Archive for the ‘كريشنامورتي’ Category

الذهن والفطنة - ج. كريشنامورتي

الأحد, آب 8th, 2010

الذهن والفطنة*

krishnaji_6

ج. كريشنامورتي

نحن نتحادث حول طبيعة الذهن وقدراته الخارقة. إذ مافتئنا، نحن البشر، طوال الآلاف تلو الآلاف من السنين، نختزل هذه القدرة إلى حقل ضيق ومحدود للغاية. لقد اخترعت هذه الطاقة الذهنية الهائلة أشياء مدهشة من الناحية التكنولوجية: لقد ذهب الناس إلى القمر، واستكشفوا أعماق البحر، واخترعوا أكثر الأشياء شيطانية؛ وقد جلبوا كذلك منافع جمة في مجال الطب والجراحة. لكن هذه الطاقة الهائلة مافتئت تقلَّص، يُحدُّ منها، يضيَّق عليها، حتى باتت حياتنا أساسًا – إذا رصدها المرء عن كثب – حقل صراع، حقل نزاع، منطقة يتعادى فيها البشر، يدمرون بعضهم بعضًا؛ وهم لم يدمروا بشرًا وحسب، بل تراهم يسخِّرون الأرض والبحار أيضًا. فعل سخَّر يعني استخدام الآخر قهرًا للمنفعة الشخصية. وهذا التسخير يستمر في كل حقل من حقول الحياة.

ويتساءل المرء لماذا يعيش البشر بالطريقة التي نعيش بها: العراك، النزاع، البلبلة، البؤس التام والأسى، واللذة والأفراح التي سرعان ما تتلاشى. ترانا متروكين صِفْر الأيدي، مريرين، متهكمين، لا نؤمن بشيء، أو نلوذ بالتقليد. ولكن حتى ذلك التقليد بات الآن يفقد إحكام قبضته؛ وإذا اتفق لك أن ترصد عن كثب شديد، لرأيت الذهن يعيش الآن، ليس فيزيائيًّا وحسب بل أكثر بكثير نفسانيًّا، على الشروح والكتب والأسفار المقدسة، كالتوراة والإنجيل والقرآن. فماذا يحدث لذهن يعيش على الكتب، ليس في المدارس والمعاهد والجامعات وحسب، لكنْ دينيًّا أيضًا؟ (أستعمل كلمة ديني هنا بالمعنى العادي للكلمة.) عندما يعيش المرء حسب الكتاب، تراه يقتات بالكلمات، بالنظريات حول ما سبق للآخرين أن قالوه. وعندما يعيش المرء على هذا النحو، لا بدَّ للتدهور أن يقع حتمًا. تراك تعود إلى الكتاب، كما تفعل الأديان المنظمة، وتستعمله بوصفه مرجعية – فظة، عقائدية، قاسية، مدمرة. تراك تعيش حسب الكتاب، حسبما قاله الآخرون وقبلتَه: الشروح، والشروح على الشروح، إلخ إلخ إلخ! وعندما تواجه هذه الحضارةَ، التي مضى على وجودها ربما ثلاثة آلاف سنة أو تزيد، أزماتٌ، فإنها تنهار. يقع التدهور والفساد على جميع أصعدة الحياة – گورو [المعلمون الروحيون] العصر الصناعي، رجال السياسة، رجال الأعمال، رجال الدين – والصرح برمته ينهار.

لقد سأل المرء مختلف الناس عن سبب هذا التلف، هذا التدهور، ولم يجد عندهم أي جواب حقيقي. إنهم يعطونك أمثلة على التدهور، لكنْ على الرغم من أن المرء ناقش الأمر مع مختلف الپانديت [الأساتذة] والاختصاصيين والعلماء، لا يبدو عليهم أنهم وجدوا جذر هذا التلف. لا أدري إنْ كنتم قد فكرتم في الأمر. فإذا كنتم خصصتموه شيئًا من التفكير الجدي، ألا يصح القول إنكم عشتم على أفكار غيركم من الناس، مذاهب غيركم من الناس، معتقدات غيركم من الناس؟ وإذن، فالنتيجة، على ما يبدو، هي أنك حينما تعيش حياة مستعمَلة – حياة قائمة على الكلمات والأفكار والمعتقدات – فإن ذهنك، كلية ذهنك، تضمر بطبيعة الحال. وبكلمة ذهن هذه نعني جميع الحواس الفاعلة بردود فعلها العصبية، جميع الانفعالات، جميع الرغبات، المعرفة التكنولوجية، وتنمية الذاكرة، وهي مقدرة التفكير تفكيرًا واضحًا أو مشوشًا.

ما انفك الذهن يطلب تلك الجرثومة التي زرعها الإنسان منذ قديم الزمان والتي لم تتفتح قط: بذرة التدين الحقيقي تلك. فمن دون ذاك النوع من الدين لا يمكن لأي حضارة جديدة أو ثقافة جديدة أن تكون. قد تنوجد منظومات جديدة، فلسفات جديدة، بنى اجتماعية جديدة، لكنْ سيظل النموذج نفسه مكرَّرًا من جديد المرة تلو المرة تلو المرة.

فماذا سنفعل إذن؟ أنت، بوصفك إنسانًا يحيا على هذه الأرض الرائعة، بجبالها ومناظرها الطبيعية البديعة، ببحارها ومياهها… (وهذا ليس شاعرية، فأنا أشير إلى الأمر فقط.) ماذا بوسعنا أن نفعل معًا لنخترق هذا الوضع؟ أي لئلا نخلق منظومات جديدة: منظومات اجتماعية جديدة، مذاهب دينية جديدة، جُمَلاً جديدة من المعتقدات والمُثُل والعقائد، طقوسًا جديدة، لأن تلك اللعبة نفسها مافتئت تُلعب من جديد المرة تلو المرة. إن إحداث عالم مختلف – إذا كنتم جديين أصلاً – يتطلب إيجاد صفة الطيبة. كلمة طيب تعني الكلية، عدم التفتت، عدم التجزؤ؛ الإنسان الطيب يتضمن انعدام حس التجزئة فيه: إنه في ذاته تام، كلي، من غير أي حسٍّ بالنزاع.

نحن نستكشف معًا الشيء الذي هو أزمتنا الحالية – لا الأزمة الاقتصادية أو الاجتماعية وحسب، بل الأزمة في وعينا، في كياننا بالذات، لا أزمة منظومة جديدة، لا أزمة الحرب، إلى آخر ما هنالك من أزمات. إنها أزمة في كيان البشرية بالذات. وبأي وسيلة يمكن لهذا الوعي أن يتحول؟

ما الذي سيجعلك تتحول؟ أهي أزمة؟ مصيبة تحل بك؟ الأسى؟ الدموع؟ لقد حدث ذلك كله، في أزمة تلو الأزمة. لقد ذرفنا الدموع بلا انقطاع، وما من شيء يبدو أنه يغير ما بالإنسان لأنكم تتكلون على سواكم للقيام بالعمل: على سادتكم، معلميكم [گورو]، كتبكم، أساتذتكم، على أصحاب النظريات الجديدة من أناسكم الأذكياء الماكرين. لا أحد يقول: "سأحاول أن أكتشف بنفسي." فمع أن تاريخ الجنس البشري برمته موجود فينا، ترانا لا نقرأ كتابنا أبدًا! كل شيء مدون فيه، لكننا لا نكلف أنفسنا المشقة أو نتجمل بالصبر والتقصي الدؤوب. ترانا نفضل أن نعيش في هذه الفوضى، في هذا البؤس.

فماذا سيجعلك تتغير؟ رجاءً، اسألْ نفسك هذا السؤال،احترقْ به، لأننا وقعنا أسرى العادة. بيتك يحترق، لكنك على ما يبدو لا تبالي. فإذا لم تتغير، سيبقى المجتمع على ما هو عليه. والناس الأذكياء يُقبلون قائلين إن على المجتمع أن يتغير، ما يعني بنية [اجتماعية] جديدة؛ والبنية عند ذاك تصير أهم من الإنسان، كما برهنت جميع الثورات.

بعد النظر في هذا كله، هل ثمة تعلُّم، هل ثمة يقظة للفطنة، هل ثمة حسٌّ بالنظام في حياتنا، أم ترانا سنعود إلى الروتين نفسه؟ إذا كانت عندكم تلك الفطنة، تلك الطيبة، ذاك الحس بالمحبة العظيمة، إذ ذاك ستبدعون مجتمعًا جديدًا رائعًا تحيون فيه جميعًا حياة سعيدة. الأرض أرضنا، وليست الأرض الهندية أو الأرض الإنكليزية أو الأرض الروسية؛ إنها أرضنا التي بوسعنا أن نحيا عليها حياة سعيدة، ذكية، من غير أن نحز رقاب بعضنا بعضًا! رجاءً، إذن، هَبْ قلبك وذهنك لتكتشف لماذا لا تتغير – حتى في الأمور الصغيرة. رجاءً، تنبَّهْ لحياتك. عندك مقدرات خارقة، وكلها بانتظار فتحك الباب.


* From the transcript of the tape recording of the third public talk in Madras, 29 December 1979, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

الذهن الديِّن والجمال - ج. كريشنامورتي

الخميس, آب 5th, 2010

الذهن الديِّن والجمال*

krishnaji_5

ج. كريشنامورتي

الاتصاف بذهن ديِّن يتطلب أو يقتضي الجمال أولاً. والجمال ليس في شكل بعينه – في وجه جميل، في أسلوب عيش جميل، إلى آخره. فما هو الجمال؟ من دون ذاك ما من حقيقة ثمة، ما من محبة؛ من دون الجمال ما من حسٍّ خُلُقي. فالجمال بحدِّ ذاته هو الفضيلة. سنتقصى الآن معًا ماهية الجمال. قد يصوغه المتكلم في كلمات، لكن عليك أن تتحمل مسؤولية تقصِّي ماهية الجمال بنفسك.

هل الجمال في لوحة، في منحوتات المصريين والإغريق القديمة الرائعة، أم في المهيشامورتي[1] في بومباي، إلى آخره؟ ما هو الجمال؟ وما معناه بنظرك؟ هل هو الثوب مع الزركشة الجميلة للساري[2]، أو السماء الجميلة في المساء أو الصباح الباكر، جمال الجبل والحقول والوديان، جمال المروج والسواقي، جمال عصفور أو الأشجار القديمة الرائعة؟ ومنه، هل يتوقف الجمال على ثقافة معينة أو تراث بعينه؟ لنسَّاجي الهند تراث تناقلوه؛ إنهم ينتجون أقمشة وتصاميم رائعة. فهل ذاك هو الجمال؟ أم أن الجمال شيء مختلف كليًّا؟

تمثال شيڤا مهيشامورتي (المثلث الوجوه) الشهير، كهوف إليفانتا، الهند.

حين ترصد جبالاً عظيمة ذات ثلوج أبدية وأودية عميقة، هيئةَ جبل شامخ، جليل، على خلفية سماء زرقاء، حين تدرك ذاك للمرة الأولى أو للمرة المئة، ماذا يحدث فعليًّا؟ ماذا يحدث حين ترى النهر في ضوء الصباح، والشمس طالعة لتوها، راسمةً سبيلاً ذهبية على طول المياه؟ حين تنظر إلى المشهد، ماذا يحدث؟ أتراك تردد منترا[3] ما، أم أنك مؤقتًا صامت تمامًا؟ جمال ذاك الضياء على الماء ينحِّي جميع مشكلاتك، جميع همومك، كل شيء آخر، بضع ثوان أو بضع دقائق أو ساعة، ما يعني أن الذات ليست موجودة: الذات، النشاط الأناني المتمركز على الذات، الاهتمام الذاتي – هذا كله يطرده الجمال العظيم لغيمة مليئة بالضياء والجلال، وفي تلك اللحظة تغيب الذات. ومنه، ألا يوجد الجمال حين تنعدم الذات؟

لا توافقوا على ذلك أو تومئوا برؤوسكم فتقولوا: "إنه مصيب تمامًا، ما أروع ما يقول!"، ثم تستمروا بعدئذ في أنانيتكم واهتمامكم الذاتي وتتكلموا حسب المنطق الرمزي أو نظريًّا على الجمال. فالجمال شيء يجب أن يُدرَك، لا أن يُختزَن في الذهن بوصفه ذكرى. ومنه، فإن الجمال شيء أبْطَن بكثير، أعمق وأوسع بكثير من مجرد صورة أو نقش أو وجه حسن أو آداب سلوك كيِّسة. هناك جمال فقط حين تنعدم الذات. وذاك هو أول شيء مطلوب لفهم ماهية الذهن الديِّن.

ويجب على متقصِّيه أيضًا أن يكون دماغًا شاملاً، وليس دماغًا ضيق الأفق، طائفيًّا، محدودًا. عليه أن يتفهم المشكلة الإنسانية الهائلة المعقدة: أي أن يكون ذهنًا كلانيًّا، دماغًا يحيط بكلية الوجود، لا بوجودك الخاص، بمشكلاتك الخاصة، لأنك حيثما ذهبت، سواء في أميركا أو في أوروبا، في الهند أو في آسيا، ترانا نحن البشر نتألم… نحن مستوحشون، جزعون، خائفون، نطلب الراحة، تعساء، مكتئبون، ساخطون، مع شيء من الفرح أو اللذة من حين لآخر، إلى آخر ما هنالك.

إن دماغًا كلانيًّا دماغ يهتم للإنسانية ككل، لأننا جميعًا متشابهون. ولا بدَّ لنا كذلك من أن نكتشف بأنفسنا ماهية العلاقة بين الطبيعة وبين كل واحد منا – فذاك جزء من الدين. قد لا توافقون، لكنْ انظروا في الأمر، توغلوا فيه. هل أنت على علاقة أصلاً مع الطبيعة، مع الطيور، مع ماء ذلك النهر؟ الأنهار كلها مقدسة، لكن تلوُّثها يتفاقم تفاقمًا خطيرًا: قد تدعوه الغانج أو الثيمس، النيل أو الراين، الميسيسيپي أو الڤولگا. فما هي علاقتك بذاك كله؟ – بالأشجار، بالطيور، بالأشياء الحية كلها التي ندعوها الطبيعة. ألسنا جزءًا من ذاك كله؟ ألسنا البيئة إذن؟ أتساءل إنْ كنت أتفوه بهراء، وأنتم تكتفون بالاستماع عَرَضًا. هل يعني هذا كله شيئًا بنظركم، أم أني غريب آتٍ من المريخ يتحدث عن شيء لا علاقة لكم معه البتة؟ هل يعني شيئًا ما؟ الأمر عائد إليكم.

راجگهة، 12 تشرين الثاني 1984


* From the transcript of the tape recording of the second public talk at Rajghat, 12 November 1984, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

[1] تمثال للإله شيڤا (مهيش) مثلث الوجوه (كهوف إليفانتا، قرب بومباي) يُعَدُّ من قمم النحت الهندي الكلاسيكي. (المحرِّر)

[2] الثوب التقليدي للنساء الهنديات. (المحرِّر)

[3] مقطع لفظي أو كلمة أو جملة ذات مفعول، الغاية من ترداده استحضار قوة إله معين. (المحرِّر)

فقدان الصلة مع الطبيعة - ج. كريشنامورتي

الثلاثاء, آب 3rd, 2010

فقدان الصلة مع الطبيعة*

من يوميات كريشنامورتي

krishnaji_2

4 نيسان 1975

إذا فقدتَ الصلة مع الطبيعة، فقدتَ الصلة مع الإنسانية. إذا انعدمتْ علاقتُك مع الطبيعة، صرتَ عندئذ قاتلاً؛ لذا تراك تقتل صغار الفقمة والحيتان والدلافين والإنسان، إما طلبًا للربح، "للرياضة"، للطعام، وإما طلبًا للمعرفة. إذ ذاك، ترتعب الطبيعة منك، فتسحب جمالها. قد تتنزه نزهات طويلة ماشيًا في الحراج أو تعسكر في أماكن بديعة، لكنك قاتل، فتفقد صداقتها. ولعلك لست على تواصُل مع أي شيء، لا مع زوجتك ولا مع زوجك؛ فأنت أكثر انشغالاً بربحك وخسارتك، بخواطرك وملذاتك وأوجاعك الذاتية الخاصة، من أن تتواصل. تراك تعيش في عزلتك الذاتية المظلمة؛ وفي الهروب منها المزيد من الظلمة. اهتمامك منصبٌّ في بقاء طائش قصير الأمد، سلس أو عنيف. والآلاف يموتون جوعًا أو يُجزَرون بسبب انعدام مسؤوليتك. تراك تترك ترتيب العالم للسياسي الكذاب الفاسد، للمثقفين، للخبراء. ولأنك عديم الذمة، تراك تبني مجتمعًا فاسقًا، عديم الشرف، مجتمعًا قائمًا على الأنانية المطبقة. وعند ذاك تهرب من هذا كله، الذي تتحمل وحدك مسؤوليته، إلى الشواطئ، إلى الحراج، أو تحمل بندقية على سبيل "الرياضة"!

قد تعرف هذا كله، لكن المعرفة لا تُحدِث فيك تحولاً. أما عندما يكون لديك هذا الشعور بالكل، فسوف تكون متصلاً بالكون.


* From Krishnamurti’s Journal, 4 April 1975, copyright ©1982 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

حياة من غير أذى - ج. كريشنامورتي

الثلاثاء, آب 3rd, 2010

الحياة من غير أذى*

krishnaji_3

السائل: كيف يمكن للواحد منا أن يعيش على هذه الأرض من غير أذى أو تدمير لجمالها، من غير جلب الشقاء والموت على الآخرين؟

كريشنامورتي: هل سبق لك أن طرحت هذا السؤال يومًا؟ فعليًّا؟ ليس نظريًّا، بل فعليًّا، هل تراك طرحت ذاك السؤال، واجهتَه؟ لا تتهرب منه، لا تفسِّره بأن الشقاء ضروري، وما إلى ذلك، بل انظرْ إليه، جابهْه. هل سبق لك أن طرحت مثل هذا السؤال يومًا؟ ليس جماهيريًّا، ليس للقيام بمظاهرة ضد سياسي بعينه يريد أن يدمر حديقة وطنية، أو هذا أو ذاك. طرحُك مثل هذا السؤال يعني أنك تحترق به، أنه شيء هائل الواقعية، لا مجرد سؤال تخيُّلي تصرف به وقت النهار. [المسألة هي] الحياة على هذه الأرض، بجمالها الخارق، وعدم تدميرها، [هي] إنهاء الأسى، وعدم قتل إنسان آخر، عدم قتل أي شيء حي. هناك طائفة معينة في الهند وسيلة النقل عندهم هي المشي؛ إنهم لا يستقلون قطارات، ولا طائرات، ولا عربات، ويضعون قناعًا لكيلا يقتلوا حشرة بالتنفس. بعض تلك الجماعة أتوا لرؤية المتكلم وساروا ثمانمائة ميل! وهم يأبون القتل.

وهناك مَن يقتلون: يقتلون على سبيل الرياضة، يقتلون على سبيل التسلية، يقتلون للانتفاع – صناعة اللحم برمتها. هناك مَن يدمرون الأرض، يبثون الغازات السامة، يلوثون الهواء والمياه، ويلوثون بعضهم بعضًا. هذا ما بتنا نفعله بالأرض وبأنفسنا.

فهل بوسعنا أن نحيا على هذه الأرض، بجمالها العظيم، ولا نجلب الشقاء أو الموت على الآخرين؟ إنه سؤال جدي للغاية. أن نحيا حياتنا من غير أن نتسبب بالشقاء أو الموت للآخرين – ذاك يعني عدم قتل إنسان، كما يعني عدم قتل أي حيوان على سبيل الرياضة، أو من أجل طعامك. فهل تفهم هذا كله؟ هذه هي المسألة.

كانت هناك طبقة معينة من الناس في الهند لم يأكلوا لحمًا قط، إذ يعتقدون أن القتل خطيئة؛ وكانوا يسمَّون آنذاك بالبراهمة. والمدنية الغربية لم تستفسر قط إنْ كان القتل صوابًا، إنْ كان قتل أي شيء حي مبررًا. لقد دمر العالم الغربي عروقًا برمتها من الناس. صحيح؟ أميركا دمرت الهنود، اكتسحتهم لأنهم يريدون أرضهم، إلى آخر القصة. فهل بوسعنا أن نحيا على هذه الأرض من دون قتل، من دون حرب؟ بوسعي أن أجيب عن هذا السؤال، ولكن ما قيمة الجواب بنظرك عندئذ إذا كنت تقتل؟ لا أقول هذا تأييدًا للمذهب النباتي. (كتب أحد الكتاب منذ مدة: "بات المذهب النباتي يسري سريان الوباء في بلادنا"!) لكنك تقتل الملفوفة؛ ومنه، أين ترسم الخط الفاصل؟ وهل تراك تجعل الأمر مشكلة؟ أتفهم سؤالي؟

إذا كنت تعارض الحرب – مثلما يعارضها بعض البشر، والمتكلم منهم، يعارضون قتل بشر سواهم مهما يكن السبب – لا يجوز لك أن ترسل رسالة بالبريد! إذ إن جزءًا من ثمن الطابع البريدي الذي تشتريه، من ثمن الطعام الذي تحصل عليه، يذهب للدفاع، للتسلح. إذا اشتريت بنزينًا ("غازًا" [كما يقال] في هذا البلد)، فإن جزءًا من ثمنه يموِّل ذلك، إلخ، إلخ. فماذا ستفعل إذن؟ إذا امتنعت عن دفع الضرائب، فمصيرك أن تغرَّم أو تودَع السجن. إذا لم تشتر طوابع أو غازًا، تراك لا تقدر أن تكتب رسائل ولا أن تسافر، وبذلك تحشر نفسك في زاوية؛ والعيش محشورًا في زاوية يبدو نوعًا ما بلا طائل. فماذا ستفعل إذن؟ هل تراك تقول: "لن أسافر، لن أكتب رسالة"؟ فهذا كله يساعد على الإنفاق على الجيش والأسطول والتسلح – أتتابع؟ – عملية الابتزاز كلها. أم تراك تقارب المسألة مقاربة مختلفة؟

لماذا نقتل؟ قتلت الأديان، ولاسيما المسيحية، عددًا غفيرًا من الناس؛ لقد عذبوا الناس، رموهم بالزندقة، أحرقوهم. تعرفون تاريخ الأمر كله. المسلمون كذلك فعلوا ذلك. لعل الهندوس والبوذيين هم وحدهم القوم الذين لم يقتلوا – فدينهم يحرِّم القتل.

كيف يمكن للواحد منا أن يحيا على هذه الأرض من غير أن يقتل سواه ويتسبب في شقائه؟ التوغل في هذه المسألة توغلاً عميقًا حقًّا عملية جدية للغاية. فهل توجد صفة المحبة تلك التي تجيب عن هذا السؤال؟ إذا أحببتَ إنسانًا آخر، أتطاوعك نفسُك على قتل ذلك الشخص؟ أتراك عند ذاك تقتل أي شيء؟ – إلا عندما تحتاج إلى طعام بعينه، خضارًا وبقولاً إلخ، ولكن، ماعدا ذلك، أتراك تقتل أي شيء؟ توغلْ في هذه المسائل كلها، وعِش الأمر، بحق الله، ولا تكتف بمجرد الحديث عنه!

إن ما يقسِّم العالم هي المُثُل، إيديولوجيا جماعة بعينها ضد أخرى، هذا التقسيم المستمر على ما يبدو بين الرجل والمرأة، إلى آخر ما هنالك. لقد حاولوا ردم هذه الهوة عبر المنطق، عبر العقل، عبر مختلف الهيئات والمؤسسات والمنظمات، ولم يفلحوا في ذلك من أي سبيل. هذا واقع. والمعرفة هي الأخرى لم تحل هذه المشكلة – المعرفة بمعنى الخبرة المتراكمة، إلى آخر ما هنالك. والفكر قطعًا لم يحل هذه المشكلة.

هنالك إذن مخرج واحد منها: اكتشاف ماهية الحب. الحب ليس الرغبة، الحب ليس الاستئثار، الحب ليس النشاط الأناني المتمركز على الذات: أنا أولاً وأنت ثانيًا. ولكن تلك المحبة، على ما يبدو، لا معنى لها بنظر أغلب الناس؛ قد يكتبون فيها الكتب، لكن لا معنى لها [بنظرهم]. لذا يحاولون أن يخترعوا تلك الصفة، ذاك العطر، تلك النار، تلك الرحمة. وللرحمة فطنتها، أي الفطنة العليا. وحين تسود تلك الفطنة، المولودة من الرحمة، من المحبة، إذ ذاك تنحل هذه المشكلات كلها حلاً بسيطًا، هادئًا. لكننا لا نتابع السؤال حتى آخره؛ قد نتابعه فكريًّا، لفظيًّا فقط. أما إذا فعلت ذلك بقلبك، بذهنك، يؤيدهما شغفك، إذ ذاك فإن الأرض ستبقى جميلة. وعند ذاك يسود شعور عظيم بالجمال في النفس.

أوهَيْ، 24 أيار 1984


* From the transcript of the tape recording of the first public question & answer meeting at Ojai, 24 May 1984, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

رؤية العالم ككل - ج. كريشنامورتي

الأثنين, آب 2nd, 2010

رؤية العالم ككل*

krishnaji_2

ج. كريشنامورتي

لسنا ننظر إلى الحياة أبدًا بوصفها حركة هائلة، ذات عمق عظيم، ذات شساعة. لقد اختزلنا حياتنا إلى شأن بالغ الزراية. والحياة هي حقًّا أكثر الأشياء حُرْمة في الوجود. قتل إنسان هو أشد الفظائع كفرًا – وكذلك الغضب على إنسان أو العَنَف به.

*

لسنا نرى العالم أبدًا بوصفه كلاً لأننا ممعنون في التجزؤ. فما أرهب محدوديتنا، ما أشد تفاهتنا! وليس لدينا أبدًا هذا الشعور بالكلية، حيث أشياء البحر، أشياء الأرض والسماء، الطبيعة، الكون، جزء منا. ليس على سبيل التخيل – فبوسعك أن تسترسل في نوع ما من الخيال المتوهم وتتخيل أننا الكون، فتصير عندئذ معتوهًا! لكنك، إذا حطمت هذا الاهتمام الصغير، المتمركز على الذات، ونفضت عنك كل شيء من هذا القبيل، إذ ذاك تستطيع انطلاقًا من هناك أن تتحرك إلى ما لا نهاية.

بروكوود پارك، 4 أيلول 1983


* From the transcript of the tape recording of the fourth public talk at Brockwood Park, 4 September 1983, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

الاسترفاع - ج. كريشنامورتي

الأحد, تموز 25th, 2010

الاسترفاع*

السائل: هل لك أن تشرح لي كيف يتغلب الذهن على الجسم بحيث يستطيع أن يرتفع عن الأرض؟

كريشنامورتي: هل أنت مهتم بهذا حقًّا؟ لا أدري لماذا تريد أن ترتفع عن الأرض؟ تعرفون، أيها السادة، أن الذهن يطلب دومًا شيئًا سريًّا، شيئًا خفيًّا، شيئًا لن يكتشفه أحد إلاك، ويمنحك ذلك إحساسًا هائلاً بالأهمية، بالغرور، بالنفوذ – تراك تصير "الصوفي"! غير أن هناك سرًّا حقيقيًّا، شيئًا قدسيًّا حقًّا، حين تتفهم كلية هذه الحياة، هذا الوجود بأسره. وفي ذاك جمال عظيم، فرح عظيم. ثمة شيء هائل يدعى اللامقيس. لكن عليك أن تتفهم المقيس [أولاً]. واللامقيس ليس ضد المقيس.

هناك صور متوفرة لأناس ارتفعوا عن الأرض. لقد شهد المتكلم ذلك وغيره من الأمور عديمة الأهمية. فإذا كنتَ مهتمًّا بالاسترفاع حقًّا – ولا أدري لماذا تهتم به أصلاً، لكنك إذا كنتَ مهتمًّا – لا مناص لك من أن تكون صاحب جسم عالي الحساسية: عليك أن تقلع عن الشرب والتدخين، عن تعاطي المخدرات وعن أكل اللحم. يجب أن تكون ذا جسم طيِّع تمامًا، جسم صحيح، يتحلى بذكائه الخاص، لا بالذكاء الذي يمليه الذهن على الجسم. فإذا قمت بذلك كلِّه، لعلك واجد عند ذاك أن الاسترفاع لا قيمة له على الإطلاق!

لندن، 16 أيار 1970


* ©1970 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

أن نكون لاشيء - ج. كريشنامورتي

الأحد, حزيران 20th, 2010

أن نكون لاشيء*

كريشنامورتي متكلمًا في كاليفورنيا في عيد ميلاده الخامس والثمانين.

ج. كريشنامورتي

كن متيقظًا لجمال كل يوم، كل صباح جديد، لأعجوبة العالم. إنه لَعالم رائع، ونحن مابرحنا ندمِّره، في علاقة بعضنا مع بعضنا الآخر وفي علاقتنا بالطبيعة، بأشياء هذه الأرض الحية كافة.

*

هلا تقصينا ماهية مخ صامت؟ تراك لا تتعلم، لا ترصد، إلا عبر صمت عظيم، لا وأنت تُحدِث الكثير من الضجيج. فحتى ترصد تلك التلال، وهذه الأشجار الجميلة، حتى ترصد أسرتك وأصدقاءك، لا بدَّ لك من فضاء ولا بدَّ من وجود صمت. أما إذا كنت تهذر، تثرثر، فلا فضاء لديك ولا صمت. ونحن بحاجة إلى فضاء، ليس فيزيائيًّا وحسب، بل نفسانيًّا أكثر بكثير. وذاك الفضاء ينتفي عندما نفكر في أنفسنا. الأمر شديد البساطة. إذ إنه حين يوجد فضاء – فضاء شاسع نفسانيًّا – توجد حيوية عظيمة. ولكنْ عندما يحدُّ المرء ذاك الفضاء بذاته الصغيرة، فإن تلك الطاقة الهائلة تُحتجَز كليًّا ضمن حدودها. ولهذا السبب فإن التأمل هو إنهاء الذاتية.

يمكن للمرء أن يستمع إلى هذا كله إلى ما لا نهاية، لكنك إنْ لم تفعل هذا، فما الجدوى من استماعك؟ إنْ لم تكن فعليًّا واعيًا بنفسك، بكلماتك، بحركاتك، بمشيتك، بطريقة أكلك، بأسباب شربك وتدخينك، وبسائر الأشياء كلها التي يفعلها البشر – إنْ لم تكن واعيًا بالأمور المادية كلها، كيف يمكن لك أن تعي ما يجري عميقًا؟ إنْ لم يكن المرء واعيًا، فإنه عندئذ يصير مدعيًا، من طبقة وسطى، متوسط الجودة [mediocre]. إن المعنى الأصلي لكلمة mediocre تلك هو "صعود طريق التلة حتى منتصفه"، صعود طريق الجبل حتى منتصفه، عدم بلوغ قمته أبدًا. تلك هي الجودة المتوسطة [mediocrity]: أي عدم تطلُّبنا من أنفسنا الامتياز أبدًا، عدم تطلُّبنا من أنفسنا أبدًا الجودة الكاملة أو الحرية التامة – لا حرية أن نفعل ما يحلو لنا (فتلك ليست حرية، تلك تفاهة)، بل التحرر من ألم صنوف الجزع والوحشة واليأس، إلى سائر ما هنالك.

وإذن، لكي نكتشف ذاك، أو لكي نقع عليه، أو من أجل يوجد ذاك، لا بدَّ من فضاء وصمت عظيمين – لا الصمت المفتعَل، ليس قول الفكر: "يجب أن أصمت". الصمت شيء خارق؛ إنه ليس الصمت بين ضجتين. سلام بين حربين ليس سلامًا. الصمت شيء يحل حلولاً طبيعيًّا عندما تراقب: عندما تراقب من غير دافع، من دون أي نوع من الطلب، بل محض المراقبة، ورؤية جمال نجمة متوحدة في السماء، أو مراقبة شجرة بعينها في حقل، أو مراقبة زوجتك أو زوجك، أو أي شيء تراقبه. المراقبة في صمت وفضاء عظيمين. إذ ذاك، في تلك المراقبة، في ذاك الانتباه، ثمة شيء يتعدى الكلمات، يفوق كل قياس.

نحن نستعمل كلمات لنقيس اللامقيس. لذا يجب على المرء أن يعي شبكة الكلمات أيضًا، كيف تغشُّنا الكلمات، كيف تعني الكلمات كل ما تعنيه: [كلمة] شيوعية، عند رأسمالي، تعني شيئًا رهيبًا! تصير الكلمات خارقة الأهمية. أما وعي تلك الكلمات والحياة مع كلمة صمت، مع العلم بأن الكلمة ليست هي الصمت، بل الحياة مع تلك الكلمة ورؤية وَزْن تلك الكلمة، مضمون تلك الكلمة، جمال تلك الكلمة!… بذا يبدأ المرء يدرك، حين يكون الفكر هادئًا، مراقِبًا، أن هناك شيئًا يفوق كل خيال وشك وبحث. ويوجد شيء كهذا – على الأقل بنظر المتكلم. لكن ما يقوله المتكلم لا يصلح لسواه. إذا أصغيتَ، تعلمتَ، راقبتَ، كنتَ حرًّا كل الحرية من صنوف جزع الحياة كلها، إذ ذاك فقط يكون ثمة دِيْن من شأنه أن يولِّد ثقافة جديدة، مختلفة كليًّا. نحن لسنا أناسًا مثقفين بتاتًا. قد يتفق لك أن تكون بارعًا جدًّا في الأعمال، قد تكون خارق البراعة تكنولوجيًّا، قد تكون طبيبًا أو أستاذًا جامعيًّا؛ لكننا نبقى مع ذلك محدودين للغاية.

إنهاء الذات، "الأنا": أن تكون لاشيء. كلمة لاشيء تعني "لا شيء": لا شيء من خلق الفكر. أن تكون لاشيء، فتعدم كل صورة عن نفسك. لكن عندنا صورًا عديدة جدًّا عن أنفسنا. أن تعدم كل صورة من أي نوع، كل وهم، أن تكون لاشيء على الإطلاق. الشجرة ليست شيئًا بنظر نفسها: إنها موجودة. وهي، في وجودها بحدِّ ذاته، أجمل شيء، مثل تلك التلال: إنها موجودة؛ إنها لا تصير شيئًا [آخر]، لأنها لا تستطيع. مثل بذرة شجرة تفاح: إنها تفاح؛ تراها لا تحاول أن تصير أجاصًا أو فاكهة أخرى – إنها كائنة. أتفهم؟ هذا هو التأمل. هذا هو إنهاء البحث، والحقيقة تكون.

أوهَيْ، 22 أيار 1983


* From the transcript of the tape recording of the fourth public talk at Ojai, 22 May 1983, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

حال البشرية - ج. كريشنامورتي

الجمعة, حزيران 18th, 2010

حال البشرية*

krishnaji_5

ج. كريشنامورتي

كثيرة هي المجلدات التي كُتبتْ في حال العالم خارجنا: البيئة، المجتمع، السياسة، الاقتصاد، إلى آخره، لكن قليلاً منها فقط تجشم عناء اكتشاف ما نحن عليه فعليًّا: لماذا يسلك البشر كما يفعلون – مقتتلين، متبعين مرجعيةً ما، أو كتابًا ما، شخصًا ما، مثالاً ما – ولماذا ليسوا على علاقة صحيحة مع أصدقائهم وزوجاتهم وأزواجهن وأطفالهم. لماذا صار البشر على هذا القدر من السوقية، من الوحشية، مفتقرين تمامًا إلى الاكتراث بالآخرين، نافين سيرورة ما يُعتبَر حُبًّا برمتها؟

ولقد عاش الإنسان مع الحروب طوال آلاف السنين. ترانا نحاول أن نمنع وقوع حرب نووية، لكننا لن نفلح أبدًا في إيقاف الحروب. فهذه تستمر في الناس المستغَلين، وفي القامع الذي يصير بدوره مقموعًا. هذه هي دورة الوجود البشري التي يتخللها الأسى والوحشة والإحساس الرهيب بالاكتئاب والقلق المتصاعد والفقدان التام للأمان وانعدام علاقة المرء مع المجتمع أو مع أصدقائه المقربين. ما من علاقة من غير نزاع، مشاحنات، إلى آخره. هذا هو العالم الذي نعيش فيه والذي أنا واثق أنكم جميعًا تعرفونه.

وخلال آلاف السنين هذه بطولها، أشرطت المعرفةُ أدمغتنا. رجاءً، لا ترفضوا أي شيء يقوله المتكلم أو تقبلوه، بل استفسروا عنه، شكِّكوا فيه، كونوا شكاكين. وفوق كل شيء، لا تدعوا المتكلم يؤثر فيكم؛ فما أسهل أن نتأثر وننخدع! وإذا شئنا أن نتكلم جديًّا حول هذه القضايا، على المرء أن يكون صاحب ذهن ومخ يتصفان بحرية الفحص، بالخلو من التحيز، من أي نتائج، من أي رأي أو عناد. على المرء أن يكون صاحب مخ دائم الاستفسار والشك. فعند ذاك فقط يكون بمستطاعنا أن نكون على علاقة بعضنا مع بعض وبالتالي أن نتواصل.

مدراس، 26 كانون الأول 1982


* From the transcript of the tape recording of the second public talk in Madras, 26 December 1982, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

وعيك هو وعي البشرية - ج. كريشنامورتي

الخميس, حزيران 17th, 2010

وعيك هو وعي البشرية*

كريشنامورتي متكلمًا في كاليفورنيا في عيد ميلاده الخامس والثمانين.

ج. كريشنامورتي

الأزمة ليست اقتصادية – الحرب، القنبلة، رجال السياسة، العلماء –، الأزمة فينا، الأزمة في وعينا. فإلى أن نفهم فهمًا عميقًا جدًّا طبيعة ذاك الوعي، فنشكك ونغوص عميقًا فيه ونكتشف بأنفسنا إنْ كان بالمستطاع إحداث طفرة كلِّية في ذاك الوعي، سيواصل العالم اختلاق المزيد من البؤس، المزيد من البلبلة، المزيد من الرعب. ومنه، فإن مسؤوليتنا ليست نوعًا ما من العمل الغيري، السياسي أو الاقتصادي، بل الإحاطة بطبيعة كياننا: لماذا صرنا هكذا، نحن البشر الذين مافتئنا نعيش على هذه الأرض الجميلة البديعة.

فإذا كنتم مستعدين، إذا كانت المسؤولية مسؤوليتكم، بوسعنا أن ندرك، معًا، طبيعة وعينا، طبيعة كياننا. هذه ليست محاضرة، لكننا نحاول – أنتم والمتكلم معًا، غير منفصلين – أن نرصد حركة هذا الوعي وعلاقته بالعالم، سواء كان ذاك الوعي فرديًّا، منفصلاً، أو كان ذاك الوعي وعي النوع البشري بأسره. منذ الطفولة، نُربى على أن نكون أفرادًا، ذوي نفوس منفصلة – إذا اتفق لكم أن تؤمنوا بمثل هذا النوع من الأفكار. لقد دُرِّبتَ، رُبيتَ، أشرطتَّ على التفكير كفرد. فلأن لنا أسماء منفصلة، هيئات منفصلة – سُمر، شُقر، طوال، قِصار، بيض، سود، إلى آخره –، ولأننا نختص بميول وخبرات بعينها، ترانا نظن أننا أفراد منفصلون. لكننا الآن سنشكك في هذه الفكرة بالذات: هل نحن أفراد؟

لا يعني هذا أننا نوع من الكائنات الهلامية، ولكنْ، فعليًّا، هل نحن أفراد؟ يقول العالم أجمع، دينيًّا وبطُرُق أخرى على حدٍّ سواء، بأننا أفراد منفصلون. واعتبارًا من ذلك المفهوم، وربما من ذلك الوهم، إذ يحاول كل واحد منا أن ينجز، أن يصير شيئًا، فإنه ينافس الآخر، يقاتله. ومنه، إذا بقينا على أسلوب الحياة ذاك، لا بدَّ لنا حتمًا من التشبث بالجنسيات، بالقَبَلية، بالحرب. فلماذا نتمسك بالقومية وبالهوى الذي يحرضها، وهو ما يحدث الآن؟ لماذا نضفي كل هذه الأهمية الخارقة على القومية، وهي أساسًا قَبَلية؟ لماذا؟ ألأن في تمسُّكنا بالقبيلة، بالجماعة، نوعًا من الأمان؟ – لا الأمان المادي، بل الأمان النفسي، الإحساس الباطن بالاكتفاء، بالامتلاء. إذا كان الأمر على هذا النحو، فإن القبيلة الأخرى أيضًا تحس إحساسًا مماثلاً؛ ومنه ينجم الانقسام، تنجم الحرب، النزاع.

إذا رأى المرء حقيقة هذا فعليًّا، لا نظريًّا، وإذا شاء أن يعيش على هذه الأرض – وهي أرضنا جميعًا، لا أرضك أنت أو أرضي أنا، لا الأرض الأميركية أو الروسية أو الهندوسية –، إذ ذاك ليس هناك من قومية على الإطلاق، بل الوجود الإنساني فحسب. إنها حياة واحدة – ليست حياتك أنت أو حياتي أنا، بل الحياة في كليتها. لكن هذه الفردية الموروثة ما انفكت الأديان تُديمها، في الشرق وفي الغرب على حدٍّ سواء.

والآن، هل الأمر على هذا النحو؟ إنه لأمر جيد جدًّا، كما تعلمون، أن نشك، أمر جيد جدًّا أن نتصف بذهن يشكك، لا يقبل، ذهن يقول: لم يعد بإمكاننا أن نواصل الحياة هكذا، على هذا النحو الوحشي، العنيف. ومنه، فإن للشك، للتشكيك أهمية خارقة، لا الاكتفاء بتقبُّل أسلوب الحياة الذي اتبعناه ربما طوال ثلاثين عامًا، أو أسلوب الحياة الذي اتبعه الإنسان طوال مليون سنة. وإذن، فنحن نشكك في واقعية الفردية.

الوعي يعني التيقظ، المعرفة، الإدراك، الرصد. ومحتوى الوعي هو معتقدك، لذَّتك، خبرتك، المعرفة المعينة التي جمعتَها، سواء من خلال الخبرة الخارجية أو من خلال مخاوفك، تعلُّقاتك، ألمك، عذاب الوحشة، الأسى، البحث عن شيء أكثر من مجرد الوجود الجسماني – ذاك كله هو وعي المرء وما يحتويه. قوام الوعي هو محتواه. من غير محتوى، ينعدم الوعي كما نعرفه. ذاك الوعي – وهو معقد للغاية، متناقض، يتصف بحيوية خارقة – هل هو وعيك أنت؟ هل الفكر فكرك؟ أم أنه لا يوجد سوى التفكير، وهو ليس من الشرق ولا من الغرب؟ يوجد التفكير وحسب، تشترك فيه البشرية جمعاء، أغنياؤها وفقراؤها على حدٍّ سواء. فالتقنيون، بمقدرتهم الخارقة، أو الرهبان الذين ينسحبون من العالم ويكرسون أنفسهم لفكرة ما، مازالوا يفكرون.

فهل تشترك البشرية جمعاء في هذا الوعي؟ أينما ذهب المرء، تراه يشهد الشقاء، الألم، القلق، الوحشة، الجنون، الخوف، إلحاح الرغبة. هذا كله مشترك بين الجميع؛ إنه الأرضية التي يقف عليها كل إنسان. وعيك أنت هو وعي البشرية، بقية البشر. إذا فهم المرء طبيعة هذا – أنك بقية النوع البشري، مع أن أسماءنا مختلفة، نعيش في أجزاء مختلفة من العالم، نُربى بطُرُق شتى، نكون ميسوري الحال أو مدقعي الفقر –، حين تنظر خلف القناع، تجدك مثل باقي البشر: عصابيًّا، موجوعًا، تعاني الوحشة والقنوط، تؤمن بوهم ما، إلى آخر ما هنالك. وسواء ذهبتَ إلى الشرق أو إلى الغرب، وجدتَ الأمر على هذا النحو. قد لا تستحبه، بل قد تستحب التفكير بأنك كلِّي الاستقلالية، حرٌّ، فرد. لكنك حين ترصد رصدًا عميقًا للغاية، تجد أنك بقية البشرية.

أوهَيْ، 1 أيار 1982


* From the transcript of the tape recording of the first public talk at Ojai, 1 May 1982, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

لم يخلق الفكر الطبيعة - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, حزيران 16th, 2010

الفكر لم يخلق الطبيعة*

krishnaji_5

ج. كريشنامورتي

سنناقش، معًا، العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وهي عينها العلاقة بين ذاتك والبيئة. البيئة ليست المدينة أو البلدة أو القرية التي تعيش فيها وحسب، بل هي البيئة الطبيعية أيضًا. فإذا انعدمت علاقتك مع الطبيعة، انعدمت علاقتك مع الإنسان. الطبيعة هي المروج والبساتين والأنهار، هي الأرض الرائعة بأسرها، هي الأشجار وجمال الأرض. إذا انعدمت علاقتنا مع ذلك كله، انعدمت علاقة بعضنا مع بعض. إذ إن الفكر لم يخلق الطبيعة، الفكر لم يصنع النمر، ولا المياه المسائية، والنجوم منعكسة على صفحتها؛ لم يخلق الفكر الجبال الشاهقة المكللة بالثلج على خلفية السماء الزرقاء، ولا غروب الشمس والقمر المتوحد حين لا يوجد أي نجم آخر. الفكر، إذن، لم يخلق الطبيعة.

الطبيعة واقع. وما خلقناه بين البشر هو الآخر واقع، لكنه واقع فيه نزاع، فيه صراع، حيث يحاول كل واحد أن يصير شخصًا مرموقًا – جسمانيًّا وداخليًّا على حدٍّ سواء، وكذلك "روحيًّا"، إذا جاز لي أن أستعمل تلك الكلمة. عندما يحاول أحدهم أن يصير، يحاول أن يحصِّل مكانة ما، سياسيًّا أو دينيًّا، إذ ذاك تنعدم علاقته مع الآخر، ومع الطبيعة أيضًا. يعيش كثيرون منكم في مدن، بكل حشودها وضوضائها وقذارة بيئتها. أغلب الظن أنك لم تُلاقِ الطبيعة مرارًا. لكن هناك هذا البحر الرائع، وعلاقتك معه معدومة. تراك تنظر إليه، ولعلك تسبح فيه؛ أما الشعور بهذا البحر، بحيويته وطاقته الهائلتين، بجمال موجة تتكسر على الشاطئ… التواصل معدوم بين حركة البحر الرائعة تلك وبينك. إذا انعدمت علاقتك بذاك، كيف يمكن لك أن تكون على علاقة مع إنسان آخر؟ إذا لم تكن تدرك البحر، خاصية الماء، الأمواج، حيوية المدِّ والجزر العظيمة منداحًا ومنحسرًا، كيف يمكن لك أن تعي العلاقة الإنسانية أو تكون حساسًا بها؟ رجاءً، من المهم للغاية أن يُفهَم هذا، لأن الجمال، إذا جاز للمرء أن يتكلم عليه، ليس في محض الشكل الفيزيائي، لكن ماهية الجمال هي خاصية الحساسية تلك، خاصية رصد الطبيعة.

بومباي، 24 كانون الثاني 1982


* From the transcript of the tape recording of the second public talk in Bombay, 24 January 1982, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.