Archive for the ‘افتتاحيات’ Category

إكسير الحياة - ديمتري أڤييرينوس

السبت, آذار 6th, 2010

إكسير الحياة

ديمتري أڤييرينوس

كلُّ نفس ذائقة الموت.
القرآن الكريم، آل عمران 185

كلُّ شيء فهو خاضع للتغير. ومنه، فإن التفكر
يشي للقارئ قطعًا بالاستنتاجات المنطقية
التالية، التي مفادها أن كونًا شروطه غير دائمة
أساسًا لا يمكن لشيء فيه أن يمنح الديمومة.
وإذن، فما من جوهر ممكن، حتى إذا اتفق له
أن يُستخلَص من أعماق اللانهاية، ما من
تركيبة عقاقير قابلة للتخيل، سواء كان مصدرها
أرضنا أو أي أرض أخرى، حتى إذا قام بتدبيرها
أرفع العقول، ما من طريقة حياة ولا من نهج، حتى
بإرشاد من العزيمة الأشد والبراعة الأعظم،
يمكن له أن ينتج الثبات.
ومنه، نرى أن التصور المثالي الشائع عن "الخلود"
ليس مغلوطًا من أساسه فحسب، بل هو من قبيل
المحال الفيزيقي والميتافيزيقي. فالفكرة، أكان
يغازلها ثيوصوفيون أو غير ثيوصوفيين، مسيحيون أو
أرواحيون، ماديون أو مثاليون، إنما هي وهم من
بنات الخيال.
ج.م.، إكسير الحياة

هي آية من كتاب للحكيم شنكراتشاريا، مؤسس مذهب اللاثنوية (أدڤيتا advaita = التوحيد المطلق) في الهندوسية، مافتئ عمقُها وبساطتُها يلهمان أجيالاً عديدة، في الهند وغيرها، تنص على الآتي:

[ما أروعها] صورة: تحت شجرة البَنْيان، [يجلس] معلم شاب وتلامذة شيوخ؛ المعلم يعلِّم صامتًا والمريدون تتلاشى شكوكهم. (شنكرا، ستوترا دكشنامورتي، 3)

تشير هذه الآية إلى الحكيم دكشنامورتي، أحد مظاهر الإله الكبير (مهاديڤا Mahādeva) شيڤا؛ وهي تصفه بوصفه معلم اليوگا المثالي، شابًّا أبدًا. وإنه لمما يحيِّر الذهن أن يوضع الشبابُ والشيخوخةُ جنبًا إلى جنب – الشباب متصفًا بالحكمة والشيخوخة بالحيرة والشك – على خلفية شجرة البَنْيان (التينة الهندية) الجليلة، رمز طول البقاء ودوام الطبيعة.

شيڤا دكشنامورتي يعلم تحت شجرة البنيان.

بحسب ما نقل إلينا الأثر، يتصف جميع المخلدين بالشباب الدائم؛ إذ ليس بوسعنا أن نتخيل مخلدًا مافتئ يشيخ، حتى يصير في الشوط السابع من الحياة البشرية "بلا أسنان، بلا عينين، بلا ذوق، بلا شيء"، كما يقول شكسپير على لسان جاك السوداوي في مسرحيته كما تشاء (ف 2، م 7). إن شخصًا كهذا يصعب علينا أن نتصوره على هيئة الـديڤا deva الملهمة: فالديڤا، أو الآلهة المخلدون في الميثولوجيا الهندية، لا يهرمون، كما تشي بذلك صورة الإله المخلد الذي لا تلامس قدماه الأرض، وإذا فعل تدنَّس وعوقب على فعلته! والديڤا ليسوا متمتعين بالشباب الدائم وحسب، بل ويشعون نورًا وحيوية وغبطة.

وبحسب الأدبيات الثيوصوفية، فإن بوسع السادة الحكماء، كونهم منعتقين من إسار قانون كرما karma، أن يعيشوا سنوات عديدة في جسم فيزيقي (إذا شاءوا أن يتخذوا واحدًا) من غير أن يبدو عليهم أثر للشيخوخة. عندما سأل تشارلز جونستُن السيدة بلاڤاتسكيا عن عمر معلِّمها، أجابته:

لا أستطيع أن أحدد لك [عمره] بدقة، لأنني لا أعرفه. لكني أستطيع أن أقول لك ما يلي: قابلته للمرة الأولى حين كان لي من العمر عشرون عامًا – في العام 1851 –، وكان آنذاك في أوج الرجولة. وأنا اليوم امرأة هرمة، أما هو فلم يَشِخْ بمقدار يوم واحد.

كرما – قانون العلة والمعلول law of causality في المنقولات الشرقية، الذي يسميه الفيلسوف الهندي س. رادهاكرشنان "قانون انحفاظ الطاقة الخُلُقية" – يؤثر فينا جميعًا على المستويات الفيزيقية والعاطفية والذهنية. فالجسم الذي نتخذه والشروط التي تحكم تحولات هذا الجسم بتأثير أفعالنا وعواطفنا وخواطرنا – هذا كله جزء من "لعبة" القوى الكرمية. إذا ولدنا متسمين بسِمات وراثية ومختصين بخواص إثنية معينة، فذلك من مفعول كرما في حياتنا.

غير أن بوسعنا، من خلال أسلوب حياتنا في الحاضر، أن نجعل الجسم فتيًّا رشيقًا أو هرمًا بغيضًا. يتغير الجسم تبعًا للشروط الذهنية التي يتعرض لها: فالكرب، مثلاً، يحفر في الوجه الغضون، والطموح يغلِّظ ملامحه؛ الرغبات الأنانية تسبب التوتر والقلق، فلا تؤثر على الصحة وحسب، بل وعلى مظهر الجسم الخارجي أيضًا. لذا فإن بعض الناس يزدهي حسنًا مع تقدُّم العمر، بينما يغدو بعضهم الآخر منفرًا حتى في سنِّ الخمسين!

تتنوع المواقف الذهنية تنوعًا كبيرًا بحسب ما إذا كان المرء يعيش متعلقًا بأغراض الحس والذهن أو غير متعلق. والحكماء، من حيث هم خالصون من التعلق بأوهام العالم، لا يعانون "مشكلات" من شأنها أن تُتلف بنيان الجسم. فهم لا يولدون كرما في الحاضر، وأغلبهم قد استهلك الـكرما المتولد في الماضي؛ ومنه، فإن أجسامهم لا تبلى، أو على أقل تقدير، لا تبلى سريعًا كما تبلى أجسام عوام الناس.

* * *

"ما أروع الشباب!" – كما يُجمع الناس؛ ومَن يستميتون منهم في البقاء شبابًا بالأخص يشعرون، على نحو ما، بجمال الشباب وحيويته الفائرة، كما يعذبهم خوفهم من الموت. الشباب الأسوياء يقظون، متحمسون، متجاوبون مع الطبيعة ومع رفاقهم البشر، مع الطيبة والجمال، بكل فرح وعفوية. حماستهم وعفويتهم متأتيتان من كونهم أقل إشراطًا من الراشدين؛ وبراءتهم تجعلهم يطفرون فرحًا لأقل سبب، بينما يعجز الراشدون عن ذلك. لذا كلما احتك الراشدون بالشباب، تراهم يختبرون "بالنيابة" جزءًا من هذا الفرح، من هذه العفوية البريئة، فتراهم يحلمون بإيجاد وسيلة يستعيدون بها شبابهم.

لقد سعى القوم، في مختلف العصور، في اكتشاف إكسير الحياة. ففي الهند الڤيدية، تغنَّى الشعراء الملهَمون بشراب الـسوما Soma الذي كان تعاطيه يقرِّبهم من الآلهة (أناشيد الڤيدا، ج 1)؛ وبعضهم تمرس بالكيمياء alchemy، أو بتلاوة التعاويذ، أو بتركيب الأشربة السحرية، أو فرض على نفسه تقشفًا صارمًا من أجل صون الجسم والحيلولة بينه وبين الشيخوخة. لكن هذه الجهود لم تُكلل بالنجاح على ما يبدو؛ إذ ما من أحد نقل إلينا سر الشباب الدائم! فهل من الممكن يا ترى التغلب على مفعول الزمن بمثل هذه التدابير؟ معرفة الإجابة تستلزم معرفة ماهية الشباب، ينبوعه الأصلي، إذا صح التعبير: هل هو ملازم للجسم يا ترى؟ وهل يمكن للجسم أن يتلبس الشباب المعافى والعمر المديد بمجرد تغيير تركيبه الكيميائي أو بزرع عضو مستعار فيه، ككبد خنزير أو دماغ قرد؟! حين تهرم أجسام الناس فإن أذهانهم هي الأخرى تهرم وتتصلب من فرط وطأة الذكريات والأحكام المسبقة والرغبات والشهوات عليها. فهل الأمر متعلق بالجسم بحدِّ ذاته، أم أن ثمة طريقة أخرى؟

* * *

في الآية التي استهللنا بها هذا المقال، وجدنا أن المعلم الشاب يشع حكمة ويستطيع التواصل من غير كلام. والسياق يستحضر بالبال ذاك السؤال الجوهري الذي لم ينفك الحكيم الهندي رامنا مهارشي – تقدس سرُّه – يردده طوال عمره: "مَن أنا؟" وبعبارة أخرى، ما هي "الأنا" التي تستميت في البقاء شابة؟ – تلك هي المسألة الجوهرية؛ ومن دون الإجابة عنها إجابة حقيقية، يتعذر اكتشاف سر الشباب الدائم. فالديناصورات ذات الأدمغة الضئيلة كانت تتمتع بعمر مديد، حتى ضرب نيزك الأرض منذ حوالى 30 مليون سنة، فأدت عواقب ذلك الاصطدام المروع إلى انقراضها على ما يبدو؛ لكن البشر يتمنون التمتع بشباب المخلدين، لا العيش قرونًا مديدة كالديناصورات!

يشبِّه كتاب الـبهگڤدگيتا Bhagavad-Gītā الجسم بثوب:

كما أن المرء يخلع أثوابه البالية فيرتدي أثوابًا أخرى جديدة، كذلك النفس المتجسدة تخلع جثتها البالية وترتدي جثة أخرى جديدة. (2: 22)

ترانا نعلم أن الثياب الجديدة خير من الثياب البالية، لكنْ حتى المصاب بمرض عضال أو الكسيح أو طريح الفراش تراه يتشبث بجسمه العليل. لقد علَّم البوذا بأن كل مركَّب مصيره أن يتحلل، بينما شددت الـگيتا أن "كل مولود يموت حتمًا" و"كل ميت يولد حتمًا من جديد" (2: 27). وحده "ساكن الجسم" (2: 30) خالد لا ينال منه الموت. فما لم نع أن الذات الحق (آتمن ātman) ليست الجسم، بل ذلك العنصر السري الذي يستعمل الجسم ويغادره عند أوان الموت، لن نكتشف سر الكائن الشاب، الخالد أبدًا:

إنه لم يولد أزلاً، ولا هو يموت أبدًا، ولا هو – الموجود أصلاً – يمكن له أن يعدم الوجود. إنه غير مولود، أبدي، دائم، سرمدي؛ فهو لا يُقتَل حين يُقتَل الجسمُ. (بهگڤدگيتا 2: 20)

أغلبنا يستشعرون في أنفسهم وجود شيء عميق، ليس قطعًا بالجسم، الذي هو غير الوجود أو الذات. والدليل المباشر على صحة ذلك هو استعمالنا ياء المتكلم للإشارة إلى كلٍّ من العناصر التي يتألف منها كياننا، كأنْ نقول: "جسمـي"، "مشاعري"، "ذهنـي"، إلخ؛ ترانا نرصد العواطف، الذكريات، الخواطر، وغيرها من الفعاليات الباطنة، فنعرف يقينًا أننا لسنا أيًّا منها. فإذا اتفق لجسمنا أن يصاب بعاهة مستديمة، مثلاً، فهذا لا يؤثر على شعورنا بالوجود. الذكريات، الصور، تقلبات الذهن، إلخ، – ما يسميه ج. كريشنامورتي "مضمون الوعي" content of consciousness – لا تنفك تولد وتختفي؛ أما الشعور بالوجود فيبقى، غير متأثر بها، غير متماه مع الخواطر أو المشاعر أو الأحاسيس، من حيث إن هذه لا تولد أصلاً إلا لتصير إلى التلاشي. فلو كان محتمًا علينا أن نتماهى مع مثل هذه التقلبات المتواصلة، لتغير طبعنا تغيرًا مستمرًّا. هناك دومًا شعور أصيل بالوجود يبطِّن هذه التغيرات كلها، ونحن نستشعره لا محالة عند الهنيهات التي يخلد ذهننا فيها إلى السكون.

* * *

مع أن بوسع البوذيين، مثلاً، أن يتمثلوا البوذا كصورة ذهنية، فهو القائل (سميوتا 3: 120) بأن مَن رأى الـدهرما Dharma (= "الناموس" أو "الحق"؛ بالپالية: دهمَّا dhamma) وحده رآه حقًّا (ومثله قول المسيح في إنجيل يوحنا 14: 10: "مَن رآني رأى الآب"). البوذا (= "المستنير") هو الوعي اليقظ، وليس شخصًا. والوحدة مع الـدهرما أو الحق هو مقام الحكمة (= الاستنارة): فمَن فهم التعليم حق فهمه وبلغ مقام الحكمة عرف البوذا. بالمثل، ألمحت السيدة بلاڤاتسكيا إلى أن الذين يريدون رؤية "المعلم" غالبًا ما يريدون رؤية جسم ووجه، أي صورة فحسب، لا رؤية المعلم حقًّا؛ لكن هذه الصورة مجرد قناع، وليست بالمعلم. المعلم، في الجوهر، وعي خالص، سام، نبيل، يتخلل كل شيء، كله محبة وحكمة وسلام؛ وهذا الوعي لا يحُول أبدًا، ولا يزول نقاءُ طبيعته. وفي كتاب الـيوگا ڤاسشتها Yoga Vāsishtha النفيس، نقع على تفسير لأبدية المخلد: "ذهني لا يرود الماضي ولا الآتي، بل يقيم في الحاضر دومًا". الماضي والآتي مجرد ظاهرتين ذهنيتين متولدتين من حركة الذهن: عندما يعود الذهن القهقرى لاسترجاع خبراته السابقة، تراه يفتعل "الماضي"؛ وحين تستحثه الرغبة والأمل في الحصول على شيء ما، تراه يختلق "المستقبل"؛ أما حين يكف الذهن عن الشرود مراوحًا بين الماضي والآتي، فيثبت راسخًا في الحاضر، فهو يتحرر من الزمن. وفي الحاضر، في "الآن الدائم" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية) وحده، تكون المحبة – ذاك الشعور الكوني الذي يتخلل كل علاقة حقيقية.

والمخلد، مواصلاً تعليمه، يقول إن خواطر من قبيل: "حصلت اليوم على هذا، وسأحصل غدًا على أفضل منه" لا تظهر في ذهنه بتاتًا؛ لا تخطر بباله أبدًا أفكار من نحو: "هذا صديقي، قريبي، وذاك الآخر غريب، مجهول". الحكيم، صاحب "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā) الموصوف في الـگيتا (2: 55-58)، متحرر من الرغبة التي تُسقط المستقبل على شاشة الذهن وتعود إلى مخزون الماضي لتستعيد ذكرى المرغوبات؛ إنه مطمئن، ساكن، فرح، خالد قطعًا، بما أنه قد أفلت من قبضة الزمن.

هذا الزمن-الطاغية حيٌّ فينا، تغذيه نشاطاتنا الذهنية ورغباتنا المحمومة في الأشياء الزائلة؛ وتبعًا لشرطنا الذهني حيالها، يجري تيار الزمن سريعًا كالسيل أو يسيل بطيئًا كالساقية. الأهواء والشهوات تعكر صفو أذهان البشر المائتين، بينما المخلدون لا يلوثون أذهانهم بالتفكير الدنيوي والشهوة، فيختبرون الخلود والشباب الدائم.

* * *

حتى نظل شبابًا وجميلين، علينا بالضرورة أن نتحرر من الضغوط النفسية – تلك الرغبات الملحة في الوصول، في تبوأ المنزلة الأولى، في النجاح الدنيوي – التي تجعلنا عبيدًا للزمن. فالخضوع لسيرورة الزمن يحرم المخ والذهن من الحساسية والمرونة ويتركه نهبًا لمخاوف مركزية الأنا egocentricity التي تنهش الجسم وتُبليه.

ومنه، على المرء أن يحيا حياة من نمط مختلف حتى يصون "شبابه". فكما جاء في الـدهمپدا Dhammapada، كتاب صحيح أحاديث البوذا:

مَن اكتفى غافلاً بقطف أزهار [الدنيا] اخترمه الموتُ كالطوفان إذ يجرف القرية الغافية. (الأزهار، 47)

"أزهار الدنيا"، مهما بدت فاتنة، مصادر وهمية للسعادة؛ وقد جاء في كتيب صوت الصمت: "تحت كل زهرة، تكمن أفعى متكورة". وفي الرسالة إلى أهل إفسُس، يستشهد القديس بولس بنشيد مسيحي قديم جاء فيه: "تنبَّهْ، أيها النائم، وقُمْ من بين الأموات، يضئْ لك المسيح" (5: 14)؛ وهذا الكلام ليس دعوة إلى إيقاظ جثة من قبرها، بل استنهاض للمريد كي يخرج من غفلة الشرط البشري، الشبيه بالموت بالمقارنة مع حياة الروح.

التعلق هو جوهر الذهن الدنيوي؛ أما نهاية التعلق فهي الحرية. فحتى يكون الذهن شابًّا، عليه أن يكون حرًّا، غير متعلق بالدنيويات. وقد جاء في الـدهمپدا أيضًا:

اليقظة هي الطريق إلى الخلود؛ الغفلة هي الطريق إلى الموت: الأيقاظ لا يموتون البتة، أما الغافلون فهم شبه أموات. (اليقظة، 21)

فاليقظة الدائمة في أثناء الحياة اليومية، التي تساعد على التخلص من كل هوى أو خاطر أناني، هي الصراط المؤدي إلى المقام الإلهي، مقام الاستنارة والمحبة والحكمة؛ أما الأنانية فهي الجهل، ظلام الغفلة (أڤيديا avidyā)، انعدام المحبة والحكمة.

* * *

فهل ترانا نجدد "شبابنا" بأن نحيا حياة مستقيمة – هي "إكسير الحياة" الحق – أو ننتظر العلماء والسحرة حتى يطيلوا لنا عمرًا نصرفه في بؤس الأنانية؟!

المادية الروحية والروحانية - ديمتري أڤييرينوس

الأثنين, شباط 8th, 2010

"المادية الروحية" والروحانية

ديمتري أڤييرينوس

الأنا المادية والذات الروحية لا يمكن
لهما أن تلتقيا أبدًا، وعلى إحداهما
أن تتوارى، لأنه لا مكان ثمة لاثنين.

هـ.پ. بلاڤاتسكيا، صوت الصمت

لا بدَّ أن بعضنا تناهى إلى سمعه التصريح المنسوب إلى الكاتب وذواقة الفن أندريه مالرو في أواخر ستينيات القرن الفائت: "القرن الحادي والعشرون سوف يكون روحيًّا spirituel (وبعضهم ينقل عنه قوله: "صوفيًّا" mystique) أو لن يكون!" فما مقدار صحة نبوءة المفكر الفرنسي الكبير، بقطع النظر عن صحة نسبتها إليه؟ وماذا ترانا نعاين في واقع عالم اليوم، نحن الذين حبتْهم الأقدارُ أن يكونوا من أبناء هذا القرن الوليد؟

إذا فحصنا جادين عن مجريات الأمور في العالم إجمالاً، لا مناص لنا من الاعتراف بأن الأمل المعقود على العلم والتكنولوجيا قد خاب خيبة مروعة. فعلى الرغم من التقدم الباهر الحاصل في هذا المضمار، ولاسيما في مجال تقنيات الاتصال، وعلى الرغم من التحسن الملحوظ في متوسط مستوى المعيشة لدى مجتمعات بلدان الشمال (في مقابل تراجُع مساو فيه لدى مجتمعات بلدان الجنوب)، وبصرف النظر عن الأزمة الاقتصادية الحالية، من المؤكد أن العلم والتكنولوجيا لم يفيا بالوعود التي لوح بها أصحاب المذهب العلموي scientism، فلم يمنحا البشر السعادة المنشودة، ولم يلبيا حتى الهاجس الأمني الذي لا تزال تهجس به غالبية الدول – بحيث إن العالم، بعد أن شهد شططًا في اتباع المذهب العقلاني rationalism، بات يشهد طامة لاعقلانية irrationality تُطلَق عليها اليوم، بكل صفاقة، تسميةُ "روحانية" spirituality!

لا يجوز لنا إنكار ظهور تيار روحي قوي بين أبناء هذا الجيل. لكن هذا التيار، في الغالب الأعم، إما يُجيَّر لصالح الطائفية والتعصب الأعمى (بالأخص لدى الفئات الفقيرة المهمَّشة من المجتمع التي يسهل على "الكبار" التلاعب بغرائزها)، وإما يُحرَف عن مساره حرفًا حاذقًا نحو ما أسماه المعلم البوذي التبتي تشوگيَم ترُنْگپا "المادية الروحية" spiritual materialism، قاصدًا بها تفتيش الناس، في نوع من التدين الرخو والشغف المَرَضي بالغيبيات، عن الراحة النفسية والأمان اللذين عجزوا عن العثور عليهما في الترف المادي.

كل إنسان فهو لا يني يسعى إلى السعادة، فيجعل منها دينه وديدنه. إنه، إذ لا يعي أن الغبطة هي كنه طبيعة الإنسان الأصلية، تراه يفتش عنها خارج ذاته: في تكديس الخيرات المادية، في السلطان وما يرافقه من نفوذ، في مراكمة المعلومات، في استدرار تقدير الآخرين وعطفهم، إلخ. إن مثل هذا المسعى لا يُرضي صاحبه أبدًا، لأن المرء قلما يكتفي فيه بما عنده، ولا ينفك يطلب المزيد[1]: المزيد من الثروة والجاه، المزيد من النفوذ، المزيد من المعلومات، المزيد من العطف، إلخ. مهما يكن من أمر، لا مناص من الاعتراف بأن الموقف المبطِّن للمسعى السابق موقف مادي (= نفعي). إذ إن المعرفة، حتى الفلسفية منها، مثلها كمثل الثروة والنفوذ، باتت تُعامَل معاملة "الشيء"، أي ما يمكن اكتسابه والاستئثار به؛ بالمثل، يمكن لوالد أو صديق أو عشيق أن يصير على هذا النحو، من حيث لا نعي، محل استئثار.

هذه "المادية الروحية" – وهي روحانية كاذبة – عبارة عن ثبات على هذا الموقف النفعي إياه حيال القيم الروحية أيضًا، وبالتالي، سعي في "اكتساب" الحكمة والاستنارة وكأنهما شيئان خارجيان ليسا فينا أصلاً؛ وعكسها الروحانية الحق، التي هي، بكل بساطة، التخلي عن شهوة الاستئثار بأي شيء كان، التخلي عن كل تعلق attachment، مهما كان نوعه. فعدم التعلق هو من الروحانية الحق أسُّها وأساسها. فماذا نقصد هنا بعدم التعلق، أو لنقل جوازًا، "اللاتعلق" detachment؟

على المرء أن يطهِّر نفسه، طبيعته البشرية، من كل ما ينتمي إلى الحياة المادية الدنيوية، وذلك برؤيتها على ما هي عليه وعدم التعلق بها. لكن الحياة المادية الدنيوية ليست مجرد التماس الحسي أو الذهني مع الأشياء المادية؛ فالمادة في كل مكان، وهي قوام الجسم البشري، وليس منها مهرب. ومنه، فإن الحياة الدنيوية ليست، في جوهرها، مجرد التماس مع المادة، بل موقف التعلق وشهوة الاستئثار. هناك فارق شاسع بين العلاقة التي نعقدها مع الأغراض والأفكار والأشخاص في حال وجود شهوة الاستئثار بها وبهم وبين هذه العلاقة عينها في حال غياب هذه الشهوة. ومنه، لا بدَّ للمرء من اجتثاث شهوة التملك والاستئثار هذه من جذورها إذا ما شاء أن يمضي من موقف دنيوي نفعي إلى الموقف الروحاني الخالص من كل تعلق.

صفوة القول، إذن، إن اللاتعلق ليس التحول عن الأشياء التي توصف بأنها "مادية" لصالح أشياء غير مادية أو "روحية" مزعومة. بعبارة أخرى، إذا لم يجد الإنسان سعادة مستديمة في ثروته المادية فهذا ليس بسبب خاصيتها "المادية"، بل بسبب استئثاره بها ووهمه بأنه "يمتلكها". لذا ليس من الضروري بتاتًا الإصرار على الزهد والتجرد: لا بأس البتة في العيش عيشًا معقولاً، إنْ من حيث وسائل الراحة (وهي غير الترف) في المسكن، وإنْ من حيث جودة المأكل والملبس؛ كما أن المقصود ليس ذم العلم والتكنولوجيا، اللذين أصبحا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية والمهنية، ولا، بطبيعة الحال، ذم التفكر الفلسفي العملي، الضروري لتأهيل العقل على التمييز الدائم بين الصالح والطالح؛ كذلك، ليس مطلوبًا من أحد إبطال حساسيته حيال مودة الآخرين، ولا تمجيد الفقر والعيش عيشة النساك – بل إن موقف الاعتدال المتزن هو الموقف الأصح دومًا[2].

لا يحدُّ المرء من تعلُّقه بإزالة موضوعات التعلق من حياته – فهذا موقف لا يدل على نضج داخلي –، بل يحدُّ منه بالنظر إلى كل شيء من دون شهوة امتلاكه أو الاستئثار به، سواء تعلق الأمر بالتعامل مع أغراض الاستهلاك اليومي، أو مع البشر الذين يحيطون بنا (من الأقارب كانوا أم من الأباعد)، أو مع المنزلة الاجتماعية والمهنية، أو مع التعليم الروحي بالذات؛ وبعبارة موجزة، وحده التجمُّل بخصلة الكرم أو الإيثار يحدُّ من التعلق والاستئثار وينمي فينا الزهد الحقيقي.

لتحقيق ذلك، لا بدَّ من إدراك أن جميع الأغراض الأثيرة إلى نفوسنا إنْ هي إلا استطالات خارجية لحسِّ الأنية ego. فالأنية تنتفخ بالثروة، بالسلطان وما يستتبع من نفوذ، بسعة المعلومات، بالمودة التي تستدرها من الآخرين؛ وهي تنتفخ أيضًا من جراء مساعيها المحمومة في الاستيلاء على ما تظنه من قبيل "الروحانية"، وهو ليس من الروحانية الحق في شيء. الذات الإلهية في الإنسان ليست قطعًا "أنا فائقة" مضخمة! فجميع الحكماء، جميع المعلمين الروحيين الكبار، بلا استثناء، قالوا بأن الروحانية هي ما يتجلى في الإنسان عندما يهمَّش حسُّ الأنية لديه، فلا تتعدى منزلته من الذات الحق منزلة المرآة من الصورة الأصلية، أو منزلة القمر من الشمس إذ يعكس نورها صافيًا بكل تواضع: "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبَر" (حديث شريف).

لقد كان من أبرز "أعمال" البطل الإغريقي هرقل في الميثولوجيا اليونانية ذبح الهيدرة اللايرنية Lærnean Hydra، الثعبان ذي الرؤوس التسعة، التي يتصف أحدها بالخلود ويرمز إلى حسِّ الأنية باستطالاته الثمانية (الشهوات الثماني الأساسية). وتروي القصة، من غير الدخول في مقدماتها، أن هرقل ("مجد هيرا"، النظر العقلي)، ما إن سحق أحد رؤوس الوحش بهراوته حتى نبت مكانه رأسان اثنان، وهكذا دواليك؛ فلم يتمكن من قتل الهيدرة أخيرًا إلا بمعونة ابن أخيه إيولاوس ("فراشة"، الذهن العملي)، رفيقه المخلص الذي، كلما قطع عمُّه أحد الرؤوس الثمانية، بادر هو إلى كيِّ أصله حتى لا ينبت من جديد؛ ثم قام الاثنان بدفن الرأس التاسع الخالد تحت صخرة ضخمة[3]. ولعمري، إنها قصة جديرة بالتفكر في رموزها مطولاً!

إناء فخاري إغريقي مرسوم عليه هرقل وإيولاوس يقتلان الهيدرة.

يعتمل في أعماق كلٍّ منا شوق لافح مشروع إلى تحقيق الألوهية فينا الذي هو جوهر الروحانية؛ إذ إن النفس البشرية مفطورة على محبة الحق والخير والجمال (صفات الإله عند أفلاطون)، وتشوُّقنا إلى ما هو حق وخيِّر وجميل دليل على أن الإلهي كامن فينا أصلاً، مثلما أن وجود دافع الجوع البيولوجي فينا دليل على وجود الطعام (ميخائيل نعيمه). غير أننا غالبًا ما نستنكف من التخلي عن حسِّ الأنية، أي عن مركزية الأنا egocentricity في حياتنا، فترانا نوهم أنفسنا بأننا إذا تبنينا لغة روحية في التعبير ووضعنا على وجوهنا قناع الروحانية فهذا حسبنا لكي نكون "روحانيين" (ما أكثر أبناء جيلنا الذين يتشدقون بأنهم "متصوفون"!)؛ لكن هذا اللبس الفادح ليس من شأنه إلا أن يعسِّر "يقظة الفطنة" (كريشنامورتي) فينا، بل أن يجعلها متعذرة حتى.

يتلخص عمل الباحث عن الحقيقة أو طالب الحكمة في السلوك المخلص على الدرب الذي يقود إلى نكران النفس في سبيل الكل. لقد قالت السيدة بلاڤاتسكيا بما لا يدع مجالاً لأي لبس: "الثيوصوفيا [الحكمة الإلهية] الحق هي الزهد الأكبر في النفس".

من شأن نكران النفس أن ينتج منه، بكل بساطة ومن غير بذل أي جهد، عدم التعلق بالأغراض الخارجية؛ وعكسه غير صحيح: إذ إن "الزهد" الذي نفرضه على أنفسنا قسرًا قد يكون نوعًا من تضخيم الأنا. التوجه إلى الحق من غير التخلي عن مركزية الأنا، أو توهُّم المرء أصلاً أن بوسعه أن يتوجه إلى الحق من غير التخلي عن هذه المركزية – تلكم هي "المادية الروحية"، وهي قطعًا طريق مسدود؛ ناهيكم أن آثارها علينا مفسدة لا محالة، وذلك لأنها تستبقينا في وهم الانفصال عن ألوهيتنا الأصلية. لذا لا مناص لنا من فضح هذا الوهم والتحرر منه لنضع الأساس للروحانية الحق، وذلك بالتصدي لجذر ما يستبقينا في وهم الانفصال ذاك: الأنية، أم شهوة الاستئثار وسائر أشكال التعلق، بكل الشقاء الناجم عنه.

إن جميع النزاعات التي تبلبل العالم – أيًّا كان مستواها: النفسانية الفردية منها، والجماعية المسلحة، وما بينهما – تضرب بجذورها في تربة التعلق وشهوة الاستئثار. ومنه، فإن حل جميع النزاعات هو في زوال مركزية الأنا، لأن زوال مركزية الأنا هو بعينه نهاية التعلق والخطوة الأولى – والأخيرة – على درب الروحانية الحق.



[1] راجع: ألان، "في المرج الكبير"، سماوات: http://samawat.org/texts/grande_prairie_alain.

[2] راجع مقالنا الافتتاحي بعنوان "الاتزان الداخلي"، سماوات: http://samawat.org/editorials/inner_balance_dna.

[3] Bulfinch’s Complete Mythology, Chancellor Press, London, 2000, p. 105.

الاتزان الداخلي - ديمتري أڤييرينوس

السبت, كانون الأول 26th, 2009

الاتِّــزان الداخـلي

ديمتري أڤييرينوس

اليوگي المنضبط الذهن والمتحد بـالذات،
محافظًا على اتزانه دومًا، يصل إلى السلام،
النرڤانا الأقصى، المقيم فيَّ.

حقًّا إن هذا اليوگا ليس لِمَن يفرط في
الأكل أو يفرط في الصوم، ولا هو، يا أرجونا،
لِمَن يفرط في النوم أو يفرط في السهر.

أما المعتدل في الأكل وفي الراحة، المعتدل
في تأدية الأعمال، المعتدل في النوم
وفي اليقظة، فنصيبه اليوگا الذي يخلِّص
من كل شقاء.

عندما يرسخ ذهنه المنضبط في الذات وحدها،
متحررًا من أغراض الرغبة كافة، إذ ذاك يقال
عنه إنه متزن.

كما المصباح الذي في منأى [من الريح] لا
تتراقص شعلته، كذلك ذهن اليوگي المنضبط
لا يحيد عن يوگا الذات.

بهگڤدگيتا، 6: 15-19

ونحن نطأ درب الحياة الروحية، ترانا في أمس الحاجة إلى الاتزان. ولعل الأصح من هذا قولنا إننا في حاجة إلى الاتزان التام؛ إذ وحدها حال اتزان داخلي مستتب تفسح في المجال لرؤية كل ما نواجه في الحياة رؤية موضوعية وتتيح لنا إمكان العمل السليم. الـبهگڤدگيتا – كتاب الحكمة الهندي الذي كثيرًا ما نقتبس منه في مقالاتنا لأنه منجم نفيس من مناجم الحياة الروحية – تصرح، على لسان كرشنا، بأن "الاتزان هو اليوگا". فمن دون اتزان، يغيم الإدراك ويفتقر إلى الوضوح، فنصير نهبًا للبلبلة والقلق والحيرة، وتسوء أمور حياتنا من جراء ذلك، ولا نفهم لماذا! أسفار الأوپنشاد تتكلم هي الأخرى على الدرب "الشبيه بحدِّ الموسى"، والإنجيل يذكر "الباب الضيق"، وفاتحة القرآن الكريم تطلب الهداية إلى "الصراط المستقيم" – وكلها عبارات تشير إلى المفهوم نفسه.

حتى ما يُسمى "فضائل" لا بدَّ فيه من الاتزان؛ إذ إن الإفراط في فضيلة ما لا يلبث أن ينقلب إلى ضده ويصير تفريطًا: فلنتخيل شخصًا، من فرط كرمه، يوزع ماله يمنة ويسرة، فلا يستبقي لنفسه وعياله شيئًا يقوم بأودهم، حتى يصير عالة على الآخرين ويرهق مواردهم. لا مناص إذن، بالضرورة، من الجمع بين كرم النفس وبين حسٍّ يقظ بـ"الانتهازية"، معقول ومتجرد من المصلحة الشخصية. الاتزان الحقيقي ليس التأرجح ذات اليمين وذات الشمال بين الجذب والدفع. فكما تشير الـبهگڤدگيتا، ليس الحكيم صاحب "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā) مضطربًا ولا منفعلاً، ولا هو ينجذب إلى شيء وينفر من شيء؛ إنه دومًا "راسخ في الذات" (آتمن Ātman)، وبالتالي، غير مضطرب داخليًّا، بل هادئ، حتى وهو منهمك في غمرة العمل.

في كتاب آيات اليوگا Yoga-Sūtra (الذي كان البيروني أول مَن عرَّبه عن السنسكريتية مباشرة)، يقال إن الجذب (راگا rāga) والدفع (دڤِشا dwesha؛ يقال باللهجة الشامية: دفش، أي "دفع")، الانجذاب إلى شيء والنفور من شيء، هما في عداد "البلايا" (علل الشقاء) الخمس (2: 3). أصل المشكلة إذن في النفس، لا خارجها. الكون المتجلي بأسره أشبه بمجال تظهر فيه مختلف الأغراض التي تجذب وتدفع: إنها لعبة الروح والمادة، الذكر والأنثى، الحق والباطل، الخير والشر، وسائر الأضداد. الناس تجذبهم الأشياء التي يظنونها صالحة، كما تدفعهم الأشياء التي تبدو لهم طالحة. فمَن يهتم بكسب الماديات يظن أن في اقتناء الأشياء صلاح أمره؛ فكما قال بعض فلاسفة الإغريق، لا يعي مقترف الشر أنه يسيء الفعل، بل يظن أن فعلته ستنوِّله ما يصلح له – لكن مشكلته هي جهله أصلاً بالتمييز بين الصالح له وبين الطالح. في أشواط معينة من الحياة البشرية، ينجذب الذهن إلى الماديات، وفي شوط لاحق، يكون جذب الروحانيات أشد. لكن الحياة الروحية الحق تبدأ فعلاً حين يكف كل انجذاب إلى الأشياء والملذات، "مادية" كانت أم "روحية"، فيتشوق المرء إلى اختبار الحقيقة لوجه الحقيقة وحده.

* * *

في السنوات السابقة لإشراقه، ألزم البوذا نفسَه نظامًا تقشفيًّا شديد الصرامة، راجيًا منه بلوغ الانعتاق الروحي النهائي. غير أن الرياضات الزهدية القاسية التي انصرف إليها ما لبثت أن أنهكتْه، حتى هَزُلَ جسمه وخارت قواه. وذات يوم، بينما هو جالس على جانب الطريق، متفكرًا في ما ينبغي له أن يفعل، أقبلت ثُلة من المغنين والراقصين. وفجأة، غنَّت امرأة، يرافقها عازف سِتار (آلة وترية هندية)، هذه الكلمات القَدَرية (المقبوس من كتاب نور آسيا لإدوين أرنولد، سيرة البوذا المنظومة شعرًا):

ما أجمل الرقص حين يكون السِتار موقَّعًا!
وقِّعْ لنا السِتار لا في القرار ولا في الجواب،
فنرقِّص قلوب البشر.

الوتر المفرط الشدِّ ينقطع والموسيقى تتلاشى،
والوتر الرخو أبكم والموسيقى تموت.
وقِّعْ لنا السِتار لا في القرار ولا في الجواب.

سمع البوذا في هذه الأبيات من فوره رسالة أتتْه في أوانها لتنبِّهه إلى الخطر الكامن في غلوِّه، فبانت له ضرورة الاعتدال في كل شيء، حتى في السلوك نحو الإشراق الداخلي؛ وهذا الموقف المتزن حيال مآتي الحياة هو ما أطلق عليه فيما بعد اسم "الطريق الوسط": لا الانقياد الأعمى لشهوات الجسد والحواس، ولا قهر الجسم وتعذيبه. ونجد الفكرة نفسها في كتيِّب عند قدمي السيد الذي ينصح بمعاملة الجسم معاملة الجواد الكريم: لا إهماله، ولا تركه ينفر إلى الحال البرية!

بعض كتب الزهد يصر على نهي الناس عن طلب الملذات الحسية بإعطائهم "وصفات" قهرية للجسد. معلوم أنه ما إنْ يموت الجسم حتى تبدأ أعضاؤه بالتفسخ ويزول جماله. ففي الجسم الحي – أكان جسم إنسان أو حصان أو حتى عصفور – لا يختلف اثنان أن العينين من بين أجمل العناصر، من حيث قدرتهما التعبيرية الآسرة؛ ولكنْ حين تفارقه الحياة، تبدو العينان إياهما كامدتين وتعدمان كل بريق وفتنة. أعضاء الجسم الأخرى أقل فتنة من العينين؛ ولذلك فإن "الوصفات" السابقة تلفت النظر إلى الأحشاء وغيرها من المظاهر المنفرة (جاء في المأثور: "أولك نطفة مَدِرَة وآخرك جيفة قذرة…") بدعوى الحض على التواضع وعدم الاستكبار! لكن هذه نظرة متطرفة، محدودة، لا تحترم شرف الإنسان ومنزلته الفريدة من الطبيعة والكون. في المقابل، يقول بعض اللاهوتيين المشرقيين بأن مرتبة الإنسان أعلى من مرتبة الملائكة، لا لشيء إلا لأن له جسمًا!

على الضد من تلك النظرة المزدرية، يورد العلم البراهين تلو البراهين على الروعة المتجلية في الجينات وجزيئات الپروتين والخلايا الحية وسائر أعضاء الجسم. هناك أجهزة لا عدَّ لها، مرئية وغير مرئية، تعمل سوية في تناغم وفطنة دقيقين لإنجاز وظائف الجسم ككلٍّ واحد منسجم. فكيف تعرف هذه الأجهزة كيف تعمل سوية على هذا النحو المتسق الدقيق؟!

وإذن، فإن الجسم، في وضعه الراهن، هو محصلة كلا هذين الوجهين معًا: تراه يتلف تلفًا متواصلاً، ما يعني أن جذر الهرم والبلى موجود فيه، حتى عندما يبدو في صحة طيبة – إنه فعل الإنتروپيا entropy المبدِّد، وفقًا لقانون الثرموديناميكا الثاني، الذي ينسحب على الطبيعة إجمالاً؛ وفي الوقت نفسه، هناك جمال خارق في اتساق أجزاء بنيان الجسم وفي سرِّ سلوكها الذكي والتناغم فيما بينها (وهذا لا يسري على الجسم البشري المعقد وحسب، بل وحتى على جسم البعوضة أو البرغوث الضئيل). مَن يمارسون التقشف يحسون بنفور من الجانب "المقزز" من الجسم، بينما يبلغ سواهم من الافتتان بجماله حدَّ اختزاله إلى مشكل جنسي حصرًا.

بالمثل، فإن الذهن يبدي هو الآخر جوانب منفرة حين يكون فريسة الغضب أو الشهوة الجنسية الجامحة أو الأنانية. غير أن هذا الذهن إياه قادر أيضًا على استقبال كشوف فهمية ثاقبة؛ لا بل إن في مستطاعه حتى أن يعكس حكمة عالية. وقل الشيء نفسه في العاطفة ورغباتها: حين تكون متزنة، تراها تعكس المشاعر النبيلة الراقية، وحين تكون غير ذلك، تتحول مشاعرها السوية إلى انفعالات ورغباتها المعتدلة إلى شهوات.

شعور المرء أنه واقع تحت سلطان "المعصية" أو "الخطيئة" يغذيه بعض الأديان التي تحض على "الندم"، وذلك لكي تبقي المتدين خاضعًا لمرجعية رجال الدين الذين يحرصون على احتكار البت في مسائل الأخلاق! ومنه، فقد اعتبر اسپينوزا الندم "خطيئة" في حق الحياة الإنسانية، فقال في كتابه الأخلاق إن "النادم على ما فعل يشقى مرتين" (4: 54)، لا لأن انفعال الندم ليست له قيمة أخلاقية وحسب، بل ولأنه يخفف عن "ضمير" النادم، بإيهامه أنه أصلح خطأه، ويبقيه في حال من الغم والإحساس بالعجز وفقدان المبادرة، بما يحول بينه وبين التمتع ببهجة الحياة الحرة وفاعليتها بإرشاد من العقل، ميزان الفضيلة الحق بنظر الفيلسوف الكبير. لكن هذا الانفعال السلبي (الندم) لا يتولد أصلاً إلا كردِّ فعل على أسوأ جوانب العاطفة، حين يغالى فيها، أو تستأثر بالمعطوف عليه، أو ترتبط بمصلحة معينة (كما يبين أستاذنا ندره اليازجي)، في حين أن الواعي أبعاد العاطفة وطبيعة صلتها بالإنسان الباطن وإمكاناتها العظيمة يراها من منظار مختلف، إيجابي.

فهل لنا أن ننظر إلى ملَكات الإنسان وجوارحه من غير تحيُّز؟ يبدأ الفهم الحقيقي من خلال رصد دائم، غير منحاز، للجسم الجُرمي، بأحاسيسه، وللجسم الرغائبي، بمشاعره، وللجسم الذهني، بخواطره، وللتفاعل المتواصل بين ثلاثتها. بوسعنا عندئذ أن نرى، في آن معًا ومن غير إدانة، الجوانب الجاذبة والمنفرة عند الأصدقاء والغرباء، في الملذات (المزعومة) أو في الملمات (المزعومة أيضًا) على حدٍّ سواء – وعندئذ فقط نبدأ في رؤية الكل واحدًا غير مجزأ.

* * *

للحياة على الأرض، هي الأخرى، مظهران. ففيها الكثير الكثير من الوقائع المؤلمة: كأنْ ينقض الغراب على السنجاب ويُعمِل فيه منقاره حتى ينفق الحيوان الصغير المسكين؛ كأنْ يربض الهر أمام الفأرة، فيشلها رعبًا ويلاعبها قبل أن يقتلها؛ إلخ – وهذا كله جزء من مظاهر الحياة التي تقتات بذاتها. يقال إن البوذا عاين في شبابه أن جميع المخلوقات يقتتل بعضها مع بعض. فـ"الصراع على البقاء" (بالمعنى الدارْوني)، من جانب، يغرس في وعي المخلوقات (الغريزة) الوحشيةَ والتنافسَ وسواهما من الصفات "المكروهة" من وجهة النظر البشرية؛ ويبدو أننا، معشر الآدميين، ورثناها في جيناتنا عن أصولنا الحيوانية، حتى انتهت إلى ما يُعرف عند علماء الاجتماع بـ"الدارْونية الاجتماعية"! غير أن فيها الجانب الآخر أيضًا: جمال الطبيعة الخارق – الأزهار والنباتات والأشجار، الدواب والطيور، الأسماك والحيتان، الجبال والوديان، الأنهار والبحار، حركة الفصول، تشكيلات الغيوم عند شروق الشمس والغروب، السماء الليلية المرصعة بالكواكب والمجرات، إلخ – وهذه كلها تذهلنا عن أنفسنا حتى الانخطاف! هناك في الطبيعة جانب هو من الشساعة ومن الجمال الفائق للخيال بحيث إن منبع ذلك كله ممجد في العديد من القصائد والأناشيد الملهمة. ولما كان مظهرا الحياة هذان موجودين كليهما، فإننا إما أن نتفجع حين نبصر منظومة هي بكل هذا القهر للضعيف، وإما أن نشعر بالتسامي أمام تلك الخوارق المذهلة.

* * *

وعي الإنسان العادي، نتيجة تركيزه على الثنائية، يتنازعه هذا النوسان بين المرغوب والمكروه؛ وهذا من شأنه أن يوقعه في الحيرة واضطراب النفس. لكن الوعي المتزن راسخ في مستوى عميق يُدرَك منه كلُّ شيء بوصفه جزءًا لا يتجزأ من كلٍّ واحد غير منقسم. ذاك المستوى هو مستوى الحقيقة الكلية الذي ينعدم فيه التضاد بين الحق والباطل، بين الخير والشر، إلخ. كل ما هو حق، مطلقًا، خيِّر؛ والمطلق أبعد من مطال هذه التصنيفات الضدية الضيقة. والسير على الدرب "الشبيه بحدِّ الموسى" يعني التوجُّه الحثيث نحو عمق الوعي هذا – هو، في المآل، درب من السكينة العميقة المطمئنة التي هي أبعد ما تكون عن الهدوء السطحي القلق الكئيب.

فهل لنا أن نتعلم التقليل من تأثرنا بحركتَي الجذب والدفع اللتين تسيِّران عالم الثنائية، وصولاً إلى الاتزان الداخلي؟ والسؤال الأهم هنا هو: هل هاتان الحركتان موجودتان في العالم أصلاً، أم أنهما مجرد انعكاس للإدراك الواهم لذهن قلق منقسم على نفسه؟

سؤال نترك الإجابة عنه للقارئ…

الحرية واستئناس الرغبة - ديمتري أڤييرينوس

الأثنين, تشرين الثاني 2nd, 2009

الحرية و"استئناس" الرغبة

ديمتري أڤييرينوس

من التصورات المغلوطة السائدة في زماننا، والمولِّدة لمشكلات هائلةِ العواقب، فكرةُ أن الحرية تتوقف على الشروط الخارجية. وهذا التصور مخالف لمنظور الحكمة القديمة، كما تمثلت في تعليم المعلم الناصري الذي أشار إلى أن معرفة الحقيقة هي التي تحرِّر ("تعرفون الحق، والحق يحرركم" – إنجيل يوحنا 8: 32)، وكذلك في حكمة الهند الأقدم التي شجعت جميع الناس – حتى غير المثقفين وغير المتعلمين منهم – على تقصي طبيعة كلٍّ من العبودية (بندها bandha) والانعتاق (مُكشا moksha) وعلى الاستفسار عما إذا كان منبع الحرية يوجد في الذات أو خارج الذات. إن هذا الاكتشاف جوهري للبشرية، لكنه ليس مكسبًا من مكاسبها… لماذا؟

لأن الناس، حين يتخيلون أن مصدر الحرية يكمن في الشروط الخارجية، تراهم يتسابقون للفوز بهذه الحرية وللتمتع بها، عبر تكديس الماديات على سبيل المثال. صحيح أننا – إذا كنا ممن يفتشون عن معنى لوجودهم – سرعان ما نستبعد هذا الموقف بوصفه "ماديًّا" بحتًا، فترانا كالببغاوات نكرر أن "السعادة لا تُشترى بالمال"، لكننا قلما نحلل دوافع صاحب المال الذي يظن أنه يستطيع، بماله، أن يشتري ما يشاء: الجاه، السفر، النفوذ، وأشياء أخرى كثيرة، بما فيها الناس الذين يصيرون بنظره مجرد أشياء-وسائل لتحقيق رغباته. إن هذه الفكرة راسخة لدى أصحاب المال ولدى الطامعين إلى اكتناز المزيد منه (يقول المثل العربي: "المال يجر المال")، لكننا نعلم، بالخبرة، أن المال لا يحرر أحدًا من الجزع أو من نكبات الدهر، ولا من الخوف من التغيير أو الموت؛ صحيح أن المال قد يتيح القيام ببعض الأمور في لحظة بعينها، لكنه لا يشتري الأمان، ولا السعادة، ولا راحة البال، ولا الحب.

في موازاة هذه الأوهام الرائجة حول المال، هناك الاعتقاد بأن السلطان والنفوذ مرادفان للحرية، لأننا بهما نستطيع التسلط على الآخرين أو رمي أحدهم في السجن أو التلذذ بفكرة أننا نستطيع أن نفعل ما يحلو لنا من غير رقيب ولا حسيب. قبل انحطاط الحضارة في العالم، كان العقلاء ينصحون للناس بالتفكر دومًا في ماهية الحرية الحقيقية وبطرح وهم أن الملذات أو الأملاك أو الجاه أو النفوذ كفيلة بالحصول عليها؛ لكن انهيار الحضارة بدأ فعلاً عندما لم يعد البشر مهتمين حقًّا باكتشاف ماهية الحرية، بل اكتفوا باقتباس ما يقوله الآخرون عنها وبمحاولة الوصول إليها عبر طرق "مختصرة"!

الحرية الحقيقية حالة وجود ينعدم فيها الخوف، لا اتكال فيها على شيء ولا على أحد بتاتًا، لا يعوز فيها المرء شيء، وبالتالي لا يطلب شيئًا. في الـبهگڤدگيتا – وهي درة من درر حكمة الهند – يسأل المحارب أرجونا عمن هو "الإنسان الراسخ في الحكمة صاحب الذهن المستقر" – "الذهن المستقر" (ستهتا-پرجنا sthita-prajñā)، بمعنى الذهن الخالي من النزاع تمامًا، غير المتأثر بالشروط الخارجية ولا بالضغوط النفسية للمجتمع –، فيجيبه كرشنا، قائد مركبته، بأن مثل هذا الحكيم لا يتأثر بشيء لأن ذهنه حرٌّ من كل رغبة (2: 54-55). ذلكم هو لب المسألة: حين تُستأنَس الرغبةُ الرعناء، لا في الأشياء المادية وحسب، بل وفي الأمور "الروحية" المزعومة أيضًا، وبعبارة أخرى، حين تكف الرغبة عن الاستبداد بحياتنا، تتحقق الحرية الداخلية من تلقاء ذاتها، وذلك لأنها حالة وجودنا الطبيعي الأصلي قبل أن يحتجب بغيوم الرغبات المتناقضة.

فهل يتعين علينا أن نتحرر من الرغبة حتى في الأمور "الروحية"؟ جزمًا نعم، لأن الرغبة الرعناء أشبه بالحجاب، كما أشرنا؛ إنها تبلبل الإدراك، فتعيق اختبار ما هو روحي حقًّا. الرغبة في الروحانيات، حين تتأسس على تصورات مغلوطة، تؤدي لا محالة إلى طريق مسدود. في كتاب نور على الدرب الذي أملي على ميبل كولنز مقطع مجازي مؤثر حول تفتُّح زهرة الإدراك بعد خوض معارك عديدة والانتصار فيها؛ إنه تفتُّح النفس التي تدرك، فجأة، طبيعتها الأصلية. ولكن، هل بمستطاعنا أن نحيا من غير أية رغبة بتاتًا؟ قطعًا لا، لأن الرغبة هي الدافع الأصلي إلى الحياة، وهي التي تعرِّف بطبيعة الإنسان، كما يؤكد شوپنهاور؛ إنما من الممكن استئناس الرغبة – "أنسنتها"، إذا جاز التعبير – بالفحص عن محتويات ذهننا، باكتشاف وَقْعها على حياتنا، وبالكف عن إمداد الرغبة بالوقود الناتج عن تماس الذهن الجشع مع موضوعات الحس (البوذا).

يُعتبَر الشعور الديني العميق حقيقيًّا عند التخلي عن الرغبة الشخصية، أي حين لا يطلب المتدين شيئًا لقاء شعوره؛ إن ذهنه يرغب عن جميع الأشياء الملذوذة، وبذلك يستودع الحياة ثقته المطلقة. عندئذ، فإن التخلي يتضمن نهاية الرغبة في إحراز النجاح، في التفوق على الآخرين، في إنجاز تغييرات، إلخ. وهذه الحالة، خلافًا لما يُظن، ليست حالة سلبية، ليست العزوف عن الرغبة في الحياة، بل حالة تيقُّظ وانتباه دائمين. وهذا، بالطبع، لا يفترض أن نتخلى عن التقيد العفوي بحسِّ الاستقامة ولا عن ضرورة التزام قيم نبيلة عالية، بل يعني بالأحرى أننا لا نطلب شيئًا لأنفسنا: لا الرضا ولا النجاح ولا… إلخ.

حين تنفتح "أبواب الإدراك" the doors of perception (وليم بليك) فإن النور الذي نختبر وجوده في داخلنا يكشف لنا أنه ليس ثمة شيء علينا أن نحققه بأنفسنا لأنفسنا: كل شيء جزء لا يتجزأ من الكل، وفكرة أن "علي أن أنجز" أو "علي أن أحقق، وعندما يتم لي ذلك (في مستقبل افتراضي) سوف أساهم في نجاة العالم" تتلاشى عندئذ من الذهن من تلقاء ذاتها.

حسبنا أن نتفكر قليلاً لكي ندرك أن ما من شيء حقيقي يستطيع شخص أن ينجزه بمفرده؛ فنحن جميعًا جزء لا يتجزأ من حركة كلية غير منقطعة، والحاجات التي يجب علينا تأمينها تتيسر لنا وحدها حين تُلبى الشروط المطلوبة. حتى تبقى مياه النهر صافية لا بدَّ لكل قطرة من أن تكون نقية، لكن القطرة الواحدة ليس بمقدورها أن تروي الأرض ولا أن تزودها بالخصوبة؛ بالمثل، فإن مهمة كلٍّ من القطرات الصغيرة التي تؤلف تيار التطور الكوني هي جزء من مهمة كلية ليس للنجاح الشخصي من قيمة فيها أو أهمية تُذكَر.

حال الحرية الداخلية حال سعادة حقيقية ومنبع لعلاقات مُحبة مع الطبيعة، أمِّنا جميعًا، ومع البشر، إخواننا في الإنسانية. وفي حياتنا اليومية، علينا أن نتعلم أن النزاعات التي يسببها القلق أو الخوف – على مستقبلنا، على صحتنا، على ما سيكون عليه أولادنا أو أحفادنا أو ممتلكاتنا، إلخ – تحول دون تحقيق الحرية. علينا أن نعي بأننا لا نستطيع أن نفعل شيئًا في سبيل هذا المستقبل – الأمر الذي لا يحول، بالطبع، بيننا وبين إرسال أبنائنا إلى مدرسة جيدة أو كتابة وصيتنا! فالمقصود هو وجوب وعينا بأن حرصنا على رؤية الأشياء تجري على هوانا أو بحسب تصوراتنا المسبقة لا جدوى منه، بل من شأنه أن يعكر صفو أذهاننا. (القلق، على سبيل المثال، لن يجعل الطائرة تصل في موعدها المقرر ولن يمنع وقوع حادث سير إذا كانت أسبابه قائمة.) ومنه، يقال إن الجزع والقلق والخوف عقبات على درب التحقق الروحي. لعلنا لا نجرح الآخرين حين ينتابنا قلقٌ على الأمور الصغيرة، لكننا إذا رصدنا نفوسنا رصدًا موضوعيًّا، تبين لنا أن الجزع والقلق والرغبة في رؤية الأشياء تجري وفقًا لأهوائنا وتمنياتنا تستعبدنا وتحرمنا من الحرية. وفي الحاصل، ليس بإمكاننا أن نفعل إلا ما بوسعنا وحسب. فإذا رسخ هذا الموقف في نظرتنا إلى أمور الحياة ككل، هدأ بالنا واستتب السلام في قلوبنا.

الحياة أشبه بالكاليدوسكوپ. إننا، بأفعالنا ومشاعرنا وأفكارنا، نولِّد روابط كَرْمية (من كرما karma، قانون السببية الكوني)، وترانا، تقمصًا بعد تقمص، جيلاً بعد جيل، نعاود عقد الصلات مع الناس الذين نعرفهم. لكننا إذا سعينا في الاقتصار على نمط بعينه من العلاقات، فإن كاليدوسكوپ الحياة لن يتيح لنا ذلك: فحتى حين نحرك الكاليدوسكوپ تحريكًا طفيفًا وحسب، تتغير الصورة التي نراها، وإنْ تكن القطع المتحركة هي نفسها لم تتغير – وكذا هي الحياة: فالتعلق والرغبة في استمرار علاقات بعينها على ما هي عليه يشوشان الذهن ليس إلا؛ أما الحرية الداخلية فتعني قبول التغيير. فالحرية لا تأتي من هذا أو من ذاك أو من ذلك؛ الحرية الحقيقية حالة تستعيد فيها الرغبة براءتها الأصلية. "المعركة" التي يذكرها نور على الدرب عبارة عن استئناس للرغبة، أيًّا كان المظهر الذي تتخذه، بالرصد الدءوب والتعلم المستمر والفهم العميق؛ وكل جولة من جولات هذه "المعركة" نتصالح فيها مع الرغبة – نستأنسها – تيسر نمو النفس وتفتُّحها عن ممكنات لا تنتهي.

فلنعد إلى ما قلناه في بداية هذه الافتتاحية: الحرية تُكتشَف ولا تُكتسَب!

العمل الداخلي والعمل الخارجي - ديمتري أڤييرينوس

الأثنين, تشرين الأول 12th, 2009

العمل الداخلي

والعمل الخارجي

ديمتري أڤييرينوس

أسوأ الأزمنة أفضلها.
تشارلز ديكنز

مَن يرَ اللاعمل في العمل والعمل في اللاعمل
– ذاك المرء حكيم بين البشر: إنه واحد في
ذاته [يوگي] وقتما يؤدي العمل على التمام.
مَن يتخلَّ تمامًا عن التعلق بثمار أعماله، راضيًا
أبدًا، حرًّا من كل اتكال، – ذاك المرء، مع أنه منخرط
بكلِّيته في العمل، لا يعمل في الحقيقة شيئًا.

بهگڤدگيتا، 4: 18، 20

عالم اليوم من الاختناق بالجهل والتعصب والحقد والعنف بحيث يبدو للناظر، للوهلة الأولى، أنه مُعاصر لـ"أسوأ الأزمنة". غير أن الظلمة، حين تحْلَوْلِكُ، فهي مناسَبة مثلى يغتنمها طالبُ الحق للإصرار على وفائه للحقيقة – تلك الحقيقة التي مافتئت بمنزلة الشمس من حياتنا والتي يحتجب نورها (أو يبدو كأنه يحتجب) من جراء أوهامنا الأنانية، لكنه لا ينطفئ أو يخبو أبدًا. فالسحُب التي تحجب نور الشمس زائلة لا محالة، وسرعان ما يسطع هذا النور فيبددها ويبث الحياة والحركة في الموجودات كافة. إن إخلاصنا للحقيقة يتشدد بمعرفة الطبيعة الزائلة للظلمة والطبيعة الدائمة للحقيقة – معرفتنا الاختبارية الفعلية، لا الذهنية. لذا فإن أسفار الأوپنشاد تقول بأن الحق وحده ينتصر في النهاية، وليس الوهم. جاء في الـبرهَدارنْيَكا أوپنشاد:

من الوهمي قُدني إلى الحقيقي
من الظلمة قُدني إلى النور
من الموت قُدني إلى الخلود

تبدو قوى الظلمة، في زماننا، من القوة والهول بحيث إن الطالب الجدي حتى يميل إلى الشعور بأن عمله غير فعال. لذا لا بدَّ للمرء من التفكر في الأمر كل يوم ومن تذكير نفسه بأن الوهم لا يستطيع أبدًا أن ينتصر على الحق. هل هذا من قبيل التمني وحسب؟ جزمًا لا عند الطالب الذي استيقظت بصيرته عبر الانتباه والتعلم الدائمين وعبر درس الحكمة الخالدة Philosophia Perennis المتمثلة أساسًا في معرفة النفس.

إن أحد أوجُه مهمة مدرسة روحية حقيقية هو صون البصيرة الحية بوجود حقيقة أوسع من نطاق الفكر المحدود – صونها بأحداق العيون! – وشحذ الذهن بالإيمان بالمعنى الروحي للكلمة، – الإيمان الذي "ينقل الجبال"، على حدِّ قول المعلم الناصري، – لا بمجرد الاعتقاد الفكري الببغائي المحدود. يقول ألدوس هكسلي في روايته الرائعة جزيرة:

الإيمان شيء مختلف جدًّا عن الاعتقاد. الاعتقاد أخذٌ منهجيٌّ مبالَغ فيه لكلمات غير محلَّلة على محمل الجد. [...]
الإيمان، على العكس، لا يمكن أن يبالَغ أبدًا في أخذه على محمل الجد. فالإيمان هو الثقة المبرَّرة تجريبيًّا بقدرتنا على معرفة مَن في الواقع نحن. [...] إيمانَنا كفاف يومنا أعطِنا اليوم، لكنْ نجِّنا، اللهم العزيز، من الاعتقاد.

فبإبقاء هذه البصيرة متقدةً، وبالثبات على هذا الإيمان الحي، تنبجس الطاقة الروحية الضرورية للعمل على صعيد الخارج، بكل التناغم والفرح الناتجين عنه.

إنه لميل شائع أن يُظن بأن العمل على الصعيد المادي وحده فعال؛ إذ كثيرًا ما نميل إلى تناسي أن جميع الأفعال والمبادرات المادية ليست إلا انعكاسًا للطاقات النابعة من المستويات الباطنة، غير المرئية، للوجود. لذا فإن الـبهگڤدگيتا تنصح بفحص متأنٍّ عن الدوافع والنوايا الخفية بقصد التمييز بين العمل والقعود عن العمل. قد يظهر العمل بمظهر القعود عن العمل أو العطالة، حتى اللحظة التي يتخذ فيها شكلاً ملموسًا ويؤثر في الحياة المادية. فلا ننسينَّ أن بذرة العمل الخلاق كثيرًا ما تبقى كامنة في الوعي قبل أن تنتش، شأنها شأن الموسيقى الرفيعة التي يجب أن تسبقها إبداعات متناغمة في دخيلة وعي الفنان نفسه قبل أن تستطيع الأذن المادية سماعها.

إن تفعيل الطاقة على الصعيد الداخلي من أجل تحييد شروط العالم الحالي المزرية يجب ألا يشبه نوعًا من الهروب إلى عالم مثالي من ابتداع شطحات الفكر وشرود المخيلة. فهذا، في كل مدرسة روحية جديرة بهذا الاسم، يجب أن يكون مركوزًا في القلب من العمل: توليد طاقات داخلية تتصف بصفات الحكمة والمحبة والغيرية، لا "تحيِّد" شروط العالم تلك، بل بالأحرى تستفيد منها. وحين يتم هذا العمل بصدق تزهر النتائج على صعيد الخارج وتثمر.

لقد طال الوقت بالأجيال الحديثة للاعتراف بأن المحبة تحث النباتات على النمو والأبقار على درِّ اللبن والناس على الابتسام. فحين يوجد المناخ الصحيح يزهر الفرح والجمال – ابنا المحبة – على الصعيد الخارجي ويتفتحان في القلوب. ورويدًا رويدًا، مع العمل الدءوب عبر العالم، تتضافر القوى الروحية المنبثقة من المستويات العميقة للوجود ويعزز بعضها بعضًا، مثل السواقي يندمج بعضها في بعض لتشكيل نهر عظيم.

التوازن ضروري لعمل الخير. وهذا التوازن يتضمن توازنًا بين العمل الداخلي والعمل الخارجي. فحين يبالَغ في الاهتمام للعمل الخارجي، وذلك بالإعلاء من شأن المردود من أجل المردود، قد ينتهي بنا الأمر إلى العمل كأية شركة أو مؤسسة دنيوية فعالة – ليس بالقدر نفسه من الكفاءة، لكن بالطموح إلى الاقتراب من هذا الهدف. وعندئذ لا يتورع الناس عن الصعود على أكتاف بعضهم بعضًا حبًّا بالظهور وعن تجاهُل مشاعر بعضهم بعضًا وإسهاماتهم. لكننا عاينَّا بالفعل أن هذا النمط من السلوك الذي يشدد على المردود ويستمد فخرًا من الكفاءة والفعالية، بصرف النظر عن الدوافع والنوايا، هو سلوك غير فعال في النهاية لأنه، بتجاهله المشاعر الإنسانية، يعرقل أي تعاون حقيقي.

من ناحية أخرى، فإن التشديد على الأوجُه الداخلية للعمل وحدها، من غير اعتبار للتوازن المذكور أعلاه، من شأنه أن يعزل الفرد و/أو الجماعة عن باقي العالم. ومنه الإخفاق الذريع في تبليغ منظور جديد إلى الحياة إلى جماعات أوسع من الناس: عندئذ يجد الطلاب الباب موصدًا دونهم ويعودون أدراجهم خائبين. المطلوب، إذن، هو التوازن – على ألا ننسى أن الاختبار على الصعيد العملي يفقد معناه الحقيقي ما لم يتجذَّر في التحقق الداخلي أولاً بأول.

على كل ما نعلم ونتعلم أن يوضع على محكِّ العلاقة مع الخارج؛ وإلا فإنه يتبدد ويذهب أدراج الرياح، والفطنة المكتسبة تعدم أي عزم أو تأثير. فقط عندما نستطيع مجابهة تحديات محيطنا الخارجي المباشر يصير بوسعنا أن نستجيب لتحديات العالم الكبرى إجمالاً. وبالتالي، فإن على العمل الداخلي والعمل الخارجي، البصيرة الداخلية والعلاقة مع الآخرين، التأمل والخدمة، أن تترادف مَثنى مَثنى.

فلنعد إلى ما استهللنا به هذه الافتتاحية الموجزة: الأزمنة الصعبة هي خير الأزمنة لمن نذروا أنفسهم للحياة الروحية، أي لخدمة الإنسان في الإنسان. فالعالم كما هو عليه تحدٍّ لا يهادن ولا يلين لسعينا في تحقيق الحكمة والرحمة وفي وضع القيم الأزلية موضع التطبيق في حياة كل يوم؛ ولا مناص لمن يأخذ هذا التحدي مأخذ الجد من أن يستجيب له بكل قواه – وإلا فإن البشرية مواصلةٌ سيرها حتمًا نحو كارثة عالمية ماحقة.

لماذا “معابر”؟ - ديمتري أڤييرينوس

الجمعة, حزيران 5th, 2009

لماذا "معابر"؟*

ديمتري أڤييرينوس

لماذا مجلة جديدة؟ ولماذا مجلة جديدة على الـInternet حصرًا؟ ألا يلبي الحشد الحالي من المطبوعات الصادرة دوريًّا بالعربية، من المحيط إلى الخليج، الحاجات الثقافية والفكرية للمثقف العربي؟ ألا تكفي الصحف والمجلات الحالية لـ"تنوير" القارئ العربي وإحاطته علمًا بكل ما يجري في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة في البلدان العربية وفي العالم، ولاستيعاب النتاج "الإبداعي" للأدباء والمفكرين العرب؟ أي خطاب يمكن أن يكون لدى فريق معابر (على افتراض أن لديهم خطابًا ما أصلاً)، وبم يختلف خطابهم عن الخطابات المطروحة حاليًّا في "سوق الفكر"؟

لسنا هنا في صدد تقديم بيان نظري حول المنحى الفكري والثقافي الذي يتبناه لفيف من الأصدقاء المتقاربين في أشواقهم وتطلعاتهم الإنسانية والروحية – على اختلافهم في قليل أو كثير من التفاصيل؛ كما أننا لسنا نزعم أن كل مَن شارك أو سيشارك في معابر سوف يتبنى هذا المنحى بحذافيره. كل ما يمكن لنا قوله هو أن معابر وليدة حاجة قديمة، عميقة لدى فريقها الحالي، إلى التواصل مع "الآخر"، المختلف بالضرورة، وإلى مشاركته خلاصة تأملاتهم وتبصُّراتهم ورؤاهم وفهمهم المتواضع للحياة بأبعادها كافة: السياسية (بالمعنى الأرسطي النبيل) والاجتماعية والثقافية والروحية إلخ، دون أي ادِّعاء بامتلاك الحقيقة، ولا حتى على الصعيد النسبي، وبالتالي، دون أية رغبة في الإقناع من أي نوع.

* * *

لقد وجد كلٌّ من هؤلاء الأصدقاء نفسه ذات يوم، وقد أراد أن يحقق إنسانيته، ضائعًا وسط حشد هائل من المتناقضات، عاجزًا عن الاستيقان من كل ما يطوِّقه من أفكار ومعتقدات ومذاهب ومناهج. لقد كان كل منهم – على اختلاف الخبرات والتجارب الفردية التي خوَّض فيها –، كلما تبيَّنت له معالمُ طريق ما، سرعان ما يتحول عنه، إذ لا يجد فيه، في التحليل النهائي، إلا التحجر والانغلاق والتعصب.

يومئذٍ، أدرك هؤلاء، كلٌّ بطريقته، علَّة مأساة الإنسان، وعرف أن الإنسان غالبًا ما يستسهل تقييد نفسه بالمعتقدات والمذاهب التي ينشأ عليها، ويستعذب الجمود في قوالب جاهزة تعفيه من مجهود التفكير الإبداعي ومن مشقة الاختبار الفردي. يُشرطه المجتمع (طائفةً أو فئةً أو طبقة) بأحكامه وبالتربية الخاضعة لهذه الأحكام – تلك التربية الرهيبة المدمِّرة التي تبذر في الإنسان، منذ الصغر، كل الأنا المنتفخة للمجتمع؛ فلا يلبث، مهما كان رصيده الشخصي من انفتاح الذهن وقابليته للتفتح على إيقاعه الخاص، أن يصير حاملاً حيًّا-ميتًا لقيود مجتمعه وإشراطاته، متأهبًا، عند استنفاره، لتنفيذ أحكام الطائفة أو المذهب أو الفئة التي "ينتمي" إليها، مهما كانت تتناقض وشعورَه الإنساني العميق – حتى التدمير والقتل!

* * *

وشاهد الأصدقاء المشاركة السياسية والاجتماعية لغالبية الناس تقوم، في ذروتها، على تفويض الوهم الذي تحرص على تغذيته بخصوص مكانتها إلى أشخاص غير مسئولين غالبًا، يستهويهم "عُصاب السلطان"، فيستعملونه باسم "الأغلبية"، لا في سبيل الخير العام، بل في سبيل مصلحتهم الخاصة ومصلحة الفئة أو الطائفة أو المذهب أو اللوبي الذي يمثلون.

وشاهد الأصدقاء أيضًا فئة أخرى من البشر، وقد هالها المشهدُ المروِّع للبشرية المتخبِّطة في شقائها، تنفعل به وتشهق ألمًا. لكنها سرعان ما تحاول التملُّص من هذا الألم، أو سترَه، أو الاحتيال عليه، بالانخراط في جماعة ما ناشطة في وضع برامج للإصلاح أو التخطيط للثورة.

لقد أدرك الأصدقاء أن جلَّ ما يؤدي إليه مثل هذا الانخراط هو عزل الأفراد عن الواقع الحي، والتهدئة من روعهم، والحؤول دون وقوف كل منهم وقفة صدق مع نفسه من شأنها أن تُشعِره بحصَّته من المسؤولية عما وصلت إليه حالُ العالم ككل.

أدرك الأصدقاء، إذن، أن التماهي مع جماعة – أية جماعة – هو بمثابة "مخدِّر معنوي" (التعبير لميخائيل نعيمه) يغيِّب المشكلة نفسها، ويوهم أن الحلَّ بات "قاب قوسين أو أدنى"، فيدفع المتماهين مع عقيدة الجماعة إلى الدَّوس، بكلِّ تفانٍ وإخلاص، على كل ما و/أو كل مَن يذكِّرهم بلاجدوى مساعيهم، متدثِّرين بيوطوپياتهم، مشيِّدين الصروح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعقائدية التي يتوهمونها غير قابلة للصدأ، لكي يقفزوا منها، يومًا ما، إلى "أرضهم الموعودة". بيد أن هؤلاء، إذ يشعرون بالشك يقف لهم دومًا بالمرصاد، مختبئًا بين ثنايا حلولهم الوهمية، يبذلون ما في وسعهم لـ"تقنينه" أو يُعْمِلون أدمغتهم في ابتكار أنجع الوسائل وأسرعها لتناسيه أو الهرب منه. وهل من وسيلة للهرب من الشك أنجع من تدعيم الصرح المتداعي لليقينيات الواهية والممتلكات الزائلة والأمن المزيف؟!

هكذا خرج كل واحد من أصدقاء معابر بنتيجة مفادها أن البحث عن مخرج أو عن خلاص من هذا الوضع الاختزالي للكيان الإنساني متعذر مع بقاء هذه القيود والإشراطات، خاصة بوجود هذا السيل المتراكم من المعلومات التي تبقى للأكثرية الساحقة من البشر المصدر الرئيس لقراءة الواقع وفهمه، والتي كثيرًا ما تكرِّس الانغلاق والتعصب والتحجر.

* * *

لكن الإنصاف يدعو هؤلاء الأصدقاء إلى الشهادة لوجود "سلالة" جديدة من البشر، يتمتع بعضهم بعلم واسع، بينما لم يدخل بعضهم الآخر مدرسة – بشر بسطاء القلب، يحيون في قلب هذا العالم، لا يميِّزهم عن سواهم غير قلب نقي ووجه وضَّاح مشرق بنور الألوهة، يشعرون بألم هذا العالم شعورًا يجعلهم يغوصون فيه حتى الجذور، واعين أن ما من يوطوپيا، ما من منهج جاهز، ما من معتقد، ما من مذهب، ما من مخدِّر إيديولوجي، ما من مفرٍّ "صوفي"، من شأنه أن يروي ظمأهم إلى الفهم والعمل. وبدلاً من أن يحلموا بوصفة عجائبية تبدِّل واقع حالهم، أي ألمهم، إلى ما "ينبغي" أن يكون، أي سعادة البشرية الموهومة؛ بدلاً من أن يلجأوا إلى مثال من بنات مخيلتهم ويتعبدوا له، وبالتالي لأنفسهم؛ بدلاً من أن يندبوا مصيرهم ومصير البشرية التعس؛ بدلاً من ذلك كلِّه، يجلس هؤلاء البشر، بهدوء وبروية، ويتفكرون…

أجل، يتفكرون، منطلقين في الرحلة الكبرى، رحلة استكشاف محتويات وعيهم وجذور ألمهم، مسترشدين بمكتشفات الآخرين حينًا، متجاهلينها أحيانًا، مناقشين المذاهب كلها، والمحرَّمات كلها، والمقدسات كلها، والأنبياء والمعلِّمين كلهم، ضاربين عرض الحائط بالوصفات الجاهزة جميعًا، السياسية منها والفلسفية والأخلاقية والدينية، غير مكتفين بـ"الحقائق" الممضوغة المستهلَكة، رافضين كل سلطة – ما خلا سلطة الروح، معتذرين عن ممارسة أية سلطة – ما عدا سلطة الضمير الحي. هذه الحفنة من "المساكين"، الموسومين غالبًا بالجنون، هي "ملح الأرض"، هي خميرة عالم جديد، عالم بلا حدود، بلا مصالح، بلا طبقات، بلا عنصريات، بلا قوميات، بلا مذاهب، بلا تحزُّبات، عالم خالٍ من العنف، تبلغ فيه الإنسانية سنَّ رشدها.

ويدرك الأصدقاء، كلٌّ بخصوصيته، أنْ وحده الإنسان الواقف بمفرده، وقد نفض عنه كل أوهامه القتَّالة، عميق الثورية وعميق التديُّن، وحده الإنسان المتجرِّد من كل انتماء عقائدي ضيق، من كل تماهٍ نفسي مع الممتلكات المادية والإيديولوجية والمذهبية، إنسان قادر على المشاركة الحقيقية في خطِّ مسيرة الإنسانية. وإن البشرية اليوم، أكثر من أي يوم مضى، لفي أمسِّ الحاجة إلى مثل هذا الإنسان وإلى مثل تلك المشاركة.

* * *

ويلوح أيضًا للأصدقاء أن ميدان الحرب الممتد، بواسطة وسائل الدمار الفائقة التطور، على وجه المسكونة كله، هو محصلة الإسقاط الخارجي لصراعاتنا الداخلية، لمخاوفنا، لبحثنا عن أمان زائف، لطموحنا الذي ليس إلا اسمًا آخر للجشع، لشهواتنا التي لا تعرف الشبع، لكراهيتنا وكبريائنا وغباوتنا، إلخ – وبذلك يدركون أن كل واحد منهم مسؤول شخصيًّا عما يجري في العالم. إنهم يعون الآن أنهم، ماداموا لم يفهموا هذا المسؤولية الشاملة ويتحملوها، وماداموا لم يشعروا بما تنطوي عليه أفعالهم وخياراتهم الأنانية من نتائج، ومادامت أسس سلوكهم نفسها لم تتصدع من جراء هذا الوعي وتلك المسؤولية، فيحيوا، على هديهما، بمحبة وبفطنة – فطنة القلب، لا الذهن –، ماداموا لم يفهموا، ولم يشعروا، ولم يتحملوا مسؤوليتهم، ستبقى الأدوية كلها أسوأ من الداء نفسه!

* * *

هكذا أراد لفيف الأصدقاء، ورفاق لهم، عربًا وغير عرب، أن يُشركوا قارئهم الافتراضي في نتائج بحثهم – المؤقتة – في ميادين اهتمامهم المختلفة، من فلسفة وعلم وأسطورة وبيئة ودين وطب وشعر وقصة إلخ، محاولين، كلُّ بحساسيَّته الخاصة، أن يعبِّر عن خبرته الشخصية وذائقته الخاصة وسعيه الفردي إلى التكامل الداخلي والفهم. لكن القارئ الأريب لا بدَّ له أن يلحظ أن هناك، فيما يتعدى التعبيرات والخبرات والذائقات المختلفة، خيطًا خفيًّا ينتظم خرزات معابر، بحيث يخرج زائر الموقع بانطباع إجمالي نأمل أن يكون واحدًا – وواضحًا – يكون له زادًا على طريقه الشخصي، الفريد، في الحياة.

هذا "الخيط"، لن نحدِّده الآن، بل سنترك للزائر تلك المهمة.

* * *

أخيرًا، نجيب عن السؤال: لماذا على الـInternet حصرًا؟ – ببساطة، لأن استخدام الفضاء السيبري cyberspace يتيح اليوم حرية في الانتشار لا تتيحها الطريقة التقليدية في النشر – هذا أولاً؛ وثانيًا، لأن الإمكانات المادية للأصدقاء لا ولن تسمح لهم بأكثر من هذا، في المستقبل المنظور على الأقل.

* * *

يبقى أن نشكر الأصدقاء والرفاق الذين أسهموا بجهدهم الفكري والفني في إخراج هذا الإصدار إلى النور، ولاسيما الصديق أكرم أنطاكي الذي تجشم بمحبة مشقة بناء الموقع نفسه.


* افتتاحية إصدار معابر (www.maaber.org) الأول، تشرين الثاني 2000.