Archive for the ‘كريشنامورتي’ Category

ابدأ حيث أنت - ج. كريشنامورتي

الأحد, حزيران 13th, 2010

ابدأ حيث أنت!*

krishnaji_5

ج. كريشنامورتي

كنا نتحدث عن النزاع، وعما إذا كان جميع البشر الذين عاشوا على هذه الأرض، بكل كنوزها الشاسعة، في نزاع مستمر. ليس خارجيًّا مع البيئة، مع الطبيعة فحسب، لكنْ مع بعضنا بعضًا، وداخليًّا، "روحيًّا" على حدِّ زعمنا، مابرحنا في نزاع دائم. من اللحظة التي نولد فيها حتى نموت، نحن في نزاع. ونحن نصبر عليه؛ صرنا نتعوده، نحتمله. ترانا نجد أسبابًا كثيرة لتسويغ لماذا يجب أن نعيش في نزاع. نحسَب أن الصراع والكفاح المستمر يعنيان التقدم – التقدم الخارجي – أو الإنجاز الداخلي باتجاه الهدف الأسمى.

هذه البلاد الجميلة – الهند – هي التلال البديعة، الجبال الرائعة، الأنهار الهائلة التدفق. ولكنْ بعد ألوف السنين من الشقاء والصراع والطاعة والقبول وتدمير بعضنا بعضًا، هذا ما اختزلناها إليه: قفر موحش من البشر المتوحشين الطائشين، لا يبالون بالأرض، ولا بأشياء الأرض البديعة، بجمال بحيرة، بالنهر الجاري سريعًا. لا أحد منا يبدو عليه الاكتراث. كل ما نهتم به هي ذواتنا الصغيرة نحن، مشكلاتنا الصغيرة نحن. يود المرء أن يبكي على ما نفعله بهذه البلاد، وعلى ما تفعله البلدان الأخرى!

لقد صارت الحياة خارقة الخطورة، عديمة الأمان، بلا معنى إطلاقًا. تراك قد تخترع الكثير من المغزى، لكن الحياة اليومية الفعلية فقدت كل معنى، ماخلا جمع المال، بلوغ المناصب والنفوذ، إلى ما هنالك.

وما من سياسي، سواء كان من اليسار أو من اليمين أو من الوسط، سوف يحل أيًّا من مشكلاتنا. فرجال السياسة ليسوا مبالين بحلِّ المشكلات؛ إنهم مبالون بأنفسهم فقط وبالحفاظ على مناصبهم. والـگورو [المعلمون الروحيون] والأديان هي الأخرى خانت الإنسان. لقد اتبعتم الأوپنشاد والبرهماسوترا والبهگڤدگيتا، وإنها لَلُعبة الگورو أن يقرأها بصوت مرتفع على مسامع جمهور يُفترض فيه أن يكون مستنيرًا، ذا فطنة. ومنه، ليس بإمكانكم مطلقًا أن تتكلوا على السياسيين، أي الحكومة، ولا على الكتب الشريفة، ولا على أي گورو إطلاقًا، لأنهم هم الذين جعلوا هذه البلاد على ما هي عليه الآن. إذا كان أحدكم يسعى في المزيد من الزعامة، فذلك سيقودكم أيضًا إلى الدرب الخاطئ. وبما أنه ما من أحد بمقدوره أن يساعدنا، علينا أن نكون مسؤولين مسؤولية كلية، تامة، عن مسلكنا، عن سلوكنا، وعن أفعالنا.

*

مابرحت هذه البلاد تتكلم على اللاعنف. مازال يبشِّر به مرارًا وتكرارًا، سياسيًّا ودينيًّا، مختلف الزعماء؛ لكن اللاعنف ليس واقعًا، بل هو مجرد فكرة، نظرية، جملة من الكلمات. الواقع الفعلي هو أنك عنيف. ذاك ما هو. ونحن لسنا قادرين على فهم الـماهو، ولذلك ترانا نخترع هذا الهراء الذي نسميه "اللاعنف". بذا يؤول الأمر إلى نزاع بين ما هو وبين ما يجب أن يكون. وبينما أنت تسعى في اللاعنف، تراك تزرع بذور العنف طوال الوقت. وذاك أيضًا واضح للغاية. فهل ترانا نستطيع، معًا، أن ننظر إلى الـماهو بلا أي مهرب، بلا أي مُثُل، دون كبته أو تفاديه؟ نحن عنيفون بالوراثة عن الحيوان، عن القرد وغيره. والعنف يتخذ أشكالاً عديدة، لا الفعل الوحشي فحسب؛ إنها قضية معقدة للغاية. العنف هو المحاكاة، الامتثال، الطاعة؛ العنف هو ادعاؤك أنك غير ما أنت – فذاك شكل من أشكال العنف. انظر، رجاءً، إلى منطقية هذا كله. فالأمر ليس مجرد إدلائنا بتصريحات لكي تقبلها أو تنفيها. نحن نسير قُدُمًا على درب، في غابة، بين الحراج البديعة، معًا، ونتقصى العنف، مثل صديقين يتحادثان في أمور الحياة سوية، من غير أي إقناع، من غير أي استباق لحلِّ المشكلة. نحن نتحادث معًا، نرصد معًا. نحن نسير على الدرب نفسه، لا على دربك أو على دربي، بل على درب تقصي هذه المشكلات.

*

علينا، إذن، أن نتعلم، معًا، كيفية الرصد. أنتم لستم أتباع المتكلم، وهو ليس معلمكم الروحي [گورو]، حمدًا لله! ليس هناك من أعلى أو أدنى في هذا التقصي، ليس هناك من مرجعية. حين يكون ذهنك كسيحًا من جراء المرجعية، فمن الصعب للغاية أن تنظر إلى العنف. لذا فمن الأهمية بمكان فهم كيفية رصد ما يحدث في العالم: البؤس، البلبلة، النفاق، انعدام الذمة، الأعمال الوحشية التي ما انفكت مستمرة، الإرهابيين، الناس الذين يحتجزون رهائن، والمعلمين الروحيين [گورو] من أصحاب معسكرات الاعتقال الخصوصية! هذا كله عنف. كيف يجوز لأحدهم أن يقول: "أنا أعرف، فاتبعوني"؟! ذلك تصريح مخز! وإذن، فنحن نرصد معًا ما هو العنف، ونسأل: "ما هو الرصد؟" ما معنى أن ترصد البيئة من حولك: الأشجار، بركة الماء عند الزاوية، النجوم، القمر الوليد، الزُّهرة المتوحدة، نجمة المساء، مجد شروق الشمس؟ كيف تراقب ذلك؟ تراك لا تستطيع أن تراقب، أن ترصد، إذا كنت منشغلاً بنفسك، بمشكلاتك أنت، بأفكارك، بتفكيرك المعقد. صحيح؟ لا تستطيع أن تراقب إذا كانت عندك أحكام مسبقة، أو إذا كان هناك أي نوع من النتيجة أو الخبرة الخاصة التي تتشبث بها. فكيف ترصد هذا الشيء البديع المسمى "شجرة"؟ كيف تنظر إليه الآن، وأنت جالس هناك محاطًا بهذه الأشجار؟ هل رأيت أوراقها، مرفرفةً في الريح، جمال الضياء على الورقة؟ هل سبق لك أن شاهدته؟ وإذن، هل تستطيع أن تراقب شجرة، أو القمر الوليد، أو نجمة وحدها في السماوات، من غير الكلمة؟ إذ إن الكلمة ليست النجمة الفعلية أو القمر الفعلي. هل بوسعك أن تنحِّي الكلمة وتنظر؟

هل بوسعك أن تنظر إلى زوجتك من غير الكلمة؟ من غير ذكريات علاقتكما برمتها، مهما تكن حميمة، من دون الذاكرة المبتناة؟ هل بوسعك أن تنظر إلى زوجتك، أو أن تنظري إلى زوجك، من دون ذاكرة الماضي؟ هل سبق لك أن فعلت ذلك يومًا؟ رجاءً، هلمُّوا نتعلم معًا كيف نرصد زهرة. إذا عرفت كيف تنظر إلى زهرة، فذاك يحوي الأبدية. لا تنجرفوا بكلماتي! إذا عرفت كيف تنظر إلى نجم، إلى غابة كثيفة، ففي ذلك الرصد حينذاك فضاء، فيه الأبدية. علينا أن نكتشف، معًا، كيف ترصد زوجتك أو ترصدي زوجك من دون الصورة التي شكلتَها عنها أو شكلتِها عنه. عليك أن تبدأ قريبًا جدًّا لكي تمضي بعيدًا جدًّا. إذا لم تبدأ قريبًا، تراك لا تستطيع أبدًا أن تمضي بعيدًا. إذا أردت أن تتسلق الجبل أو تذهب إلى القرية المجاورة، فإن الخطوات الأولى مهمة للغاية: كيف تسير، بأي رشاقة، بأي يُسْر، بأي غبطة. وإذن، فنحن نقول بأنك لكي تمضي بعيدًا جدًّا جدًّا، حتى الأبدية، يجب عليك أن تبدأ قريبًا جدًّا، وهو علاقتك مع شريكك. هل تستطيع أن ترصد أسرتك بعينين صافيتين من دون كلمات "زوجتي" أو "زوجي"، "ابن أخي" أو "ابني"؟ – من دون الكلمة، من دون الجروح المتراكمة وتذكُّر الأشياء الماضية. افعلْ ذلك الآن. ارصدْ. وعندما يكون بمقدورك أن ترصد من دون الماضي، أي من دون الصور التي بنيتها عن نفسك وعنهم، إذ ذاك توجد العلاقة الصحيحة.

*

عندما تحيا يوميًّا مع الـماهو وترصد الـماهو، ليس في الخارج هناك وحسب، بل داخليًّا، إذ ذاك ستخلق مجتمعًا يكون بلا نزاع.

مدراس، 27 كانون الأول 1981


* From the transcript of the tape recording of the second public talk in Madras, 27 December 1981, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

شجرة - ج. كريشنامورتي

الأحد, حزيران 6th, 2010

شــجرة

من كريشنامورتي لنفسه*

krishnaji_4

25 شباط [1983]

ثمة شجرة قرب النهر، مافتئنا نراقبها يومًا بعد يوم طوال عدة أسابيع والشمس على وشك الشروق. بينما تشرق الشمس بطيئة فوق الأفق، فوق الأشجار، تصير هذه الشجرة بعينها، على حين غرة، ذهبية. الأوراق كلها ساطعة حياةً، وفيما أنت تراقبها والساعات تمر – تلك الشجرة التي لا يهم اسمها، فما يهم هو تلك الشجرة الجميلة –، تبدو المراقبة وكأنها تنشر خاصية خارقة فوق الأرض كلها، فوق النهر. وبينما الشمس ترتفع أعلى قليلاً، تبدأ الأوراق بالرفرفة، بالرقص. وتبدو كل ساعة وكأنها تمنح تلك الشجرة صفة مختلفة. تراها قبل أن تشرق الشمس تتصف بشعور داكن، هادئة، نائية، ممتلئة عزة. ومع بدء النهار، فإن الأوراق، والضياء يحل عليها، تتراقص وتمنحها ذاك الشعور العجيب الذي يشعر به المرء حيال الجمال العظيم. وعند انتصاف النهار، يكون فيؤها قد دكن، وبوسعك أن تجلس فيه متِّقيًا الشمس، غير شاعر بالوحشة أبدًا، مستأنسًا برفقة الشجرة. وأنت جالس هناك، تنعقد علاقة أمان عميق مستديم وحرية وحدها الأشجار بمستطاعها أن تعرفها.

وحوالى المساء، حينما تضيء الشمس الغاربة السماوات الغربية، تصير الشجرة رويدًا رويدًا داكنة، قاتمة، وتنغلق على نفسها. لقد أمست السماء حمراء، صفراء، خضراء، لكن الشجرة تظل هادئة، مختبئة، وتستريح لقضاء الليل.

إذا أقمت علاقة معها، فأنت إذ ذاك على صلة بالنوع الإنساني. وأنت عندئذ مسؤول عن تلك الشجرة وعن أشجار العالم. لكنك إذا انعدمت صلتك مع الأشياء الحية على هذه الأرض، فقد تخسر ما عندك من علاقة مع البشرية، مع البشر. نحن لا ننظر عميقًا في خاصية شجرة أبدًا، لا نلمسها حقًّا أبدًا، فنشعر بصلابتها، بلحائها الخشن، ونسمع الصوت الذي هو جزء من الشجرة – لا صوت الريح تتخلل الأوراق، لا نسيم الصباح يداعب الأوراق، بل صوتها هي، صوت الجذع وصوت الجذور الصامت. لا بدَّ لك من أن تكون خارق الحساسية لتسمع الصوت. هذا الصوت ليس ضوضاء العالم، ليس ضجيج الذهن مثرثرًا، ليس سوقية مشاجرات البشر وحروبهم، بل الصوت كجزء من الكون.

من العجب أننا قلما نعقد صلة مع الطبيعة، مع الحشرات والضفدع واثبًا والبوم ناعبًا بين التلال مناديًا رفيقته. يبدو وكأننا عديمو الشعور أبدًا بجميع الأشياء الحية على الأرض. لو أمكن لنا أن نقيم علاقة عميقة مستديمة مع الطبيعة، لما قتلنا أبدًا حيوانًا إشباعًا لشهيتنا، لما آذينا أو شرَّحنا أبدًا قردًا أو كلبًا أو خنزيرًا غينيًّا حيًّا لمنفعتنا، ولوجدنا طُرُقًا أخرى لإبراء جروحنا، لشفاء أجسامنا. غير أن شفاء الذهن أمر مختلف تمامًا. وذلك الشفاء يتم رويدًا رويدًا إذا كنت مع الطبيعة، مع تلك البرتقالة على الشجرة، ومع نصلة العشب التي تنتأ من خلال الإسمنت، ومع التلال التي تغطيها السحب وتخفيها.

هذا ليس من قبيل العاطفة أو الخيال الرومانسي، بل واقع علاقة بكل ما يحيا ويتحرك على الأرض. لقد قتل الإنسان ملايين الحيتان ولا يزال يقتلها. كل ما نجنيه من ذبحها يمكن الحصول عليه عبر وسائل أخرى. لكن الإنسان، على ما يبدو، يستحب قتل الأشياء، الظبي الرشيق والغزالة البديعة والفيل العظيم. ونحن نستحب قتل بعضنا بعضًا. وهذا القتل لسوانا من البشر لم يتوقف قط طوال تاريخ حياة الإنسان على هذه الأرض. لو أمكن لنا – ويجب علينا – أن نقيم علاقة عميقة طويلة مستديمة مع الطبيعة، مع الأشجار الفعلية والشجيرات والأزهار والعشب والسحب السريعة الحركة، إذ ذاك لما ذبحنا أبدًا إنسانًا آخر لأي سبب كان. الجريمة المنظمة هي الحرب.


* From Krishnamurti to Himself, 25 February 1983, copyright ©1987 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

محدودية الفكر - ج. كريشنامورتي

السبت, حزيران 5th, 2010

محدودية الفكر*

krishnaji_3

ج. كريشنامورتي

الفكر هو استجابة الذاكرة كخبرة ومعرفة، بحيث إننا نعمل دومًا في حقل المعرفة. لكن المعرفة لم تغير الإنسان. لقد شننَّا آلاف الحروب، وتألم ملايين البشر وبكوا، ولا نزال على هذه الحال مستمرين! معرفة الحرب لم تعلِّمنا شيئًا – ماعدا كيفية إتقان القتل على نطاق أوسع. المعرفة لم تغير الإنسان؛ فنحن لا نزال نتقبل الانقسام إلى قوميات. ترانا نتقبل ذلك الانقسام، مع أنه سيؤدي حتمًا إلى النزاع بين بعضنا بعضًا؛ ترانا تقبَّلنا الظلم، الوحشية التي أدى الفكر إليها عبر المعرفة. ما برحنا ندمر أنواع الحيوان: خمسون مليونًا من الحيتان قُتلت منذ بداية القرن [العشرين]! كل ما يمسُّه الإنسان يؤدي إلى الدمار. ومنه، فإن الفكر – وهو استجابة الذاكرة، الخبرة، المعرفة – لم يغير الإنسان، مع أنه أوجد عالمًا تكنولوجيًّا خارقًا.

*

حين يدرك الذهن محدودية الفكر، ضيقه، تناهيه، إذ ذاك فقط يستطيع أن يسأل السؤال: ما هي الحقيقة؟ هل هذا واضح؟ لا أقبل الحقيقة التي يقدِّمها الفلاسفة – فتلك هي لعبتهم. الفلسفة تعني محبة الحقيقة، لا محبة الفكر؛ ومنه، ليس هناك من مرجعية – لا سقراط، ولا أفلاطون، ولا بوذا. والمسيحية لم تتوغل عميقًا في هذا الأمر؛ لقد تلاعبت بالكلمات والرموز، صنعت من العذاب مسخرة، إلى آخر ما هنالك. فالذهن، إذن، ينبذ ذلك كله.

*

فما هي الحقيقة؟… عليك أن تتعرق دمك للقيام بهذا الأمر، عليك أن تهبه قلبك، لا أن تكتفي بقبول شيء سخيف ما. عليك أن تتصف بالقدرة على التقصي – لا القدرة التي ينميها الزمن، كما في تعلُّم تقنية ما، بل هذه القدرة التي تأتي حين تهتم اهتمامًا حقيقيًّا عميقًا، حين يكون الاكتشاف قضية حياة وموت – أتفهم؟

زانن، 13 تموز 1975


* From the transcript of the tape recording of the first public talk at Saanen, 13 July 1975, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

الراصد والمرصود - ج. كريشنامورتي

السبت, حزيران 5th, 2010

الراصد والمرصود، الرقيب،

الإشراط*

krishnaji_2

ج. كريشنامورتي

ترانا ندرك وجود انقسام في الحياة، فيَّ، فيك. الـ"أنت" والـ"أنا" عبارة عن أجزاء عديدة. الذات مركَّبة من العديد من الأجزاء. أحد الأجزاء هو الراصد وبقية الأجزاء هي المرصود. الراصد يصير واعيًا بالأجزاء، لكن الراصد هو الآخر واحد من الأجزاء؛ إنه ليس مختلفًا عن بقية الأجزاء. لذا يجب عليك أن تكتشف ما هو الراصد، المختبر، المفكر: ممَّ هو مكوَّن؟ وكيف يحدث هذا الانقسام بين الراصد والمرصود؟ الراصد، نقول، هو واحد من الأجزاء. فلماذا فصل نفسه، فتولى صفة المحلِّل الذي يعي، القادر أن يسيطر، يغيِّر، يكبت، إلى آخر ما هنالك. الراصد هو الرقيب… حاصل الإشراطات الاجتماعية والبيئية والدينية والثقافية. أي أن الانقسامات الثقافية قررت أنك مختلف عن الشيء الذي ترصده… أنت "الذات العليا" وتلك هي "الذات الدنيا"، أنت المستنير وتلك هي غير المستنيرة. فما الذي خوَّله سلطة أن يدعو نفسه "مستنيرًا"؟ ألأنه صار الرقيب؟ والرقيب يقول: "هذا صواب، هذا خطأ، هذا جيد، هذا سيء، يجب أن أفعل هذا، يجب ألا أفعل ذاك" – وهي حصيلة هذا الإشراط، إشراط المجتمع، إشراط الثقافة والدين والأسرة، إشراط العِرْق بأسره، إلى آخر ما هنالك.

الراصد، إذن، هو الرقيب، مشروطًا تبعًا لبيئته، وقد تولَّى سلطة المحلِّل. وكلٌّ من باقي الأجزاء يتولى هو الآخر سلطته؛ لكلِّ جزء سلطته، وبالتالي، هنالك صراع. ومنه، يوجد نزاع بين الراصد والمرصود. فحتى تتحرر من هذا النزاع، عليك أن تكتشف إنْ كان بوسعك أن تنظر من غير عينَي الرقيب؛ أي أن تكون واعيًا، أن تعي بأن عينَي الرقيب هما حصيلة إشراطه. فهل يمكن لتلك العينين أن تنظرا في حرية، أن تنظرا نظرًا بريئًا، حرًّا؟

*

هل يقوى الذهن على التحرر من هذا الإشراط كله؟… أنا مشروط بثقافة ما برحتْ موجودةً منذ ألوف السنين… فهل يمكن لخلايا المخ نفسها أن تتحرر من الإشراط كله، بوصفه الراصد، بوصفه كيانًا ينصاع، بوصفه كيانًا مشروطًا بالبيئة، بالثقافة، بالأسرة، بالعِرْق؟ إذا لم يتحرر الذهن من الإشراط فهو لا يستطيع أبدًا أن يتحرر من النزاع، وبالتالي، من العُصابية… ما لم نتحرر تحررًا تامًّا، فنحن أناس غير متوازنين؛ ومن جراء عدم توازننا، ترانا نتسبب في مختلف صنوف الأذى.

ومنه، فإن النضج هو التحرر من الإشراط. وتلك الحرية ليست قطعًا حصيلة الراصد، الذي هو بالذات مصدر كل ذاكرة، كل فكر. هل بوسعي أن أنظر بعينين لم يمسَسْهما الماضي قط؟ – فتلك هي خاصية العقل السليم. هل بوسعك أن تنظر إلى الغيمة، إلى الشجرة، إلى زوجتك، زوجك، صديقك، من دون صورة؟ وعيُك أن عندك صورة هو أول شيء، أليس كذلك؟ أن تعي أنك تنظر إلى الحياة من خلال وصفة جاهزة، من خلال صورة، من خلال مفاهيم – وهي جميعًا عوامل تحريف – وأن تعي ذلك من دون أي اختيار. فمادام الراصد يعي هذه، هناك عندئذ تحريف. لذا، هل بوسعك أن تنظر، هل بوسع الذهن أن يرصد من دون الرقيب؟ هل بوسعك أن تصغي بلا أي تأويل، بلا أي مقارنة أو حُكْم أو تقييم، أن تصغي إلى ذاك النسيم، إلى تلك الريح، بلا أي تدخُّل من الماضي؟

بركوود پارك، 10 أيلول 1970



* From the transcript of the tape recording of the second public dialogue at Brockwood Park, 10 September 1970, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

الخروج على بنية المجتمع - ج. كريشنامورتي

الجمعة, حزيران 4th, 2010

الخروج على بنية المجتمع*

krishnaji_2

ج. كريشنامورتي

حينما يرصد المرء ما يحدث في العالم، الشواش والبلبلة وتوحُّش الإنسان بالإنسان الذي لم يقوَ أي دين أو نظام اجتماعي – أو ربما فوضى اجتماعية! – على الحيلولة دونه، حينما يرصد نشاطات رجال السياسة والاقتصاد والمصلحين الاجتماعيين في العالم أجمع، يرى بأنهم جلبوا المزيد المزيد من البلبلة، المزيد المزيد من البؤس. الأديان، أي المعتقدات المنظمة، قطعًا لم تساعد من أي وجه على جلب النظام والسعادة العميقة المقيمة إلى الإنسان. ولا اليوطوپيات، سواء الشيوعية أو تلك المجموعات الأقلية التي شكلت جماعات، أفلحت في جلب أي وضوح عميق دائم إلى الإنسان. ويحتاج المرء إلى ثورة هائلة في العالم أجمع؛ فحصول تغيير عظيم أمر ضروري. ونحن لا نعني بذلك ثورة خارجية، بل ثورة داخلية على المستوى النفسي، أضحت بوضوح الأمل الأوحد، الخلاص الأوحد – إذا جاز لنا أن نستعمل هذه الكلمة – للإنسان. لقد جلبت الإيديولوجيات الوحشية، جلبت مختلف صنوف القتل والحروب؛ فالإيديولوجيات، مهما بدت نبيلة، هي في الواقع وبيلة للغاية. لا بدَّ من طفرة كلية في بنية خلايا مخنا نفسها، في بنية الفكر نفسها. ولإحداث مثل هذه الطفرة أو الثورة أو التغيير العميق الدائم، يحتاج المرء إلى مقدار كبير من الطاقة. يحتاج المرء إلى دافع، إلى عزيمة متواصلة ثابتة، لا إلى الاهتمام العارض أو الحماس الزائل الذي يولِّد نوعًا من الطاقة، لكنها لا تلبث أن تتبدد… وتلك الطاقة ما برح الإنسان يأمل أن يحصل عليها عبر المقاومة، عبر الانضباط، المحاكاة، الانصياع الدائم… ومع ذلك، فإن تلك المقاومة، ذلك الانصياع أو الانضباط، مجرد التكيف مع فكرة، لم يمنح الإنسان تلك الطاقة والقوة الضروريتين. لذا على المرء أن يجد عملاً مختلفًا من شأنه أن يجلب هذه الطاقة الضرورية.

في بنية المجتمع الراهنة هذه، في علاقتنا بين إنسان وإنسان، كلما زاد عملنا، تناقَص مقدار الطاقة لدينا. إذ إن في ذلك العمل تناقضًا، تجزئة؛ وبهذا يكون العمل جالبًا للنزاع، وبالتالي، يهدر الطاقة. على المرء أن يجد الطاقة المستديمة، الثابتة، التي لا تتلاشى. وأعتقد أن مثل هذا العمل الذي يولِّد هذه الخاصية الحيوية الضرورية لإحداث ثورة جذرية في الذهن متاح.

العمل – أي "الفعل"، النشاط –، عند غالبيتنا، يحدث تبعًا لفكرة، لوصفة جاهزة أو مفهوم. إذا رصدت نشاطاتك، حركتك اليومية فاعلةً، لرأيت أنك صغت فكرة أو إيديولوجيا، فتراك تعمل تبعًا لها. ومنه، هنالك انقسام بين فكرتك عما يجب عليك أن تفعل، أو عما يجب عليك أن تكون، أو كيف يجب عليك أن تعمل، وبين العمل الفعلي؛ بوسعكم أن تروا ذلك في أنفسكم رؤية واضحة للغاية. فالعمل، إذن، هو دومًا تقريب من الوصفة، من المفهوم، من المثال. وهناك انقسام، فصل، بين ما يجب أن يكون وبين ماهو، مما يسبب الثنائية، وبالتالي هناك نزاع.

رجاءً، لا تكتف بمجرد الاستماع إلى سلسلة من الكلمات – فالكلمات لا معنى لها بحدِّ ذاتها، الكلمات لم تُحدث قط أي تغيير جذري في الإنسان؛ بمقدورك أن تكدس الكلمات، أن تضفر منها إكليلاً، كما تفعل غالبيتنا، فتقتات بالكلمات، لكنها مجرد رماد، وهي لا تجلب الجمال إلى الحياة. الكلمات لا تجلب المحبة، وإذا اكتفيت بمجرد الاستماع إلى سلسلة من الأفكار أو الكلمات، إذ ذاك، أخشى ما أخشاه هو أنك ستذهب خالي الوفاض. أما إذا أصغيت، لا إلى المتكلم وحسب، بل إلى خواطرك أنت، أصغيت إلى طريقتك في الحياة، أصغيت إلى ما يقال، لا كشيء خارجك، بل كشيء يحدث فعليًّا في باطنك، لرأيت عند ذاك حقيقة – أو زيف – ما يقال. على المرء أن يرى ما هو صادق وما هو كاذب بنفسه، لا عبر سواه. ولكي تكتشف ذلك، عليك أن تصغي، عليك أن تولي عنايتك، مودتك، انتباهك، ما يعني أن تكون جديًّا للغاية. والحياة تتطلب أن نكون جديين، لأن الذهن الجدي للغاية وحده ينال الحياة – ينال فيضًا من الحياة؛ أما الفضولي، المفكر، الانفعالي، العاطفي، فليس له من الحياة نصيب.

*

نحن بحاجة إلى طاقة هائلة لإحداث تغيير نفساني في أنفسنا كبشر، لأننا طالما عشنا في عالم من التظاهُر، في عالم من الوحشية، العنف، اليأس، القلق. فلكي يحيا المرء حياة إنسانية، صحيحة، عليه أن يتغير. ولكي يُحدث تغييرًا في باطن نفسه، وبالتالي ضمن المجتمع، فهو بحاجة إلى هذه الطاقة الجذرية؛ إذ إن الفرد لا يختلف عن المجتمع: المجتمع هو الفرد والفرد هو المجتمع. ولإحداث التغيير الجذري، الجوهري، الضروري في بنية المجتمع – وهو فاسد، فاجر – لا بدَّ من تغيير في قلب الإنسان وذهنه. ولإحداث ذاك التغيير، تراك تحتاج إلى طاقة عظيمة؛ وتلك الطاقة تنتفي أو تحرَّف أو يُتلاعَب بها حين تعمل وفقًا لمفهوم، وهو ما نفعله في حياتنا اليومية. فالمفهوم يقوم على التاريخ الماضي، أو على استنتاج ما، وهو، بالتالي، ليس عملاً على الإطلاق، بل تقريب من وصفة جاهزة.

ومنه، يتساءل المرء إنْ كان هناك عمل لا يقوم على فكرة، على استنتاج تشكِّله أشياء الماضي الميتة.

*

أجل، يوجد مثل هذا العمل. وإقرار هذا ليس خلق فكرة جديدة. على المرء أن يكتشف ذاك العمل بنفسه؛ ولكي يكتشف، عليه أن يبدأ بالضبط من بداية سلوكنا البشري، من خاصية ذهننا البشري نفسها. أي أننا لسنا وحدنا أبدًا: قد نتمشى في غابة بمفردنا، لكننا لسنا وحدنا أبدًا. قد تكون مع أسرتك، في المجتمع، لكن الذهن البشري من الإشراط بالخبرة والمعرفة والذاكرة الماضية بحيث إنه لا يعرف ماهية أن يكون المرء وحده. والمرء يخشى أن يكون وحده لأن الوحدة تقتضي – ألا تقتضي؟ – أن يكون المرء خارج المجتمع. قد يعيش المرء في المجتمع، لكن عليه أن يكون خارجًا على المجتمع. وحتى يكون خارجًا على المجتمع، عليه أن يكون حرًّا من المجتمع. المجتمع يتطلب منك أن تعمل تبعًا لفكرة؛ فهذا كل ما يعرفه المجتمع، هذا كل ما يعرفه البشر: الانصياع، المحاكاة، القبول، الطاعة. وعندما يتقبل المرء ما يمليه الموروث، تراه ينصاع للنموذج الذي وضعه المجتمع (ما يعني أن البشر هم الذين وضعوه)، فيكون جزءًا من كل هذا الوجود البشري المشروط الذي يهدر طاقته عبر الجهد الدائم، عبر النزاع والبلبلة والبؤس الدائم. فهل من الممكن للبشر أن يكونوا أحرارًا من هذه البلبلة، من هذا النزاع؟

هذا النزاع، أساسًا، هو بين العمل وبين ما يجب أن يكونه ذلك العمل. والمرء يرصد داخل نفسه، كما يجدر به أن يفعل، كيف لا ينفك النزاع يستنزف الطاقة. إن البنية الاجتماعية بكاملها – التي يجب أن تكون تنافسية، عدوانية، [تتضمن] مقارنة المرء نفسَه بغيره، قبول إيديولوجيا، معتقد، وهكذا – تقوم على النزاع، ليس داخل المرء وحسب، بل في الخارج أيضًا. ثم نقول: "إذا انعدم النزاع ضمن النفس، إذا انعدم الصراع والقتال، سنصير كالحيوانات، سنصير كسالى" – وهو ليس الواقع الفعلي. ترانا لا نعرف أي نوع آخر من الحياة غير الحياة التي نعيشها، وهي الصراع الدائم من اللحظة التي نولد فيها حتى نموت؛ هكذا كل ما نعرفه.

حينما يرصد المرء ذلك، يمكن له أن يرى أي هدر للطاقة هو. لذا على المرء أن يستخلص نفسه من هذه الفوضى الاجتماعية، من هذا الفجور الاجتماعي – ما يعني أن على المرء أن يكون وحده. مع أنك قد تعيش في المجتمع، فأنت لم تعد تتقبل بنيته وقيمه – الوحشية، الحسد، الغيرة، روح التنافس – وبالتالي، أنت وحدك، وحين تكون وحدك فأنت ناضج. النضج لا يمت إلى العمر بصلة.

في العالم أجمع، هنالك تمرُّد، لكن ذلك التمرد لا يتم عبر فهم بنية المجتمع برمتها، وهي ذاتك أنت. ذلك التمرد مجزأ؛ أي أن المرء قد يتمرد على حرب بعينها، أو يقاتل سواه ويقتله في حربه المفضلة، أو يكون مؤمنًا دينيًّا ينتمي إلى ثقافة أو جماعة بعينها – كاثوليكية، پروتستانتية، هندوسية، أو ما شئتم. لكن التمرد يعني التمرد على البنية برمتها، لا على جزء بعينه من تلك الثقافة. وحتى يفهم المرء هذه البنية برمتها، عليه أن يكون واعيًا بها أولاً، عليه أولاً أن ينظر إليها، أن يعيها – أي أن يكون واعيًا بها من غير اختيار. لا يجوز لك أن تختار جزءًا بعينه من المجتمع وتقول: "أستحب هذا، لا أستحب ذاك، هذا يسرُّني وذاك لا يسرُّني"؛ فأنت عندئذ تنصاع لنموذج بعينه وحسب وتقاوم النموذج الآخر، وبالتالي، لا تزال عالقًا بالصراع. لذا فإن المهم هو أولاً رؤية صورة هذا الوجود الإنساني برمتها، وجود حياتنا اليومي؛ رؤيتها – لا كفكرة، لا كمفهوم، بل وعيها فعليًّا كما يعي المرء أنه جائع. الجوع ليس فكرة، ليس مفهومًا، بل هو واقع. بالمثل، فإن رؤية هذه البلبلة، هذا البؤس، الصراع الدائم الذي لا ينتهي، عندما يكون المرء واعيًا من غير اختيار بهذا الأمر كله، إذ ذاك، ينعدم النزاع تمامًا؛ إذ ذاك يكون المرء خارجًا على البنية الاجتماعية لأن الذهن قد استخلص نفسه من عبثية المجتمع.

*

الإنسان – أي كل واحد منا، أينما كنا نعيش – يريد، كما تعلمون، أن يجد حالاً ذهنية، حالاً من العيش، ليست كدحًا، ليست معركة. أنا واثق من أننا جميعًا، مهما نكن متواضعين أو مهما نكن مثقفين، نريد أن نجد طريقة حياة تكون منظمة، مليئة بالجمال والحب العظيم. فهذه كانت مدار بحث الإنسان طوال آلاف السنين، وبدلاً من أن يجدها، تراه استظهرها، وضعها في الخارج هناك، خلق آلهة، مخلِّصين، الكهنة بأفكارهم، وبذلك فوت على نفسه المسألة برمتها. على المرء أن يتنكر لذلك كله، أن يتنكر كليًّا للقبول بوجود السماء عبر سواه، أو عبر اتباع سواه. ما من أحد في العالم ولا في السماء بوسعه أن يهبك تلك الحياة. على المرء أن يشتغل في سبيلها – إلى ما لا نهاية.

*

أتساءل عما نعنيه بالموقف. لماذا نريد اتخاذ موقف؟ وماذا يعني الموقف؟ اتخاذ موقع، التوصل إلى استنتاج. عندي موقف من شيء ما، ما يعني أنني توصلت إلى استنتاج بعد دراسة المسألة، بعد التدقيق فيها، بعد التخطيط لها، بعد سبرها. لقد توصلت إلى هذه النقطة، إلى هذا الموقف، ما يعني أن مجرد اتخاذ موقف هو مقاومة؛ لذا فإن ذاك بحدِّ ذاته عنف. لا نقدر أن نتخذ موقفًا من العنف أو العداوة. فذاك يعني أنك تؤوِّلها تبعًا لاستنتاجك الشخصي، لهواك، لخيالك، لفهمك. ما نسأله هو التالي: هل من الممكن للمرء أن ينظر إلى هذه العداوة في نفسه، هذا الخلق للعدوانية في نفسه، هذا العنف، هذه الوحشية في نفسه، من دون أي موقف، أن يرى الواقع كما هو؟ فأنت ما إن تتخذ موقفًا حتى تحكم سلفًا، حتى تكون منحازًا لجهة ما، وبالتالي، لا تنظر، لا تتفهم ذاك الواقع داخل نفسك.

*

النظر إلى النفس من دون موقف، من غير أي رأي أو حكم أو تقييم، هو واحد من أشق الأمور. ففي هذا النظر هناك وضوح؛ وذاك الوضوح الذي ليس استنتاجًا، ليس موقفًا، هو الذي يبدد بنية الوحشية والعداوة هذه برمتها.

أمستردام، 22 أيار 1968



* From Talks in Europe 1968, 22 May 1968, copyright ©1969 The Krishnamurti Foundation London.

أرضنا الرائعة! - ج. كريشنامورتي

الأثنين, أيار 17th, 2010

رائعة هذه الأرض!

من كريشنامورتي لنفسه*

krishnaji_3

26 نيسان [1983]

رأى المرء طائرًا يموت، وقد أطلق رجل عليه النار. كان يطير طيرانًا جميلاً، يضرب بجناحيه ضربات موقَّعة، بكل حرية وعدم خوف، حتى اخترقه رصاص البندقية، فسقط على الأرض وقد فارقته الحياة. ثم جلبه كلب، وراح الرجل يجمع طيورًا ميتة أخرى. كان يهذر مع صديقه، وبدا أنه عديم الاكتراث تمامًا؛ كل ما يشغل باله كان إسقاط أكبر عدد ممكن من الطيور، والأمر فيما يخصه ينتهي عند هذا الحد. إنهم يقتلون في أنحاء العالم كلها: تلك الحيوانات البحرية العظيمة الرائعة – الحيتان – تُقتل بالملايين، والنمر وغيره كثير من الحيوانات باتت الآن أنواعًا مهددة بالانقراض. وحده الإنسان هو الحيوان الذي لا يؤمَن له جانب!

منذ مدة، حين كان نازلاً في ضيافة صديق في موضع مرتفع على التلال، جاء رجل وأخبر المضيف أن نمرًا قتل بقرة في الليلة الفائتة وسأل إنْ كنا نود رؤية النمر ذلك المساء. كان بمقدوره ترتيب الأمر ببناء منصة على شجرة وربط معزاة؛ وبذا يمكن لثغاء المعزاة – الحيوان الصغير – أن يجتذب النمر فنستطيع أن نراه. رفض كلانا إشباع فضوله بهذه القسوة. لكنْ في وقت لاحق من ذلك اليوم، اقترح المضيف أن نأخذ السيارة وندخل الغابة لرؤية النمر إنْ أمكن. وهكذا، بحلول المساء، ركبنا سيارة مكشوفة يقودها سائق وتوغلنا عدة أميال في الغابة. بالطبع لم نبصر شيئًا. كانت الظلمة قد حلت دامسةً، ومصابيح السيارة الأمامية مضاءة؛ وبينما نحن ندور عائدين، أبصرناه جاثمًا عند وسط الطريق منتظرًا لاستقبالنا. كان حيوانًا ضخمًا جدًّا، بديع الخطوط، عيناه، ومصابيح السيارة مسلطة عليهما، تلمعان متلألئتين. ثم أقبل هادرًا صوب السيارة، وبينما كان يمر على بعد بضعة أصابع فقط من اليد الممدودة خارجًا، قال المضيف: "إياك أن تلمسه، فهو شديد الخطورة؛ حذار لأنه أسرع من يدك!" لكنك كنت تستطيع أن تشعر بطاقة ذلك الحيوان، بحيويته؛ كان دينامو ضخمًا للطاقة! وبينما هو يمر عن كثب، شعر المرء بانجذاب هائل نحوه. ثم ما لبث أن توارى في الأدغال[1].

كان الصديق، على ما يبدو، قد رأى العديد من النمور وساعد في شبابه، منذ أمد بعيد، على قتل أحدها، وظل منذ ذاك نادمًا على الفعلة النكراء. القسوة بكل أشكالها تتفشى في العالم الآن، ولعل الإنسان لم يكن يومًا على هذا القدر من القسوة، من العنف، كما هو الآن. كنائس العالم وكهنته ما برحوا يتكلمون على السلام على الأرض؛ من أعلى درجات الهرمية المسيحية نزولاً حتى كاهن أفقر القرى، ما برح الحديث يدور حول عيش حياة طيبة، من غير أذية شيء أو قتله. البوذيون والهندوس بالأخص قالوا من قديم الزمان: "لا تقتل الذبابة، لا تقتل أي شيء، لأنك في الحياة المقبلة سوف تدفع ثمن فعلتك." لقد صيغت تلك العبارة صياغة فجة بعض الشيء، لكن بعضهم حافظ على هذه الروح، على هذه النية بعدم القتل وبعدم أذية إنسان آخر. لكن القتل في الحروب ما زال متواصلاً. الكلب سرعان ما يقتل الأرنب؛ أو الإنسان يطلق النار على سواه بآلاته المرعبة، وربما هو الآخر يرديه سواه قتيلاً. وهذا القتل ما برح متواصلاً آلافًا على آلاف من السنين. بعضهم يتخذه رياضة، بينما يقتل بعضهم الآخر عن نقمة أو غضب أو غيرة، ناهيك عن استمرار الجرائم المنظمة التي تقترفها مختلف الأمم بأسلحتها. يتساءل المرء إنْ كان الإنسان سوف يعيش يومًا على هذه الأرض الجميلة حياة مسالمة، فلا يقتل أبدًا شيئًا حيًّا، أو يُقتل، أو يقتل سواه، بل يحيا في سلام وفي قلبه شيء من الألوهية والمحبة.

في هذا الجزء من العالم، الذي ندعوه الغرب، ربما قتل المسيحيون أكثر من سواهم قاطبة. إنهم ما برحوا يتكلمون على السلام على هذه الأرض! لكن إحلال السلام يقتضي أن يحيا المرء مسالمًا، وذاك يبدو من المحال إطلاقًا. هناك حجج مؤيدة للحرب وأخرى معارضة لها، حجج من قبيل أن الإنسان ما انفك يقتل وسيظل كذلك دومًا، وحجج القائلين بأنه يستطيع أن يُحدث تغييرًا في نفسه فلا يقتل. هذه حكاية قديمة للغاية. لكن الجَزْر المتواصل أضحى عادة، معادلة مقبولة، على الرغم من الأديان جميعًا.

منذ بضعة أيام، كان المرء يراقب صقرًا أحمر الذيل، يحلق عاليًا في السماوات، يرسم دوائر من غير جهد، من غير ضربة من جناح، من أجل متعة الطيران فحسب، فقط من أجل أن تحمله تيارات الهواء. ثم ما لبث صقر آخر أن انضم إليه، وراحا يطيران معًا مدة طويلة. كانا مخلوقين بديعين في تلك السماء الزرقاء، وأذيتهما بأي شكل جريمة بحق السماء. بالطبع ما من "سماء" ثمة؛ فقد اخترع الإنسان السماء بدافع الأمل؛ إذ إن حياته صارت جحيمًا، نزاعًا لا ينتهي من الولادة إلى الموت – جيئة وذهابًا، جنيًا للمال، عملاً من دون توقف. هذه الحياة صارت دوامة، عذاب كدح لا ينتهي. يتساءل المرء إنْ كان إنسان – كائن بشري – سوف يحيا على هذه الأرض يومًا في سلام. ما برح النزاع أسلوبه في الحياة – داخل الجلد وخارج الجلد، في منطقة النفس وفي المجتمع الذي أوجدتْه تلك النفس.

أغلب الظن أن المحبة قد اختفت كليًّا من هذا العالم. المحبة تتضمن الكرم والرعاية، عدم جرح الآخر، عدم إشعار الآخر أنه آثم، بل الكرم والدماثة والسلوك بحيث تولد كلماتك وأفكارك من الرحمة. بالطبع لا تقدر أن تكون رحيمًا إذا انتميت إلى مؤسسات دينية منظمة – ضخمة، قديرة، تقليدية، عقائدية – تصر على الإيمان. فالحب يقتضي الحرية. وذاك الحب ليس لذة أو رغبة، ليس استذكارًا للأشياء الماضية. الحب ليس نقيض الغيرة والكراهية والغضب.

قد يبدو هذا كله، نوعًا ما، من قبيل اليوطوپيا والمثالية، شيئًا لا يستطيع الإنسان إلا أن يتوق إليه وحسب. لكنك إذا كنت تصدِّق ذلك، تراك عندئذ سوف تستمر في القتل. الحب واقعي وقوي واقعيةَ الموت وقوته. إنه لا يمت بصلة إلى الخيال أو العاطفة أو الرومانسية، وبطبيعة الحال، لا يمت بصلة إلى السلطان والمنصب والنفوذ. إنه ساكن سكون مياه البحر، قوي قوة البحر؛ إنه مثل المياه الجارية لنهر غني يتدفق تدفقًا متواصلاً، من غير بداية ولا نهاية. لكن الرجل الذي يقتل صغار الفقمة، أو الحيتان العظيمة، لا يشغل باله غير أسباب عيشه. تراه يقول: "أنا أرتزق من ذلك، تلك تجارتي." إنه لا يشغل باله مطلقًا بذاك الشيء الذي ندعوه "محبة". لعله يحب أسرته – أو يظن أنه يحب أسرته – ولا تشغل باله كثيرًا وسيلة ارتزاقه. ولعل هذا واحد من الأسباب التي تجعل الإنسان يعيش حياة مجزأة؛ لا يبدو عليه أبدًا أنه يحب عمله – وإنْ تكن ثلة من الناس ربما تفعل. لو كان المرء يرتزق من عمل يحبه لاختلف الأمر اختلافًا كبيرًا – لكان المرء تفهَّم كلِّية الحياة. لقد قسَّمنا الحياة إلى أجزاء: عالم الأعمال، عالم الفن، عالم العلم، عالم السياسة، عالم الدين. لكأننا نظن أنها جميعًا منفصلة بعضها عن بعض ويجب أن تبقى منفصلة. وبذا نصير منافقين: نفعل في عالم الأعمال شيئًا بشعًا، فاسدًا، ثم نعود إلى البيت لنعيش في سلام مع أسرتنا – وهذا يولِّد النفاق، حياة نكيل فيها بمكيالين.

إنها لأرض رائعة حقًّا! دأب ذلك الطائر الجاثم على أعلى شجرة أن يجثم هناك كل صباح، راصدًا العالم، مرتقبًا ظهور طائر أكبر، طائر قد يقتله، مراقبًا الغيوم، والظل العابر، والمدى العظيم لهذه الأرض الغنية، لهذه الأنهار والغابات، وجميع الرجال الكادحين من الصباح حتى هبوط الليل. إذا اتفق للمرء أن يتفكر أصلاً في العالم النفساني، لوجده مليئًا بالأسى. ويتساءل المرء أيضًا إنْ كان الإنسان سوف يتغير يومًا، أم أن ذاك يقتصر على القلة، على القلة القليلة وحدها. إذ ذاك ما هي علاقة القلة بالكثرة؟ أو ما هي علاقة الكثرة بالقلة؟ الكثرة لا علاقة لها بالقلة؛ أما القلة فلها علاقة قطعًا.

وأنت جالس على تلك الصخرة، ناظرًا إلى الوادي تحت، وإلى جانبك ضبٌّ، تراك لا تجرؤ على تحريك ساكن لئلا ينزعج الضبُّ أو يفزع. والضبُّ أيضًا يراقب. وهكذا يستمر العالم: مخترعًا الآلهة، تابعًا لهرمية مندوبي الآلهة. وزيف الأوهام وعارها كله سوف يستمر على الأغلب، فتصير آلاف المشكلات أكثر فأكثر تعقيدًا وتشابكًا. وحدها فطنة المحبة والرحمة بمقدورها أن تحل مشكلات الحياة جميعًا. فتلك الفطنة هي الأداة الوحيدة التي لا يمكن لها أبدًا أن تصير بليدة، عديمة الجدوى.


* From Krishnamurti to Himself, 26 April 1983, copyright ©1987 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

[1] يسهب ك في سرد هذا اللقاء مع نمر في يوميات كريشنامورتي، ص 40. (المحرِّر)

كيف يتغير المجتمع؟ - ج. كريشنامورتي

السبت, أيار 8th, 2010

المراقبة وتغيير المجتمع

من كريشنامورتي لنفسه*

krishnaji_4

6 أيار [1983]

وأنت جالس على الشاطئ تراقب الناس عابرين – ثنائيين اثنين أو ثلاثة وامرأة بمفردها – يبدو لك أن الطبيعة بأسرها، كل شيء حواليك، من البحر ذي الزرقة الداكنة إلى تلك الجبال الصخرية الشامخة، يراقب هو الآخر. ترانا نراقب، لا ننتظر، لا نتوقع حدوث أي شيء، بل نراقب بلا نهاية. وفي تلك المراقبة تعلُّم، ليس مراكمة المعرفة عبر تعلُّم يكاد أن يكون آليًّا، إنما المراقبة عن كثب، لا سطحيًّا أبدًا، بل عمقيًّا، في خفة ولطف – إذ ذاك ينعدم المراقب. عندما يوجد مراقب فالمراقبة تكون محض الماضي يراقب؛ وتلك ليست مراقبة، بل تذكُّر وحسب، وهو شيء ميت نوعًا ما. المراقبة نابضة بالحياة، وكل لحظة تَخْلِية. تلك السرطانات الصغيرة وتلك النوارس وجميع تلك الطيور الطائرة قريبًا تراقب. إنها تراقب طلبًا للفريسة، للسمك، تراقب طلبًا لشيء تأكله؛ إنها تراقب هي الأخرى. يمر أحدهم على مقربة منك ويتساءل عما تراقب. أنت لا تراقب شيئًا، وفي تلك اللاشيئية يوجد كل شيء.

منذ بضعة أيام، أتى رجل سافر كثيرًا، رأى الكثير، كتب أشياء وأشياء – رجل أميل إلى الشيخوخة، ذو لحية حسنة التشذيب، محتشم الهندام من غير غلوٍّ مبتذل، معتنيًا بحذائه، بثيابه. كان يتقن الإنكليزية، مع أنه أجنبي. وقد قال للرجل الجالس على الشاطئ يراقب إنه قد تحدث إلى عدد كبير من الناس، تناقش مع بعض الأساتذة والمثقفين، وحين كان في الهند، تحدث إلى عدد من الـپندت [الفقهاء]. وأغلبهم، على ما يبدو، ليسوا مبالين بالمجتمع، على حدِّ قوله، ليسوا ملتزمين التزامًا عميقًا أي إصلاح اجتماعي ولا أزمة الحرب الحالية. كان عميق الاهتمام حيال المجتمع الذي نحيا فيه، مع أنه ليس مصلحًا اجتماعيًّا. لم يكن واثقًا تمام الثقة إنْ كان تغيير المجتمع أمرًا ممكنًا، إنْ كان بالإمكان فعل شيء بهذا الخصوص. لكنه كان يرى ماهيته: الفساد المستشري، عبثية رجال السياسة، الحقارة والتفاهة والوحشية المتفشية في العالم.

قال: "ماذا بوسعنا أن نفعل حيال هذا المجتمع؟ – ليس إصلاحات صغيرة تافهة هنا وهناك، استبدال رئيس آخر بالرئيس الحالي، أو برئيس الوزراء الحالي سواه – فجميعهم من الصنف نفسه بدرجة أو بأخرى؛ ليس بوسعهم أن يفعلوا الكثير لأنهم يمثلون الوضاعة، أو حتى أقل من ذلك: الابتذال؛ إنهم يريدون المظاهر، ولن يفعلوا شيئًا أبدًا. سوف يُحدِثون إصلاحات صغيرة وضيعة هنا وهناك، لكن المجتمع سوف يستمر على حاله على الرغم منهم." كان قد راقب مختلف المجتمعات والثقافات، ووجدها لا يختلف بعضها عن بعض كثيرًا من حيث الأساس. بدا رجلاً جديًّا للغاية وصاحب ابتسامة، وتكلم على جمال هذه البلاد، اتساعها، تنوعها، من الصحارى الحارة إلى جبال الروكي العالية البهية. كان المرء يصغي إليه كمن يصغي إلى البحر ويراقبه.

لا يتغير ما بالمجتمع حتى يتغير ما بالإنسان. البشر – أنت وسواك – هم الذين أوجدوا هذه المجتمعات أجيالاً بعد أجيال؛ نحن جميعًا الذين جعلنا هذه المجتمعات من تفاهتنا وضيقنا، من محدوديتنا، من جشعنا وحسدنا ووحشيتنا وعنفنا وتنافسنا، إلى آخر ما هنالك. نحن المسؤولون عن الصَّغار، الغباء، الابتذال، عن جميع السخافات القَبَلية وعن الطائفية الدينية. فما لم يتغير كلٌّ منا تغيرًا جذريًّا، لن يتغير المجتمع أبدًا. إنه موجود، ونحن الذين صنعناه، ومن ثم فهو الذي يصنعنا. إنه يشكِّلنا، مثلما شكلناه؛ إنه يضعنا في قالب، والقالب يوضع في إطار، وهو المجتمع.

ومنه، فإن هذا الفعل يتواصل إلى ما لا نهاية، مثل البحر، جزرًا ومدًّا، ينحسر بعيدًا ثم يعود فيمتد، أحيانًا في بطء شديد، وأحيانًا أخرى سريعًا، خطيرًا. مدٌّ وجزر؛ فعل، ردُّ فعل، فعل. يبدو هذا وكأنه من طبيعة هذه الحركة – ما لم يكن هناك نظام عميق في الذات. وذاك النظام هو الذي سيولِّد النظام في المجتمع، ليس عبر التشريع والحكومات وذلك الهرج كله – مع أنه مادامت هناك فوضى، بلبلة، فإن القانون، السلطة التي توجِدها فوضانا، سوف يستمر. القانون من صنع الإنسان، شأنه شأن المجتمع – ثمرة الإنسان هي القانون.

ومنه، فإن الباطن، النفس، يجعل الظاهر بحسب محدوديته؛ ثم يعود الظاهر فيسيطر على الباطن ويقولبه. لقد ظن الشيوعيون – ولعلهم مازالوا يظنون – أن بوسعهم، بالسيطرة على الظاهر، بسنِّ بعض القوانين والأنظمة وإنشاء بعض المؤسسات، أشكال بعينها من الاستبداد، أن يغيروا ما بالإنسان. لكنهم لم ينجحوا حتى الآن، ولن ينجحوا أبدًا. وهذا هو دأب الاشتراكيين أيضًا. الرأسماليون يفعلون ذلك بطريقة مختلفة، لكن الأمر يبقى هو هو. الباطن يتغلب على الظاهر دومًا؛ إذ إن الباطن أقوى بكثير، أكثر حيوية بكثير، من الظاهر.

فهل يمكن لهذه الحركة أن تتوقف يومًا؟ – الباطنُ خالقًا البيئة الظاهرة نفسانيًّا؛ والظاهرُ، القانون، المؤسسات، التنظيمات، محاولةً تشكيل الإنسان، المخ، بحيث يعمل بطريقة معينة؛ والمخُّ، الباطن، النفس، مغيِّرةً إذ ذاك الظاهر، محتالةً عليه. هذه الحركة مافتئت مستمرة ما ظل الإنسان على هذه الأرض، استمرارًا فجًّا، سطحيًّا، لامعًا أحيانًا – ما انفك الباطن يتغلب على الظاهر، كالبحر بجزره ومدِّه، ينحسر ويمتد. على المرء أن يسأل حقًّا إنْ كان مقيضًا لهذه الحركة أن تتوقف يومًا – فعل وردُّ فعل، كره ومزيد من الكره، عنف ومزيد من العنف. إنها تنتهي حين تكون هناك مراقبة فحسب، من غير باعث، من غير استجابة، من غير اتجاه.

ينشأ الاتجاه عندما يوجد تراكم. أما المراقبة – وفيها انتباه ووعي وشعور عظيم بالرحمة – فهي ذات ذكاء تختص به. هذه المراقبة والذكاء يفعلان؛ وذاك الفعل ليس فعل الجزر والمد. لكن هذا يستلزم تيقظًا عظيمًا، لرؤية الأشياء من دون الكلمة، من دون الاسم، من دون أي ردِّ فعل – وفي تلك المراقبة حيوية، شغف عظيم.


* From Krishnamurti to Himself, 6 May 1983, copyright ©1987 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

الآخرية - ج. كريشنامورتي

الأحد, نيسان 25th, 2010

الآخـريَّـة

من مفكرة كريشنامورتي*

krishnaji_1

24 تشرين الأول [1961]

كان القمر موشكًا على الصعود فوق التلال، عالقًا في غيمة متلوية طويلة تضفي عليه هيئة خرافية. كان ضخمًا، يقزِّم التلال والأرض والمراعي الخضراء؛ الفضاء حيث يصعد كان أصفى، مع عدد أقل من الغيمات، لكنه سرعان ما توارى بين السحائب القاتمة المحملة بالمطر. ثم بدأت السماء تمطر رذاذًا وكانت الأرض مسرورة؛ إذ قلما يهطل المطر هنا وكل قطرة يُحسَب لها حساب. بوسع [شجرات] البَنْيان الكبيرة والتمر الهندي والمنگة أن تناضل للبقاء، أما صغار النباتات ومحصول الرز فكانت مبتهجة حتى بمطر شحيح. لسوء الحظ، حتى القطرات القليلة توقفت، والقمر الآن كان يسطع في سماء صافية. كان المطر يهطل غزيرًا على الساحل، لكنْ هنا، حيث الحاجة إليه ماسة، ترى السحائب المحملة بالمطر قد ولَّت. كان مساءً جميلاً، وكانت ثمة ظلالٌ داكنةُ القتامة ذات أشكال عديدة. كان القمر شديد البريق والظلال ساكنة للغاية، وأوراق الشجر، وقد اغتسلت، تتلألأ.

في أثناء السير والكلام، كان التأمل متواصلاً تحت الكلمات وجمال الليل. كان يتواصل على عمق عظيم، يفيض على الخارج والداخل، يتفجر ويتسع. كان المرء واعيًا به؛ كان يحدث؛ لم يكن يُختبَر، فالاختبار يحدُّ منه؛ كان يحصل. لم تكن ثمة مشاركة فيه؛ إذ ما كان بوسع الفكر أن يساهم فيه، لأن الفكر شيء أتفه وأكثر آلية في كل الأحوال من أن يفعل، ولا العاطفة كان بوسعها أن تتورط فيه؛ إذ كانت قوته تفوق إقلاقًا طاقة كليهما. كان يحدث في غور مجهول أعمق من أن يحيط به قياس. لكنْ كانت ثمة سكينة عظيمة. كان مفاجئًا تمامًا وليس عاديًّا بتاتًا.

الأوراق الداكنة تلمع، والقمر قد تسلق إلى علوٍّ كبير؛ كان على مساره الغربي غامرًا الغرفة. الفجر لا يزال على بُعد ساعات عديدة، وما من نأمة؛ فحتى كلاب القرية، بنباحها الصاخب، كانت هادئة. عند الاستيقاظ كانت حاضرة، في وضوح ودقة؛ الآخرية كانت حاضرة، فكانت اليقظة ضرورية، لا النوم. كانت [اليقظة] مقصودة، وذلك لوعي ما كان يحدث، لوعي ما كان يحصل وعيًا تامًّا.

لو أن المرء نائم لكان من الجائز أن يكون الأمر حلمًا، تلميحًا من اللاوعي، حيلة من حيل المخ؛ أما وأن المرء كان يقظًا تمامًا، فإن هذه الآخرية الغريبة وغير القابلة للمعرفة كانت حقيقة ملموسة، كانت واقعة وليست وهمًا أو حلمًا. كانت تتصف بخاصية – إذا جاز لهذه الكلمة أن تنطبق عليها – انعدام وزن وقوة لا نفاذ إليها. هذه الكلمات أيضًا ذات مدلول محدد، معرَّف وقابل للتوصيل، لكن هذه الكلمات تفقد معناها كله عندما يتعين إيصال الآخرية في كلمات؛ فالكلمات رموز، لكنْ ما من رمز يقدر يومًا على إيصال الحقيقة. كانت حاضرة بقوة هي من عدم الفساد بحيث إن لا شيء يقوى على تدميرها؛ إذ كان الاقتراب منها متعذرًا. بوسعك أن تقترب من شيء سبق أن ألِفْتَه، ولا بدَّ لكما للتواصل من الاشتراك في اللغة نفسها، في نوع ما من السيرورة الفكرية، اللفظية أو غير اللفظية؛ وفوق ذلك كله، لا بدَّ من وجود تعارف متبادل. لا شيء من ذلك بتاتًا. من جانبك، يجوز أن تقول إنها هذا أو ذاك، إنها تتصف بهذه الخاصية أو تلك؛ لكنْ في لحظة الحدث لم تكن هناك أي صياغة لفظية، حيث إن المخ كان ساكنًا تمامًا، من دون أي حركة فكر على الإطلاق. لكن الآخرية غير ذات علاقة مع أي شيء، بينما كل فكر ووجود هو سيرورة سبب-نتيجة؛ ومنه، لم يكن هناك أي فهم لها ولا أي علاقة معها. كانت شعلة يتعذر الاقتراب منها، فلم يكن بوسعك إلا أن تحدِّق إليها وتلزم حدَّك. وعند الاستيقاظ، فجأة، كانت هناك. ومعها جاء وَجْد غير متوقَّع، فرح غير معقول؛ لم يكن ثمة سبب له لأنه لم يُطلَب ولم يُسعَ إليه أبدًا. كان هذا الوجد حاضرًا عند الاستيقاظ من جديد عند الساعة المعتادة؛ كان حاضرًا واستمر فترة مطوَّلة من الوقت.

25 تشرين الأول

هناك حشائش طويلة الساق، نوع من الأعشاب، تنمو في الحديقة نموًّا بريًّا، وهي ذات أزاهير مريشة، بلون ذهبي محروق، تومض مع النسيم، وتترنح حتى تكاد أن تنكسر، لكنْ من غير أن تنكسر أبدًا، إلا عند اشتداد هبوب الريح. هناك أجمة من هذه الحشائش ذات لون بيج ذهبي، وعندما يهب النسيم فإنه يراقصها؛ لكل ساق إيقاعها الخاص، بهاؤها الخاص، وهي أشبه بالموجة عندما تتحرك جميعًا معًا. واللون إذ ذاك، في ضوء المساء، لا يوصف؛ إنه لون الغروب، لون الأرض، لون التلال والغيوم الذهبية. الزهور بجانبها كانت شديدة البروز، شديدة القُحَّة، تسألك أن تنظر إليها. كانت لتلك الحشائش رهافة غريبة، تفوح منها طفيفةً رائحةُ القمح والأزمنة القديمة؛ كانت أبية وطاهرة، مترعة بفيض من الحياة. غيمة مسائية تعبُر، مليئة بالضياء، فيما الشمس تغرب خلف التل الداكن. كان المطر قد منح الأرض رائحة طيبة والهواء لطيف الإنعاش. كانت الأمطار قادمة وفي الأرض أمل.

وفجأة حدثتْ، عائدةً إلى الغرفة؛ كانت حاضرةً، معانِقةَ الترحيب، من حيث لم يكن المرء يتوقعها؛ فلم يكد يدخل حتى اضطر إلى الخروج من جديد. كنا نتحدث في أمور متنوعة، لا شيء جديًّا للغاية. كان صدمةً ومفاجأةً وجودُ هذه الآخرية المرحِّبة في الغرفة؛ كانت تنتظر هناك في ترحيب مفتوح بحيث إن الاعتذار بدا نافلاً. عدة مرات، في الحديقة العامة[1]، بعيدًا من هنا تحت بعض الأشجار، على طول درب يطرقه كثيرون، كنت تراها منتظرة عند انعطاف الدرب بالضبط؛ فكان المرء يقف هناك مذهولاً، على مقربة من تلك الأشجار، منفتحًا، مكشوفًا تمامًا، عاجزًا عن الكلام، من غير حراك. لم يكن الأمر من بنات المخيلة، وهمًا ذاتي الإسقاط؛ فالآخر، الذي اتفق له أن يكون موجودًا، شعر هو كذلك بها. في عدة مناسبات كانت حاضرة، في ترحاب محبة يعانق كل شيء، فكان الأمر لا يصدَّق على الإطلاق. كل مرة، كانت تتصف بخاصية جديدة، بجمال جديد، بصرامة جديدة. فكانت هكذا في هذه الغرفة: شيئًا جديدًا كليًّا وغير متوقَّع مطلقًا. كانت جمالاً جعل الذهن برمته ساكنًا والجسم لا يبدي حراكًا؛ لقد جعلت الذهن والمخ والجسم شديدي التيقظ والحساسية، [حتى إنها] جعلت الجسم يرتعش. وفي غضون بضع دقائق، كانت تلك الآخرية المرحِّبة قد ذهبت في خفة لا تقل عن خفتها حين أتت.

ما من خاطر ولا من انفعال متوهِّم يمكن له أبدًا أن يستحضر حدثًا كهذا. فالفكر، مهما فعل، هزيل، والشعور شديد الهشاشة والمخادعة؛ ما من واحد منهما يستطيع، في أبعد شطحاته، أن يختلق هذه الأحداث. فعظمتها أعظم بما لا يقاس، وهول قوتها ونقائها أكبر من طاقة الفكر أو الشعور؛ فهذان ذوا جذور، بينما هي لا جذور لها البتة. ليس بالوسع استدعاؤها أو التشبث بها؛ بمقدور الفكر-الشعور أن يلعبا كل نوع من أنواع الحيل الذكية والتخيلية، لكنهما لا يستطيعان أن يخترعا الآخرية أو يحتوياها. إنها موجودة بحدِّ ذاتها ولا شيء يقوى على لمسها.

28 تشرين الأول

ثمة زهرة حمراء بين الأوراق الخضراء الداكنة، ومن الشرفة لا ترى إلاها. هناك التلال، الرمل الأحمر على مجاري النهر، شجرة البَنْيان الكبيرة العالية، وأشجار التمر الهندي العديدة، لكنك لا ترى إلا تلك الزهرة؛ فما أشد بهجتها وامتلاءها باللون! ما من لون آخر؛ رقع السماء الزرقاء، غيمات الضياء النارية، التلال البنفسجية، خضرة حقل الرز الغنية – هذه كلها تبهت، ولا يبقى سوى لون تلك الزهرة المدهش هذا. تراها تملأ السماء بأسرها والوادي. إنها ستذبل وتسقط؛ تراها ستتلاشى، والتلال سوف تبقى. لكنها، هذا الصباح، كانت الأبدية، أبعد من كل زمن وفكر. كانت تحمل الحب والفرح كله؛ لم يكن فيها أي مشاعر وسخافات رومانسية، ولا كانت رمزًا إلى شيء آخر. كانت ذاتها، مقيضًا لها أن تموت في المساء، لكنها تحوي الحياة بأسرها. لم تكن شيئًا تتعقَّله، ولا كانت شيئًا لا يُعقَل، تخيلاً رومانسيًّا ما؛ كانت واقعيةً واقعيةَ تلك التلال وتلك الأصوات التي ينادى بعضها بعضًا. كانت تأمُّل الحياة بأسره، والوهم يوجد فقط حين يكفُّ وَقْع الواقع. تلك الغيمة المترعة بالضياء حقيقة ليس لجمالها وَقْع صاخب على ذهن يجعله التأثير والعادة والبحث الدائم عن الأمان بليدًا وعديم الحساسية. الأمان في الشهرة، في العلاقة، في المعرفة، يخرِّب الحساسية، فيتسرب التلف. أما تلك الزهرة، تلك التلال، والبحر الأزرق الذي لا يعرف الكلل، فهي تحدي الحياة، شأنها شأن القنابل النووية، ووحده ذهن حساس قادر أن يستجيب لها استجابة كلِّية؛ وحدها استجابة كلِّية لا تترك علامات نزاع، بينما النزاع يدل على استجابة جزئية.

لقد ساهم القديسون والـسنِّياسي [النساك] المزعومون في تبلُّد الذهن وفي تخريب الحساسية. كل عادة، كل تكرار، كل طقس – يقوِّيه الاعتقاد والعقيدة، تقوِّيه الاستجابة الحسية – يمكن صقله وهو يُصقَل فعلاً؛ أما الوعي المتيقظ، أما الحساسية، فقضية أخرى تمامًا. الحساسية ضرورية ضرورة مطلقة للنظر العميق في الداخل. وحركة التوغل في الداخل هذه ليست ردَّ فعل على الظاهر؛ فالظاهر والباطن هما الحركة ذاتها – إنهما ليسا منفصلين. إن تقسيم هذه الحركة إلى ظاهر وباطن يولد انعدام الحساسية. التوغل في الداخل هو التدفق الطبيعي للظاهر؛ ولحركة الباطن فعلها الخاص الذي يعبَّر عنه خارجيًّا، لكنه ليس ردَّ فعل على الظاهر. ووعي هذه الحركة ككل هو الحساسية.

31 تشرين الأول

كان مساء جميلاً؛ الهواء نظيف، التلال زرقاء وبنفسجية وأرجوانية داكنة؛ حقول الرز نالت نصيبًا وافرًا من الماء، وخضرتها الغنية تتراوح بين الأخضر الفاتح والداكن الوهاج مرورًا بالمعدني. بعض الأشجار كان قد انسحب لقضاء الليل، فكانت داكنة وصامتة، بينما بعضها الآخر لا يزال مفتوحًا ومحتفظًا بضياء النهار. كانت الغيمات فوق التلال الغربية سوداء، وشمالاً وشرقًا كانت الغيوم ممتلئة بانعكاس شمس المساء التي غربت وراء التلال الأرجوانية الجاثمة. ما من أحد على الطريق، والمارة القلائل صامتون، وما من رقعة سماء زرقاء، والغيوم تتجمع لقضاء الليل. مع ذلك، بدا كل شيء يقظًا: الصخور، مجرى النهر الجاف، الشجيرات في الضوء الخافت.

التأمل، على طول ذلك الطريق الهادئ والخالي، جاء مثل مطر لطيف على التلال؛ قدومه كان في مثل سهولة حلول الليل وطبيعيته. لم يكن هناك جهد من أي نوع ولا أي سيطرة، بأصناف تركيزها وألهياتها؛ لم يكن هناك أي نهج ومسعى، أي إنكار أو قبول، ولا أي استمرار للذاكرة في التأمل. كان المخ واعيًا بما يحيط به، لكنه هادئ من غير استجابة، عديم التأثر، لكنه يتعرف [إلى الأشياء] من غير أن يستجيب. كان هادئًا للغاية، والكلمات قد توارت مع الفكر. وكانت حاضرةً تلك الطاقة الغريبة – سمِّها أي اسم آخر تشاء، فلا أهمية لذلك إطلاقًا –، عميقةَ الفعل، من دون أي غرض أو قصد؛ كانت إبداعًا، من دون القماش والرخام، ومدمِّرة؛ لم تكن وليدة المخ البشري، تعبيرًا وتلفًا. لم يكن يجوز الاقتراب منها بغرض تصنيفها وتحليلها، والفكر والشعور ليسا أداتَي فهمها. لم تكن على علاقة مطلقًا بأي شيء وفريدة كليًّا في اتساعها وهولها. ولدى السير على طول ذلك الطريق الذي تخيم عليه الظلمة، كان هناك وَجْد المحال، لا وَجْد الإنجاز، الوصول، النجاح، وسائر تلك الطلبات الفجة واستجاباتها، بل فرادة المحال. الممكن آلي والمحال يمكن النظر فيه، تجريبه، وربما بلوغه، فيصير بدوره آليًّا. لكن ذاك الوَجْد كان بلا سبب، بلا علة. كان ببساطة حاضرًا، لا كتجربة بل كواقع، لا لكي يُقبَل أو يُنكَر، لا لكي يُشبَع نقاشًا وتشريحًا. لم يكن شيئًا يُسعى في طلبه، إذ ما من درب يؤدي إليه. على كل شيء أن يموت حتى يكون، موتًا، دمارًا، هو المحبة.

كان فلاح فقير مكدود، في ثياب متسخة، عائدًا إلى بيته مع بقرته النحيلة.

2 تشرين الثاني

صارت السماء غائمة جدًّا، والتلال كلها مثقلة بالغيوم المتكدسة في كل اتجاه. السماء تبصق مطرًا، وما من رقعة زرقاء في أي مكان؛ الشمس قد غربت في الظلمة، والأشجار أبية ونائية. هناك نخلة عريقة واقفة صامدةً أمام السماء المدلهمة، متمسكةً بكل ما تبقى من الضوء. مجاري النهر صامتة، رملها الأحمر رطيب، لكن الأغنية انعدمت؛ الطيور قد سكتت، مستجيرة بالأغصان الكثيفة. كان نسيم يهب من الشمال الشرقي، ومعه جاء المزيد من الغيوم القاتمة ورشيش المطر، لكن الهطول لم يكن قد بدأ غزيرًا بعدُ؛ فذاك سيأتي لاحقًا في ضراوة متصاعدة. الطريق أمامنا خاو؛ كان أحمر، وعرًا، رمليًّا، والتلال الداكنة تشرف عليه من عَل. كان طريقًا لطيفًا تكاد لا تقع فيه على سيارات، والقرويون مع عرباتهم التي تجرها الثيران يمضون من قرية لأخرى. كان القرويون متسخين، هزيلي الأبدان، يرتدون أسمالاً، بطونهم ضامرة، لكنهم أشداء وذوو بأس؛ لقد عاشوا على هذا النحو قرونًا، وما من حكومة ستغير هذا كله بين ليلة وضحاها. بيد أن هؤلاء القوم كانوا ذوي ابتسامة، على الرغم من عيونهم المرهقة. كان بمقدورهم أن يرقصوا بعد عمل يوم شاق؛ كانت فيهم نار، وليسوا مغلوبين على أمرهم حتى اليأس. فالأرض لم تكن قد نالت نصيبًا طيبًا من الأمطار منذ سنوات عديدة، ولعل هذه السنة واحدة من السنوات الميمونة التي قد تجلب طعامًا أكثر لهم وعلفًا أكثر لمواشيهم القليلة. ومضى الطريق وانضم عند فم الوادي إلى الطريق الأوسع الذي تسير عليه بضع حافلات وسيارات. وعلى هذا الطريق، بعيدًا، كانت تجثم المدن بقذارتها، مصانعها، منازلها الغنية، معابدها، وأذهانها البليدة. أما هنا، على هذا الطريق المفتوح، فهناك الوحدة والتلال العديدة، مليئة بالعمر وبعدم الاكتراث.

* * *

ولدى السير على ذلك الطريق، كان هناك فراغ تام للمخ، والذهن خالص من كل خبرة، من معرفة الأمس، مع أن ألف أمس انقضت عليه. الزمن، وليد الفكر، كان قد توقف؛ حرفيًّا لم تكن هناك أي حركة قبل وبعد؛ لم يكن ثمة أي ذهاب أو وصول أو وقوف ساكن. المكان كمسافة انعدم؛ كانت هناك التلال والشجيرات، لكنْ ليس بوصفها عالية أو واطئة. لم تكن ثمة علاقة مع أي شيء، ولكنْ كان هناك وعي بالجسر وبعابر السبيل. كلِّية الذهن، بما فيه المخ بخواطره ومشاعره، كانت فارغة؛ ولأنها كانت فارغة، كانت هناك طاقة، طاقة متعمقة ومتسعة من غير قياس. كل مقارنة، كل مقياس، فهو ينتمي إلى الفكر، وبالتالي إلى الزمن. الآخرية كانت الذهن بلا زمن؛ كانت نسمة البراءة والشساعة. الكلمات ليست الحقيقة؛ إنها مجرد وسائل للتواصل، لكنها ليست البراءة واللامقيس. وحده كان الفراغ.


* From Krishnamurti’s Notebook, October-November 1961, copyright ©1976 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

[1] هي حديقة ومبلدُن العامة. كان يتذكر لندن حيث أقام في شهر أيار [1961] في منزل في ومبلدُن.

هدوء المخ - ج. كريشنامورتي

الأحد, نيسان 4th, 2010

هل يمكن للمخ أن يهدأ هدوءًا مطلقًا؟*

krishnaji_4

كريشنامورتي: أذهب إلى دار للكتب وألتقط كتابًا، أو أسمع شريطًا أو أشاهد تسجيلاً مرئيًّا. ألتقط كتابًا وأقرؤه. إما أتصفحه، أقلِّب الصفحات تقليبًا سريعًا جدًّا وأقول: "أجل، هذا معقول"، وإما أقرؤه قراءة متأنية للغاية. أريد أن أفهم أولاً إذا كان ما يقوله شيئًا ما جديدًا، ليس تكرارًا للموروثات، للعبادات، للصلوات، قائلاً: "أنا الممثل المباشر لـ…" أو شيئًا من هذا القبيل. لقد أصبتُ حظًّا لا بأس به من التعليم، وتراني أقرأ هذا الكتاب. وفي الكتاب جاء: "أنت والتعاليم ضالعان في هذا الأمر؛ التعاليم ليست منفصلة عنك. أنت المعلم والتلميذ." ولأني مهتم بذلك، تراني، بالتالي، أتعلم، أكتشف، أستكشف. فالتعليم ليس شيئًا هناك، إنه هنا.

وهكذا، عبر سيرورة الفهم، أو ربما في ثانية واحدة، سأرى الأمر برمته. هو إما هضم بطيء وإما إدراك آني. فإذا كان تبصرًا تامًّا، إذ ذاك ليس عليَّ أن أفعل أي شيء، والأمر حاضر. أما إذا كان مجرد سيرورة مُراكَمة للمعرفة التي يتضمنها الكتاب، تراني أجمع المعرفة وأقول إني فهمت. لكن مغزى ذلك ضئيل جدًّا؛ إنه أشبه بحفظ [سِفْر] إشعيا أو نشيد الأنشاد عن ظهر قلب. لكني، إذا بدأت أصغي إلى الكلمات، أفهم، أدرك، أتبصر، إذ ذاك أصير المعلم لأنني أتعلم. وبذلك أكون التلميذ أيضًا الذي يلتقط. وإذن، فأنا كلا المعلم والتلميذ. إذا استطعتَ أن تفهم هذا، صار الأمر بسيطًا للغاية. إذ إني أتعلم طوال الوقت، وما من لحظة أبدًا إلا وأرى فيها شيئًا جديدًا.

سائل: هل يصح قولنا أيضًا إنه ليس من الضروري دومًا الرجوع إلى الكتاب؟

ك: آه، لا، ليس ضروريًّا. إذا قرأتُ الكتاب كله، قرأته قراءة متأنية للغاية، تراني أفهم ما يحاول أن يبلِّغه، فأكتشف أنه يتحدث عني أنا، لا عن الكتاب. إنه يتحدث عني؛ فالكتاب هو أنا. إذا كان ذلك واقعًا، إذ ذاك فأنا حَواريٌّ حقًّا، لا للكتاب، بل لنفسي. بذا أصير المعلم. لا يوجد فصل في التعاليم بين التلميذ والتعاليم؛ الأمر كله حركة واحدة. بذا أحيا على ذلك النحو؛ سواء في الجنس أو في كسب المال، إنه جزء من الحياة.

س: كريشناجي[1]، تكلمت قبل قليل على سيرورتين اثنتين: إما التبصر الآني وإما الهضم البطيء.

ك: نعم، إنه عمومًا هضم بطيء.

س: طيب، هو كذلك. فأنت لا تنكر أهمية الهضم البطيء؟

ك: لا أنكر شيئًا. الأمر يتوقف على استطاعة المرء، على مدى تعمُّقه فيه جديًّا، على مدى عمق اهتمامه بالإنسانية، وهي أنا. سواء كانوا يجزرون في لبنان، أو في ليبيا، أو في أيرلندة الشمالية، أو في أفغانستان، فهذا من شأني، وأنا جزء من ذلك كله.

س: لكن هذا الهضم البطيء الذي نتكلم عليه، أليس، نفسانيًّا، سيرورة زمنية؟

ك: لا. فالإنسان الذي يفهم حقًّا طبيعة الزمن يكون خارجه.

س: أليس [سيرورة] لحظة فلحظة؟

ك: لا. ذلك فظيع. ذلك هو الموقف العلمي بخصوص الزمن – متوالية من الحركات. لقد ناقشت هذه القضية مع عدة علماء. الزمن، بنظري، هو عدو الإنسان.

س: إسقاطاته إذن؟

ك: نعم. عندئذ تتطور، تنمو، تتكاثر… بنظري، ذاك هو النقيض التام للفعلية – نفسانيًّا. بالطبع كنت طفلاً، ثم صرت رجلاً، وهكذا – ذاك طبيعي. لكنْ داخليًّا، نفسانيًّا، ذاتيًّا، صيرورتك شيئًا تستغرق زمنًا، لذا أقول لا…

س: هذا صحيح، لكنْ قد يقع تشويش. على المرء أن يكون شديد الحذر في الأمر.

ك: تعرفون كلمة منترا[2]؛ لقد صارت جزءًا من اللغة الإنكليزية، مثل گورو[3]. منترا تعني – كما قيل لي – كلمتين: مَنْ و تْرا. مَنْ لها عدة معان، لكن المعنى الرئيس هو تفكَّرَ، أنعَمَ النظر، تأمَّلَ في عدم الصيرورة. هل تفهمون، أيها السادة؟ – عدم الصيرورة شيئًا. التأمل فيه، التفكر فيه، النظر فيه، التمتع به، رؤية ما يتضمنه. تْرا تعني كشح الاهتمام بالنفس تمامًا، الأنا ونشاطها. ذاك هو المعنى الحقيقي لتلك الكلمة: إنعام النظر في عدم الصيرورة. نحن دومًا نصير: أنا هذا، وسأكون ذاك. أنعموا النظر في ذلك. لا تتخطوه. لا تنكروه. لا تقتلوه، بل انظروا إلى ما يتضمنه. ذاك ما يقوله ك[4] بطريقة أخرى. و تْرا تعني، في جملة ما تعني، إهلاك، تدمير أي شكل من أشكال الأهمية الذاتية أو الفعل الذاتي. لكننا الآن جعلنا منه شيئًا سخيفًا: تراك تردِّد منترا – "رام رام"، أو "كوكاكولا"، أو هذا الشيء أو غيره – فيصير طفوليًّا!

س: هذا الهضم البطيء، إذن، هو عملية صيرورة؟

ك: طبعًا.

س: قد لا يكون كذلك.

ك: انظر إليها فقط، سيدي، إلى عملية الصيرورة البطيئة، سيرورة هضم التعاليم – لماذا ترى ذهني يتقبل ذلك؟ لماذا يتقبل ذهني فكرة التعلم البطيء هذه؟

س: قد لا أكون قادرًا على إدراك الأشياء فورًا.

ك: لماذا إذن؟

س: لأنه ذهن بطيء.

ك: لماذا، إذن، هو ذهن بطيء؟ لن أقبل ذهنًا بطيئًا. لماذا ذهني بطيء؟ على رسلك دقيقة! أهو الشرب؟ تريث، تريث، سأتوغل في الأمر. أهو الجنس؟ أهي هذه الشهوة الهائلة لأن أعرف وأعرف وأعرف، لأن أتشرَّب المعرفة؟

س: ربما لأن بعض الناس في الحياة سريعون، بينما غيرهم…

ك: لماذا أقبل سيرورة النمو أو الهضم البطيء هذه؟ لماذا أتقبَّلها؟

س: ما إنْ تضع كلمة "سيرورة" عليها، بالطبع، حتى يتغير الأمر برمته.

ك: مافتئت السيرورة تُشرط الإنسان. عن نفسي، لن أتقبل فكرة السيرورة. يجب أن أتأنى هنا. لقد كابد ك خبرات نفسانية مزعومة[5]؛ ولسوء الحظ، كُتب عن هذا كله؛ فلن أتطرق إليه. لقد فقدتُ فعلاً ذاكرة ذلك كله؛ لست أبالغ؛ إنه لا يهمني. والآن، يقرأ أحدهم شيئًا، وليكن، على سبيل المثال، "إنهاء الشقاء" أو "معرفة النفس أعظم حكمة في العالم". تراه يقول شيئًا من هذا القبيل. فلماذا لا أدركه على الفور؟ هل ذهني بليد يا ترى؟

تعرفون أن ألدوس هكسلي[6] كان صديقًا مقربًا. كان من عادته أن يرسم ويعزف على الپيانو – كان إنسانًا رائع المواهب. وكان من عادته أن يقول: "عندي كمٌّ هائل من المعرفة، عن الڤيدنتا، عن البوذية، عن المسيحية، عن العلم." وقال: "عندي كمُّ معرفة هو من الحجم بحيث إني لا أدري إنْ كنت أستطيع يومًا أن أختبر الشيء الأصلي." وهكذا تعاطى العقاقير ليختبر ذلك. كنت معارضًا لذلك كله.

صورة لكريشنامورتي مع ألدوس هكسلي (منحنيًا) وزوجته وإيگور ستراڤنسكي وزوجته ورادها راجاگوپال.

وإذن، لماذا عليَّ – أنا الإنسان العادي، وقد سمعت شيئًا كهذا –، لماذا عليَّ أن أقبل التدرج، صفحة بعد صفحة، صفحة بعد صفحة؟…

س: نعم، ولكنْ هل يعني ذلك، إذن، أنك إما أن تفهم كل شيء في لمحة وإما أن لا تفهم شيئًا؟

ك: أجل، سيدي، هو ذاك فعلاً.

س: هو إما كل شيء وإما لاشيء؟

ك: لا، عاينْ فقط، سيدي، الأهمية…

س: إما أسود وإما أبيض؟

ك: لا. لا أسود هناك ولا أبيض. انظر إلى الأمر وحسب. أنا إنسان عادي. أشرطتُ على الكاثوليكية، نشأت على ذلك النحو. ثم تظهر أنت وتقول: "انظر، هناك هندوس يقاتلون مسلمين." تدلني على هذا كله. فلماذا لا أدركه سريعًا؟

س: عليَّ هذا سهل.

ك: لا. على رسلك! تريث. لماذا هو سهل؟

س: لأنه واضح طبعًا.

ك: حذار، حذار، حذار! لماذا ليس [الإدراك] الآخر واضحًا بالمقدار نفسه؟

س: ذاك ما أسأل عنه.

ك: لا، أنا أسأل: "لماذا؟" فلم لا تسأل أنت؟! لماذا لا يرى مخي الأمر كله في لمحة؟ عندي خارطة لأوروبا. أريد أن أذهب إلى رُوان، وما تبقى لا يهم. تراني لا أهتم حقًّا بموقع إكس-لا-شاپيل أو أي مكان آخر، بل أريد أن أذهب إلى رُوان. لذا فإن مخي موجَّه ويستبعد [الأماكن] الأخرى. فلماذا يفعل ذلك؟ لأن عندي هدفًا، عندي قصدًا، عندي شيئًا أريد نيله. لذا لا تشوِّشني الخارطة. فما الشيء الذي أريد نيله؟ ما الشيء الذي أريد الحصول عليه؟ لذا أتقصى ذلك. فإما أن أتقصاه تقصيًا بطيئًا، يومًا بعد يوم، ألتقط نتفًا صغيرة من هنا وهناك، لأن ذهني منشغل بزوجتي، أو بزوجي، أو بأمور أخرى ما، أو تراني أقول: "ليس عندي وقت لهذا؛ عندي مسؤوليات." لكن هذا الشيء فاعل هو الآخر، طوال الوقت. ولهذا السبب أسأل دومًا: "لماذا مخي بطيء إلى هذا الحد الرهيب؟ لماذا لا أرى الأمر رؤية واضحة، آنيًّا، ليس خارجيًّا فقط – الحرب وما شاكلها – بل داخليًّا؟"

س (الدنمرك): كريشناجي، أرى أن الصعوبة المركزية، فيما يخصني، هي قوة الماضي. إذا كانت عندي مشكلة، مثلاً، يتدخل الماضي. مادمت مركِّزًا عليها، واعيًا بها، هناك فَكاك معين، هناك مساحة في نفسي. لكني، ما إنْ أنشغل بشيء آخر حتى تستولي تلك السيرورة [على المساحة]، فأجد نفسي في المآل وسط كركبة كبيرة. لا أدري ماذا أفعل!

ك: نعم، سيدي. هل تأذن لي أن أشرح؟ لا توجد "أنا" تنظر إلى الوراء. أنت، "الأنا" هي الماضي؛ ما من انقسام. لا أدري إنْ كنت أوضح ما أعني. سيدي، بسِّط الأمر للغاية: هل أنا مختلف عن غضبي؟ هل أنا مختلف؟ أنا غاضب. هذه زوجتي، وأنا غاضب عليها. هل ذاك الغضب مختلف عني؟

س (الدنمرك): لا.

ك: فالغضب هو أنا.

س (الدنمرك): نعم.

ك: بمجرد أن أدرك ذلك مرة واحدة ينتهي الانقسام.

س (الدنمرك): فهمت. ومن ثم ليس على المرء أن يبذل الجهد طوال الوقت؟

ك: لا. إذا رأيتُ مرة واحدة نهائية أن الغضب هو أنا، فعلاً، ينعدم الانقسام عندئذ. إنه أنا. أعني، إذا فهمتُ حقًّا أن الإنسانية هي أنا، أنني لست منفصلاً عن الإنسانية، فهذا تطور هائل. الإنسانية هي أنا، لأنني غاضب، عنيف، وكذلك هو الرجل في قرية بالهند. أنا الإنسانية.

س (إيطاليا): ليست رؤية أن الغضب هو أنا بهذه السهولة لأن الغضب يذهب ويأتي، بينما أنا دومًا حاضر. لذا يراودني انطباع بأن…

ك: لا، فأنا أيضًا أذهب وآتي.

س (إيطاليا): أنا أيضًا أذهب مع الغضب؟

ك: طبعًا. ذات يوم أنا غاضب، وفي اليوم التالي أنا مسالم. إنه الشيء نفسه.

س (إيطاليا): ألا يوجد شيء آخر يبقى دومًا فيَّ؟

ك: عندما تتخطى هذا كله، يوجد شيء غير قابل للتحريك. وهو لا يأتي لأنك بين مدٍّ وجزر، مبتهج يومًا، مشاكس في اليوم الذي يليه.

س (الدنمرك): سيدي، لا أزال غير فاهم الفرق بين الصيرورة شيئًا والهضم البطيء. وأعني أن كلا الفهم البطيء والصيرورة شيئًا يستغرق زمنًا. لذا فإن العديد من الناس محتاجون إلى عامين أو ثلاثة، إلى عمر كامل ربما، لفهم التعاليم.

ك: سيدي، أنا بحاجة إلى زمن لتعلُّم لغة. لم أكن أفقه الإيطالية، لكني صرفت وقتًا، استمعت بانتباه شديد إلى السياسيين، قرأت القصص المصورة، إلخ، فتراني أجدت تعلُّم الإيطالية بعض الشيء. ذاك يستغرق زمنًا. تلك سيرورة جمع بطيء، لمختلف الأفعال، للأفعال الشاذة، إلى ما هنالك؛ وفي آخر المطاف، حصَّلتُ الكثير من الكلمات الإيطالية، وتراني أجيد الإيطالية. والآن، هل تجري تلك السيرورة نفسها في الداخل؟ هل أجمع ببطء مَن هو أنا؟ هل أفهم ببطء ما هو الحب؟ هل أبدأ ببطء باغتنام جمال شيء؟ هل هو كذلك؟ أشك في ذلك، لا أقبله. لكننا قبلنا ذلك، تقبَّلنا التطور بوصفه وسيلة للإنجاز.

س (الدنمرك): لكني كثيرًا ما يراودني انطباع بأني، عقليًّا، أفهم ما تقول.

ك: آ، هو ذاك. فهل أستطيع أن أصغي من دون العملية العقلية التي تتدخل دومًا؟ هل بوسعي أن أصغي إلى ما قلت لتوِّك الآن؟ أعني قولك لتوِّك الآن: "عقليًّا أفهم." لماذا؟ لماذا تقول: "عقليًّا أفهم"؟ ماذا تقصد بـ"عقليًّا"؟

س (الدنمرك): أرى منطقية ذلك.

ك: فلماذا ترى منطقيته فحسب؟ ترى منطقيته؛ فلم لا تتخطاها؟

س: ذاك صحيح. تلك هي اللحظة الآنية.

ك: أجل، سيدي. أنا أسأل: لماذا يتفق لي أن أفهم بأني يجب ألا أتشاحن مع زوجتي، لكني [مع ذلك] أتشاحن؟ لماذا؟ أهي العادة؟ أهي اللامبالاة التامة؟ أهو أنني منشغل بأمور هي من الكثرة بحيث إن زوجتي تستفزني؟ وإذن، علي أن أتقصى – المخ مستقصيًا ذاته –: "لماذا ترى المخ يتقبل أمورًا بعينها وينكر أمورًا بعينها؟" لماذا؟ أو لماذا لا ينحِّي المخ فكرة التقبل والإنكار هذه برمتها؟ إذا تقبلتَ شيئًا، فأنت تقاوم شيئًا آخر؛ إذا أنكرتَ شيئًا، فأنت تتقبل شيئًا آخر – ما يعني وجود مقاومة.

س (إيطاليا): أريد أن أطرح سؤالاً بسيطًا: لحصول هذه اللمحة من الفهم التام، ألا يمكن أن يوجد عمل تحضيري؟

ك: بالطبع لا.

س: لنقلْ إنك تقرأ شيئًا، تقرأ بعض أقوال كريشناجي – أنت بحاجة إلى سيرورتك العقلية لتقرأ، أليس كذلك؟

ك: طبعًا، سيدي، على رسلك دقيقة. أنا أقرأ. فهل أقرأ حقًّا، أو هل أقرأ ما وراء الكلمات؟

س: طيب، ذاك هو السؤال الذي أردت أن أسأله.

ك: على رسلك، تريث! أصغ، أصغ! هل أنا أقرأ صفحة بعد صفحة فحسب؟ هَبْ أني أقرأ رواية بوليسية، أعني رواية جيدة، أقرأ سريعًا: إنها كلها عن فتى، فتاة، خونة، تعرفون الحبكة القديمة إياها، الكثير من الجنس، فأجوز عنه. هكذا أقرأ رواية أو ما شابه. لكني هنا أقرأ ما يكمن وراء الكلمة؛ وأنا أصغي أيضًا إلى صوت الكلمة؛ ومخي كذلك يترجم ما يقال بما يلائمه. لذا أقول: "انظر إلى ما أنت فاعل: أنت لا تصغي، لا تتعلم، بل تتكيف، تتلاءم مع ما يقال." فأتوقف على الفور؛ أكف عن القراءة؛ فأنفذ إلى ذاك. أتوقف عن القراءة؛ أمضي وأراقب وأقول: "ماذا أفعل؟" أراني أترجم شيئًا قرأته بحسب ما يلائمني. وإذن أعود إلى نفسي؛ أجد الاهتمام بالنفس فاعلاً. لذا أقول: "بحق الآلهة، انظر إلى ما أفعل!" لا أكف عن المراقبة أبدًا.

س (إيطاليا): عندي إحساس عن الذهن. يلوح لي أن الذهن أشبه بالنافذة: أرى شيئًا في الخارج، وأرى الشيء الواحد بعد الآخر، لذا يبدو لي أن هناك زمنًا. لكني إذا استطعت أن أرى فورًا، إذا استطعت أن أشعر أن كل شيء يحدث في وقت واحد…

ك: لا، سيدي. هذا موضوع معقد نوعًا ما. هل المخ مختلف عن الذهن؟ لا، لا، لا تُجبْ. أنا أطرح عليك سؤالاً: هل المخ مختلف عن الذهن؟ أم أنهما متلازمان؟ هل الأمر كذلك؟ أو – دعنا من الذهن مؤقتًا – ما هو نشاط المخ؟ الحواس، الاستجابات…

س (إيطاليا): رؤية شيء واحد بعد آخر.

ك: لا، لا. انظر إلى المخ، سيدي. لستُ اختصاصيًّا في المخ، لكنْ انظر إليه. المخ هو مركز جميع ردود فعلنا العصبية، الأوتوماتيكية، الآلية، الاستجابات الجسمية، الاستجابات الغدِّية. إنه مركز جميع الانفعالات؛ إنه مركز جميع استجاباتنا وردود فعلنا. إنه مركز الفكر كله. إنه مركز نشاطنا كله – الأشغال، الترجمة، الكلام، الثرثرة، الجنس؛ إنه مركز وجودنا الجسماني كله. هل تقبل أن المخ هو مركز نشاطنا كله، سواء الانفعالي منه أو النفساني إلخ؟ يبدو أنه كذلك، وقد أكون مخطئًا. وإذن، هل الذهن مثل ذلك أيضًا؟ أم أنه مختلف كليًّا؟ إذا كان كذلك، فهو مجرد ردِّ فعل جسماني، انفعالي، مركز لذلك كله. أرصد شجرة؛ أودُّ هذا [الشخص]، لكني لا أودُّ ذاك؛ سوف أصير رجل أعمال كبيرًا؛ لا، لا، سأكون متواضعًا، وذاك حسبي – هذه العملية مستمرة طوال الوقت. إذا كان الذهن جزءًا من ذلك، فما الفرق إذن؟ ومنه، لا بدَّ أنه شيء مختلف، صحيح؟ هل هو مختلف؟ لا يجوز لي أن أفترض.

لذا عليَّ أن أكتشف إذا كان بوسع المخ أن يكون هادئًا يومًا. هل يمكن للمخ يومًا أن يكون صامتًا، هادئًا، ساكنًا، ليس ممتلئًا بالموسيقى أو الثرثرة – كلمات، كلمات –، بل هادئ، هادئ هدوءًا مطلقًا؟ ذاك هو أول شيء سأسأله لنفسي – وانسْ ما قلنا عن الذهن إلى ما هنالك –، ذاك أول شيء سأسأله لنفسي. مادمت أرى ما يحدث من حولي، فيَّ، ذاك أول شيء سأسأله: "هل يمكن لهذا الشيء الذي هو بكل هذا النشاط – يراقب، يتعلم، يسمع، إلى ما هنالك –، هل يمكن لذاك أن يكون هادئًا؟" ليس هادئًا قسرًا، بالجهد، بالسيطرة – فتلك كلها أمور طفولية! –، بل هادئ بحدِّ ذاته.

زانن، 19 تموز 1985 (2)



* From the transcript of the tape recording of the International Committee Meeting at Saanen, 19 July, 1985 ©2000 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd., pp. 27-36.

[1] تضاف لاحقة جي إلى أسماء العلم في الهند احترامًا. (المحرِّر)

[2] كلمة سنسكريتية تعني لفظة أو عبارة ذات تأثير ذبذبي حين تُتلى عن قصد وفق إيقاع معين. (المحرِّر)

[3] كلمة سنسكريتية تعني "ذو الوزن" أو "كاشح الظلام" وتشير إلى المعلم الروحي. (المحرِّر)

[4] كان من عادة كريشنامورتي أن يشير إلى نفسه بحرف "ك" تجنبًا لاستعمال ضمير المتكلم. (المحرِّر)

[5] إشارة إلى الخبرات النفسانية القاسية التي كابدها كريشنامورتي قبل تحرُّره الروحي النهائي؛ وقد تواضع المقربون منه على تسميتها بـ"السيرورة" the process. (المحرِّر)

[6] ألدوس هكسلي (1894-1963): كاتب إنكليزي لامع ووصاف ساخر للعالم الحديث، كما في روايته عالم جديد جَسور (1932). اهتم لاحقًا بالتراث الروحي العالمي، مبوبًا مختارات من نصوصه ومعلقًا عليها في كتاب بعنوان الحكمة الخالدة (1944)، وكتب مقدمة ممتازة لكتاب كريشنامورتي الحرية الأولى والأخيرة (1954). وصف خبرته مع العقار المبدِّل للوعي LSD في كتابين صغيرين: أبواب الإدراك (1954) والنعيم والجحيم (1956)، كما نظَّر تنظيرًا دقيقًا لما يجب أن يكون عليه المجتمع الطيب في "مدينة فاضلة" في روايته الرائعة جزيرة (1962). (المحرِّر)

ما الذي سيغير المخ؟ - ج. كريشنامورتي

الأربعاء, آذار 24th, 2010

ماذا سيغيِّر المخ؟*

krishnaji_5

كريشنامورتي: أود أن أناقش نقطة قد تكون على شيء من الأهمية. في مؤتمر انعقد في نيويورك أول هذا الربيع، كان حاضرًا أستاذٌ في الفلسفة – لا أعرف اسمه – تحول إلى الجراحة العصبية. ومما قاله بدا أنه رجل ذكي نوعًا ما. (أنا لا أتعالى، رجاءً.) وعند نهاية النقاش، قلت إن الشيء المهم، الجدير بالاهتمام حقًّا، هو إنْ كان بإمكان خلايا المخ، التي طالما أشرطت، أن تُحدِث في نفسها طفرة. فقال لي هذا الجراح العصبي: "تلك هي النقطة التي أريد أن أصل إليها. لو أمكن لذلك أن يحدث لكان أروع الأشياء. فنحن نحاول، بطُرُق متنوعة، أن نغير الخلايا." وأضاف: "أود أن أتحدث معك حول الأمر." لكن ذاك كان آخر لقاء، وكان الوقت قد نفد، فافترقنا.

أود أن أناقش هذا معكم: مسألة إنْ كان بإمكان خلايا المخ التي أشرطت طوال قرون على الكاثوليكية أو الپروتستانتية، على الهندسة، على الفلسفة، إلى آخر ما هنالك، أن تصير واعية لنفسها، فتخترق بالتالي إشراطها جذريًّا – ليس عبر المصادفة، أو عبر الهندسة الوراثية، أو عبر صدمة كهربائية، عبر الاختبار من الخارج للتأثير على الداخل – فنحن نتكلم على شيء مختلف كل الاختلاف عن ذلك.

مخي ليس منفصلاً عني. فإذا أشرط مخي كهندوسي، ومن بعدُ عبر أشكال متنوعة من القَسْر، أشكال متنوعة من الضغط (ليس مخي تحديدًا، ولكنْ هَبْ أن هذا المخ قد أشرط إشراطَه عند البشرية بأسرها)، ما الذي سيجعله واعيًا بنفسه من غير ضغط من الخارج، من غير أي أزمة، من غير أي شقاء أو تضحية؟ ما الذي سيُحدِث ذلك، بحيث تعي الخلايا نفسُها وضعَها، فتتفجر من الداخل؟ – من غير ضغط، لأنك إذا مارست ضغطًا، انصاع ذلك لفعل شيء آخر؛ إذا اتكلتَ على حادث، فقد يحرِّف ذلك البنية بأسرها. إذا تعاطيتُ مخدرًا لكي أغير خلايا المخ، فذاك هو الآخر تحريف. أما وأني أرى ما يحدث في العالم، أكنت هندوسيًّا أو كاثوليكيًّا أو مهما كنت، أقول لنفسي: "هل من الممكن تغيير خلايا المخ تلك – من دون أي باعث؟" إذا وُجِدَ باعث، إذ ذاك يكون هناك اتجاه، ومن ثم يكون…

فلنتحدث عن ذلك قليلاً. هَبْ أنني مشروط ككاثوليكي أو بوذي (أنا في منطقة أكثر أمانًا هناك). أنا بوذي، ومنذ الطفولة قيل لي يومًا بعد يوم، يومًا بعد يوم، أن أكرر عبارات بعينها. وهكذا مافتئت أكرر؛ وذلك التكرار، ذلك البرنامج أشرط خلايا المخ، العملية كلها. والآن، تظهر أنت وتقول إن كون المرء بوذيًّا أو مسيحيًّا أو مهما كان هو منظار ضيق جدًّا إلى الحياة، إنه يحدُّ الذات. فأرى، من غير مجادلة مسهبة، أنك على حق. تراني أتقبل الأمر لفظيًّا، لكنه لم يغير في الأمر شيئًا؛ لم يجعل المخ يقول: "بحق الآلهة، لا بدَّ من طفرة." وأنا أسأل: "ما الذي سيُحدِث هذه الطفرة؟" – من دون انضباط ذاتي، إلى ما هنالك.

أنا آخذ كمثال مخًّا متوسطًا. هَبْ أنك وإياي مخَّان متوسطان، أصابا حظًّا طيبًا من التعليم، من الذكاء، من التيقظ لأحداث العالم، إلخ. لنقل إنك وإياي عانينا الكثير من المشكلات، الأسرة، دوامة الحياة؛ وأنت وأنا بتنا ندرك أننا مشروطان، أنت كمسيحي، أنا كبوذي، أو كعالِم مسيحي[1]، أو شيء ما. ثم تراه يظهر ويقول: "انظرا إلى ما تفعلان. هذه السيرورة المحدِّدة للذات شديدة التخريب." وهو يورد لك الأسباب كافة، فيبسط بذلك خريطة التركيز الخادع للنفس برمتها. وتراني أرى حقيقة الأمر، لكن هذا لم يؤثر في الخلايا تأثيرًا جذريًّا؛ جذريًّا – لم يُحدِث انقلابًا كليًّا [في السيرورة]. ما فعله هو أني سطحيًّا تحولتُ عن البوذية، وتحولت أنت عن الشيء الذي أنت متعلق به، وترانا نشعر أننا أفضل حالاً نوعًا ما – وكلمة "أفضل" تلك، هي الأخرى، شيء رهيب بنظري. لكني أسأل: "كيف يمكن لك وكيف يمكن لي أن نُحدِثَ فعلاً أو عدم فعل من شأنه أن يغير الخلايا؟"

س: إنها طاقة…

ك: إياك. ألا ترين أنك لا تتقصين؟ إذا قلتِ إنها طاقة، فأنت تضعين نفسك في موقف يُشعِرُكِ بأنك لا تستطيعين أن تفعلي شيئًا. على العكس، قد يكون بمقدوركِ أن تفعلي شيئًا خارقًا! يقع التلف على خلايا المخ عندما يكون هناك أي نوع من الإجهاد، أي نوع من النزاع، أي نوع من محاولة أن تكوني شيئًا، فتخفقين ثم تتباكين على ما فاتك.

والآن، أقول لك إن فعل ذلك ممكن. لكنك لا تقبل قولي. تراك تقول: "بيِّنْه لي، برهنْ لي عليه." فأقول: "لا أستطيع أن أبرهن عليه بطريقة البرهان العلمي"، بمعنى وضع فرضية، ثم تجريبها على الأرانب – الأرانب البشرية والأرانب العادية –، فالقول: "هو ذا، لقد حصلنا على النتيجة!" فالنتيجة عملية مأخوذة من الخارج – من الخارج. أقول إن ذلك العمل من الخارج بالذات هو أحد عوامل التلف، لأنك عندئذ متكل على الخارج. وإذن، ليس هناك اتكال على الخارج: الإرادة، الأمل، الصلاة، الاسترشاد، كما تعلمون، الأشياء كلها التي نلهو بها نحن السخفاء! فما الذي سيجعل خلايا المخ تتغير، فتُحدِثَ تغييرًا في نفسها إذ تقطع كل نوع من أنواع التأثير الآتي من الخارج؟ فهل قطعتموه يا ترى؟ هَبْ أنكم قطعتموه. هَبْ أنني قطعتُه، بحيث لا يكون ثمة اعتماد على المخدرات، على الإرادة، على وسيط خارجي، الله أو سواه. القيام بهذا كله يستلزم انتباهًا هائلاً. إذ ذاك، ماذا يحدث؟

قبل كل شيء، هل ذاك ممكن؟ هل هو ممكن بنظرك؟ وأعني الفعل الآن، صحيح؟ أنت ترى أن أي شكل من أشكال الوساطة الخارجية يتدخل في خلايا المخ إنما هو تحريف. والتحريف هو إشراطنا لأنه سُكِبَ فينا برمته: أنك كاثوليكي، أنك هندوسي، أنك يجب ألا تفعل هذا، يجب ألا تفعل ذاك، يجب أن تنجح، يجب أن تشقى، أو لا تشقى. أي أن الخارج قد أشرط المخ – الخبرة الخارجية، الحوادث الخارجية، الپروپاگاندا [الدعاية] الخارجية – والإشراط تحريف. ومنه، يجب على الاتكال على الخارج أن ينعدم – وهذا مُتناسى تناسيًا تامًّا…

س: أصعب ما في الأمر هو أنك قد تفهم، لكنْ قد يظل هناك عنصر أمل فيه. تلك هي المشكلة…

ك: فكأنك تستأصل سرطانًا، تزيله تمامًا.

س: بلا باعث مطلقًا.

ك: بلا باعث مطلقًا.

س: قد يكون ذلك هو الشيء الذي لا أستطيع أن أتتبَّعه.

ك: لا، لا، أنت لا تتتبَّعه. إنه جزء منك، لا تقدر أن تتبعه. إنه يلفت النظر إلى شيء، وأنت تفهم، أنت ذاك. اسمع، سيدي: يقول ك[2] إن الشقاء يجب أن ينتهي. صحيح؟ ذاك ليس تعليمًا. إنه يجب أن ينتهي. الأمر منوط بك، أنت لا تتبع ك. أنت تقول: "نعم، ما يقوله صائب. بوسعي أن أرى ذلك. ما لم ينتهِ الشقاء تنعدم المحبة. أرى ذلك." فهو عندئذ جزء منك؛ وأنت لا تتبع ذلك الرجل المسكين ولا تعليمه. ذاك جزء منك. هل أوضحتُ الأمر؟

ومنه، هل أستطيع، هل يستطيع إنسان أن يكون بهذه الحرية التامة من الوساطة الخارجية؟ أجل، سيدي، ذاك هو الشيء الأهم – وإلا فأنت تلهو بألعاب!

س: اهتمامنا منصبٌّ أكثر على بناء المدارس والقيام بالعمل في اللجان وأمور من هذا القبيل…

ك: آ، تلك قضية جانبية وحسب. عندما تكون هذه [الرؤية] موجودة فإن ذاك [العمل] أيضًا يتم. تراني أصرف معظم وقتي متجولاً، مكلمًا المدارس، مكلمًا الطلاب، مكلمًا العلماء – وهذا لاشيء.

س: عدم اتكالي على أي شيء من الخارج، ألا يعني أنني أصير سلبيًّا؟

ك: آه، لا، لا. على العكس! أنت لا تتكل على شيء البتة. دعنا، سيدي، ننظر في الأمر. سيدي، ما هو الإيجاب وما هو السلب؟ وكيف تصل إلى الإيجاب؟ لنقل، على سبيل المثال: الحب ليس الغيرة؛ الحب ليس الغضب؛ الحب ليس وطني، وطنك… وهكذا أكشح الكره تمامًا؛ أنفي الكره، أبعده. ثم أقول أيضًا: الحب ليس الطمع، فأكون قد أبعدت الطمع. ومنه، عبر السلب تصل إلى الإيجاب. نبدأ بالنفي وننتهي بالإثبات.

فهل باستطاعة المخ البشري أن ينفي الاتكالية كليًّا، أي نوع من الاتكالية؟ هَبْ أنه يستطيع، فماذا يحدث عندئذ؟ مخي لا ينفك يُشرَط من الخارج؛ ومن الخارج كذلك يوجِد ردَّ فعله الخاص، وردُّ الفعل ذاك بعينه يُشرط المخ جزئيًّا. وإذن، فمن الخارج، وكذلك من ردود فعلي، تراه مشروطًا. إنها حركة ذهاب وإياب، فعل وردُّ فعل. الآن، هل يمكن لذاك أن يتوقف؟ تكرهني، فأكرهك؛ تركلني، فأركلك. ذاك هو الفعل وردُّ الفعل. والآن هل من الممكن للفعل/رد فعل أن ينعدم؟ قد تركلني، لكنْ ليس هناك ردُّ فعل. عندما لا يوجد ردُّ فعل فإن ركلتك لا أهمية لها، والأمر ينتهي. إذا قبَّلتني، قبَّلتك؛ إذا فعلتَ شيئًا، أردُّ عليك. ولكنْ ماذا لو فعلتَ بي شيئًا ولم أرد فعلك بتاتًا؟ أنا حساس، حي، لست ميتًا، لست مشلولاً، لكني لا أرد.

س (إيطاليا): ماذا يحدث فلا أرد؟

ك: لأنني أرى عبثية الأمر؛ أرى غباوته. لقد ركلني الناس فعليًّا، ضربوني فعليًّا، ولا أردُّ الفعل. بذا ماذا يحدث؟ إذا رددتُ الركلة… لكني، إذا لم أرد، لم أعد أنتمي إلى عنفك. الأمر، الآن، أشبه بمدٍّ داخل وبمدٍّ خارج، فعل منك وردُّ فعل مني. الفعل منك مثيل ردِّ فعلي عليك. هذا واضح. الفعل منك وردُّ فعلي عليك متماثلان.

س (إيطاليا): بعبارة طبية، ما هو العلاج الذي يجعلني لا أردُّ الفعل؟

ك: العلاج هو ذكائي الذي يقول: "لا تكن سخيفًا!" ليس هناك علاج، إنه يقول فقط: "انظر كيف تستمر الحروب." أنا بريطاني وأنت فوكلاندي، أرجنتيني؛ أنت تريد تلك الجزيرة وأنا أريد تلك الجزيرة، فنتصارع عليها[3]. ترانا لا نجلس ونقول: "انظر، كرمى لله، لنكن عاقلَين، لنتكلم في الأمر. إذا كنت تريدها، خذها، فأنت أقرب إليها بكثير مني." تستطيعان أن تناقشا الأمر، لكنكما إذا هرعتما إلى الأسلحة فات الأوان.

هل سمعتم بتلك القصة الظريفة؟ أرجو ألا تمانعوا أن أكررها. تعرفون الكاتب الأرجنتيني، ڤارغاس[4]. لقد قال إن حكاية الفوكلاند عبارة عن رجلين هرمَين أصلعين يقتتلان على مشط!

فلنواصل… إن حجتي، سيدي، كما ترى، هو أن الفعل وردَّ الفعل متماثلان؛ ومفادها: تصفعني، فأردَّ بالتالي الصفعة، وكلا الفعلين مثيل الآخر. فعلك هو صفعي، فأردُّ فعلك بصفعك؛ وإذن، ففعلك وردِّي عليه متماثلان: فعلك قائم على ردِّ الفعل، وكذلك فعلي. فماذا يحدث إذا لم أرد الفعل؟ تصفعني فلا أردُّ الفعل عندئذ – ليس لأنني فاضل، أمارس اللاعنف، تلك المهزلة كلها. لا أردُّ وحسب. أرى عبثية ردِّ الفعل.

أنا ألفت النظر إلى شيء شديد البساطة: فعلك كان قائمًا على ردِّ الفعل، وفعلي كذلك قائم على ردِّ الفعل. وإذن، لا فارق ثمة، ثمة ردُّ الفعل فقط. إذا كنت في پولونيا وكان أناس بغيضون يتسلطون علي، مانعين الحرية، أردُّ الفعل. بطبيعة الحال، يجب أن أرد الفعل. لا أستطيع أن أقول: "طيب، لن أرد!" عليك أن ترد الفعل.

س: لكن ذاك عنف!

ك: سيدي، كما هي حال الأمور، حيث تحاول روسيا أن تسيطر على پولونيا، تقول پولونيا: "إليكم عني إلى الجحيم!" كما هي حال الأمور، عليهم أن يقولوا: "إليكم عنا إلى الجحيم". لكنني إنسان. نحن نتكلم على بشر، لا على پولونيا أو روسيا!

الآن، دعونا ننظر في الأمر. الفعل وردُّ الفعل من طبيعة واحدة. ذاك اكتشاف هائل بنظري. إذن، أرى العبثية، وبذلك ينعدم الفعل/رد فعل. مخي أشرط على ردِّ الفعل – فعل/رد فعل، فعل/رد فعل –؛ فهل يمكن لذاك أن يتوقف؟ تمتدحني، فأشعر بأني عملاق؛ تسبُّني، فأقول: "ما أبشع ذلك!" عدم ردِّ الفعل إطلاقًا. لست مشلولاً، لست في حال غيبوبة أو شيء من هذا القبيل، أنا حي، لكني لن أردَّ الفعل. ينعدم ردُّ الفعل. وإذا انعدم ردُّ الفعل، ألا تكون قد غيرتَ بنية خلايا المخ؟ الأمر بهذه البساطة.

س: لم أعد محدودًا.

ك: لا، لا تختزل الأمر إلى ذلك. نحن نتكلم على طفرة في خلايا المخ. وخلايا المخ قد أشرطت على الفعل/رد الفعل، فعل/رد فعل. تقول إني متوحش، فأنعتك بأسوأ؛ أو تنعتني بالتوحش، فأقول إني يجب ألا أكون متوحشًا. إنه الشيء نفسه. وإذن، فخلايا المخ قد أشرطت على الفعل وردِّ الفعل. وخلايا المخ ترى أن كليهما قائم على ردِّ الفعل. لحظة تعي ذلك، تكون خلايا المخ قد تحركت في اتجاه مختلف كل الاختلاف.

إن واحدة من صعوباتنا هي أننا نملك ذهنًا شديد التعقيد، مخًّا شديد التعقيد، فلا نبدأ بأشياء بسيطة. كن بسيطًا. إذا كنتُ طماعًا، فأنا طماع! أقول ذلك، فأكون بسيطًا للغاية. لا أقول إنني يجب ألا أكون طماعًا، أو إنني هذا أو ذاك. أنطلق من الـما هو – وهو انطلاق من البساطة. وفيما أنت تتقدم، يصير الأمر أعقد فأعقد. والتعقيد لا ينحل إلا عبر البساطة.

زانن، 23 تموز 1983 (2)



* From the transcript of the tape recording of the International Committee Meeting at Saanen, 23 July, 1983 ©2000 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd., pp. 14-21.

[1] نسبة إلى "العلم المسيحي" Christian Science: مذهب ديني أسَّسته ماري بيكر إدي في العام 1866 ووضعت قواعده في كتابها العلم والصحة مع مفتاح الكتاب المقدس (1875)؛ ومفادها أن الإنسان والكون ككل من طبيعة روحية وأن الحق والخير حقيقيان، بينما الشر والباطل ليسا حقيقيين. ويعتقد "العلماء المسيحيون" أن كل شيء ممكن في سبيل الخير، عبر الله، بالصلاة والعلم والفهم، بما ذلك الشفاء من الأمراض المستعصية. (المحرِّر)

[2] كان من عادة كريشنامورتي أن يشير إلى نفسه بحرف "ك" تجنبًا لاستعمال ضمير المتكلم. (المحرِّر)

[3] إشارة إلى الحرب التي نشبت في العام 1982 بين إنكلترا والأرجنتين على جزر الفوكلاند (المالڤينا) في عهد رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر. (المحرِّر)

[4] لعله الكاتب الپيروڤي ماريو ڤارغاس يوسا. (المحرِّر)