالي، شابًّا أبدًا. وإنه لمما يحيِّر الذهن أن يوضع الشبابُ والشيخوخةُ جنبًا إلى جنب – الشباب متصفًا بالحكمة والشيخوخة بالحيرة والشك – على خلفية شجرة البَنْيان (التينة الهندية) الجليلة، رمز طول البقاء ودوام الطبيعة.

شيڤا دكشنامورتي يعلم تحت شجرة البنيان.

بحسب ما نقل إلينا الأثر، يتصف جميع المخلدين بالشباب الدائم؛ إذ ليس بوسعنا أن نتخيل مخلدًا مافتئ يشيخ، حتى يصير في الشوط السابع من الحياة البشرية "بلا أسنان، بلا عينين، بلا ذوق، بلا شيء"، كما يقول شكسپير على لسان جاك السوداوي في مسرحيته كما تشاء (ف 2، م 7). إن شخصًا كهذا يصعب علينا أن نتصوره على هيئة الـديڤا deva الملهمة: فالديڤا، أو الآلهة المخلدون في الميثولوجيا الهندية، لا يهرمون، كما تشي بذلك صورة الإله المخلد الذي لا تلامس قدماه الأرض، وإذا فعل تدنَّس وعوقب على فعلته! والديڤا ليسوا متمتعين بالشباب الدائم وحسب، بل ويشعون نورًا وحيوية وغبطة.

وبحسب الأدبيات الثيوصوفية، فإن بوسع السادة الحكماء، كونهم منعتقين من إسار قانون كرما karma، أن يعيشوا سنوات عديدة في جسم فيزيقي (إذا شاءوا أن يتخذوا واحدًا) من غير أن يبدو عليهم أثر للشيخوخة. عندما سأل تشارلز جونستُن السيدة بلاڤاتسكيا عن عمر معلِّمها، أجابته:

لا أستطيع أن أحدد لك [عمره] بدقة، لأنني لا أعرفه. لكني أستطيع أن أقول لك ما يلي: قابلته للمرة الأولى حين كان لي من العمر عشرون عامًا – في العام 1851 –، وكان آنذاك في أوج الرجولة. وأنا اليوم امرأة هرمة، أما هو فلم يَشِخْ بمقدار يوم واحد.

كرما – قانون العلة والمعلول law of causality في المنقولات الشرقية، الذي يسميه الفيلسوف الهندي س. رادهاكرشنان "قانون انحفاظ الطاقة الخُلُقية" – يؤثر فينا جميعًا على المستويات الفيزيقية والعاطفية والذهنية. فالجسم الذي نتخذه والشروط التي تحكم تحولات هذا الجسم بتأثير أفعالنا وعواطفنا وخواطرنا – هذا كله جزء من "لعبة" القوى الكرمية. إذا ولدنا متسمين بسِمات وراثية ومختصين بخواص إثنية معينة، فذلك من مفعول كرما في حياتنا.

غير أن بوسعنا، من خلال أسلوب حياتنا في الحاضر، أن نجعل الجسم فتيًّا رشيقًا أو هرمًا بغيضًا. يتغير الجسم تبعًا للشروط الذهنية التي يتعرض لها: فالكرب، مثلاً، يحفر في الوجه الغضون، والطموح يغلِّظ ملامحه؛ الرغبات الأنانية تسبب التوتر والقلق، فلا تؤثر على الصحة وحسب، بل وعلى مظهر الجسم الخارجي أيضًا. لذا فإن بعض الناس يزدهي حسنًا مع تقدُّم العمر، بينما يغدو بعضهم الآخر منفرًا حتى في سنِّ الخمسين!

تتنوع المواقف الذهنية تنوعًا كبيرًا بحسب ما إذا كان المرء يعيش متعلقًا بأغراض الحس والذهن أو غير متعلق. والحكماء، من حيث هم خالصون من التعلق بأوهام العالم، لا يعانون "مشكلات" من شأنها أن تُتلف بنيان الجسم. فهم لا يولدون كرما في الحاضر، وأغلبهم قد استهلك الـكرما المتولد في الماضي؛ ومنه، فإن أجسامهم لا تبلى، أو على أقل تقدير، لا تبلى سريعًا كما تبلى أجسام عوام الناس.

* * *

"ما أروع الشباب!" – كما يُجمع الناس؛ ومَن يستميتون منهم في البقاء شبابًا بالأخص يشعرون، على نحو ما، بجمال الشباب وحيويته الفائرة، كما يعذبهم خوفهم من الموت. الشباب الأسوياء يقظون، متحمسون، متجاوبون مع الطبيعة ومع رفاقهم البشر، مع الطيبة والجمال، بكل فرح وعفوية. حماستهم وعفويتهم متأتيتان من كونهم أقل إشراطًا من الراشدين؛ وبراءتهم تجعلهم يطفرون فرحًا لأقل سبب، بينما يعجز الراشدون عن ذلك. لذا كلما احتك الراشدون بالشباب، تراهم يختبرون "بالنيابة" جزءًا من هذا الفرح، من هذه العفوية البريئة، فتراهم يحلمون بإيجاد وسيلة يستعيدون بها شبابهم.

لقد سعى القوم، في مختلف العصور، في اكتشاف إكسير الحياة. ففي الهند الڤيدية، تغنَّى الشعراء الملهَمون بشراب الـسوما Soma الذي كان تعاطيه يقرِّبهم من الآلهة (أناشيد الڤيدا، ج 1)؛ وبعضهم تمرس بالكيمياء alchemy، أو بتلاوة التعاويذ، أو بتركيب الأشربة السحرية، أو فرض على نفسه تقشفًا صارمًا من أجل صون الجسم والحيلولة بينه وبين الشيخوخة. لكن هذه الجهود لم تُكلل بالنجاح على ما يبدو؛ إذ ما من أحد نقل إلينا سر الشباب الدائم! فهل من الممكن يا ترى التغلب على مفعول الزمن بمثل هذه التدابير؟ معرفة الإجابة تستلزم معرفة ماهية الشباب، ينبوعه الأصلي، إذا صح التعبير: هل هو ملازم للجسم يا ترى؟ وهل يمكن للجسم أن يتلبس الشباب المعافى والعمر المديد بمجرد تغيير تركيبه الكيميائي أو بزرع عضو مستعار فيه، ككبد خنزير أو دماغ قرد؟! حين تهرم أجسام الناس فإن أذهانهم هي الأخرى تهرم وتتصلب من فرط وطأة الذكريات والأحكام المسبقة والرغبات والشهوات عليها. فهل الأمر متعلق بالجسم بحدِّ ذاته، أم أن ثمة طريقة أخرى؟

* * *

في الآية التي استهللنا بها هذا المقال، وجدنا أن المعلم الشاب يشع حكمة ويستطيع التواصل من غير كلام. والسياق يستحضر بالبال ذاك السؤال الجوهري الذي لم ينفك الحكيم الهندي رامنا مهارشي – تقدس سرُّه – يردده طوال عمره: "مَن أنا؟" وبعبارة أخرى، ما هي "الأنا" التي تستميت في البقاء شابة؟ – تلك هي المسألة الجوهرية؛ ومن دون الإجابة عنها إجابة حقيقية، يتعذر اكتشاف سر الشباب الدائم. فالديناصورات ذات الأدمغة الضئيلة كانت تتمتع بعمر مديد، حتى ضرب نيزك الأرض منذ حوالى 30 مليون سنة، فأدت عواقب ذلك الاصطدام المروع إلى انقراضها على ما يبدو؛ لكن البشر يتمنون التمتع بشباب المخلدين، لا العيش قرونًا مديدة كالديناصورات!

يشبِّه كتاب الـبهگڤدگيتا Bhagavad-Gītā الجسم بثوب:

كما أن المرء يخلع أثوابه البالية فيرتدي أثوابًا أخرى جديدة، كذلك النفس المتجسدة تخلع جثتها البالية وترتدي جثة أخرى جديدة. (2: 22)

ترانا نعلم أن الثياب الجديدة خير من الثياب البالية، لكنْ حتى المصاب بمرض عضال أو الكسيح أو طريح الفراش تراه يتشبث بجسمه العليل. لقد علَّم البوذا بأن كل مركَّب مصيره أن يتحلل، بينما شددت الـگيتا أن "كل مولود يموت حتمًا" و"كل ميت يولد حتمًا من جديد" (2: 27). وحده "ساكن الجسم" (2: 30) خالد لا ينال منه الموت. فما لم نع أن الذات الحق (آتمن ātman) ليست الجسم، بل ذلك العنصر السري الذي يستعمل الجسم ويغادره عند أوان الموت، لن نكتشف سر الكائن الشاب، الخالد أبدًا:

إنه لم يولد أزلاً، ولا هو يموت أبدًا، ولا هو – الموجود أصلاً – يمكن له أن يعدم الوجود. إنه غير مولود، أبدي، دائم، سرمدي؛ فهو لا يُقتَل حين يُقتَل الجسمُ. (بهگڤدگيتا 2: 20)

أغلبنا يستشعرون في أنفسهم وجود شيء عميق، ليس قطعًا بالجسم، الذي هو غير الوجود أو الذات. والدليل المباشر على صحة ذلك هو استعمالنا ياء المتكلم للإشارة إلى كلٍّ من العناصر التي يتألف منها كياننا، كأنْ نقول: "جسمـي"، "مشاعري"، "ذهنـي"، إلخ؛ ترانا نرصد العواطف، الذكريات، الخواطر، وغيرها من الفعاليات الباطنة، فنعرف يقينًا أننا لسنا أيًّا منها. فإذا اتفق لجسمنا أن يصاب بعاهة مستديمة، مثلاً، فهذا لا يؤثر على شعورنا بالوجود. الذكريات، الصور، تقلبات الذهن، إلخ، – ما يسميه ج. كريشنامورتي "مضمون الوعي" content of consciousness – لا تنفك تولد وتختفي؛ أما الشعور بالوجود فيبقى، غير متأثر بها، غير متماه مع الخواطر أو المشاعر أو الأحاسيس، من حيث إن هذه لا تولد أصلاً إلا لتصير إلى التلاشي. فلو كان محتمًا علينا أن نتماهى مع مثل هذه التقلبات المتواصلة، لتغير طبعنا تغيرًا مستمرًّا. هناك دومًا شعور أصيل بالوجود يبطِّن هذه التغيرات كلها، ونحن نستشعره لا محالة عند الهنيهات التي يخلد ذهننا فيها إلى السكون.

* * *

مع أن بوسع البوذيين، مثلاً، أن يتمثلوا البوذا كصورة ذهنية، فهو القائل (سميوتا 3: 120) بأن مَن رأى الـدهرما Dharma (= "الناموس" أو "الحق"؛ بالپالية: دهمَّا dhamma) وحده رآه حقًّا (ومثله قول المسيح في إنجيل يوحنا 14: 10: "مَن رآني رأى الآب"). البوذا (= "المستنير") هو الوعي اليقظ، وليس شخصًا. والوحدة مع الـدهرما أو الحق هو مقام الحكمة (= الاستنارة): فمَن فهم التعليم حق فهمه وبلغ مقام الحكمة عرف البوذا. بالمثل، ألمحت السيدة بلاڤاتسكيا إلى أن الذين يريدون رؤية "المعلم" غالبًا ما يريدون رؤية جسم ووجه، أي صورة فحسب، لا رؤية المعلم حقًّا؛ لكن هذه الصورة مجرد قناع، وليست بالمعلم. المعلم، في الجوهر، وعي خالص، سام، نبيل، يتخلل كل شيء، كله محبة وحكمة وسلام؛ وهذا الوعي لا يحُول أبدًا، ولا يزول نقاءُ طبيعته. وفي كتاب الـيوگا ڤاسشتها Yoga Vāsishtha النفيس، نقع على تفسير لأبدية المخلد: "ذهني لا يرود الماضي ولا الآتي، بل يقيم في الحاضر دومًا". الماضي والآتي مجرد ظاهرتين ذهنيتين متولدتين من حركة الذهن: عندما يعود الذهن القهقرى لاسترجاع خبراته السابقة، تراه يفتعل "الماضي"؛ وحين تستحثه الرغبة والأمل في الحصول على شيء ما، تراه يختلق "المستقبل"؛ أما حين يكف الذهن عن الشرود مراوحًا بين الماضي والآتي، فيثبت راسخًا في الحاضر، فهو يتحرر من الزمن. وفي الحاضر، في "الآن الدائم" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية) وحده، تكون المحبة – ذاك الشعور الكوني الذي يتخلل كل علاقة حقيقية.

والمخلد، مواصلاً تعليمه، يقول إن خواطر من قبيل: "حصلت اليوم على هذا، وسأحصل غدًا على أفضل منه" لا تظهر في ذهنه بتاتًا؛ لا تخطر بباله أبدًا أفكار من نحو: "هذا صديقي، قريبي، وذاك الآخر غريب، مجهول". الحكيم، صاحب "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā) الموصوف في الـگيتا (2: 55-58)، متحرر من الرغبة التي تُسقط المستقبل على شاشة الذهن وتعود إلى مخزون الماضي لتستعيد ذكرى المرغوبات؛ إنه مطمئن، ساكن، فرح، خالد قطعًا، بما أنه قد أفلت من قبضة الزمن.

هذا الزمن-الطاغية حيٌّ فينا، تغذيه نشاطاتنا الذهنية ورغباتنا المحمومة في الأشياء الزائلة؛ وتبعًا لشرطنا الذهني حيالها، يجري تيار الزمن سريعًا كالسيل أو يسيل بطيئًا كالساقية. الأهواء والشهوات تعكر صفو أذهان البشر المائتين، بينما المخلدون لا يلوثون أذهانهم بالتفكير الدنيوي والشهوة، فيختبرون الخلود والشباب الدائم.

* * *

حتى نظل شبابًا وجميلين، علينا بالضرورة أن نتحرر من الضغوط النفسية – تلك الرغبات الملحة في الوصول، في تبوأ المنزلة الأولى، في النجاح الدنيوي – التي تجعلنا عبيدًا للزمن. فالخضوع لسيرورة الزمن يحرم المخ والذهن من الحساسية والمرونة ويتركه نهبًا لمخاوف مركزية الأنا egocentricity التي تنهش الجسم وتُبليه.

ومنه، على المرء أن يحيا حياة من نمط مختلف حتى يصون "شبابه". فكما جاء في الـدهمپدا Dhammapada، كتاب صحيح أحاديث البوذا:

مَن اكتفى غافلاً بقطف أزهار [الدنيا] اخترمه الموتُ كالطوفان إذ يجرف القرية الغافية. (الأزهار، 47)

"أزهار الدنيا"، مهما بدت فاتنة، مصادر وهمية للسعادة؛ وقد جاء في كتيب صوت الصمت: "تحت كل زهرة، تكمن أفعى متكورة". وفي الرسالة إلى أهل إفسُس، يستشهد القديس بولس بنشيد مسيحي قديم جاء فيه: "تنبَّهْ، أيها النائم، وقُمْ من بين الأموات، يضئْ لك المسيح" (5: 14)؛ وهذا الكلام ليس دعوة إلى إيقاظ جثة من قبرها، بل استنهاض للمريد كي يخرج من غفلة الشرط البشري، الشبيه بالموت بالمقارنة مع حياة الروح.

التعلق هو جوهر الذهن الدنيوي؛ أما نهاية التعلق فهي الحرية. فحتى يكون الذهن شابًّا، عليه أن يكون حرًّا، غير متعلق بالدنيويات. وقد جاء في الـدهمپدا أيضًا:

اليقظة هي الطريق إلى الخلود؛ الغفلة هي الطريق إلى الموت: الأيقاظ لا يموتون البتة، أما الغافلون فهم شبه أموات. (اليقظة، 21)

فاليقظة الدائمة في أثناء الحياة اليومية، التي تساعد على التخلص من كل هوى أو خاطر أناني، هي الصراط المؤدي إلى المقام الإلهي، مقام الاستنارة والمحبة والحكمة؛ أما الأنانية فهي الجهل، ظلام الغفلة (أڤيديا avidyā)، انعدام المحبة والحكمة.

* * *

فهل ترانا نجدد "شبابنا" بأن نحيا حياة مستقيمة – هي "إكسير الحياة" الحق – أو ننتظر العلماء والسحرة حتى يطيلوا لنا عمرًا نصرفه في بؤس الأنانية؟!

المادية الروحية والروحانية - ديمتري أڤييرينوس

الأثنين, شباط 8th, 2010

"المادية الروحية" والروحانية

ديمتري أڤييرينوس

الأنا المادية والذات الروحية لا يمكن
لهما أن تلتقيا أبدًا، وعلى إحداهما
أن تتوارى، لأنه لا مكان ثمة لاثنين.

هـ.پ. بلاڤاتسكيا، صوت الصمت

لا بدَّ أن بعضنا تناهى إلى سمعه التصريح المنسوب إلى الكاتب وذواقة الفن أندريه مالرو في أواخر ستينيات القرن الفائت: "القرن الحادي والعشرون سوف يكون روحيًّا spirituel (وبعضهم ينقل عنه قوله: "صوفيًّا" mystique) أو لن يكون!" فما مقدار صحة نبوءة المفكر الفرنسي الكبير، بقطع النظر عن صحة نسبتها إليه؟ وماذا ترانا نعاين في واقع عالم اليوم، نحن الذين حبتْهم الأقدارُ أن يكونوا من أبناء هذا القرن الوليد؟

إذا فحصنا جادين عن مجريات الأمور في العالم إجمالاً، لا مناص لنا من الاعتراف بأن الأمل المعقود على العلم والتكنولوجيا قد خاب خيبة مروعة. فعلى الرغم من التقدم الباهر الحاصل في هذا المضمار، ولاسيما في مجال تقنيات الاتصال، وعلى الرغم من التحسن الملحوظ في متوسط مستوى المعيشة لدى مجتمعات بلدان الشمال (في مقابل تراجُع مساو فيه لدى مجتمعات بلدان الجنوب)، وبصرف النظر عن الأزمة الاقتصادية الحالية، من المؤكد أن العلم والتكنولوجيا لم يفيا بالوعود التي لوح بها أصحاب المذهب العلموي scientism، فلم يمنحا البشر السعادة المنشودة، ولم يلبيا حتى الهاجس الأمني الذي لا تزال تهجس به غالبية الدول – بحيث إن العالم، بعد أن شهد شططًا في اتباع المذهب العقلاني rationalism، بات يشهد طامة لاعقلانية irrationality تُطلَق عليها اليوم، بكل صفاقة، تسميةُ "روحانية" spirituality!

لا يجوز لنا إنكار ظهور تيار روحي قوي بين أبناء هذا الجيل. لكن هذا التيار، في الغالب الأعم، إما يُجيَّر لصالح الطائفية والتعصب الأعمى (بالأخص لدى الفئات الفقيرة المهمَّشة من المجتمع التي يسهل على "الكبار" التلاعب بغرائزها)، وإما يُحرَف عن مساره حرفًا حاذقًا نحو ما أسماه المعلم البوذي التبتي تشوگيَم ترُنْگپا "المادية الروحية" spiritual materialism، قاصدًا بها تفتيش الناس، في نوع من التدين الرخو والشغف المَرَضي بالغيبيات، عن الراحة النفسية والأمان اللذين عجزوا عن العثور عليهما في الترف المادي.

كل إنسان فهو لا يني يسعى إلى السعادة، فيجعل منها دينه وديدنه. إنه، إذ لا يعي أن الغبطة هي كنه طبيعة الإنسان الأصلية، تراه يفتش عنها خارج ذاته: في تكديس الخيرات المادية، في السلطان وما يرافقه من نفوذ، في مراكمة المعلومات، في استدرار تقدير الآخرين وعطفهم، إلخ. إن مثل هذا المسعى لا يُرضي صاحبه أبدًا، لأن المرء قلما يكتفي فيه بما عنده، ولا ينفك يطلب المزيد[1]: المزيد من الثروة والجاه، المزيد من النفوذ، المزيد من المعلومات، المزيد من العطف، إلخ. مهما يكن من أمر، لا مناص من الاعتراف بأن الموقف المبطِّن للمسعى السابق موقف مادي (= نفعي). إذ إن المعرفة، حتى الفلسفية منها، مثلها كمثل الثروة والنفوذ، باتت تُعامَل معاملة "الشيء"، أي ما يمكن اكتسابه والاستئثار به؛ بالمثل، يمكن لوالد أو صديق أو عشيق أن يصير على هذا النحو، من حيث لا نعي، محل استئثار.

هذه "المادية الروحية" – وهي روحانية كاذبة – عبارة عن ثبات على هذا الموقف النفعي إياه حيال القيم الروحية أيضًا، وبالتالي، سعي في "اكتساب" الحكمة والاستنارة وكأنهما شيئان خارجيان ليسا فينا أصلاً؛ وعكسها الروحانية الحق، التي هي، بكل بساطة، التخلي عن شهوة الاستئثار بأي شيء كان، التخلي عن كل تعلق attachment، مهما كان نوعه. فعدم التعلق هو من الروحانية الحق أسُّها وأساسها. فماذا نقصد هنا بعدم التعلق، أو لنقل جوازًا، "اللاتعلق" detachment؟

على المرء أن يطهِّر نفسه، طبيعته البشرية، من كل ما ينتمي إلى الحياة المادية الدنيوية، وذلك برؤيتها على ما هي عليه وعدم التعلق بها. لكن الحياة المادية الدنيوية ليست مجرد التماس الحسي أو الذهني مع الأشياء المادية؛ فالمادة في كل مكان، وهي قوام الجسم البشري، وليس منها مهرب. ومنه، فإن الحياة الدنيوية ليست، في جوهرها، مجرد التماس مع المادة، بل موقف التعلق وشهوة الاستئثار. هناك فارق شاسع بين العلاقة التي نعقدها مع الأغراض والأفكار والأشخاص في حال وجود شهوة الاستئثار بها وبهم وبين هذه العلاقة عينها في حال غياب هذه الشهوة. ومنه، لا بدَّ للمرء من اجتثاث شهوة التملك والاستئثار هذه من جذورها إذا ما شاء أن يمضي من موقف دنيوي نفعي إلى الموقف الروحاني الخالص من كل تعلق.

صفوة القول، إذن، إن اللاتعلق ليس التحول عن الأشياء التي توصف بأنها "مادية" لصالح أشياء غير مادية أو "روحية" مزعومة. بعبارة أخرى، إذا لم يجد الإنسان سعادة مستديمة في ثروته المادية فهذا ليس بسبب خاصيتها "المادية"، بل بسبب استئثاره بها ووهمه بأنه "يمتلكها". لذا ليس من الضروري بتاتًا الإصرار على الزهد والتجرد: لا بأس البتة في العيش عيشًا معقولاً، إنْ من حيث وسائل الراحة (وهي غير الترف) في المسكن، وإنْ من حيث جودة المأكل والملبس؛ كما أن المقصود ليس ذم العلم والتكنولوجيا، اللذين أصبحا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية والمهنية، ولا، بطبيعة الحال، ذم التفكر الفلسفي العملي، الضروري لتأهيل العقل على التمييز الدائم بين الصالح والطالح؛ كذلك، ليس مطلوبًا من أحد إبطال حساسيته حيال مودة الآخرين، ولا تمجيد الفقر والعيش عيشة النساك – بل إن موقف الاعتدال المتزن هو الموقف الأصح دومًا[2].

لا يحدُّ المرء من تعلُّقه بإزالة موضوعات التعلق من حياته – فهذا موقف لا يدل على نضج داخلي –، بل يحدُّ منه بالنظر إلى كل شيء من دون شهوة امتلاكه أو الاستئثار به، سواء تعلق الأمر بالتعامل مع أغراض الاستهلاك اليومي، أو مع البشر الذين يحيطون بنا (من الأقارب كانوا أم من الأباعد)، أو مع المنزلة الاجتماعية والمهنية، أو مع التعليم الروحي بالذات؛ وبعبارة موجزة، وحده التجمُّل بخصلة الكرم أو الإيثار يحدُّ من التعلق والاستئثار وينمي فينا الزهد الحقيقي.

لتحقيق ذلك، لا بدَّ من إدراك أن جميع الأغراض الأثيرة إلى نفوسنا إنْ هي إلا استطالات خارجية لحسِّ الأنية ego. فالأنية تنتفخ بالثروة، بالسلطان وما يستتبع من نفوذ، بسعة المعلومات، بالمودة التي تستدرها من الآخرين؛ وهي تنتفخ أيضًا من جراء مساعيها المحمومة في الاستيلاء على ما تظنه من قبيل "الروحانية"، وهو ليس من الروحانية الحق في شيء. الذات الإلهية في الإنسان ليست قطعًا "أنا فائقة" مضخمة! فجميع الحكماء، جميع المعلمين الروحيين الكبار، بلا استثناء، قالوا بأن الروحانية هي ما يتجلى في الإنسان عندما يهمَّش حسُّ الأنية لديه، فلا تتعدى منزلته من الذات الحق منزلة المرآة من الصورة الأصلية، أو منزلة القمر من الشمس إذ يعكس نورها صافيًا بكل تواضع: "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبَر" (حديث شريف).

لقد كان من أبرز "أعمال" البطل الإغريقي هرقل في الميثولوجيا اليونانية ذبح الهيدرة اللايرنية Lærnean Hydra، الثعبان ذي الرؤوس التسعة، التي يتصف أحدها بالخلود ويرمز إلى حسِّ الأنية باستطالاته الثمانية (الشهوات الثماني الأساسية). وتروي القصة، من غير الدخول في مقدماتها، أن هرقل ("مجد هيرا"، النظر العقلي)، ما إن سحق أحد رؤوس الوحش بهراوته حتى نبت مكانه رأسان اثنان، وهكذا دواليك؛ فلم يتمكن من قتل الهيدرة أخيرًا إلا بمعونة ابن أخيه إيولاوس ("فراشة"، الذهن العملي)، رفيقه المخلص الذي، كلما قطع عمُّه أحد الرؤوس الثمانية، بادر هو إلى كيِّ أصله حتى لا ينبت من جديد؛ ثم قام الاثنان بدفن الرأس التاسع الخالد تحت صخرة ضخمة[3]. ولعمري، إنها قصة جديرة بالتفكر في رموزها مطولاً!

إناء فخاري إغريقي مرسوم عليه هرقل وإيولاوس يقتلان الهيدرة.

يعتمل في أعماق كلٍّ منا شوق لافح مشروع إلى تحقيق الألوهية فينا الذي هو جوهر الروحانية؛ إذ إن النفس البشرية مفطورة على محبة الحق والخير والجمال (صفات الإله عند أفلاطون)، وتشوُّقنا إلى ما هو حق وخيِّر وجميل دليل على أن الإلهي كامن فينا أصلاً، مثلما أن وجود دافع الجوع البيولوجي فينا دليل على وجود الطعام (ميخائيل نعيمه). غير أننا غالبًا ما نستنكف من التخلي عن حسِّ الأنية، أي عن مركزية الأنا egocentricity في حياتنا، فترانا نوهم أنفسنا بأننا إذا تبنينا لغة روحية في التعبير ووضعنا على وجوهنا قناع الروحانية فهذا حسبنا لكي نكون "روحانيين" (ما أكثر أبناء جيلنا الذين يتشدقون بأنهم "متصوفون"!)؛ لكن هذا اللبس الفادح ليس من شأنه إلا أن يعسِّر "يقظة الفطنة" (كريشنامورتي) فينا، بل أن يجعلها متعذرة حتى.

يتلخص عمل الباحث عن الحقيقة أو طالب الحكمة في السلوك المخلص على الدرب الذي يقود إلى نكران النفس في سبيل الكل. لقد قالت السيدة بلاڤاتسكيا بما لا يدع مجالاً لأي لبس: "الثيوصوفيا [الحكمة الإلهية] الحق هي الزهد الأكبر في النفس".

من شأن نكران النفس أن ينتج منه، بكل بساطة ومن غير بذل أي جهد، عدم التعلق بالأغراض الخارجية؛ وعكسه غير صحيح: إذ إن "الزهد" الذي نفرضه على أنفسنا قسرًا قد يكون نوعًا من تضخيم الأنا. التوجه إلى الحق من غير التخلي عن مركزية الأنا، أو توهُّم المرء أصلاً أن بوسعه أن يتوجه إلى الحق من غير التخلي عن هذه المركزية – تلكم هي "المادية الروحية"، وهي قطعًا طريق مسدود؛ ناهيكم أن آثارها علينا مفسدة لا محالة، وذلك لأنها تستبقينا في وهم الانفصال عن ألوهيتنا الأصلية. لذا لا مناص لنا من فضح هذا الوهم والتحرر منه لنضع الأساس للروحانية الحق، وذلك بالتصدي لجذر ما يستبقينا في وهم الانفصال ذاك: الأنية، أم شهوة الاستئثار وسائر أشكال التعلق، بكل الشقاء الناجم عنه.

إن جميع النزاعات التي تبلبل العالم – أيًّا كان مستواها: النفسانية الفردية منها، والجماعية المسلحة، وما بينهما – تضرب بجذورها في تربة التعلق وشهوة الاستئثار. ومنه، فإن حل جميع النزاعات هو في زوال مركزية الأنا، لأن زوال مركزية الأنا هو بعينه نهاية التعلق والخطوة الأولى – والأخيرة – على درب الروحانية الحق.



[1] راجع: ألان، "في المرج الكبير"، سماوات: http://samawat.org/texts/grande_prairie_alain.

[2] راجع مقالنا الافتتاحي بعنوان "الاتزان الداخلي"، سماوات: http://samawat.org/editorials/inner_balance_dna.

[3] Bulfinch’s Complete Mythology, Chancellor Press, London, 2000, p. 105.

الاتزان الداخلي - ديمتري أڤييرينوس

السبت, كانون الأول 26th, 2009

الاتِّــزان الداخـلي

ديمتري أڤييرينوس

اليوگي المنضبط الذهن والمتحد بـالذات،
محافظًا على اتزانه دومًا، يصل إلى السلام،
النرڤانا الأقصى، المقيم فيَّ.

حقًّا إن هذا اليوگا ليس لِمَن يفرط في
الأكل أو يفرط في الصوم، ولا هو، يا أرجونا،
لِمَن يفرط في النوم أو يفرط في السهر.

أما المعتدل في الأكل وفي الراحة، المعتدل
في تأدية الأعمال، المعتدل في النوم
وفي اليقظة، فنصيبه اليوگا الذي يخلِّص
من كل شقاء.

عندما يرسخ ذهنه المنضبط في الذات وحدها،
متحررًا من أغراض الرغبة كافة، إذ ذاك يقال
عنه إنه متزن.

كما المصباح الذي في منأى [من الريح] لا
تتراقص شعلته، كذلك ذهن اليوگي المنضبط
لا يحيد عن يوگا الذات.

بهگڤدگيتا، 6: 15-19

ونحن نطأ درب الحياة الروحية، ترانا في أمس الحاجة إلى الاتزان. ولعل الأصح من هذا قولنا إننا في حاجة إلى الاتزان التام؛ إذ وحدها حال اتزان داخلي مستتب تفسح في المجال لرؤية كل ما نواجه في الحياة رؤية موضوعية وتتيح لنا إمكان العمل السليم. الـبهگڤدگيتا – كتاب الحكمة الهندي الذي كثيرًا ما نقتبس منه في مقالاتنا لأنه منجم نفيس من مناجم الحياة الروحية – تصرح، على لسان كرشنا، بأن "الاتزان هو اليوگا". فمن دون اتزان، يغيم الإدراك ويفتقر إلى الوضوح، فنصير نهبًا للبلبلة والقلق والحيرة، وتسوء أمور حياتنا من جراء ذلك، ولا نفهم لماذا! أسفار الأوپنشاد تتكلم هي الأخرى على الدرب "الشبيه بحدِّ الموسى"، والإنجيل يذكر "الباب الضيق"، وفاتحة القرآن الكريم تطلب الهداية إلى "الصراط المستقيم" – وكلها عبارات تشير إلى المفهوم نفسه.

حتى ما يُسمى "فضائل" لا بدَّ فيه من الاتزان؛ إذ إن الإفراط في فضيلة ما لا يلبث أن ينقلب إلى ضده ويصير تفريطًا: فلنتخيل شخصًا، من فرط كرمه، يوزع ماله يمنة ويسرة، فلا يستبقي لنفسه وعياله شيئًا يقوم بأودهم، حتى يصير عالة على الآخرين ويرهق مواردهم. لا مناص إذن، بالضرورة، من الجمع بين كرم النفس وبين حسٍّ يقظ بـ"الانتهازية"، معقول ومتجرد من المصلحة الشخصية. الاتزان الحقيقي ليس التأرجح ذات اليمين وذات الشمال بين الجذب والدفع. فكما تشير الـبهگڤدگيتا، ليس الحكيم صاحب "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā) مضطربًا ولا منفعلاً، ولا هو ينجذب إلى شيء وينفر من شيء؛ إنه دومًا "راسخ في الذات" (آتمن Ātman)، وبالتالي، غير مضطرب داخليًّا، بل هادئ، حتى وهو منهمك في غمرة العمل.

في كتاب آيات اليوگا Yoga-Sūtra (الذي كان البيروني أول مَن عرَّبه عن السنسكريتية مباشرة)، يقال إن الجذب (راگا rāga) والدفع (دڤِشا dwesha؛ يقال باللهجة الشامية: دفش، أي "دفع")، الانجذاب إلى شيء والنفور من شيء، هما في عداد "البلايا" (علل الشقاء) الخمس (2: 3). أصل المشكلة إذن في النفس، لا خارجها. الكون المتجلي بأسره أشبه بمجال تظهر فيه مختلف الأغراض التي تجذب وتدفع: إنها لعبة الروح والمادة، الذكر والأنثى، الحق والباطل، الخير والشر، وسائر الأضداد. الناس تجذبهم الأشياء التي يظنونها صالحة، كما تدفعهم الأشياء التي تبدو لهم طالحة. فمَن يهتم بكسب الماديات يظن أن في اقتناء الأشياء صلاح أمره؛ فكما قال بعض فلاسفة الإغريق، لا يعي مقترف الشر أنه يسيء الفعل، بل يظن أن فعلته ستنوِّله ما يصلح له – لكن مشكلته هي جهله أصلاً بالتمييز بين الصالح له وبين الطالح. في أشواط معينة من الحياة البشرية، ينجذب الذهن إلى الماديات، وفي شوط لاحق، يكون جذب الروحانيات أشد. لكن الحياة الروحية الحق تبدأ فعلاً حين يكف كل انجذاب إلى الأشياء والملذات، "مادية" كانت أم "روحية"، فيتشوق المرء إلى اختبار الحقيقة لوجه الحقيقة وحده.

* * *

في السنوات السابقة لإشراقه، ألزم البوذا نفسَه نظامًا تقشفيًّا شديد الصرامة، راجيًا منه بلوغ الانعتاق الروحي النهائي. غير أن الرياضات الزهدية القاسية التي انصرف إليها ما لبثت أن أنهكتْه، حتى هَزُلَ جسمه وخارت قواه. وذات يوم، بينما هو جالس على جانب الطريق، متفكرًا في ما ينبغي له أن يفعل، أقبلت ثُلة من المغنين والراقصين. وفجأة، غنَّت امرأة، يرافقها عازف سِتار (آلة وترية هندية)، هذه الكلمات القَدَرية (المقبوس من كتاب نور آسيا لإدوين أرنولد، سيرة البوذا المنظومة شعرًا):

ما أجمل الرقص حين يكون السِتار موقَّعًا!
وقِّعْ لنا السِتار لا في القرار ولا في الجواب،
فنرقِّص قلوب البشر.

الوتر المفرط الشدِّ ينقطع والموسيقى تتلاشى،
والوتر الرخو أبكم والموسيقى تموت.
وقِّعْ لنا السِتار لا في القرار ولا في الجواب.

سمع البوذا في هذه الأبيات من فوره رسالة أتتْه في أوانها لتنبِّهه إلى الخطر الكامن في غلوِّه، فبانت له ضرورة الاعتدال في كل شيء، حتى في السلوك نحو الإشراق الداخلي؛ وهذا الموقف المتزن حيال مآتي الحياة هو ما أطلق عليه فيما بعد اسم "الطريق الوسط": لا الانقياد الأعمى لشهوات الجسد والحواس، ولا قهر الجسم وتعذيبه. ونجد الفكرة نفسها في كتيِّب عند قدمي السيد الذي ينصح بمعاملة الجسم معاملة الجواد الكريم: لا إهماله، ولا تركه ينفر إلى الحال البرية!

بعض كتب الزهد يصر على نهي الناس عن طلب الملذات الحسية بإعطائهم "وصفات" قهرية للجسد. معلوم أنه ما إنْ يموت الجسم حتى تبدأ أعضاؤه بالتفسخ ويزول جماله. ففي الجسم الحي – أكان جسم إنسان أو حصان أو حتى عصفور – لا يختلف اثنان أن العينين من بين أجمل العناصر، من حيث قدرتهما التعبيرية الآسرة؛ ولكنْ حين تفارقه الحياة، تبدو العينان إياهما كامدتين وتعدمان كل بريق وفتنة. أعضاء الجسم الأخرى أقل فتنة من العينين؛ ولذلك فإن "الوصفات" السابقة تلفت النظر إلى الأحشاء وغيرها من المظاهر المنفرة (جاء في المأثور: "أولك نطفة مَدِرَة وآخرك جيفة قذرة…") بدعوى الحض على التواضع وعدم الاستكبار! لكن هذه نظرة متطرفة، محدودة، لا تحترم شرف الإنسان ومنزلته الفريدة من الطبيعة والكون. في المقابل، يقول بعض اللاهوتيين المشرقيين بأن مرتبة الإنسان أعلى من مرتبة الملائكة، لا لشيء إلا لأن له جسمًا!

على الضد من تلك النظرة المزدرية، يورد العلم البراهين تلو البراهين على الروعة المتجلية في الجينات وجزيئات الپروتين والخلايا الحية وسائر أعضاء الجسم. هناك أجهزة لا عدَّ لها، مرئية وغير مرئية، تعمل سوية في تناغم وفطنة دقيقين لإنجاز وظائف الجسم ككلٍّ واحد منسجم. فكيف تعرف هذه الأجهزة كيف تعمل سوية على هذا النحو المتسق الدقيق؟!

وإذن، فإن الجسم، في وضعه الراهن، هو محصلة كلا هذين الوجهين معًا: تراه يتلف تلفًا متواصلاً، ما يعني أن جذر الهرم والبلى موجود فيه، حتى عندما يبدو في صحة طيبة – إنه فعل الإنتروپيا entropy المبدِّد، وفقًا لقانون الثرموديناميكا الثاني، الذي ينسحب على الطبيعة إجمالاً؛ وفي الوقت نفسه، هناك جمال خارق في اتساق أجزاء بنيان الجسم وفي سرِّ سلوكها الذكي والتناغم فيما بينها (وهذا لا يسري على الجسم البشري المعقد وحسب، بل وحتى على جسم البعوضة أو البرغوث الضئيل). مَن يمارسون التقشف يحسون بنفور من الجانب "المقزز" من الجسم، بينما يبلغ سواهم من الافتتان بجماله حدَّ اختزاله إلى مشكل جنسي حصرًا.

بالمثل، فإن الذهن يبدي هو الآخر جوانب منفرة حين يكون فريسة الغضب أو الشهوة الجنسية الجامحة أو الأنانية. غير أن هذا الذهن إياه قادر أيضًا على استقبال كشوف فهمية ثاقبة؛ لا بل إن في مستطاعه حتى أن يعكس حكمة عالية. وقل الشيء نفسه في العاطفة ورغباتها: حين تكون متزنة، تراها تعكس المشاعر النبيلة الراقية، وحين تكون غير ذلك، تتحول مشاعرها السوية إلى انفعالات ورغباتها المعتدلة إلى شهوات.

شعور المرء أنه واقع تحت سلطان "المعصية" أو "الخطيئة" يغذيه بعض الأديان التي تحض على "الندم"، وذلك لكي تبقي المتدين خاضعًا لمرجعية رجال الدين الذين يحرصون على احتكار البت في مسائل الأخلاق! ومنه، فقد اعتبر اسپينوزا الندم "خطيئة" في حق الحياة الإنسانية، فقال في كتابه الأخلاق إن "النادم على ما فعل يشقى مرتين" (4: 54)، لا لأن انفعال الندم ليست له قيمة أخلاقية وحسب، بل ولأنه يخفف عن "ضمير" النادم، بإيهامه أنه أصلح خطأه، ويبقيه في حال من الغم والإحساس بالعجز وفقدان المبادرة، بما يحول بينه وبين التمتع ببهجة الحياة الحرة وفاعليتها بإرشاد من العقل، ميزان الفضيلة الحق بنظر الفيلسوف الكبير. لكن هذا الانفعال السلبي (الندم) لا يتولد أصلاً إلا كردِّ فعل على أسوأ جوانب العاطفة، حين يغالى فيها، أو تستأثر بالمعطوف عليه، أو ترتبط بمصلحة معينة (كما يبين أستاذنا ندره اليازجي)، في حين أن الواعي أبعاد العاطفة وطبيعة صلتها بالإنسان الباطن وإمكاناتها العظيمة يراها من منظار مختلف، إيجابي.

فهل لنا أن ننظر إلى ملَكات الإنسان وجوارحه من غير تحيُّز؟ يبدأ الفهم الحقيقي من خلال رصد دائم، غير منحاز، للجسم الجُرمي، بأحاسيسه، وللجسم الرغائبي، بمشاعره، وللجسم الذهني، بخواطره، وللتفاعل المتواصل بين ثلاثتها. بوسعنا عندئذ أن نرى، في آن معًا ومن غير إدانة، الجوانب الجاذبة والمنفرة عند الأصدقاء والغرباء، في الملذات (المزعومة) أو في الملمات (المزعومة أيضًا) على حدٍّ سواء – وعندئذ فقط نبدأ في رؤية الكل واحدًا غير مجزأ.

* * *

للحياة على الأرض، هي الأخرى، مظهران. ففيها الكثير الكثير من الوقائع المؤلمة: كأنْ ينقض الغراب على السنجاب ويُعمِل فيه منقاره حتى ينفق الحيوان الصغير المسكين؛ كأنْ يربض الهر أمام الفأرة، فيشلها رعبًا ويلاعبها قبل أن يقتلها؛ إلخ – وهذا كله جزء من مظاهر الحياة التي تقتات بذاتها. يقال إن البوذا عاين في شبابه أن جميع المخلوقات يقتتل بعضها مع بعض. فـ"الصراع على البقاء" (بالمعنى الدارْوني)، من جانب، يغرس في وعي المخلوقات (الغريزة) الوحشيةَ والتنافسَ وسواهما من الصفات "المكروهة" من وجهة النظر البشرية؛ ويبدو أننا، معشر الآدميين، ورثناها في جيناتنا عن أصولنا الحيوانية، حتى انتهت إلى ما يُعرف عند علماء الاجتماع بـ"الدارْونية الاجتماعية"! غير أن فيها الجانب الآخر أيضًا: جمال الطبيعة الخارق – الأزهار والنباتات والأشجار، الدواب والطيور، الأسماك والحيتان، الجبال والوديان، الأنهار والبحار، حركة الفصول، تشكيلات الغيوم عند شروق الشمس والغروب، السماء الليلية المرصعة بالكواكب والمجرات، إلخ – وهذه كلها تذهلنا عن أنفسنا حتى الانخطاف! هناك في الطبيعة جانب هو من الشساعة ومن الجمال الفائق للخيال بحيث إن منبع ذلك كله ممجد في العديد من القصائد والأناشيد الملهمة. ولما كان مظهرا الحياة هذان موجودين كليهما، فإننا إما أن نتفجع حين نبصر منظومة هي بكل هذا القهر للضعيف، وإما أن نشعر بالتسامي أمام تلك الخوارق المذهلة.

* * *

وعي الإنسان العادي، نتيجة تركيزه على الثنائية، يتنازعه هذا النوسان بين المرغوب والمكروه؛ وهذا من شأنه أن يوقعه في الحيرة واضطراب النفس. لكن الوعي المتزن راسخ في مستوى عميق يُدرَك منه كلُّ شيء بوصفه جزءًا لا يتجزأ من كلٍّ واحد غير منقسم. ذاك المستوى هو مستوى الحقيقة الكلية الذي ينعدم فيه التضاد بين الحق والباطل، بين الخير والشر، إلخ. كل ما هو حق، مطلقًا، خيِّر؛ والمطلق أبعد من مطال هذه التصنيفات الضدية الضيقة. والسير على الدرب "الشبيه بحدِّ الموسى" يعني التوجُّه الحثيث نحو عمق الوعي هذا – هو، في المآل، درب من السكينة العميقة المطمئنة التي هي أبعد ما تكون عن الهدوء السطحي القلق الكئيب.

فهل لنا أن نتعلم التقليل من تأثرنا بحركتَي الجذب والدفع اللتين تسيِّران عالم الثنائية، وصولاً إلى الاتزان الداخلي؟ والسؤال الأهم هنا هو: هل هاتان الحركتان موجودتان في العالم أصلاً، أم أنهما مجرد انعكاس للإدراك الواهم لذهن قلق منقسم على نفسه؟

سؤال نترك الإجابة عنه للقارئ…

الحرية واستئناس الرغبة - ديمتري أڤييرينوس

الأثنين, تشرين الثاني 2nd, 2009

الحرية و"استئناس" الرغبة

ديمتري أڤييرينوس

من التصورات المغلوطة السائدة في زماننا، والمولِّدة لمشكلات هائلةِ العواقب، فكرةُ أن الحرية تتوقف على الشروط الخارجية. وهذا التصور مخالف لمنظور الحكمة القديمة، كما تمثلت في تعليم المعلم الناصري الذي أشار إلى أن معرفة الحقيقة هي التي تحرِّر ("تعرفون الحق، والحق يحرركم" – إنجيل يوحنا 8: 32)، وكذلك في حكمة الهند الأقدم التي شجعت جميع الناس – حتى غير المثقفين وغير المتعلمين منهم – على تقصي طبيعة كلٍّ من العبودية (بندها bandha) والانعتاق (مُكشا moksha) وعلى الاستفسار عما إذا كان منبع الحرية يوجد في الذات أو خارج الذات. إن هذا الاكتشاف جوهري للبشرية، لكنه ليس مكسبًا من مكاسبها… لماذا؟

لأن الناس، حين يتخيلون أن مصدر الحرية يكمن في الشروط الخارجية، تراهم يتسابقون للفوز بهذه الحرية وللتمتع بها، عبر تكديس الماديات على سبيل المثال. صحيح أننا – إذا كنا ممن يفتشون عن معنى لوجودهم – سرعان ما نستبعد هذا الموقف بوصفه "ماديًّا" بحتًا، فترانا كالببغاوات نكرر أن "السعادة لا تُشترى بالمال"، لكننا قلما نحلل دوافع صاحب المال الذي يظن أنه يستطيع، بماله، أن يشتري ما يشاء: الجاه، السفر، النفوذ، وأشياء أخرى كثيرة، بما فيها الناس الذين يصيرون بنظره مجرد أشياء-وسائل لتحقيق رغباته. إن هذه الفكرة راسخة لدى أصحاب المال ولدى الطامعين إلى اكتناز المزيد منه (يقول المثل العربي: "المال يجر المال")، لكننا نعلم، بالخبرة، أن المال لا يحرر أحدًا من الجزع أو من نكبات الدهر، ولا من الخوف من التغيير أو الموت؛ صحيح أن المال قد يتيح القيام ببعض الأمور في لحظة بعينها، لكنه لا يشتري الأمان، ولا السعادة، ولا راحة البال، ولا الحب.

في موازاة هذه الأوهام الرائجة حول المال، هناك الاعتقاد بأن السلطان والنفوذ مرادفان للحرية، لأننا بهما نستطيع التسلط على الآخرين أو رمي أحدهم في السجن أو التلذذ بفكرة أننا نستطيع أن نفعل ما يحلو لنا من غير رقيب ولا حسيب. قبل انحطاط الحضارة في العالم، كان العقلاء ينصحون للناس بالتفكر دومًا في ماهية الحرية الحقيقية وبطرح وهم أن الملذات أو الأملاك أو الجاه أو النفوذ كفيلة بالحصول عليها؛ لكن انهيار الحضارة بدأ فعلاً عندما لم يعد البشر مهتمين حقًّا باكتشاف ماهية الحرية، بل اكتفوا باقتباس ما يقوله الآخرون عنها وبمحاولة الوصول إليها عبر طرق "مختصرة"!

الحرية الحقيقية حالة وجود ينعدم فيها الخوف، لا اتكال فيها على شيء ولا على أحد بتاتًا، لا يعوز فيها المرء شيء، وبالتالي لا يطلب شيئًا. في الـبهگڤدگيتا – وهي درة من درر حكمة الهند – يسأل المحارب أرجونا عمن هو "الإنسان الراسخ في الحكمة صاحب الذهن المستقر" – "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā)، بمعنى الذهن الخالي من النزاع تمامًا، غير المتأثر بالشروط الخارجية ولا بالضغوط النفسية للمجتمع –، فيجيبه كرشنا، قائد مركبته، بأن مثل هذا الحكيم لا يتأثر بشيء لأن ذهنه حرٌّ من كل رغبة (2: 54-55). ذلكم هو لب المسألة: حين تُستأنَس الرغبةُ الرعناء، لا في الأشياء المادية وحسب، بل وفي الأمور "الروحية" المزعومة أيضًا، وبعبارة أخرى، حين تكف الرغبة عن الاستبداد بحياتنا، تتحقق الحرية الداخلية من تلقاء ذاتها، وذلك لأنها حالة وجودنا الطبيعي الأصلي قبل أن يحتجب بغيوم الرغبات المتناقضة.

فهل يتعين علينا أن نتحرر من الرغبة حتى في الأمور "الروحية"؟ جزمًا نعم، لأن الرغبة الرعناء أشبه بالحجاب، كما أشرنا؛ إنها تبلبل الإدراك، فتعيق اختبار ما هو روحي حقًّا. الرغبة في الروحانيات، حين تتأسس على تصورات مغلوطة، تؤدي لا محالة إلى طريق مسدود. في كتاب نور على الدرب الذي أملي على ميبل كولنز مقطع مجازي مؤثر حول تفتُّح زهرة الإدراك بعد خوض معارك عديدة والانتصار فيها؛ إنه تفتُّح النفس التي تدرك، فجأة، طبيعتها الأصلية. ولكن، هل بمستطاعنا أن نحيا من غير أية رغبة بتاتًا؟ قطعًا لا، لأن الرغبة هي الدافع الأصلي إلى الحياة، وهي التي تعرِّف بطبيعة الإنسان، كما يؤكد شوپنهاور؛ إنما من الممكن استئناس الرغبة – "أنسنتها"، إذا جاز التعبير – بالفحص عن محتويات ذهننا، باكتشاف وَقْعها على حياتنا، وبالكف عن إمداد الرغبة بالوقود الناتج عن تماس الذهن الجشع مع موضوعات الحس (البوذا).

يُعتبَر الشعور الديني العميق حقيقيًّا عند التخلي عن الرغبة الشخصية، أي حين لا يطلب المتدين شيئًا لقاء شعوره؛ إن ذهنه يرغب عن جميع الأشياء الملذوذة، وبذلك يستودع الحياة ثقته المطلقة. عندئذ، فإن التخلي يتضمن نهاية الرغبة في إحراز النجاح، في التفوق على الآخرين، في إنجاز تغييرات، إلخ. وهذه الحالة، خلافًا لما يُظن، ليست حالة سلبية، ليست العزوف عن الرغبة في الحياة، بل حالة تيقُّظ وانتباه دائمين. وهذا، بالطبع، لا يفترض أن نتخلى عن التقيد العفوي بحسِّ الاستقامة ولا عن ضرورة التزام قيم نبيلة عالية، بل يعني بالأحرى أننا لا نطلب شيئًا لأنفسنا: لا الرضا ولا النجاح ولا… إلخ.

حين تنفتح "أبواب الإدراك" the doors of perception (وليم بليك) فإن النور الذي نختبر وجوده في داخلنا يكشف لنا أنه ليس ثمة شيء علينا أن نحققه بأنفسنا لأنفسنا: كل شيء جزء لا يتجزأ من الكل، وفكرة أن "علي أن أنجز" أو "علي أن أحقق، وعندما يتم لي ذلك (في مستقبل افتراضي) سوف أساهم في نجاة العالم" تتلاشى عندئذ من الذهن من تلقاء ذاتها.

حسبنا أن نتفكر قليلاً لكي ندرك أن ما من شيء حقيقي يستطيع شخص أن ينجزه بمفرده؛ فنحن جميعًا جزء لا يتجزأ من حركة كلية غير منقطعة، والحاجات التي يجب علينا تأمينها تتيسر لنا وحدها حين تُلبى الشروط المطلوبة. حتى تبقى مياه النهر صافية لا بدَّ لكل قطرة من أن تكون نقية، لكن القطرة الواحدة ليس بمقدورها أن تروي الأرض ولا أن تزودها بالخصوبة؛ بالمثل، فإن مهمة كلٍّ من القطرات الصغيرة التي تؤلف تيار التطور الكوني هي جزء من مهمة كلية ليس للنجاح الشخصي من قيمة فيها أو أهمية تُذكَر.

حال الحرية الداخلية حال سعادة حقيقية ومنبع لعلاقات مُحبة مع الطبيعة، أمِّنا جميعًا، ومع البشر، إخواننا في الإنسانية. وفي حياتنا اليومية، علينا أن نتعلم أن النزاعات التي يسببها القلق أو الخوف – على مستقبلنا، على صحتنا، على ما سيكون عليه أولادنا أو أحفادنا أو ممتلكاتنا، إلخ – تحول دون تحقيق الحرية. علينا أن نعي بأننا لا نستطيع أن نفعل شيئًا في سبيل هذا المستقبل – الأمر الذي لا يحول، بالطبع، بيننا وبين إرسال أبنائنا إلى مدرسة جيدة أو كتابة وصيتنا! فالمقصود هو وجوب وعينا بأن حرصنا على رؤية الأشياء تجري على هوانا أو بحسب تصوراتنا المسبقة لا جدوى منه، بل من شأنه أن يعكر صفو أذهاننا. (القلق، على سبيل المثال، لن يجعل الطائرة تصل في موعدها المقرر ولن يمنع وقوع حادث سير إذا كانت أسبابه قائمة.) ومنه، يقال إن الجزع والقلق والخوف عقبات على درب التحقق الروحي. لعلنا لا نجرح الآخرين حين ينتابنا قلقٌ على الأمور الصغيرة، لكننا إذا رصدنا نفوسنا رصدًا موضوعيًّا، تبين لنا أن الجزع والقلق والرغبة في رؤية الأشياء تجري وفقًا لأهوائنا وتمنياتنا تستعبدنا وتحرمنا من الحرية. وفي الحاصل، ليس بإمكاننا أن نفعل إلا ما بوسعنا وحسب. فإذا رسخ هذا الموقف في نظرتنا إلى أمور الحياة ككل، هدأ بالنا واستتب السلام في قلوبنا.

الحياة أشبه بالكاليدوسكوپ. إننا، بأفعالنا ومشاعرنا وأفكارنا، نولِّد روابط كَرْمية (من كرما karma، قانون السببية الكوني)، وترانا، تقمصًا بعد تقمص، جيلاً بعد جيل، نعاود عقد الصلات مع الناس الذين نعرفهم. لكننا إذا سعينا في الاقتصار على نمط بعينه من العلاقات، فإن كاليدوسكوپ الحياة لن يتيح لنا ذلك: فحتى حين نحرك الكاليدوسكوپ تحريكًا طفيفًا وحسب، تتغير الصورة التي نراها، وإنْ تكن القطع المتحركة هي نفسها لم تتغير – وكذا هي الحياة: فالتعلق والرغبة في استمرار علاقات بعينها على ما هي عليه يشوشان الذهن ليس إلا؛ أما الحرية الداخلية فتعني قبول التغيير. فالحرية لا تأتي من هذا أو من ذاك أو من ذلك؛ الحرية الحقيقية حالة تستعيد فيها الرغبة براءتها الأصلية. "المعركة" التي يذكرها نور على الدرب عبارة عن استئناس للرغبة، أيًّا كان المظهر الذي تتخذه، بالرصد الدءوب والتعلم المستمر والفهم العميق؛ وكل جولة من جولات هذه "المعركة" نتصالح فيها مع الرغبة – نستأنسها – تيسر نمو النفس وتفتُّحها عن ممكنات لا تنتهي.

فلنعد إلى ما قلناه في بداية هذه الافتتاحية: الحرية تُكتشَف ولا تُكتسَب!