الأعماق الساكنة 1
البصيرة النافذة والوعي السطحي
ديمتري أڤييرينوس
سأحدثك عن سلام حميم
كسلام الأعماق الساكنة…
ج. كريشنامورتي
لا بدَّ أن تنطرح، عاجلاً أو آجلاً، مسألةُ ما يسمى في الأدبيات الروحية بـ"البصيرة العميقة" أو "النافذة" insight على كل مَن يأخذ حياته الداخلية مأخذ الجد. فالوعي consciousness، عند كلٍّ منا، يشتغل على مستويات متفاوتة، لكن وعينا الشخصي العادي غالبًا ما يشتغل على المستوى السطحي فقط. فلنفحص، إذن، عن المقصود بكلٍّ من مستويَي الوعي "السطحي" و"العميق"؛ إذ إن من الممكن لكلمة ما، بكل بساطة، أن تدل على ضدِّ شيء ما نعرفه، أو نظنُّنا نعرفه، بينما هو في الواقع ضدٌّ لا نعرفه معرفة فعلية، لا بل هو نقيض متوهَّم.
على سبيل المثال، قد نقارن – نظريًّا – بين حال ذهن مضطرب، مشوش، يمزقه الخوف والقلق، وبين حال من الهدوء والسكينة؛ غير أن هذه "السكينة" المفترَضة ليست واقعًا نختبره، بل حال متخيَّلة من بنات أفكارنا. كذا فإننا، إذ نحيا عادةً حياة سطحية، يسهل علينا أن نسلِّم بوجود نقيض للسطحية نصطلح على تسميته "العمق"؛ لكن ماهية العمق ليست أمرًا يسير الفهم حق فهمه.
تعلِّمنا معطيات الحكمة القديمة، على اختلاف مدارسها، أن الوعي يشتغل فينا على مستويات مختلفة عبر "مَركبات" vehicles، قوام كل مَركبة منها "مادة" من طبيعة مرتبة الكون الموافقة لهذه المركبة بعينها، وهو بذلك مقيَّد بهذه المادة، مشروط بخصائصها – وهذا البنيان المركَّب هو ما يجعل الإنسان مختصَرًا جامعًا لمراتب الكون الكلي بأسره. لكن على الرغم من سهولة استيعاب هذا الأمر مبدئيًّا على الصعيد النظري، فإن إدراكه ليس بالسهولة نفسها عندما نحاول استقصائه على الصعيد العملي، نظرًا لوجود التباس فادح للوعي بمَركباته: كما أن التيار الكهربائي (غير المرئي) قد يلتبس بالمصباح (المرئي) المضاء به، بحيث نظن أن المصباح ذاتي الإضاءة، ترانا كثيرًا ما ننظر إلى الكيفيات التي تنتظم عمل الوعي المقيَّد بالجسم المادي بوصفها الوعي بحدِّ ذاته.
في الموروث الروحي الڤيدنتي Vēdanta الهندي أن كيفيات الوعي أربع (سنطوي كشحًا عن المصطلحات السنسكريتية مؤقتًا، على أن نعود إلى تفصيل ذلك في الجزء الثاني من المقال)، وهي:
1. وعي اليقظة؛
2. الوعي الأحلامي؛
3. وعي النوم العميق؛
4. الوعي الفائق super-consciousness، اللاموصوف، المستعلي عن الكيفيات الثلاث السابقة؛ وبلوغ الكيفية الرابعة للوعي تلك يكون بسلب الأوصاف والصفات عنها، لا بوصفها.
الوعي الحواسي
يشتغل الوعي على مستوى الجسم المادي عبر الحواس الخمس؛ فالوعي الحواسي، في أساسه، وعي جسماني. أما الوعي الأحلامي، فيتجلَّى حين يخلد الجسم إلى الراحة وتكف الحواس المادية عن العمل – اللهم إلا غريزيًّا وحسب: حتى حين يكون الجسم غافيًا، ينتفض النائم مستيقظًا عندما يرن جرس المنبِّه، ما يعني أن جزءًا ما من المخ كان في أثناء النوم مستمرًّا في تسجيل الصوت. لم تكتمل للعلم تمامًا صورةُ ما يحدث ضمن الوعي الغريزي الرابض في الدماغ حين يكون الجسم غافيًا، لكن المؤكد أن الحواس في معظمها تكف حينئذٍ عن العمل: الإدراك الحسي يغفو، مفسحًا في المجال لنمط آخر من الوعي، يدعى اصطلاحًا بالوعي الأحلامي.
الوعي الأحلامي
في الوعي الأحلامي، تراوح المعطيات والصور والانطباعات المتولدة عن الإدراك الحسي مكانها، ممتزجةً أحيانًا بعناصر أخرى، فتؤلف الأحلام على اختلاف أنماطها. وهذا لا يحدث والجسم غاف وحسب، ولكن في أحوال اليقظة المزعومة التي تهجع فيها الحواس أو تتخدر أيضًا. من ذلك انقياد كثير من الناس إلى ما يُصطلَح على تسميته تارة بالشرود وطورًا بـ"أحلام اليقظة"، التي تشبه الحلم من وجوه عدة لأن كيفية الوعي هذه لا تُستعمَل فيها الحواسُ المادية.
على سبيل المثال، إذا كنت ساهمًا، "شاردًا" في خواطري وأفكاري، فقد يتفق لي أن أصادف شخصًا أعرفه من غير أن ألتفت إليه، وذلك لأن إدراكي الحسي يكون عندئذ منكفئًا على الداخل وليس ناشطًا؛ فلو كان كذلك لانتبه لحضور الشخص الآخر، لمظهره وقيافته وأقواله وتعبيرات وجهه إلخ. وعي اليقظة يستعمل عادةً النوافذ الموجودة في الجسم (الحواس)؛ أما في كيفية الوعي الأحلامية، فتنغلق هذه النوافذ، سواء كان الحلم من أحلام اليقظة في أثناء الصحو أم حصل لدى خلود الجسم إلى النوم. وبما أن اللبس كثير الوقوع بين الكيفيتين نتيجة تداخلهما أحيانًا، من حيث إن الحد الفاصل بينهما واهٍ ودائم الانزياح، قلما يعي الناس أنهما كيفيتان متمايزتان الواحدة من الأخرى.
عند الحيوان، يشتغل الوعي أساسًا على المستوى الجسماني؛ لذا فإن حواس الحيوانات تكون في الحالة السوية تامة الاستنفار والتنبُّه. سمع الحيوان حاد، وحاسة اللمس عنده دقيقة: تميز أذن الكلب أو الهر، مثلاً، ترددات صوتية لا تستطيع آذاننا سماعها؛ كما أن بوسع الفيل أن يحس بخرطومه بوجود دبوس صغير على الأرض وأن يلتقطه برقة تعجز عنها غالبية البشر، وذلك لأنهم فقدوا قطعًا جزءًا كبيرًا من قدرتهم الفطرية على العمل على المستوى الجسماني (ولعلهم فقدوا القدرة على العمل كما ينبغي على المستويات كلها!). وهذا ينعكس على الذهن تشويشًا فيما يخص ماهية الوعي حقًّا.
الوعي العادي
يستثمر الإنسان "البدائي" معظم طاقته الإدراكية على المستوى العاطفي-الانفعالي؛ ومن هنا حدة انفعالاته وشدة أهوائه. فهو قد لا يتروى قبل أن يفتك بخصمه؛ وهياجه وغضبه وغيرته ورغبته تنشأ من وعي محمول على المَركبة التي يسميها الهنود "مَركبة الرغبة" kāma-rūpa ويشتغل عبر "مادة" هذه المَركبة. وتختلط بهذا الوعي كيفية الوعي الناشطة على المستوى الذهني هي الأخرى؛ وهذا أيضًا جزء من المستوى الثاني للوعي الذي يعمل عبر الحواس. بذا فإن تماس الحواس مع الموضوعات الخارجية يولد ذبذبات من طبيعة الرغبة kāma والفكر manas معًا؛ وثنائي رغبة-فكر kāma-manas هذا يفعِّل النشاط الحسي. وهذا المركَّب المؤلف من ثالوث حس-رغبة-فكر، متماهيًا مع الجسم، هو ما نتوسم فيه ذاتنا أو "هويتنا" الشخصية. ومنه، عندما يقول أحدهم: "أعي"، فهو غالبًا ما يقصد الوعي على أصعدة الإحساس والهوى والرغبة واللذة والنفور إلخ؛ ومنه نسمع تعليقات مثل: "هذا لذيذ"، "هذا لا يروق لي"، "هذا ممتع"، "هذا كريه"، إلخ.
يتضمن الوعي صنع صور عن الأشياء وتسميتها. عندما يقع بصرنا على غرض ما، يلتقط الفكر صورة هذا الغرض، فيحفظه مع كل ما يستطيع جمعه من خصائصه التي توجد لكلٍّ منها مفردة اسمية مخزونة في الذاكرة. وهذه الخواطر والتنويعات عليها التي يقولب الفكر نفسه وفقًا لها هي ما ندعوه خطأ بـ"الوعي". عندما نتكلم على أنفسنا بوصفنا بشرًا، فإننا نفترض ضمنًا أن مخنا يحتفظ بهذا المضمون فيه. قد نصرح، نظريًّا، بأن الوعي شيء مختلف عن مضمونه؛ لكن هذا، كما ذكرنا أعلاه، مجرد أمر نسلِّم به دون أن نكلف نفسنا مشقة التحقق من صحته. فنحن، في الحالة العادية، عندما نفكر في "نفسنا" أو "ذاتنا"، نفكر وفقًا للصور المخزونة في المضمون المذكور وحسب. لكن هذا المضمون، مهما بلغ من السعة، فإنه يظل محدودًا؛ وبالتالي، فإن الوعي الذي يعمل وفقًا لكيفيات هذا المضمون المختلفة محدود هو الآخر، ويفتقر بالتالي إلى التجدد والإبداع، وذلك لأنه لا يعدو كونه تنويعات على العناصر نفسها التي يتألف منها.
النوم العميق
في وعي النوم العميق، تؤول دوامة معطيات الحواس والذكريات إلى الهجوع. مع ذلك، يستمر استحضار نوع من "الأنية" – وعي أنَوي (من "أنا") ego-consciousness أساسي. وفقط لدى هجوع الوعي الأحلامي، وليس قبله، يستتب وعي النوم العميق؛ فهما متنافيان، يتعذر تجاورُهما. إن مثلهما كمثل كوتين مفتوحتين تطلان من مستويين مختلفين على العالم الخارجي: إذا اتفق لأحدهم أن يقف عند الطابق الأرضي لبرج مرتفع، فسيرى مشهدًا معينًا، لكنه عندما يطل من الطابق العاشر، لن يستطيع أن يرى ما يقع تحته مباشرة، فتكون رؤية ذلك القطاع من المشهد مغلقة دونه؛ أما إذا صعد إلى طوابق أعلى، فسيطل على مشهد مختلف تمامًا. ربما تداخلت هذه المشاهد تداخلاً طفيفًا، كما قد يحدث لدى رؤية بعض الأحلام "العظيمة" (كارل يونگ)، لكن كلاً منها يستبعد المشاهد الأخرى.
الفهم والعمق
كثيرًا ما ترد كلمة "فهم" على لساننا، لكنْ من غير أن ندرك أبعادها الحقيقية. فمن أين ينبثق الفهم؟ بوسع الذهن أن يرصد اشتغال الحواس وأن يرصد نفسه في آن معًا. وعندما يرى الذهن نفسه، قد يظن أنه نفذ من السطح إلى العمق؛ الأمر الذي قد يكون وهمًا، وذلك لأن مجرد الانتقال من الإدراك الحسي إلى الإدراك الذهني، أو من حال اليقظة إلى حال الحلم، لا يقتضي بالضرورة نفاذ البصيرة، ولا يفضي إليها من باب أولى. لا يجوز للعمق أن يلتبس علينا بنمط معين من التفكير أو بنوع بعينه من الرصد. فلعله يجدر بنا، بالأحرى، أن نتساءل عما إذا كان رصدنا يتصف، عمقيًّا، بخصائص المستويات الأخرى أيضًا.
من ذلك، على سبيل المثال، الحركة والسعي واتخاذ أهداف معينة إلخ. يرغمنا وضع هدف نصب أعيننا على العمل في اتجاه معين من منظور مُتصوَّر سلفًا؛ إذ إن الوعي العادي حافل دومًا بالتصورات المسبقة والمرامي والمساعي إلى أهداف، كما وبالحركات المقيَّدة بتلك المرامي والأهداف والمشروطة بها. وقد يكون هذا الفخ – فخ التباس الوعي العميق ببنات أفكارنا – من الحذق بحيث لا ندري به.
أما العمق، بالمعنى الحقيقي للكلمة، فشأنه شأن مختلف كليًّا، حيث تتوقف فيه هذه الحركة، فيكف السعي الملازم لها ويزول كل تصور مسبق، فلا يعود الإدراك مجرد كيفية من كيفيات الوعي أو حال من أحواله الطارئة. إذ ذاك فإن نوعًا جديدًا من جريان الوعي يستتب، حتى في أثناء نشاط جزء من الوعي وفقًا لكيفية بعينها (حسية، عاطفية، فكرية)، مثلما أن معظم كتلة الماء في نهر عميق تسترسل في الجريان قُدُمًا من غير أن تعرقلها دوامات السطح وأمواجه وزبده.
ومنه، يقال إن الوعي في حالة الإنسان المستنير يكون على المستوى العميق مبطِّنًا لخواطره وأقواله وأفعاله كلها على المستوى الخارجي؛ وأيًّا ما كان تماس هذا المرء مع العالم الخارجي، وعلى أي مستوى كان هذا التماس يتم، فإن الوعي العميق – الوعي المستنير أو البصيرة النافذة – يشكل عنده الطبقة التحتانية المبطِّنة للتماس مع العالم الخارجي.
تلكم هي الأعماق الجوفية الساكنة لعالم الظواهر.
وللحديث بقية…*