Archive for the ‘كريشنامورتي’ Category

الشعور بالمسؤولية - ج. كريشنامورتي

السبت, آذار 6th, 2010

لماذا عليَّ أن أشعر

بالمسؤولية؟*

دأب ج. كريشنامورتي، في السنوات التي سبقت وفاته (1986)، على الاجتماع الدوري بأعضاء لجان مؤسسة كريشنامورتي الدولية في زانن بسويسرا، وذلك ليكلمهم ويناقش معهم رؤيته بخصوص صون تعليمه وشروط نشره الأمين وأفضل السبل لازدهار المدارس التي استلهمته في التربية بعد أن يغيب.

krishnaji_5

سنعمد في الشهور المقبلة إلى نشر ترجمات لمقتطفات من أحاديثه إلى اللجان الدولية وحواراته مع أفرادها، نقلاً عن نصوص مُعدة للقاءات مؤسسة كريشنامورتي الدولية في بروكوود پارك، إنكلترا، في أيار 2000.

* * *

كريشنامورتي: ليتكم تجيبون عن هذا السؤال! ليت بعضكم يصرف همَّته إليه، فلا يهدأ له بال حتى يجيب عنه. هَبْ أني أعمل في هذا كله، ومات ك[1]، ما هي مسؤوليتي؟ لقد شعرتُ بشيء مقدس، لا في الشخص وحسب – وهو أمر خارج عن الموضوع –، بل وبشيء شعرتُ به شعورًا عميقًا للغاية، في كلامه، في حضوره. فماذا أنا فاعل يا ترى؟ كيف تراني سأحافظ على حرارة، على نار ذاك الشيء المقدس الذي شعرت به، فأصونها، أغذيها، حتى لا تخبو؟ وكذلك، ما هي مسؤوليتي نحو باقي الأفراد الذين يعملون في هذا الاتجاه، ومسؤوليتي الشخصية في حياتي اليومية؟ تلك هي مقاربتي للمسألة برمتها.

أتراني أحيا فعليًّا ما يجري الكلام عليه، أم أن الأمر لم يتعدَّ التفسير اللفظي والتحمس؟ هل تخطيتُ مجرد الألفاظ؟ وما هي مسؤوليتي الأولى حيال بقية الأفراد الذين يعملون معًا؟ هل عندي روح، صفة التعاون العميق الفعلية مع أيٍّ كان؟ هل عندي حسٌّ بالتواصل معهم؟ ذلك سيكون استفساري الأول عن مسؤوليتي: هل عندي يا ترى صلة حقيقية، لا مجرد صلة مادية عبر الرسائل أو عبر هذا النشاط أو ذاك، بل هل عندي صلة حقيقية مع غيري ممن يتحركون في الاتجاه نفسه؟

سؤال: لماذا علينا أن نتصف بذلك؟ لماذا علي أن أشعر بالمسؤولية؟

كريشنامورتي: مهلاً. أنا مسؤول لأنني أشعر بأني العالم. صحيح؟ لا أدري إنْ كنتَ قد فهمتَ ذلك. أشعر بأني مسؤول عن سائر العالم؛ مهما حدث في العالم فأنا مسؤول، سواء كان في بلفاست، في إنكلترا، أو كان تهديد الحرب في الشرق الأوسط، أو المجاعة في الهند، إلخ، إلخ. تراني كإنسان، هو جزء من سائر الإنسانية، أشعر بأني مسؤول – مسؤولية عميقة. إنها ليست مجرد نتيجة لفظية، بل تراني أشعر بذلك شعورًا قويًّا جدًّا. ولقد عملت معكم جميعًا، فأشعر بأني مسؤول عنكم جميعًا. وتراني لا أريد لتلك المسؤولية أن تخبو، تذوي، تموت. أريد أن ألتقيكم، أريد أن أتناقش معكم. ذلك كل ما أعنيه.

وما سيهمُّني أيضًا هو إنْ كانت مجرد مجموعة صغيرة هي التي تحمل الإناء الذي تنمو فيه الزهرة؛ ربما كان أفراد يحملونه في مجموعة صغيرة، لكني أريد أن أنثر البذور في العالم بأسره. تلك هي مسؤوليتي. لا يهمني مَن يفهم أو مَن لا يفهم، لكنها مسؤوليتي أن أزرع البذرة حيثما تقع – سواء على قطعة أرض بور أو في تربة خصبة. تلك هي مسؤوليتي، ذاك ما سيهمُّني إذا مات ك وكنت أعمل مثلكم جميعًا.

وسيهمُّني، كذلك، الحرصُ على الشيء الذي شعرت بأنه مافتئ مقدسًا وعلى صون حرمته. وإذن فإن جل اهتمامي سينصب على هذا. إذ إن البشرية باتت فاقدةً كل احترام لأي شيء. صحيح؟ لا يزال هناك بعض احترام متبقٍّ في الهند؛ إنه ضحل بعض الشيء، لكنْ لا يزال هناك بعض الاحترام. إنهم يشعرون باحترام نحو الشخص الديِّن. قد لا يفعلون أي شيء حيال الأمر، فيكتفوا بتطويق رأسه بأطواق الزهور ولا يفعلوا شيئًا حيال الأمر؛ ما يقوله لا يهمك مادمت في حضرته، مادام عندك هذا الشعور بالاحترام. لا يزال ذلك موجودًا نوعًا ما في الهند. أما باقي العالم، فلا يصح فيه قولي هذا. ربما في الشرق لا يزال موجودًا بعض الشيء. أما في الغرب، فقد تلاشى، ولا أحد يحترم أحدًا.

فكيف لي أن أتصف بصفة الاحترام هذه لذاك الشيء المقدس الذي شعرت به، فأساعد على الحرص بأن يكون عند غيري من الناس حسُّ الاحترام هذا لما هو مقدس؟ لا أدري إن كنتُ أحسن نقلَ ما أشعر به. ذاك سيكون كل همي عندما يموت ك. لن ينصب عظيم اهتمامي على نفسي، على تقدُّمي، على سعادتي، لأن ذلك يتحقق بفهم تلك التعاليم. بطبيعة الحال، أنا أعمل على إذابة فوارقي كلها، خصوصيات مزاجي والحدود التي تميِّزني كلها. لكن بفعل الدراسة، بفعل الاستماع بالذات، تعلمت الكثير لأني استمعت إلى ذلك الرجل – ك – عددًا من السنين، فتشربت حسًّا معينًا بما هو عظيم ونبيل، إلى ما هنالك. فهذا بات جزءًا مني، بات في داخلي، كالجرثومة، كالبذرة النامية، المزهرة. فتراني أود أن ألتقي غيري من الناس الذين يتصفون بالحركة نفسها وأتناقش وأكون معهم. وهذا لا يعني بأننا سوف نصير عصبة، مجموعة صغيرة تهتم بذاك فحسب، فتحتفظ به لنفسها كالجوهرة، لا تجرؤ على عرضها لأنها نفيسة للغاية. فذاك تصرف شديد الضيق، شديد الزيف، شديد المحدودية. وإذن، لو كانت عندي موهبة الكلمة، موهبة الكتابة، أو أي موهبة أخرى، لعبَّرت عنه بقدر استطاعتي في الخارج، من دون أن أختلق كل التوافه عن عبادة الشخص والسلطة وسائر ما هنالك من سخافات.

كما ترون، كنت منذ الطفولة في جمعية، لعلكم تعرفونها، هي الجمعية الثيوصوفية. الدكتورة بيزانت[2]، التي كانت حقًّا إبان حياتها شخصية عظيمة جدًّا، فكريًّا وكخطيبة مفوهة، جعلت الجمعية شيئًا خارقًا، حيويًّا، حيًّا، في العالم بأسره. وعندما ماتت، انتهى الأمر إلى التبدد التدريجي. فكما في المنظمات كلها، عندما يغيب القائد يصير الشيء عقيمًا؛ قد يكون حَسَنَ التنظيم، لكن الحياة تغادره. لا أقول هذا بخصوص رادها بورنييه، الرئيسة الحالية للجمعية الثيوصوفية، لأني أعرفها حق المعرفة.

وإذن، أشعر بأن مؤسسة ك هذه في مختلف أرجاء العالم يجب ألا تختفي، ألا تفقد حيويتها. أعرف بأن مؤسسة ك مجرد تنظيم – جميعنا يعرف ذلك، ولستُ مضطرًّا إلى الخوض فيه مجددًا – لطباعة الكتب، لتنظيم الأحاديث؛ إنها ليست شكلاً جديدًا من الكنائس. لكني، على نحو ما، أشعر بأنه حين يموت ك هناك خاصية معينة في جميع هذه المدارس يجب صونها.

زانن، 17 تموز 1981



* From the transcript of the tape recording of the International Committee Meeting at Saanen, 17 July, 1981 ©2000 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd., pp. 1-4.

[1] كان من عادة كريشنامورتي أن يشير إلى نفسه بحرف "ك" تجنبًا لاستعمال ضمير المتكلم. (المحرِّر)

[2] هي آني بيزانت (1847-1933). بدأت حياتها الفكرية مناضلة في الحركة الاشتراكية الفابية، ثم تتلمذت في الثيوصوفيا على السيدة بلاڤاتسكيا. آلت إليها رئاسة الجمعية الثيوصوفية في العام 1907 وظلت على رأسها حتى وفاتها. شمل عملها في الهند مجالات التربية والإصلاح الاجتماعي والسياسي. هي التي أعلنت الفتى كريشنامورتي وعاءً لتجسد "المعلم العالمي"، فأقامت نفسها وصية عليه وعلى تربيته الروحية وتعليمه، وكانت له بمثابة الأم. لكنه في العام 1929، في أعقاب تحوله الروحي الحاسم، حل "أخوية النجمة" المعدة لاستقبال المعلم، واستقال من الجمعية الثيوصوفية، وأخذ تعليمه المستقل على عاتقه ومسؤوليته، معلنًا أن الحقيقة لا يحتويها أي معتقد ولا تقبل تنظيمًا من أي نوع. يُجمع مؤرخو سيرته أنه ظل على محبته لها واحترامه لذكراها. (المحرِّر)

أساس العلاقة - ج. كريشنامورتي

الأحد, شباط 28th, 2010

أساس العلاقة*

ج. كريشنامورتي

يمكن للعلاقة أن توجد فقط حين يكون هناك نزول كلِّي عن الذات، عن الـ"أنا". فحين تنعدم الأنا، إذ ذاك تكون على علاقة؛ وفي ذاك لا يوجد فصل من أي نوع. أغلب الظن أن المرء لم يشعر بذاك قط: النفي التام – لا عقليًّا، بل فعليًّا –، الزوال التام للأنا. ولعل ذلك ما يسعى إليه أغلبنا، جنسيًّا أو عبر التماهي مع شيء ما أعظم. لكن ذلك – أكرر –، أي سيرورة التماهي تلك مع شيء أعظم، هو نتاج الفكر؛ والفكر قديم: إنه، مثل الأنا، الأنية، الإنِّي، نتيجة الأمس؛ إنه دومًا قديم. ومن ثَم يبرز السؤال: كيف يمكن التخلي تخليًا تامًّا عن هذه السيرورة العازلة، هذه السيرورة المتمركزة على الأنا؟ كيف يمكن لهذا أن يتم؟ أتفهم السؤال؟ كيف يمكن لي – أنا الذي ينبع كل نشاط من نشاطات حياتي اليومية من الخوف والكرب واليأس والأسى والبلبلة والأمل –، كيف يمكن للأنا التي تفصل نفسها عن الآخر – عبر التماهي مع الإله، مع إشراطها، مع مجتمعها، مع نشاطها الاجتماعي والخُلُقي، مع الدولة، إلى ما هنالك –، كيف يمكن لذلك أن يموت، أن يتلاشى، بحيث يستطيع الكائن الإنساني أن يكون على علاقة؟ إذ إننا، إذا لم نكن على علاقة، سنعيش عندئذ متحاربين بعضنا مع بعض. قد لا يقع قتلٌ لبعضنا بعضًا، لأن ذلك بات أخطر من أن نجرؤ عليه، إلا في البلدان النائية! فكيف يمكن لنا أن نحيا بحيث لا يكون هناك فصل، بحيث يمكن لنا حقًّا أن نتعاون؟

ما أكثر ما يجب القيام به في العالم: القضاء على الفقر؛ الحياة في سعادة؛ الحياة في بهجة بدلاً من العيش في عذاب وخوف؛ بناء نوع مختلف كليًّا من المجتمع، أخلاق تعلو على كل أخلاق. لكن هذا ليس بالمستطاع أن يكون إلا حين تُنكَر أخلاقُ المجتمع الراهن برمتها إنكارًا كليًّا. ما أكثر ما يجب القيام به؛ وليس بالمستطاع القيام به مادامت هذه السيرورة العازلة مستمرة. ترانا نتكلم على الـ"أنا" والـ"لي" والـ"آخر": الآخر موجود فيما وراء الجدار، الأنا واللي في هذه الناحية من الجدار. وإذن، كيف يمكن لأساس المقاومة ذاك – وهو الأنا –، كيف يمكن لذاك أن يُتخلى عنه تمامًا؟ لأن تلك المسألة هي الأساس الحق من كل علاقة؛ إذ يرى المرء أن العلاقة بين صور ليست علاقة على الإطلاق، وأنه حينما يوجد ذلك النوع من العلاقة هناك نزاع حتمًا[1]، ونكون لا محالة ممسكين بخناق بعضنا بعضًا!

عندما تطرح على نفسك ذلك السؤال، تراك ستقول حتمًا: "أيجب علي أن أعيش في خواء، في حال من الفراغ؟" أتساءل إنْ كنت اختبرت يومًا ماهية أن يكون لك ذهن فارغ تمامًا. لقد عشت في حيز أوجدتْه الـ"أنا"، وهو حيز صغير جدًّا. والحيز الذي بناه الـ"إنِّي" – السيرورة العازلة للذات – بين شخص وآخر هو كل ما نعرف من حيز – الحيز الواقع بينه وبين المحيط، الحد الفاصل الذي بناه الذهن. في هذا الحيز نعيش، وفي هذا الحيز هناك انقسام. تراك تقول: "إذا تخليت عن ذاتي، أو إذا نزلت عن مركز أناي، سأعيش في خواء." ولكن هل تراك يومًا تخليت حقًّا عن الأنا، فعليًّا، بحيث لا تكون هناك أنا بتاتًا؟ هل تراك عشت يومًا في هذا العالم، ذهبت إلى المكتب بتلك الروح، عشت مع زوجتك أو مع زوجك؟ إذا كنت قد عشت على هذا النحو، ستعرف أن هناك حالاً من العلاقة تنعدم فيها الأنا؛ وهي ليست يوطوپيا، ليست شيئًا يُحلَم به أو خبرة صوفية تافهة، بل شيء يمكن القيام به فعليًّا: الحياة على بُعد توجد فيه علاقة مع البشر كافة.

لكن ذاك يمكن له أن يوجد فقط حين نفهم ماهية المحبة. ولكي يكون المرء في تلك الحال، لكي يحيا فيها، عليه أن يتفهم لذة الفكر وآليته برمتها. إذ ذاك فإن كل آلية معقدة ابتناها المرء لنفسه، حول نفسه، يمكن لها أن تُرى بلمح البصر. ليس المرء مضطرًّا أن يخوض هذه السيرورة التحليلية كلها نقطة بعد نقطة. كل تحليل فهو مجزأ، وبالتالي ليس هناك من جواب يأتي عبر ذلك الباب.

هناك مشكلة الوجود المعقدة الهائلة هذه، بكل مخاوفها وأتراحها وآمالها وسعادتها الزائلة وأفراحها، لكن التحليل لن يحلها. ما سيحلها هو الإحاطة بها إحاطة خاطفة، ككل. تراك تعرف أنك تفهم أمرًا ما فقط حين تنظر – لا بنظرة مطولة مدربة، النظرة المدربة للفنان أو العالم أو المرء الذي تمرس بـ"كيفية النظر". تراه إنْ نظرت إليه بانتباه تام؛ ترى الأمر ككل في لمحة واحدة. وسترى عند ذاك أنك خارجه. وعند ذاك، تكون خارج الزمن؛ الزمن يتوقف والأسى، بالتالي، ينتهي. امرؤ يعاني أسى أو خوفًا امرؤ ليس على علاقة. كيف يمكن لرجل يطلب النفوذ أن يكون على علاقة؟! قد يكون صاحب أسرة، قد ينام مع زوجته، لكنه ليس على علاقة. رجل يتنافس مع غيره رجل لا علاقة له البتة. وبنيان مجتمعنا كله، بلاأخلاقيته، يقوم على هذا. العلاقة الأساسية، الجوهرية، إنما تعني إنهاء الأنا التي تولِّد الفصل والأسى.

باريس، 25 نيسان 1968



* From Talks in Europe 1968, 25 April 1968, copyright ©1969 The Krishnamurti Foundation London, pp. 46-48.

[1] راجع: ج. كريشنامورتي، "الصورة"، سماوات: http://samawat.org/krishnamurti/image. (المحرِّر)

الصورة - ج. كريشنامورتي

الخميس, شباط 18th, 2010

الصـورة*

krishnaji_3

ج. كريشنامورتي

كنا بصدد استقصاء طبيعة الحب[1]، وقد توصلنا إلى نقطة تستلزم، على ما أعتقد، المزيد المزيد من نفاذ النظر، المزيد المزيد من وعي المسألة. ولقد اكتشفنا أن الحب، بنظر أغلب الناس، يعني الراحة، الأمان، ضمانةً طوال بقية العمر للإشباع العاطفي المستمر. ثم يأتي واحد مثلي ويسأل: "هل ذاك حب حقًّا؟"، ويسألك أن تنظر إلى دخيلة نفسك. فتحاول ألا تنظر لأن الأمر مزعج جدًّا – تراك تفضل مناقشة الروح أو الوضع السياسي أو الاقتصادي الراهن –؛ لكنك، حين تُحشَر في زاوية لتنظر، تدرك أن ما خُيِّل إليك دومًا أنه حب ليس حبًّا على الإطلاق، بل هو ترضية متبادلة، استغلال متبادل.

حين أقول: "ليس للحب غد ولا أمس" أو: "عندما لا يوجد مركز، عندئذٍ يوجد الحب"، فلهذا القول واقعية بنظري، لكنْ ليس بنظرك. قد تستشهد به وتحوِّله إلى وصفة، لكن ذلك لا يصح؛ إذ عليك أن تتحقق من الأمر بنفسك. لكنك حتى تفعل لا بدَّ من وجود حرية للنظر، تحرُّر من كل إدانة، من كل حُكم، من كل موافقة أو مخالفة.

والآن، النظر – أو السمع – واحد من أصعب الأمور في الحياة؛ النظر والسمع هما الأمر نفسه. إذا كانت عيناك معميتين بمخاوفك، لا تستطيع أن ترى جمال مغيب الشمس. أغلبنا فقدوا صلتهم بالطبيعة، والحضارة تتجه أكثر فأكثر صوب المدن الكبرى. لقد صرنا أناسًا مدنيين أكثر فأكثر، نعيش في شقق مزدحمة وليس عندنا حتى غير حيز ضيق جدًّا للنظر إلى السماء المسائية والصباحية، ولهذا ترانا نفقد الصلة بقدر كبير من الجمال. لا أدري إنْ كنتم لاحظتم كم تضاءل عدد الذين ينظرون منا إلى شروق الشمس أو غروبها، أو إلى ضوء القمر، أو إلى انعكاس الضوء على صفحة الماء.

أما وقد فقدنا الصلة مع الطبيعة، ترانا بطبيعة الحال ننزع إلى تنمية قدراتنا العقلية. ترانا نقرأ عددًا كبيرًا من الكتب، نذهب إلى الكثير جدًّا من المتاحف والحفلات الموسيقية، نشاهد التلفزيون، ونتسلى بطرق أخرى شتى؛ ترانا نقتبس إلى ما لا نهاية من أفكار غيرنا من الناس ونغالي في التفكير في الفن وفي الحديث عنه. فما الذي يجعلنا نتكل على الفن كل هذا الاتكال؟ أهو شكل من أشكال الهروب أو الإثارة؟ إذا كنت على صلة مباشرة بالطبيعة، إذا راقبت حركة طائر يحلق، ورأيت جمال كل حركة في السماء، وشاهدت الظلال على التلال أو جمال وجه إنسان آخر، أتظنك سترغب بعدُ في الذهاب إلى أي متحف لتنظر إلى لوحة ما؟ ربما لأنك لا تعرف كيف تنظر إلى الأشياء كلها حواليك، تراك تلوذ بنوع من أنواع المخدر لتنبيهك إلى الرؤية رؤية أفضل.

هناك قصة عن معلم ديني تروي أنه كان من عادته أن يعظ تلاميذه كل صباح. وذات صباح، اعتلى المنصة وكان على وشك أن يبدأ عندما جاء عصفور صغير وحط على حافة النافذة وبدأ يغرد، وراح يغرد بكل قوته. ثم توقف وطار مبتعدًا، فقال المعلم: "موعظة هذا الصباح انتهت!"

يبدو لي أن واحدة من أشد صعوباتنا هي أن نرى بأنفسنا رؤية واضحة حقًّا، لا الأشياء الخارجية فقط، بل الحياة الداخلية. حين نقول إننا نرى شجرة أو زهرة أو شخصًا، هل ترانا نراهم فعليًّا؟ أم ترانا لا نرى إلا مجرد الصورة التي أوجدتْها الكلمة؟ أي أنك، حين تنظر إلى شجرة أو إلى غيمة ذات مساء مليء بالبهجة والضياء، هل تراها فعليًّا، لا بعينيك رؤية عقلية، بل رؤية كلية، تامة؟

هل اتفق لك يومًا أن تختبر النظر إلى شيء موضوعي كالشجرة من دون أيٍّ من التداعيات، أيٍّ من المعلومات التي اكتسبتها عنها، من دون أي هوًى، أي حُكم، أي كلمات تشكل شاشة بينك وبين الشجرة وتحُول بينك وبين رؤيتها كما هي فعليًّا؟ جرِّبْ ذلك وانظرْ ما الذي يحصل فعليًّا عندما ترصد الشجرة بكيانك كله، بكلية طاقتك. في ذاك الاستغراق، ستجد أنه لا يوجد راصد بتاتًا، بل يوجد انتباه وحسب. لا يوجد الراصد والمرصود إلا عندما ينعدم الانتباه. أما حين تنظر إلى شيء في انتباه تام، فلا يوجد حيز لأي تصور، لأي صيغة، لأي ذاكرة. إن فهم هذا من الأهمية بمكان، لأننا نتباحث في شيء يستلزم تقصيًا شديد الدقة.

وحده ذهنٌ ينظر إلى شجرة أو إلى النجوم أو إلى مياه نهر براقة في ذهول تام عن النفس ذهنٌ يعرف ماهية الجمال؛ وحين نرى فعليًّا نكون في حال محبة. نحن نعرف الجمال عمومًا من خلال المقارنة أو عبر ما قام الإنسان بتجميعه، ما يعني أننا نعزو الجمال إلى غرض ما. أرى ما أعتبره مبنى جميلاً، وتراني أقدِّر ذلك الجمال بسبب معرفتي بالمعمار وبمقارنته بمبانٍ أخرى سبق لي أن رأيتها. لكني الآن أسأل نفسي: "هل هناك جمال من غير غرض؟" حين يوجد راصد هو الرقيب، المختبر، المفكر، لا جمال هناك، لأن الجمال شيء خارجي، شيء ينظر إليه الراصد ويحكم عليه. ولكن حين ينعدم الراصد – وهذا يستلزم قدرًا كبيرًا من التأمل، من التقصِّي – إذ ذاك يوجد الجمال من غير الغرض.

يكمن الجمال في التخلي التام عن الراصد والمرصود؛ ولا يمكن للذهول عن النفس أن يكون إلا حين يوجد تقشف تام – لا تقشف رجل الدين، بخشونته وروادعه وقواعده وطاعته، لا التقشف في الملبس والفكر والطعام والسلوك – إنما تقشف البساطة الكلية، الذي هو التواضع التام. إذ ذاك لا إنجاز هناك، لا سلَّم يجب تسلُّقه؛ هناك الخطوة الأولى فقط، والخطوة الأولى هي الخطوة الأبدية.

هَبْ أنك تسير بمفردك أو مع أحدهم وتوقفت عن الكلام. أنت محاط بالطبيعة، ولا كلب ينبح، ولا ضجيج سيارة عابرة، ولا رفرفة طائر حتى. أنت صامت تمامًا، والطبيعة حواليك صامتة كلها هي الأخرى. في تلك الحال من الصمت المستتب في الراصد والمرصود كليهما – حين لا يترجم الراصد ما يرصده إلى فكر – يتصف ذاك الصمت بخاصية جمال مختلفة. ليس هناك الطبيعة ولا الراصد. هناك حال ذهن وحده كليًّا، تمامًا؛ إنه وحده، لا في عزلة، بل في سكون، وذاك السكون جمال. حين تحب، هل يوجد راصد؟ يوجد راصد فقط حين يكون الحب رغبة ولذة. أما حين لا تقترن الرغبة واللذة بالحب، إذ ذاك يكون الحب شديدًا. إنه، كالجمال، شيء جديدًا كليًّا كل يوم. وكما قلت، ليس له اليوم ولا الغد.

فقط حين نرى من دون أي تصور مسبق، من دون أي صورة، نستطيع أن نكون على صلة مباشرة مع أي شيء في الحياة. جميع علاقاتنا في الواقع علاقات "صورية" – بمعنى أنها قائمة على صورة من تشكيل الفكر. إذا كانت عندي صورة عنك وكانت عندك صورة عني، فنحن بطبيعة الحال لا يرى كلٌّ منا الآخر بتاتًا كما نحن فعليًّا. فما نراه هي الصور التي شكَّلها كلٌّ منا عن الآخر والتي تمنعنا من التواصل؛ ولهذا فإن علاقاتنا تنتهي بالإخفاق.

عندما أقول إنني أعرفك، إنما أعني أني كنت أعرفك بالأمس. فأنا لا أعرفك فعليًّا الآن. كل ما أعرفه هو صورتي عنك. وتلك الصورة تجميع لما سبق لك أن قلتَ في مدحي أو في ذمي، لما سبق أن فعلتَه بي؛ إنها تجميع لمجموع الذكريات التي في حوزتي عنك. وصورتك عني تجميع بالطريقة ذاتها؛ وهاتان الصورتان هما اللتان تعقدان العلاقة وتحُولان بيننا وبين التواصل الحقيقي معًا.

لدى كلٍّ من شخصين تعايشا مدة طويلة صورة عن الآخر تحُول بينهما وبين أن يكونا على علاقة حقيقية. إذا فهمنا العلاقة بوسعنا أن نتعاون، لكن التعاون لا يمكن له أن يوجد أصلاً عبر صور، عبر رموز، عبر تصورات إيديولوجية. بينما فقط حين نفهم العلاقة السوية بين بعضنا بعضًا توجد إمكانية الحب، والحب يمتنع عندما تكون عندنا صور. لذا من المهم أن تفهم – لا عقليًّا، بل فعليًّا في حياتك اليومية – كيف بنيت صورًا عن زوجتك، عن زوجك، عن جارك، عن ولدك، عن وطنك، عن قادتك، عن سياسييك، عن آلهتك – ليس عندك شيء غير صور!

هذه الصور توجِد الحيز بينك وبين ما ترصد، وفي ذلك الحيز يوجد نزاع. وإذن، فما سنعمل على اكتشافه الآن سوية هو إنْ كان من الممكن لنا أن نتحرر من الحيز الذي نوجِده، ليس خارج أنفسنا وحسب، بل في أنفسنا، الحيز الذي يجزئ البشر في جميع علاقاتهم.

والآن، فإن الانتباه بالذات الذي توليه لمشكلة ما هو الطاقة التي تحل تلك المشكلة. فحين تولي انتباهك كاملاً – وأعني: بكل شيء فيك – لا يوجد راصد بتاتًا. هناك فقط حال الانتباه التي هي طاقة كلية، وتلك الطاقة الكلية هي أعلى أشكال الفطنة. وبطبيعة الحال، تلك الحال الذهنية يجب أن تكون صامتة صمتًا تامًّا؛ وذاك الصمت، ذاك السكون، يأتي حين يستتب انتباه كلي، لا سكون منضبط. ذاك الصمت الكلي الذي ليس فيه راصد ولا الشيء المرصود هو أسمى أشكال الذهن الديني. لكن ما يحصل في تلك الحال لا يعبَّر عنه بكلمات، لأن ما يقال بكلمات ليس الواقعة. فحتى تكتشفه بنفسك عليك أن تكابده.

كل مشكلة فهي مرتبطة بكل مشكلة أخرى، بحيث إنك إذا استطعت أن تحل مشكلة واحدة حلاًّ تامًّا – ولا يهم أيها من المشكلات – لرأيت أن بوسعك أن تواجه سائر المشكلات الأخرى جميعًا في سهولة وتحلها. نحن نتكلم، بالطبع، على المشكلات النفسانية. لقد سبق لنا أن رأينا أن المشكلة توجد في الزمن فحسب، أي عندما نواجه القضية مواجهة ناقصة[2]. وإذن فيجب علينا، لا أن نعي طبيعة المشكلة وبنيتها فقط، فنراها رؤية تامة، بل وأن نواجهها عند ظهورها ونحلها على الفور بحيث لا تتجذَّر في الذهن. إذا أجاز المرء لمشكلة أن تدوم شهرًا أو يومًا، أو حتى بضع دقائق فحسب، فإنها تشوِّه الذهن. وإذن، فهل من الممكن للمرء أن يواجه المشكلة على الفور، من غير أي تحريف، ويتحرر منها على الفور تحررًا تامًّا، فلا يجيز لذكرى، لخدش طفيف في الذهن، أن يبقى؟ هذه الذكريات هي الصور التي نحملها معنا، وهذه الصور هي التي تواجه هذا الشيء الخارق المسمى بالحياة، وبالتالي يوجد تناقض، ومنه ينشأ النزاع. الحياة حقيقية للغاية – فالحياة ليست تجريدًا – وحين تواجهها بالصور تنشأ مشكلات.

فهل من الممكن للمرء أن يواجه كل قضية من دون هذا الفاصل الزمكاني، من دون الفجوة بينه وبين الشيء الذي يخشاه؟ إنه ممكن فقط حين لا تكون للراصد استمرارية – الراصد بوصفه باني الصورة، الراصد الذي هو كوكبة من الذكريات والأفكار، الذي هو حزمة من التجريدات.

حين تنظر إلى النجوم، هناك أنت الناظر إلى النجوم في السماء؛ السماء مترعة بنجوم ساطعة، هناك هواء منعش، وهناك أنت، الراصد، المختبر، المفكر، بقلبك الموجوع، أنت، المركز، موجِد الحيز. تراك لن تفهم أبدًا حقيقة الحيز بينك وبين النجوم، بينك وبين زوجتك أو زوجك أو صديقك، لأنك لم تنظر قط من دون الصورة، ولهذا تراك لا تعرف ماهية الجمال أو ماهية الحب. تراك تتكلم فيه، تكتب عنه، لكنك لم تعرفه قط، ماعدا ربما عند فواصل نادرة من الذهول التام عن نفسك. فمادام هناك مركز يوجِد حيزًا من حوله، لا يوجد حب ولا جمال. أما حين ينعدم المركز والمحيط، فإذ ذاك يوجد الحب. وحين تحب تكون أنت الجمال.

حين تنظر إلى وجهٍ قبالتك، فأنت تنظر انطلاقًا من مركز، والمركز يوجِد الحيز بين الشخص والشخص؛ ولهذا فإن حياتنا بهذا الخواء والقسوة. ليس بمقدورك أن تنمِّي الحب أو الجمال، ولا بمقدورك أن تخترع الحقيقة؛ أما إذا كنت واعيًا طوال الوقت بما أنت فاعل، فبمقدورك أن تنمِّي الوعي. واعتبارًا من ذاك الوعي ستبدأ برؤية طبيعة اللذة والرغبة والأسى، ووحشة الإنسان وسأمه المرعبين، وعندئذٍ ستبدأ بمباغتة ذاك الشيء المسمى "حيزًا".

عندما توجِد حيزًا بينك وبين الغرض الذي ترصده، ستعرف أن الحب يغيب؛ ومن دون الحب، مهما اجتهدت في إصلاح العالم أو في إحداث نظام اجتماعي جديد، أو مهما أسهبت في الكلام على تحسينات، لن تتسبب إلا في العذاب. فالأمر منوط بك. ليس هناك من قائد، ليس من معلم، ليس من أحد يخبرك بما أنت فاعل. أنت وحدك في هذا العالم المتوحش المجنون.


* From Freedom from the Known, chapter 11, copyright ©1969 Krishnamurti Foundation, pp. 33-39.

[1] See: J. Krishnamurti, Freedom from the Known, chapter 10, Harper & Row, New York, 1969.

[2] راجع: ج. كريشنامورتي، "المشكلات والزمن"، سماوات: http://samawat.org/krishnamurti/problems_time. (المحرِّر)

الطبيعة، الأكثرية والأقلية، المسؤولية - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, كانون الثاني 27th, 2010

الطبيعة، الأكثرية والأقلية،

المسؤولية*

krishnaji_5

سؤال: لماذا اتفق في ميزان الطبيعة أن يكون هناك دومًا موت وشقاء؟

كريشنامورتي: لماذا اتفق للإنسان أن يقتل خمسين مليون حوت؟ خمسون مليونًا – أتفهم؟! ومع ذلك، لا نزال نُعمِلُ في الأنواع كلها قتلاً: النمور المخططة آيلة إلى الانقراض، وكذلك الفهود الصيادة والنمور والفيلة، من أجل جلودها، من أجل أنيابها – تعرفون ذلك كله. أليس الإنسان حيوانًا أخطر بكثير من سائر الحيوانات؟ وتراك تريد أن تعرف لماذا يوجد في الطبيعة موت وشقاء! ترى نمرًا يفترس بقرة، أو غزالة: ذلك هو أسلوبهم الطبيعي في الحياة؛ لكننا ما إنْ نتدخل فيه حتى يصير الأمر وحشية حقيقية. لقد رأيتم صغار الفقمة وهي تُضرَب على رؤوسها، وحين يتعالى الاحتجاج على ذلك، تقول النقابات: "نحن مضطرون إلى الارتزاق على ذاك النحو" – أنتم تعرفون هذا كله.

وإذن، فمن أين نبدأ في فهم العالم من حولنا والعالم داخلنا؟ العالم داخلنا من هول التعقيد بحيث إننا نريد أن نفهم عالم الطبيعة أولاً. … لعلنا لو استطعنا أن نبدأ بأنفسنا، فلا نؤذي، لا نكون عنيفين، لا نكون قوميين، بل نتعاطف مع الإنسانية ككل، لربما غدت علاقتنا عندئذ صحيحة فيما بيننا وبين الطبيعة. نحن الآن نمعن في تدمير الأرض، الهواء، البحر، كائنات البحر، لأننا نحن أعظم خطر يهدد العالم، بقنابلنا الذرية – جميع صنوف هذه الأمور، كما تعلمون.

سؤال: تقول إننا نحن العالم، لكن أكثرية العالم، على ما يبدو، متجهة رأسًا نحو الدمار الشامل. فهل يمكن لأقلية من الناس الأسوياء أن ترجَح كفتُها على الأكثرية؟

كريشنامورتي: هل أنتم "الأقلية"؟ لا، أنا لا أمزح! إنه ليس سؤالاً قاسيًا. هل نحن الأقلية؟ أم هل بيننا واحد خال كليًّا من هذا كله؟ أم ترانا نساهم جزئيًّا في كراهية بعضنا بعضًا؟ – نفسانيًّا. قد لا نكون قادرين على منع روسيا أو أميركا، إنكلترا أو اليابان، من مهاجمة بلد آخر ما، لكنْ هل نحن – نفسانيًّا – متحررون من إرثنا المشترك، وهو قوميتنا القَبَلية الممجَّدة؟ هل نحن خالون من العنف؟ يوجد العنف حيثما نطوِّق أنفسنا بجدار. رجاءً، افهموا هذا كله. فنحن قد بنينا لأنفسنا جدرانًا، تبلغ عشر أقدام ارتفاعًا أو خمس عشرة قدمًا سماكة! نحن جميعًا مطوقون بجدران. ومن ذلك ينشأ العنف، هذا الإحساس الهائل بالوحشة. ومنه، فإن الأقلية والأكثرية هي أنت. إذا استطاعت ثلة منا أن تتحول نفسانيًّا من الأساس، فإنك لن تطرح هذا السؤال أبدًا، لأننا نكون عند ذاك شيئًا مختلفًا كل الاختلاف.

سؤال: إذا كانت هناك حقيقة أسمى ونظام، لماذا تسمح للبشرية أن تتصرف في الأرض بهذه الطريقة الفظيعة؟

كريشنامورتي: لو وُجد مثلُ هذا الكيان الأسمى، فلا بدَّ أنه غريب الأطوار للغاية، لأنه لو كان هو الذي خلقنا فنحن إذن جزء منه – صحيح؟ ولو كان منظمًا، عاقلاً، عقلانيًّا، رحيمًا، لما كنا على هذه الشاكلة! بوسعك أن تقبل سيرورة تطور الإنسان، أو تؤمن بأن الإنسان ظهر إلى الوجود فجأة من خلق إله؛ والإله – ذلك الكيان الأسمى – هو النظام، الطيبة، الرحمة، إلى آخر ما هنالك من صفات نخلعها عليه. وإذن، فلديك هذان الخياران: إما أن هناك كيانًا أسمى جعل الإنسان على صورته، وإما أن هناك سيرورة تطور الإنسان الذي جاءت به الحياة منذ البدء من جزيئات ضئيلة وهكذا، إلى أن صار إلى ما هو عليه الآن.

إذا قبلتَ فكرة الإله، الشخص الأسمى الذي يوجد فيه نظام كلي، وكنتَ جزءًا من ذلك الكيان، إذ ذاك لا بدَّ أن ذلك الشخص خارق القسوة – صحيح؟ – خارق التعصُّب، حتى يجعلنا نتصرف كما نفعل، مدمِّرين بعضنا بعضًا.

أو… هناك الاحتمال الآخر، وهو أن الإنسان هو الذي جعل العالم على ما هو عليه: البشر هم الذين صنعوا هذا العالم، – العالم الاجتماعي، عالم العلاقة، العالم التكنولوجي، عالم المجتمع، – علاقة بعضنا ببعض. نحن الذين صنعناه، وليس إله أو كيان أسمى ما. وحدنا مسئولون عن هذه الفظاعة التي مافتئنا نديمها. والاتكال على قوة خارجية ما لتحويل هذا كله، تلك اللعبة لُعبت طوال ألوف السنين ولا تزالون على حالكم! لعلكم تغيرتم تغيرًا طفيفًا، أصبحتم ألطف قليلاً، أكثر تسامحًا بقليل – لكن التسامح شيء بشع.

بروكوود پارك، 4 أيلول 1980


* From the transcript of the tape recording of the second public question & answer meeting at Brockwood Park, 4 September 1980, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd, pp. 66-68.

التربية والطبيعة - ج. كريشنامورتي

الأثنين, كانون الثاني 18th, 2010

التربية والطبيعة

من رسائل إلى المدارس*

krishnaji_4

ج. كريشنامورتي

1 تشرين الثاني 1983

من المؤكد تمامًا أن المربين واعون لما يحدث فعليًّا في العالم. الناس منقسمون عرقيًّا، دينيًّا، سياسيًّا، اقتصاديًّا، وفي هذا الانقسام تفتيت؛ إنه يسبِّب فوضى هائلة في العالم: الحروب، وشتى أنواع التضليل السياسي، إلى آخر ما هنالك. هناك تفشٍّ للعنف، الإنسان ضد الإنسان – هذه هي الحال الفعلية للبلبلة في العالم، في المجتمع الذي نعيش فيه. هذا المجتمع يخلقه البشر أجمعون بثقافاتهم، بانقساماتهم اللغوية، بانفصالهم الإقليمي. وهذا كله لا يولِّد البلبلة وحسب، بل الكراهية، كمٌّ هائل من العداء، والمزيد من التباينات اللغوية. هذا ما يحدث، ومسؤولية المربي عظيمة للغاية حقًّا.

*

ماذا تفعل هذه التربية فعليًّا؟ أتراها حقًّا تساعد الإنسان أو أبناءه أن يصبحوا أكثر مبالاة، ألطف أو أكرم؟ أتراها تساعده أن لا يرتد إلى النموذج القديم، إلى بشاعة هذا العالم وخُبثه الماضيين؟ إذا كان [المربي] مباليًا حقًّا، كما يجب أن يكون، عليه عندئذ أن يساعد الطالب على اكتشاف علاقته بالعالم، لا بعالم الخيال أو العاطفة الرومانسية، بل بالعالم الواقعي الذي تجري فيه الأشياء كلها؛ وكذلك بعالم الطبيعة، بالصحراء، بالغاب، أو بالأشجار القليلة التي تحيط به، وبحيوانات العالم. الحيوانات – لحسن الحظ – ليست قومية: إنها لا تصطاد إلا للبقاء حية. فإذا فقد المربي والطالب علاقتهما بالطبيعة، بالأشجار، بالبحر المائج، فإن كلاً منهما سيفقد قطعًا علاقته مع الإنسان.

ما هي الطبيعة؟ هناك كمٌّ كبير من الكلام على الطبيعة والسعي في حمايتها، الحيوانات، الطيور، الحيتان والدلافين، في تنظيف الأنهار الملوثة، البحيرات، الحقول الخضراء، إلى ما هنالك. الطبيعة ليست من تجميع الفكر، كما هو شأن الدين، كما هو شأن المعتقَد. الطبيعة هي النمر، ذلك الحيوان الخارق بطاقته، بحسِّه العظيم بالقوة. الطبيعة هي الشجرة المتوحدة في الحقل، هي المروج والبساتين؛ إنها ذلك السنجاب المختبئ على خَفَر وراء غصن. الطبيعة هي النملة والنحلة وسائر أشياء الأرض الحية. الطبيعة هي النهر، لا نهر بعينه، سواء كان الغانج أو التامس أو الميسيسيپي. الطبيعة هي تلك الجبال كلها، المكللة بالثلج، مع الوديان الداكنة الزرقة وسلسلة التلال التي تُلاقي البحر. … على المرء أن يعطف على هذا كله، فلا يدمِّره، ولا يقتل من أجل لذته.

*

الطبيعة جزء من حياتنا. لقد نشأنا من البذرة، من الأرض، ونحن جزء من ذلك كله؛ لكننا مابرحنا نفقد الإحساس بأننا حيوانات كسائر الحيوانات الأخرى. هل بوسعك أن تعطف على تلك الشجرة؟ انظرْ إليها، عاينْ جمالها، أصغ إلى الصوت الصادر منها؛ كن حساسًا بالنبتة الصغيرة، بالعشبة البرية الضئيلة، بتلك الدويبة التي تتسلق الجدار، بالضوء على أوراق الشجر وبالظلال الكثيفة. عليك أن تعي هذا كله وتتصف بذلك الإحساس بالوصال مع الطبيعة من حولك. قد تعيش في بلدة، لكن عندك أشجار متناثرة هنا وهناك. قد تعاني زهرة في الحديقة المجاورة سوء العناية، فتختنق وسط الأعشاب البرية، لكنْ انظرْ إليها، اشعرْ بأنك جزء من ذاك كله، جزء من الأشياء الحية كلها. إذا آذيت الطبيعة فأنت تؤذي نفسك.

هذا كله، كما تعلمون، قيل من قبلُ بأساليب مختلفة، لكنْ لا يبدو علينا أننا نولي الكثير من الانتباه. فهل إننا عالقون في شبكة مشكلاتنا نحن، رغباتنا نحن، دوافعنا نحن إلى اللذة والألم، إلى حدِّ أننا لا ننظر حولنا أبدًا، لا نراقب القمر أبدًا؟ راقبْه. راقبْ بعينيك وأذنيك جميعًا، بحاسة الشم لديك. راقبْ. انظرْ كما لو أنك تنظر للمرة الأولى. إذا استطعت أن تفعل ذلك، فأنت ترى تلك الشجرة، ذاك الدغل، نصل العشب ذلك، للمرة الأولى. إذ ذاك تستطيع أن ترى مدرِّسك، أمك وأباك، شقيقك وشقيقتك، للمرة الأولى. هناك عند ذاك شعور خارق: العَجَب، الغرابة، معجزة صباح طازج لم يكن من قبلُ قط، ولن يكون أبدًا. كنْ حقًّا على وصال مع الطبيعة، غير عالق لفظيًّا في وصفها، بل كن جزءًا منها، كن واعيًا، اشعرْ بأنك تنتمي إلى ذاك كله، كنْ قادرًا أن تُكِنَّ محبةً لذاك كله، أن تعجب لمرأى غزال، لمرأى الضب على الجدار، لمرأى ذلك الغصن المكسور المرتمي على الأرض. انظرْ إلى نجمة المساء أو القمر الوليد، من غير الكلمة، من غير أن تكتفي بمجرد قولك: "ما أجمله!"، ثم تُدبر عنه، وقد جذبك شيءٌ آخر، بل راقبْ تلك النجمة المتوحدة والقمر الوليد الرقيق كما لو للمرة الأولى. إذا كان ثمة وصال كهذا بينك وبين الطبيعة، يمكن لك عندئذ أن تتواصل مع الإنسان، مع الصبي الجالس إلى جانبك، مع مربيك، أو مع والديك. ترانا لم نفقد فقط كل حسٍّ بالعلاقة خال من التصريح اللفظي بالمودة والمبالاة، بل وهذا الإحساس بالوصال الذي ليس لفظيًّا. إنه إحساس بأننا جميعًا معًا، بأننا جميعًا بشر، غير منقسمين، غير مفتتين، غير منتمين إلى أي جماعة بعينها أو عرق بعينه، أو إلى تصورات مثالية ما، بل بأننا جميعًا بشر، نحيا جميعًا على هذه الأرض الخارقة، البديعة.

*

على المربي أن يتكلم على هذه الأشياء كلها، ليس لفظيًّا فقط، بل يجب عليه أن يشعر به بنفسه – العالم، عالم الطبيعة وعالم الإنسان. فهما مترابطان. ليس بمستطاع الإنسان أن يتهرب من ذلك. عندما يدمر الطبيعة فهو يدمر نفسه. عندما يقتل سواه فهو يقتل نفسه. العدو ليس الآخر، بل هو أنت. الحياة على مثل هذا التناغم مع الطبيعة، مع العالم، يجلب، بطبيعة الحال، عالمًا مختلفًا.

15 تشرين الثاني 1983

إنك لَتتعلم الكثير من المراقبة – مراقبة الأشياء من حولك، مراقبة العصافير، الأشجار، مراقبة السماوات، النجوم، كوكبة الجبار، الدب، نجمة المساء. إنك لَتتعلم من مجرد المراقبة، لا من مراقبة الأشياء من حولك وحسب، بل ومن مراقبة الناس أيضًا: كيف يمشون، كيف يومئون، أي كلمات يستعملون، ماذا يلبسون من ثياب. وأنت لا تراقب ما هو في الخارج وحسب، بل وتراقب نفسك أيضًا، لماذا تفكر في هذا أو ذاك، كيف تتصرف، كيف تسلك في حياتك اليومية، لماذا يريدك الوالدان أن تفعل هذا أو ذاك. أنت تراقب، ولا تقاوم. إذا قاومت فلن تتعلم. أو تراك إذا توصلت إلى نوع من الاستنتاج النهائي، إلى رأي ما تظنُّه صائبًا، وتشبثت به، إذ ذاك، بطبيعة الحال، لن تتعلم أبدًا. الحرية ضرورية للتعلم، وكذلك حب الاستطلاع، الإحساس بأنك تريد أن تعرف لماذا تتصرف أنت أو الآخرون على نحو بعينه، لماذا يغضب الناس، لماذا يعتريك انزعاج.

*

والداك – خصوصًا في الشرق – يأمرانك بمن يجب أن تتزوج ويرتبون لك أمر الزيجة؛ يأمرانك بما يجب أن تكون عليه سيرتك المهنية. وهكذا فإن المخ يقبل بالطريق السهل، والطريق السهل ليس الطريق الصائب دومًا. أتساءل إن كنت قد لحظت بأنه لم يعد أحد يحب عمله، ماعدا، ربما، ثلة من العلماء والفنانين والآثاريين. لكن الإنسان العادي، المتوسط، قلما يحب ما يفعل؛ إنه عبد مأمور للمجتمع، لوالديه، أو للدافع إلى كسب مزيد من المال. وإذن، تعلَّمْ أن تراقب العالم الظاهري مراقبة دقيقة للغاية، العالم خارجك، والعالم الباطني – أي عالم نفسك.


* From Letters to the Schools, vol. 2, copyright ©1985 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd, pp. 40-45.

التقليد - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, كانون الثاني 13th, 2010

صرنا مقلِّدين…*

ج. كريشنامورتي

ج. كريشنامورتي

ما هي العلاقة بينك وبين البؤس، البلبلة، فيك وحواليك؟ هذه البلبلة، هذا البؤس، لم ينشأ قطعًا من تلقاء ذاته؛ أنت وأنا – ليس المجتمع الرأسمالي ولا الشيوعي ولا الفاشي هو الذي أوجده – بل أنت وأنا أوجدناه في علاقة كلٍّ منا بالآخر. ما أنت إياه في الداخل أسقِطَ خارجًا، على العالم؛ ما أنت إياه، ما تفكر فيه وما تشعر به، ما تفعله في حياتك اليومية، يُسقَط خارجيًّا، وذاك يكوِّن العالم. إذا كنا بائسين، مبلبَلين، فوضويين في الداخل، فإن ذاك يصير – بإسقاطه – العالمَ، ذاك يصير المجتمع، لأن العلاقة بينك وبيني، بيني وبين الآخر، هي المجتمع – المجتمع هو نتاج العلاقة بيننا –، وإذا كانت علاقتنا مبلبَلة، متمركزة على الأنا، ضيقة، محدودة، قومية، فإننا نُسقِط ذلك ونجلب الفوضى إلى العالم.

كما تكون أنت يكون العالم. ومنه، فإن مشكلتك هي مشكلة العالم. هذا – قطعًا – واقع بسيط وأساسي، أليس كذلك؟

*

لماذا يتداعى المجتمع، ينهار، كما هو فاعل قطعًا؟ واحد من الأسباب الأساسية هو أن الفرد – أنت – قد كف عن الإبداع. سأشرح ما أعنيه: لقد صرنا – أنت وأنا – مقلِّدين؛ ترانا ننسخ، خارجيًّا وداخليًّا. خارجيًّا، حين نتعلم تقنية ما، حين نتواصل بعضنا مع بعض على المستوى اللفظي، لا بدَّ بطبيعة الحال من وجود شيء من التقليد، من النسخ. تراني أنسخ الكلمات. لكي أصير مهندسًا، يجب علي أولاً أن أتعلم التقنية، ثم أستعمل هذه التقنية لبناء جسر. لا بدَّ من وجود مقدار معين من التقليد، من النسخ، في التقنية الخارجية، ولكن حين يوجد تقليد داخلي، نفساني، نكف قطعًا عن الإبداع. تربيتنا، بنية مجتمعنا، حياتنا الدينية المزعومة، تقوم كلها على التقليد؛ أي أنني أنصاع لصيغة اجتماعية أو دينية بعينها، وبذلك لا أعود فردًا حقيقيًّا. تراني أصير – نفسانيًّا – مجرد آلة مكرِّرة ذات استجابات مشروطة معينة، سواء كانت استجابات الهندوسي أو المسيحي أو البوذي أو الألماني أو الإنكليزي. استجاباتنا باتت مشروطة طبقًا لنموذج المجتمع، سواء كان شرقيًّا أو غربيًّا، دينيًّا أو ماديًّا. ومنه، فإن التقليد هو واحد من الأسباب الأساسية لتفكك المجتمع؛ وواحد من العوامل المفكِّكة هو القائد، الذي جوهره بالذات هو التقليد.


* From The First and Last Freedom, chapter 3, copyright ©1954 Krishnamurti Writings, Inc., pp. 31-32.

أنت العالم - ج. كريشنامورتي

الجمعة, كانون الثاني 1st, 2010

أنـت العالـم*

krishnaji_4

السائل: كيف يمكن لفكرة "أنت العالم وأنت مسؤول كليًّا عن النوع البشري بأسره" أن تُبرَّر على أساس عقلاني، موضوعي، عاقل؟

كريشنامورتي: لست واثقًا من إمكان عَقْلَنَتها على أساس عاقل، موضوعي. لكننا سنفحص عنها أولاً قبل أن نقرر عدم إمكان ذلك!

بادئ ذي بدء، الأرض التي نعيش عليها هي أرضنا – صحيح؟ إنها ليست الأرض البريطانية، ولا الأرض الفرنسية، أو الألمانية، الروسية، الهندية، الصينية، بل هي أرضنا التي نحيا عليها جميعًا. ذاك واقع. لكن الفكر جزأها عرقيًّا، جغرافيًّا، ثقافيًّا، اقتصاديًّا. وتلك التجزئة تسبِّب الخراب في العالم – بكل وضوح. ذاك أمر لا سبيل إلى إنكاره؛ ذاك التصريح تصريح عقلاني، موضوعي، عاقل. إنها أرضنا التي نحيا عليها جميعًا، لكننا جزأناها – لأسباب أمنية، لأسباب مختلفة، وطنية، سياسية، وهمية – الأمر الذي يسبِّب الحرب لا محالة.

قلنا أيضًا بأن الوعي البشري كله متشابه. ترانا جميعًا، مهما كان جزء الأرض الذي نعيش عليه، نكابد الكثير من العذاب، الألم، القلق، الريبة، الخوف؛ وترانا في بعض الأحيان، أو ربما أحيانًا كثيرة، نعرف اللذة. هذه هي الأرضية المشتركة التي يقف عليها البشر أجمعون – صحيح؟ هذا واقع لا سبيل إلى دحضه. قد نحاول أن نتفاداه، قد نحاول أن نتجاهله بقولنا إنه غير موجود، [كأنْ أقول] إنني "فرد"، إلى ما هنالك؛ لكنك حين تنظر إليه نظرة موضوعية، غير شخصية، ستجد أن وعينا يماثل – نفسيًّا – وعي البشر أجمعين. قد تكون طويل القامة، قد تكون أشقر البشرة، قد تكون بني الشعر؛ وقد أكون أسود البشرة، أو أبيض، أو قرنفلي اللون، أو ما شاكل – لكننا، داخليًّا، نعاني جميعًا معاناة فظيعة. ترانا جميعًا نعاني شعورًا بوحشة قانطة. قد يكون عندك أبناء، زوج، أسرة، لكنك عندما تكون وحدك، يستبد بك الشعور بأن لا علاقة لك بأي شيء؛ تراك تشعر بأنك معزول كليًّا. أغلبنا عنده ذلك الشعور. هذه هي الأرضية المشتركة بين البشر أجمعين. ومهما يحدث في حقل هذا الوعي، فنحن مسؤولون. أي أنني، إنْ كنت عنيفًا، فأنا أضيف مزيدًا من العنف إلى ذلك الوعي المشترك بيننا جميعًا؛ أما إذا لم أكن عنيفًا، فلا أضيف إليه، بل أجلب عاملاً كليَّ الجدة إلى ذلك الوعي.

ومنه، فأنا مسؤول مسؤولية عميقة: إما أساهم في ذلك العنف، في تلك البلبلة، في تلك التجزئة الرهيبة، وإما – إذ أقرُّ عميقًا في قلبي، في دمي، في أعماق كياني، أنني سائر العالم، أنني النوع البشري، أنني العالم، أن العالم ليس منفصلاً عني – أصبح، إذ ذاك، كلي المسؤولية. هذا واضح كل الوضوح! هذا عقلاني، موضوعي، عاقل. [الموقف] الآخر هو الجنون بعينه: أن يسمي المرء نفسه هندوسيًّا، بوذيًّا، مسيحيًّا، إلى آخر ما هنالك من تسميات – فهذه مجرد لُصاقات!

حين يختبر المرء ذاك الشعور، ذاك الواقع، حقيقة أن كل إنسان يعيش على هذه الأرض ليس مسؤولاً عن نفسه وحسب، بل وعن كل ما يحدث، ترى كيف يترجم ذلك في الحياة اليومية؟ هل تشعر ذاك الشعور، لا كاستنتاج عقلي، لا كمثال، إلى آخره؟ – وإلا فليس له من الواقع نصيب. لكنْ إذا كانت الحقيقة هي أنك تقف على الأرضية المشتركة بين النوع البشري بأسره، وكنت تشعر بأنك كلي المسؤولية، ما هو عندئذ عملك حيال المجتمع، حيال العالم الذي تعيش فعليًّا فيه؟

العالم كما هو الآن مليء بالعنف. هَبْ أنني أدركت بأني كلي المسؤولية. ما هو عملي؟ هل سأنضم إلى جماعة من الإرهابيين؟ بالطبع لا. من الواضح أن التنافس بين الأمم بات يدمر العالم. حين أشعر بأني مسؤول عن هذا، تراني بطبيعة الحال أكف عن المنافسة. وكلا العالم الديني والعالم الاقتصادي والاجتماعي، على حدٍّ سواء، يقوم على مبدأ التراتُب. فهل سآخذ أنا الآخر بهذا المفهوم عن النظرة التراتُبية؟ بالطبع لا، لأن مَن يقول: "أعرف" يتخذ موقعًا مستعليًا، ويكون صاحب مرتبة. فإذا كنت تريد تلك المرتبة، اسْعَ في نيلها، لكنك بذلك تساهم في بلبلة العالم.

وإذن، فهناك أعمال فعلية، موضوعية، عاقلة، حين تدرك، حين تتحقق في أعماق قلبك، أنك سائر النوع البشري، وأننا جميعًا نقف على الأرضية نفسها.

زانِن، 29 تموز 1981


* From the transcript of the tape recording of the first public question & answer meeting at Saanen, 29 July 1981, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd, pp. 73-75.

مقاومة الفساد - ج. كريشنامورتي

الجمعة, كانون الثاني 1st, 2010

الوقوف في وجه الفساد*

krishnaji_4

السائل: لقد تكلمتَ على الوقوف في وجه المجتمع الفاسد والفاسق. المزيد من التوضيح هام للغاية بنظري.

كريشنامورتي: هل نحن، قبل كل شيء، متأكدان مما تتضمنه كلمة فساد؟ هناك الفساد الفيزيائي المتعلق بتلويث الهواء، في المدن، في البلدات الصناعية. ترانا ندمِّر البحار، نقتل ملايين الحيتان وصغار الفقمة. هناك التلوث المادي في العالم، وهناك الانفجار السكاني. ثم هنالك الفساد السياسي، الفساد الديني، إلى آخر ما هنالك من فساد. فعلى أي عمق يوجد هذا الفساد في المخ البشري، في النشاط البشري؟ عندما نتكلم على "الفساد"، علينا أن نكون متأكدين تمامًا مما نعني بتلك الكلمة، ومن على أي مستوى نتكلم عليه.

هناك فساد عبر العالم أجمع؛ وبالأكثر، لسوء الحظ، في هذا الجزء من العالم – تمرير المال من تحت الطاولة، اضطرارك إلى الرشوة إذا أردت شراء تذكرة؛ تعرفون الألاعيب الدائرة في هذا البلد كلها! فعل أفسد يعني "خرَّب"، ليس مختلف الأجزاء فقط ضد الطوائف والدول الأخرى، بل يعني أساسًا تخريب المخ والقلب. لذا يجب علينا أن نتأكد من على أي مستوى نتكلم على هذا الفساد: أهو على المستوى المالي، على المستوى البيروقراطي، المستوى السياسي، أو المستوى الديني – الذي باتت تستحوذ عليه أنواع الخرافة كافة، بلا أي مغزى بتاتًا: مجرد كلمات كثيرة فقدت كل معنى، وهذا في كلا العالمين المسيحي والشرقي؛ تكرار الطقوس، تعرفون كل ما يجري. أليس ذلك فسادًا؟ دعونا، أرجوكم، نناقش الأمر.

أليست المُثُل شكلاً من أشكال الفساد؟ قد تكون عندنا مُثُل؛ ولنقل، على سبيل المثال، اللاعنف: عندما تكون عندك مُثُل للاَّعنف تتَّبعها، تراك تظل في أثناء ذلك عنيفًا. صحيح؟ أليس ذلك، إذن، فساد مخٍّ لا يبالي فعلاً بالعمل على إنهاء العنف؟ يبدو ذلك واضحًا للغاية.

ثم ألا يوجد فساد عندما لا يوجد الحب بتاتًا، بل اللذة فقط، بكل عذابها؟ كلمة "حب" هذه، عبر العالم كله، باتت محمَّلة بثقل باهظ، وعندما تُقرَن بالجنس، باللذة، بالقلق، بالغيرة، بالتعلق، أليس ذلك فسادًا يا ترى؟ أليس التعلق بحدِّ ذاته فسادًا؟ عندما يتعلق المرء بمثال أو ببيت أو بشخص، فإن العواقب هي الغيرة والقلق والاستئثار والسيطرة.

وإذن، فإن المسألة تتعلق أساسًا بالمجتمع الذي نعيش فيه، القائم أصلاً على علاقة بعضنا ببعض. إذا خلت هذه العلاقة من المحبة، ولم يكن ثمة إلا مجرد استغلال متبادل، مجرد تبادُل للمواساة بين الواحد والآخر، جنسيًّا وبوسائل أخرى متنوعة، فإنها تكون مجلبةً للفساد حتمًا. فماذا ستفعل حيال هذا كله؟ تلك هي المسألة حقًّا: ماذا ستفعل، كإنسان يعيش في هذا العالم، وهو عالم رائع؟ جمال الأرض، الإحساس بالخاصية الخارقة للشجرة – نحن ندمر الأرض، مثلما ندمر أنفسنا! أنت، كإنسان يعيش هنا، ماذا ستفعل؟ هل نحرص، كل واحد منا، على أنْ لا نكون فاسدين؟ نحن الذين نخلق ذاك المفهوم المجرد الذي نسميه "المجتمع". إذا كانت علاقة بعضنا ببعض مدمِّرة – الاقتتال الدائم، الصراع، الألم، اليأس – فلا بدَّ أن نخلق حتمًا بيئة تمثل ما نحن إياه. فماذا سنفعل حيال الأمر، ماذا سيفعل كل واحد منا؟ هذا الفساد – فقدان حسِّ الأمانة هذا – هل هو مجرد مفهوم؟ هل ما نريد أن نغيِّره هو مجرد فكرة أم أنه أمر فعلي؟ الأمر متوقف عليك أنت.

السائل: هل يوجد حقًّا شيء اسمه "تحوُّل"؟ وما هو الشيء الذي يجب "تحويله"؟

كريشنامورتي: حين ترصد، حين ترى من حولك القذارة على الطريق، سياسييك وكيف يتصرفون، سلوكك حيال زوجتك وأبنائك، إلى ما هنالك، فالتحول حاضر. أتفهم؟ إحداث نوع معين من النظام في الحياة اليومية – ذاك هو التحول، وليس شيئًا خارقًا، خارج العالم. أي أن المرء، حين لا يفكر تفكيرًا واضحًا، موضوعيًّا، سليمًا، عقلانيًّا، يجب عليه أن يعي ذلك كله ويغيِّره، يكسره. ذاك هو التحول. أنا غيور، فعليَّ أن أرصد ذلك، لا أن أتيح له الوقت للتفتح، أن أغيِّره فورًا. ذاك هو التحول. حين تكون جشعًا، عنيفًا، طَموحًا، – سواء كنت تحاول أن تصير نوعًا من الإله أو القديس، أم في مهنتك، – انظرْ إلى آلية الطموح برمتها، كيف تخلق عالمًا مهولاً في خلوِّه من الرأفة. لا أدري إنْ كنت بصيرًا بهذا كله. التنافس يدمر العالم، الذي يصير أكثر فأكثر عدوانية. إنْ كنت بصيرًا، غيِّرْه على الفور. ذاك هو التحول.

*

السائل: تقول بأن الفرد الواحد، إنْ تغيَّر، يستطيع أن يحوِّل العالم. مع ذلك، على الرغم من إخلاصك، محبتك، وضوحك، ومن تلك القدرة التي لا توصف [فيك]، ما انفك العالم يمضي من سيء إلى أسوأ. فهل هناك شيء ما اسمه "القَدَر"؟

كريشنامورتي: ما هو العالم؟ ما هو الفرد؟ ماذا فعل الأفراد وأثَّر في العالم؟ هتلر أثَّر في العالم. صحيح؟ ماو تسه-تونگ وستالين ولينين ولنكولن أثَّروا فيه؛ وكذلك البوذا أثَّر فيه، وإنْ يكن تأثيره مختلفًا تمامًا. شخص واحد تسبَّب في مقتل الملايين والملايين من الناس؛ جميع أمراء الحرب، الجنرالات، ما انفكوا يقتلون، يقتلون، يقتلون. وقد أثَّر ذلك في العالم. في غضون الخمسة آلاف سنة التاريخية الأخيرة، منذ أن بُدئ بتدوين التاريخ، نشبت حرب كل سنة، مؤثرةً في الملايين من الناس. ثم عندكم البوذا: هو الآخر أثَّر في الذهن البشري، في المخ البشري، عبر الشرق كله؛ ثم جاء كذلك الذين حرَّفوا [تعاليمه]. ومن ثم عندما نسأل إنْ كان التغير "الفردي" يجلب أي تحوُّل في المجتمع، أعتقد أن طرح السؤال على هذا النحو طرح مغلوط.

هل نحن مهتمون حقًّا بتحوُّل المجتمع يا ترى؟ إذا توغلت في الأمر توغلاً جديًّا، هل ترانا مهتمين حقًّا؟ المجتمع الفاسد، الفاسق، القائم على التنافس وانعدام الرأفة – ذلك المجتمع الذي نعيش فيه –، هل أنت مهتم عمقيًّا بتغييره، كفرد إنساني واحد حتى؟ إنْ كنت مهتمًّا حقًّا، عليك عندئذ أن تستفسر عن ماهية المجتمع. هل "المجتمع" كلمة؟ هل هو واقع، أم أنه مجرد مفهوم؟ – أتفهم؟ – مفهوم مجرد عن العلاقة الإنسانية. إن العلاقة الإنسانية هي المجتمع. تلك العلاقة، بكل تعقيداتها وتناقضاتها وألوان الكراهية فيها – هل تستطيع أن تبدِّل ذلك كله يا ترى؟ تستطيع. تستطيع أن تكف عن القسوة، كما تعلم، إلى آخر ما هنالك. كما تكون علاقتك كذلك تكون بيئتك: إذا كانت علاقتك علاقة استئثار، متمركزة على الذات، فأنت تخلق من حولك شيئًا يكون مدمِّرًا بالمقدار نفسه. فالفرد هو أنت؛ أنت سائر النوع البشري. لا أدري إنْ كنت تدرك هذا الأمر. نفسيًّا، داخليًّا، تراك تتعذب: أنت قلق، أنت مستوحش، أنت تنافسي؛ تراك تحاول أن تصير ذا شأن، وهذا هو العامل المشترك الساري عبر العالم أجمع. كل إنسان عبر العالم كله يفعل هذا، وإذن فأنت فعليًّا سائر النوع البشري. إذا أدركت ذلك، وإذا أحدثت في نفسك طريقة حياة جديدة، فأنت تؤثر في وعي النوع البشري ككل – على أن تكون جديًّا حقًّا، فتتوغل في الأمر توغلاً عميقًا. أما إذا لم تفعل، فلا بأس! الأمر متوقف عليك أنت.

مدراس، 6 كانون الثاني 1981


* From the transcript of the tape recording of the first public question & answer meeting in Chennai (Madras), 6 January 1981, copyright ©1981/1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd, pp. 69-72.

القتل - ج. كريشنامورتي

الأحد, كانون الأول 27th, 2009

القـتـل*

ج. كريشنامورتي

كانت الطائرة مزدحمة، تطير على ارتفاع نيف وعشرين ألف قدم فوق الأطلسي، وسجادة كثيفة من السحب تحتها. السماء من فوق شديدة الزرقة، والشمس خلفنا، ونحن نطير باتجاه الغرب رأسًا. كان الأطفال قد لعبوا، متراكضين جيئة وذهابًا على طول الممشى، والآن، بعد أن نفدت قواهم، كانوا نائمين. بعد الليلة الطويلة، كان جميع الآخرين أيقاظًا، يدخنون ويشربون. أمامنا رجل يحدِّث آخر عن مهنته، وعلى المقعد خلفنا امرأة تصف بصوت مسرور الأشياء التي اشترتها وتخمِّن مبلغ الرسم الذي سيكون عليها دفعه. على ذلك الارتفاع، كان الطيران سلسًا، من غير مطبات، مع أن رياحًا عاتية تهبُّ تحتنا. كان جناحا الطائرة يلتمعان في ضياء الشمس الصافي، والمَراوح تدور دورانًا سلسًا، قاضمة الهواء في سرعة خيالية؛ الريح كانت خلفنا، وسرعتنا تزيد على الثلاثمائة ميل في الساعة.

رجلان على الطرف الآخر بالضبط من الممشى الضيق يتكلمان بصوت مرتفع نوعًا ما، فكان من الصعب عدم استراق السمع لما يقولان. كانا رجلين ضخمين، وجه أحدهما أحمر، لفحتْه ونفحتْه تقلبات الجو. كان يشرح مهنة قتل الحيتان، مقدار المخاطر فيها، حجم المكاسب منها، وكم هو مهول ثوران البحار. بعض الحيتان يزن مئات الأطنان. الأمهات ذوات العجول لم يكن يُفترَض قتلهن، كما ليس مباحًا لهم قتلُ أكثر من عدد محدد من الحيتان في أثناء فترة معينة. ويبدو أن قتل هذه الوحوش العظيمة مبرمَج برمجة علمية فائقة، بحيث تُكلَّف كلُّ مجموعة أداءَ وظيفة خاصة تدربت عليها تدريبًا فنيًّا. رائحة السفينة-المصنع تكاد لا تطاق، لكن المرء لا يلبث أن يتعودها، مثلما يقدر أن يتعود أي شيء. لكن الأرباح العائدة [من قتل الحيتان] أرباح ضخمة إذا سار كل شيء على ما يرام. ثم راح يشرح الافتتان الغريب بالقتل، لكنْ في تلك اللحظة جيء بالشراب، فتغير موضوع الحديث.

البشر مولعون بالقتل، سواء كان قتل بعضهم بعضًا، أو قتل غزال بريء لامع العينين في أعماق الغابة، أو قتل نمر افترس الماشية. ثعبان يُدهَس عمدًا على قارعة الطريق؛ فخٌّ يُنصَب فيعلق فيه ذئب أو قيوط. رجال متأنقون، متضاحكون، يخرجون ببنادقهم الثمينة ويقتلون طيورًا كانت لتوِّها يناجي بعضها بعضًا. صبي يقتل أبا زريق ثرثارًا ببندقيته الهوائية، والراشدون من حوله لا يفوهون أبدًا بكلمة شفقة، ولا يوبخونه، بل على العكس، يهنئونه على مهارته في الصيد. القتل على سبيل الرياضة المزعومة، من أجل الطعام، في سبيل الوطن، من أجل السلام – لا فارق يُذكَر بين هذه كلها. التبرير ليس الجواب. هناك فقط: لا تقتلْ. في الغرب، ترانا نظن أن الحيوانات مسخَّرة من أجل بطوننا، من أجل لذة القتل، أو من أجل فرائها؛ أما في الشرق، فكل والد مافتئ يعلِّم، طوال قرون، مكررًا: لا تقتلْ، كن شفيقًا، كن رحيمًا. هنا، الحيوانات لا نفوس لها، وبالتالي يجوز قتلها من غير عقاب؛ أما هناك، فللحيوانات نفوس، فَراعِها ودَعْ قلبك يعرف المحبة. أكْلُ الحيوانات والطيور يُعَدُّ هنا أمرًا سويًّا، طبيعيًّا، تقرُّه الكنيسة وتروِّج له الدعاية؛ أما هناك، فليس كذلك، والمبالون، الديِّنون، عن تمسُّك بالموروث والثقافة، لا يأكلونها أبدًا. لكن هذا [الموقف] هو الآخر في طريقه إلى الزوال السريع. هنا، لم ننفك قط نقتل باسم الإله والوطن، وهذا بات ساريًا في كل مكان. القتل يتفشى؛ وبين ليلة وضحاها تقريبًا، ترى الثقافات القديمة تُكتسَح جانبًا، والفعالية وتحجُّر القلب ووسائل التدمير بات يُحرَص على تعزيزها وتقويتها.

السلام ليس بحوزة السياسي أو رجل الدين، ولا هو بحوزة المحامي أو رجل الشرطة. السلام حال ذهنية توجد حينها المحبة.


* From Commentaries on Living, Second Series, copyright ©1958 Krishnamurti Writings, Inc., pp. 29-30.

المشكلات والزمن - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, كانون الأول 16th, 2009

المشكلات والزمن*

ج. كريشنامورتي

بحسب أحدث مكتشفات الأنثروپولوجيين، عاش الإنسان على هذه الأرض، على ما يبدو، طوال حوالى مليونين من السنين. وقد ترك الإنسان في الكهوف، طوال حوالى سبعة عشر ألف سنة، سجلات عن الكفاح، عن الصراع، عن أسى الوجود الذي لا ينتهي – الصراع بين الخير والشر، بين الوحشية والشيء الذي ما انفك يطلبه أبدًا: الحب. وعلى ما يبدو، لم يستطع الإنسان حل مشكلاته – لا مشكلات الرياضيات، لا المشكلات العلمية أو الهندسية، بل المشكلات البشرية للعلاقة: كيف يحيا في هذا العالم حياة مسالمة، كيف يكون على صلة حميمة مع الطبيعة ويرى جمال طائر على غصن أجرد.

وإذا ما انحدرنا إلى الأزمنة الحديثة، لوجدنا أن مشكلاتنا – مشكلات الإنسان – ما انفكت تتفاقم أكثر فأكثر؛ وترانا نحاول أن نحل هذه المشكلات، بحسب أنماط بعينها من الأخلاقيات أو السلوك، وبحسب مختلف الالتزامات التي وهبنا أذهاننا لها. وبحسب التزاماتنا، أنماط سلوكنا، وَصْفاتنا ومرجعياتنا الدينية، ترانا نحاول أن نحل مشكلاتنا، عذاباتنا، يأسنا، تقلُّباتنا، وتناقضات حياتنا. ترانا نأخذ بموقف معين بوصفنا شيوعيين، اشتراكيين، هذا أو ذاك؛ ومن ذلك الموقف، من تلك "المنصة"، إذا جاز التعبير، نحاول أن نحل مشكلاتنا متفرقةً، واحدة بعد الأخرى – هذا ما نفعله في حياتنا.

قد يكون أحدهم عالِمًا عظيمًا، لكن ذلك العالِم بالذات، في مختبره، مختلف كليًّا عن العالِم في منزله، القومي، المرير، الغضوب، الغيور، الحسود، المتنافس مع أترابه العلماء على اسم أعظم، على شعبية أعظم، وعلى المزيد من المال. إنه غير معنيٍّ بالمشكلات البشرية بتاتًا، بل معنيٌّ فقط باكتشاف مختلف أشكال المادة وبحقيقة ذلك كله.

ونحن كذلك – بما نحن بشر عاديون ولسنا خبراء ولا اختصاصيين في أي مجال بعينه – ملتزمون نمطًا معينًا من السلوك، مفاهيم دينية معينة، أو سمًّا قوميًّا ما، ومن التزامنا ذاك نكدح لحل المشكلات المتكاثرة، المتفاقمة أبدًا.

الكلام، كما تعلمون، لا نهاية له، القراءة لا نهاية لها. بالوسع تكديس الكلمات على الكلمات، والأسلوب البليغ، جمال اللغة، عقلانية ما يقال أو لامنطقيته، إما أن تقنعك وإما أن تثنيك. لكن المهم ليس تكديس الكلمات، ليس الاستماع إلى الأحاديث والخُطَب والقراءة، بل بالحري حلُّ المشكلة – مشكلة الإنسان، مشكلتك أنت – لا مجزأةً، لا عندما تظهر، لا بحسب الظروف، لا بحسب ضغوط الحياة الحديثة وتوتراتها، لكنْ انطلاقًا من فاعلية مختلفة كليًّا. هناك المشكلات البشرية: الطمع، الحسد، بلادة روح الذهن، القلب الموجوع، الانعدام المروِّع لحساسية الإنسان، الوحشية، العنف، اليأس والعذاب العميقان. وطوال مليونين من السنين عشناها ونحن نحاول أن نحل هذه المشكلات بحسب وصفات مختلفة، مذاهب مختلفة، مناهج مختلفة، گورو [معلمين روحيين] مختلفين، طرائق للنظر مختلفة، مستفسرين، متقصِّين. ومع ذلك، فنحن حيث نحن، عالقون في هذه السيرورة التي لا تنتهي من العذاب والبلبلة واليأس المستديم.

فهل هناك وسيلة لحل المشكلات حلاً جذريًّا، تامًّا، بحيث لا تظهر أصلاً، وإذا حدث وظهرت، نستطيع أن نواجهها آنيًّا ونحلها، نبدِّدها، نتخلص منها؟ هل هناك وسيلة حياة كلية لا تربة فيها لنبات المشكلات أصلاً؟ هل هناك سبيل للعيش – لا نمط طريقة أو منهج أو مذهب، بل سبيل كلي للعيش – بحيث لا تنبت أية مشكلة في أي وقت، وإذا حدث ونبتت، يستطاع حلُّها آنيًّا؟ إن ذهنًا مثقلاً بعبء المشكلات يصير ذهنًا بليدًا، ثقيلاً، غبيًّا. لا أدري إذا اتفق لكم أن تراقبوا ذهنكم وأذهان زوجاتكم وأزواجكم وجيرانكم. عندما يعاني الذهن مشكلات من أي نوع، فإن تلك المشكلات بعينها – حتى مشكلات الرياضيات، مهما تكن معقدة، مهما تكن مؤلمة، مهما تكن مستعصية، عقلية – تبلِّد الذهن. وبكلمة مشكلة أعني مسألة صعبة، علاقة صعبة، قضية صعبة تبقى غير محلولة وتُحمَل من يوم إلى يوم. وإذن فنحن نسأل إنْ كان هناك سبيل عيش، إنْ كانت هناك حالٌ ذهنيةٌ، لأنها تتفهم كلية الوجود، خاليةٌ من المشكلات، وكذلك، حين يحدث وتظهر مشكلة، تستطيع أن تحلها فورًا. فما إن تُحمَل مشكلةٌ مؤجلة – يومًا واحدًا حتى، دقيقة واحدة حتى – حتى تجعل الذهن ثقيلاً، بليدًا، والذهن يَعدَم كل حساسية للنظر، للرصد.

هل يوجد فعل كلي، حال ذهنية تحل كل مشكلة عند ظهورها، وخالية في ذاتها من المشكلات، على أي عمق كان، واعية أم خافية؟ لا أدري إذا اتفق لك يومًا أن تسأل نفسك هذا السؤال. أغلب الظن أنك لم تفعل، لأن غالبيتنا غارقون، عالقون في مشكلات العيش اليومي، – طلب الرزق وتلبية متطلبات مجتمع يبني نفسانيًّا بنيةً قائمةً على الطموح، الجشع، الاستئثار، – إلى حدِّ أنه ليس عندنا وقت للتقصي. هذا الصباح، سنتقصى في هذا الأمر، وعليك أنت يتوقف مدى عمق تقصِّيك، مدى جدية طلبك، مقدار وضوح رصدك وشدته.

لقد عشنا، على ما يبدو، طوال مليونين من السنين – وإنها لفكرة رهيبة! ولعلنا سوف نعيش، كما يفعل البشر، مليونين آخرين من السنين، عالقين في الألم المستديم للوجود. فهل توجد وسيلة، هل يوجد شيء يحرِّر الإنسان من هذا، يحرِّره تمامًا، بحيث لا يعيش ثانية واحدة حتى في العذاب، لا يخترع فلسفة ترضيه في عذابه، لا يضع وصفة يطبِّقها على جميع المشكلات التي تظهر، فيزيد بذلك من تلك المشكلات؟ يوجد! توجد حال ذهنية تستطيع أن تحل المشكلات فورًا؛ وبالتالي، فإن الذهن، بحدِّ ذاته، يخلو من المشكلات، واعية أو خافية.

سنتقصى في هذا الأمر. ومع أن المتكلم سيستعمل كلمات وينفذ إلى أبعد ما يمكن عبر ما تبلِّغه الكلمات، يتعين عليك أنت أن تصغي وتفهم. أنت إنسان، ولست فردًا، لأنك مازلت العالم، الجمهور؛ أنت جزء من بنية هذا المجتمع الرهيبة. لا فردية هناك إلا حين توجد حال ذهنية يخلو الذهن حينها من المشكلات، حين يستخلص ذاته تمامًا من البنية الاجتماعية للاستئثار، للجشع، للطموح.

نقول إن هناك حالاً ذهنية بوسعها أن تحيا من دون أية مشكلة، وبوسعها أن تحل آنيًّا أية مشكلة تظهر. عليك أن ترى مدى أهمية عدم حملك مشكلة مؤجلة، ولا حتى يومًا واحدًا أو ثانية واحدة، لأنك كلما كانت عندك مشكلة غير محلولة، زودتَها بتربة يمكن لها أن تتجذَّر فيها، فتخرِّب الذهن والقلب والحساسية العصبية. لذا فمن اللازم أن تُحلَّ المشكلةُ على الفور.

هل من الممكن، بعد أن عشنا طوال مليونين من السنين مع النزاعات، مع البؤس، مع تذكار الآماس الكثيرة – هل من الممكن للذهن أن يتحرر من ذلك، بحيث يكون تامًّا، سليمًا، غير مفتت؟ ومن أجل اكتشاف ذلك، لا بدَّ للمرء من أن يتقصى في الزمن، لأن الصلة وثيقة بين المشكلات والزمن.

وإذن، فسنتقصى في الزمن. أي أننا، بعد أن عشنا طوال مليونين من السنين، هل يتعين علينا أن نواصل العيش مليونين آخرين من السنين في الأسى، الألم، الكرب، الصراع المستديم، الموت؟ هل هذا محتوم؟ المجتمع يتقدم، يتطور على ذلك النحو – يتطور عبر الحرب، عبر الضغط، عبر هذا الصراع بين الشرق والغرب، عبر سائر خلافات القوميات، السوق المشتركة، كتل هذه القوة وتلك القوة. المجتمع يتحرك، يتحرك، يتحرك – بطيئًا، غافيًا بمعنى ما، لكنه يتحرك. طيب، لعل المجتمع، بعد مليونين من السنين، سوف يصل إلى نوع من الحال يعيش فيها [الإنسان] مع إنسان آخر من دون تنافس، بمحبة، في رفق، في طمأنينة، بحسٍّ جمالي رفيع. ولكنْ هل يتعين على المرء أن ينتظر مليونين من السنين حتى يتوصل إلى ذلك؟ ألا يجب على المرء أن يكون نافد الصبر؟ أنا أستعمل عبارة نفاد الصبر بالمعنى السليم: نفاد الصبر بمعنى عدم الصبر على الزمن. أقصد: ألا نستطيع أن نحل كل شيء، ليس من خلال الزمن، بل فورًا؟

تفكرْ في هذا الأمر فعلاً. لا تقل إنه غير ممكن أو إنه ممكن. ما هو الزمن؟ هناك الزمن الميقاتي، الزمن بتوقيت الساعة – وذلك واضح، ذلك ضروري: حين يكون عليك أن تبني جسرًا، تراك تحتاج إلى زمن. لكن أي شكل آخر من الزمن – أي: "سوف أكون…"، "سوف أفعل…"، "يجب عليَّ ألا…" – ليس حقيقيًّا؛ إنه مجرد اختراع ذهن يقول: "سوف أفعله." أما إذا لم يكن هناك غد – وليس هناك غد – فإن موقفك برمته إذ ذاك يختلف. وفعليًّا لا يوجد مثل هذا الزمن – فحين تكون جائعًا أو شبقًا أو شهوانيًّا، لا زمن عندك: تراك تريد ذاك الشيء على الفور! ومنه، فإن فهم الزمن هو حل المشكلات.

عاينْ، أرجوك، العلاقة الوثيقة بين المشكلة والزمن. على سبيل المثال، هناك أسى. أنت تعرف ما هو الأسى – لا الأسى المطلق، بل أسى الوحشة، أسى عدم حصولك على شيء تريده، أسى عدم رؤيتك رؤية واضحة، أسى الإحباط، أسى فقدانك شخصًا تظن أنك تحبه، أسى رؤيتك شيئًا رؤية واضحة للغاية، عقليًّا، مع عجزك عن فعله. وفيما يتعدى هذا الأسى، هناك أسى أعظم أيضًا: أسى الزمن. إذ إن الزمن هو الذي يولِّد الأسى. أصغوا إلى هذا، أرجوكم. لقد قبلنا الزمن، وهو سيرورة الحياة المتدرجة، الطريقة المتدرجة في التطور، التغير المتدرج من هذا إلى ذاك، من الغضب إلى حال من عدم الغضب، بالتدريج. لقد قبلنا سيرورة التطور المتدرجة، وترانا نقول إنها جزء من الوجود، إنها جزء من الحياة، إنها خطة الله، أو الخطة الشيوعية، أو خطة أخرى ما. لقد قبلناها، وترانا نتعايش مع ذلك، لا تخيليًّا، بل فعليًّا.

والآن، ذاك، بنظري، هو الأسى الأعظم: السماح للزمن بأن يملي التغيير أو التحول. أعليَّ أن أنتظر عشرة آلاف سنة وأكثر، أعليَّ أن أتكبد هذا البؤس، هذا النزاع، عشرة آلاف سنة أخرى، وببطء، أتغير بالتدريج، شيئًا قليلاً فشيئًا قليلاً، فآخذ وقتي، أتحرك ببطء؟ قبول ذلك والعيش على تلك الحال هو الأسى الأعظم.

*

هل من الممكن إنهاء ذاك الأسى فورًا؟ – ذلك هو لبُّ المسألة. إذ إنني بمجرد أن أحل الأسى – الأسى بالمعنى الأعمق لتلك الكلمة – ينتهي كل شيء. ذلك أن ذهنًا يعاني الأسى ليس بوسعه أبدًا أن يعرف ما يعنيه الحب.

*

وإذن، فعليَّ أن أتعلم عن الأسى فورًا، وفعل التعلُّم بعينه هو القطع التام للزمن. رؤية شيء على الفور، رؤية الزائف على الفور، – رؤية الزائف تلك هي بعينها فعل الحقيقة الذي يحررك من الزمن.

سأتوغل بعض الشيء في مسألة الرؤية هذه. بينما كنَّا داخلين لتوِّنا، كان هناك ببغاء: أخضر، لامع، بمنقاره الأحمر، جاثم على غصن ميت على خلفية السماء الزرقاء. نحن لا نراه بتاتًا؛ فنحن أكثر انشغالاً، أكثر تركيزًا من أن نراه، نحن من الاضطراب بحيث لا نرى أبدًا جمال ذلك الطائر على الغصن الميت على خلفية السماء الزرقاء. فعل الرؤية فوري – لا "سوف أتعلم كيف أرى". إذا قلت: "سوف أتعلم"، فقد أقحمت الزمن سلفًا. وإذن، ليس رؤية ذلك الطائر وحسب، بل وسماع ذلك القطار أيضًا، سماع السعال، هذا السعال العصبي المتواصل كل الوقت هنا، – سماع ذلك الضجيج، الإنصات إليه، هو فعل فوري. وإنه لَفعل فوري أن ترى رؤية واضحة للغاية، من دون المفكر – رؤية ذلك الطائر، رؤية المرء ما هو إياه، فعليًّا، لا النظريات حول الآتمن [الذات العليا] الفائق إلى ما هنالك من نظريات، بل رؤية فعلية لما هو المرء إياه.

تتضمن الرؤية ذهنًا خاليًا من الآراء، خاليًا من الوصفات. إذا كانت عندك وصفة في ذهنك، لن ترى أبدًا ذلك الطائر، – ذاك الببغاء الجاثم على ذلك الغصن الميت على خلفية السماء الزرقاء، – لن ترى جماله الكلي. ستقول: "نعم، ذاك ببغاء من النوع الفلاني، والغصن الميت غصن شجرة من النوع الفلاني، وزرقة السماء زرقاء بسبب الضوء المنتثر عبر هباء الغبار"، لكنك لن ترى أبدًا كلية ذلك الشيء الخارق. ولإدراك كلية ذاك الجمال، لا زمن هناك. بالطريقة عينها، لرؤية كلية الأسى، يجب عدم إقحام الزمن بتاتًا.

*

انظرْ إلى الأمر، رجاءً، بطريقة أخرى. كما تعلم، فعليًّا، ليس عندنا حب – ذاك شيء رهيب إدراكه. فعليًّا، ليس عندنا حب؛ عندنا العاطفة؛ عندنا الانفعالية، الحسية، الجنس؛ عندنا ذكريات عن شيء ظنناه حبًّا. لكننا فعليًّا، بصراحة فظة، ليس عندنا حب. لأن وجود الحب يعني عدم العنف، عدم الخوف، عدم التنافس، عدم الطموح. لو كان عندك حب لما قلت أبدًا: "هذه أسرتي." قد تكون عندك أسرة وتوفر لها أفضل ما تستطيع، لكنها لن تكون "أسرتك" أنت، في مقابل العالم. إذا أحببت، إذا وُجد الحب، يوجد سلام. لو أنك أحببت، لربيت ولدك على أنْ لا يكون قوميًّا، على أنْ لا يكون فقط صاحب مهنة تقنية، فيرعى شؤونه الصغيرة التافهة؛ لما كانت لك قومية. ما كانت الانقسامات الدينية لتوجد لو أنك أحببت. ولكنْ بما أن هذه الأمور موجودة فعليًّا – ليس نظريًّا، بل بواقعية موجعة – في هذا العالم البشع، فهذا يبين أنه لا حب عندك. حتى حب أمٍّ لولدها ليس حبًّا. لو أن الأم أحبت ولدها حقًّا، هل كان العالم على هذه الصورة يا ترى؟ [لو أحبته] لحرصت على أن يحصل على الطعام السليم، على التربية الصحيحة، لربَّتْه على أن يكون حساسًا، على أن يقدِّر الجمال، على أنْ لا يكون طَموحًا، طامعًا، حاسدًا. فالأم، إذن، مهما ظنت أنها تحب ولدها، لا تحب الولد حقًّا.

وإذن، فليس عندنا ذاك الحب.

*

فماذا ستفعل إذن؟ إذا قلت: "قل لي أرجوك ماذا أفعل"، فأنت تفوِّت عليك القطار بالمرة. لكنْ عليك أن ترى أهمية تلك المسألة، رحابتها، إلحاحها، – ليس غدًا، ليس في اليوم التالي أو في الساعة التالية، بل أن تراها الآن. ولرؤية ذاك، يجب أن تكون عندك طاقة. إذن، عاينْ فورًا فحسب – فالحفَّاز الذي يجمِّد السائل أو يبخِّره على الفور لا يفعل فعله إذا أدخلت الزمن، مجرد ثانية واحدة حتى. وجودنا كله، كتبنا كلها، أملنا كله، مؤجل – غدًا، غدًا، غدًا. إباحة حياتنا للزمن هي الأسى الأعظم.

وإذن فالقضية عندك، لا عندك المتكلم الذي تتوقع منه الحصول على جواب. إذ لا جواب هناك – وذاك جمال الأمر. بوسعك أن تجلس متربعًا، أن تتنفس التنفس الصحيح، أو أن تقف على رأسك طوال العشرة آلاف سنة القادمة. لكنك ما لم تطرح هذا السؤال على نفسك – ليس سطحيًّا، ليس لفظيًّا، ليس عقليًّا، بل بكيانك كله – سوف تعيش على ذلك طوال مليونين من السنين. تلك السنون المليونان قد تكون غدًا فحسب. وإذن، فالصلة وثيقة بين المشكلات والزمن – فهل ترى الأمر الآن؟

*

إن ذهنًا يطلب جوابًا عن هذا السؤال ليس عليه أن يفهم أنه نتاج الزمن وحسب، بل وأن ينفي ذاته أيضًا، بحيث يستطيع أن يكون خارج بنية الزمن، خارج المجتمع. لو أنك استمعت، استمعت حقًّا بإلحاح، بشدة، لتوصلت إلى هذا – ليس لفظيًّا وحسب، بل فعليًّا –: أنك لم تعد عالقًا في براثن الزمن. فالذهن، مع أنه نتاج مليونين أو أكثر من السنين، يكون قد أفلت، لأنه رأى السيرورة برمتها وفهمها على الفور. بوسع المرء أن يتوصل إلى هذا – ذاك واضح تمامًا. حين يرى المرء هذا الشيء، يكون الأمر أشبه بلعب الأطفال. فمع أنكم جميعًا أناس راشدون، لحظة ترى الأمر تقول: "ماذا كنت أفعل بحياتي طوال هذه المدة؟!" عندئذ فإن الذهن يخلو من المخادعة، يخلو من الضغوط.

حين يخلو الذهن من المشكلات، من التوترات، ويكون بلا اتجاه، إذ ذاك فإن لذهن كهذا فضاء، فضاءً لانهائيًّا في الذهن وفي القلب كليهما؛ وفقط في ذاك الفضاء اللانهائي يمكن للخلق أن يكون. ولأن الأسى والحب والموت والخلق هي جوهر هذا الذهن، يكون هذا الذهن حرًّا من الأسى، حرًّا من الزمن. وإذن، يكون هذا الذهن في حال محبة، وحين يوجد الحب، يوجد الجمال. في حسِّ الجمال ذاك، في الشعور بذاك الفضاء الرحب، اللانهائي، يوجد خلق. وأبعد من ذلك أيضًا – "أبعد" لا بمعنى الزمن – يوجد شعور بحركة شاسعة.

والآن، أنتم جميعًا تستمعون إلى الأمر، آملين أن تمسكوا به لفظيًّا، لكنكم لن تستطيعوا – مثلما لا تستطيعون أن تمسكوا بالحب بمجرد الاستماع إلى خطبة عن الحب. حتى تفهم المحبة، يجب عليك أن تبدأ من الأقرب إليك، وهو نفسك. ومن ثم حين تفهم، حين تخطو الخطوة الأولى – وتلك الخطوة الأولى بعينها هي الخطوة الأخيرة أيضًا –، بوسعك إذ ذاك أن تمضي بعيدًا للغاية، أبعد بكثير من الصواريخ المنطلقة إلى القمر أو الزهرة أو المريخ. وهذا، في كلِّيته، هو الذهن الديِّن.

ڤارنسي، 28 تشرين الثاني 1964


* From the Verbatim Report of the fifth public talk in Varanasi, 28 November 1964, in Collected Works of J. Krishnamurti, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation of America, pp. 20-28.