هل يمكن للمخ أن يهدأ هدوءًا مطلقًا؟*

كريشنامورتي: أذهب إلى دار للكتب وألتقط كتابًا، أو أسمع شريطًا أو أشاهد تسجيلاً مرئيًّا. ألتقط كتابًا وأقرؤه. إما أتصفحه، أقلِّب الصفحات تقليبًا سريعًا جدًّا وأقول: "أجل، هذا معقول"، وإما أقرؤه قراءة متأنية للغاية. أريد أن أفهم أولاً إذا كان ما يقوله شيئًا ما جديدًا، ليس تكرارًا للموروثات، للعبادات، للصلوات، قائلاً: "أنا الممثل المباشر لـ…" أو شيئًا من هذا القبيل. لقد أصبتُ حظًّا لا بأس به من التعليم، وتراني أقرأ هذا الكتاب. وفي الكتاب جاء: "أنت والتعاليم ضالعان في هذا الأمر؛ التعاليم ليست منفصلة عنك. أنت المعلم والتلميذ." ولأني مهتم بذلك، تراني، بالتالي، أتعلم، أكتشف، أستكشف. فالتعليم ليس شيئًا هناك، إنه هنا.
وهكذا، عبر سيرورة الفهم، أو ربما في ثانية واحدة، سأرى الأمر برمته. هو إما هضم بطيء وإما إدراك آني. فإذا كان تبصرًا تامًّا، إذ ذاك ليس عليَّ أن أفعل أي شيء، والأمر حاضر. أما إذا كان مجرد سيرورة مُراكَمة للمعرفة التي يتضمنها الكتاب، تراني أجمع المعرفة وأقول إني فهمت. لكن مغزى ذلك ضئيل جدًّا؛ إنه أشبه بحفظ [سِفْر] إشعيا أو نشيد الأنشاد عن ظهر قلب. لكني، إذا بدأت أصغي إلى الكلمات، أفهم، أدرك، أتبصر، إذ ذاك أصير المعلم لأنني أتعلم. وبذلك أكون التلميذ أيضًا الذي يلتقط. وإذن، فأنا كلا المعلم والتلميذ. إذا استطعتَ أن تفهم هذا، صار الأمر بسيطًا للغاية. إذ إني أتعلم طوال الوقت، وما من لحظة أبدًا إلا وأرى فيها شيئًا جديدًا.
سائل: هل يصح قولنا أيضًا إنه ليس من الضروري دومًا الرجوع إلى الكتاب؟
ك: آه، لا، ليس ضروريًّا. إذا قرأتُ الكتاب كله، قرأته قراءة متأنية للغاية، تراني أفهم ما يحاول أن يبلِّغه، فأكتشف أنه يتحدث عني أنا، لا عن الكتاب. إنه يتحدث عني؛ فالكتاب هو أنا. إذا كان ذلك واقعًا، إذ ذاك فأنا حَواريٌّ حقًّا، لا للكتاب، بل لنفسي. بذا أصير المعلم. لا يوجد فصل في التعاليم بين التلميذ والتعاليم؛ الأمر كله حركة واحدة. بذا أحيا على ذلك النحو؛ سواء في الجنس أو في كسب المال، إنه جزء من الحياة.
س: كريشناجي[1]، تكلمت قبل قليل على سيرورتين اثنتين: إما التبصر الآني وإما الهضم البطيء.
ك: نعم، إنه عمومًا هضم بطيء.
س: طيب، هو كذلك. فأنت لا تنكر أهمية الهضم البطيء؟
ك: لا أنكر شيئًا. الأمر يتوقف على استطاعة المرء، على مدى تعمُّقه فيه جديًّا، على مدى عمق اهتمامه بالإنسانية، وهي أنا. سواء كانوا يجزرون في لبنان، أو في ليبيا، أو في أيرلندة الشمالية، أو في أفغانستان، فهذا من شأني، وأنا جزء من ذلك كله.
س: لكن هذا الهضم البطيء الذي نتكلم عليه، أليس، نفسانيًّا، سيرورة زمنية؟
ك: لا. فالإنسان الذي يفهم حقًّا طبيعة الزمن يكون خارجه.
س: أليس [سيرورة] لحظة فلحظة؟
ك: لا. ذلك فظيع. ذلك هو الموقف العلمي بخصوص الزمن – متوالية من الحركات. لقد ناقشت هذه القضية مع عدة علماء. الزمن، بنظري، هو عدو الإنسان.
س: إسقاطاته إذن؟
ك: نعم. عندئذ تتطور، تنمو، تتكاثر… بنظري، ذاك هو النقيض التام للفعلية – نفسانيًّا. بالطبع كنت طفلاً، ثم صرت رجلاً، وهكذا – ذاك طبيعي. لكنْ داخليًّا، نفسانيًّا، ذاتيًّا، صيرورتك شيئًا تستغرق زمنًا، لذا أقول لا…
س: هذا صحيح، لكنْ قد يقع تشويش. على المرء أن يكون شديد الحذر في الأمر.
ك: تعرفون كلمة منترا[2]؛ لقد صارت جزءًا من اللغة الإنكليزية، مثل گورو[3]. منترا تعني – كما قيل لي – كلمتين: مَنْ و تْرا. مَنْ لها عدة معان، لكن المعنى الرئيس هو تفكَّرَ، أنعَمَ النظر، تأمَّلَ في عدم الصيرورة. هل تفهمون، أيها السادة؟ – عدم الصيرورة شيئًا. التأمل فيه، التفكر فيه، النظر فيه، التمتع به، رؤية ما يتضمنه. تْرا تعني كشح الاهتمام بالنفس تمامًا، الأنا ونشاطها. ذاك هو المعنى الحقيقي لتلك الكلمة: إنعام النظر في عدم الصيرورة. نحن دومًا نصير: أنا هذا، وسأكون ذاك. أنعموا النظر في ذلك. لا تتخطوه. لا تنكروه. لا تقتلوه، بل انظروا إلى ما يتضمنه. ذاك ما يقوله ك[4] بطريقة أخرى. و تْرا تعني، في جملة ما تعني، إهلاك، تدمير أي شكل من أشكال الأهمية الذاتية أو الفعل الذاتي. لكننا الآن جعلنا منه شيئًا سخيفًا: تراك تردِّد منترا – "رام رام"، أو "كوكاكولا"، أو هذا الشيء أو غيره – فيصير طفوليًّا!
س: هذا الهضم البطيء، إذن، هو عملية صيرورة؟
ك: طبعًا.
س: قد لا يكون كذلك.
ك: انظر إليها فقط، سيدي، إلى عملية الصيرورة البطيئة، سيرورة هضم التعاليم – لماذا ترى ذهني يتقبل ذلك؟ لماذا يتقبل ذهني فكرة التعلم البطيء هذه؟
س: قد لا أكون قادرًا على إدراك الأشياء فورًا.
ك: لماذا إذن؟
س: لأنه ذهن بطيء.
ك: لماذا، إذن، هو ذهن بطيء؟ لن أقبل ذهنًا بطيئًا. لماذا ذهني بطيء؟ على رسلك دقيقة! أهو الشرب؟ تريث، تريث، سأتوغل في الأمر. أهو الجنس؟ أهي هذه الشهوة الهائلة لأن أعرف وأعرف وأعرف، لأن أتشرَّب المعرفة؟
س: ربما لأن بعض الناس في الحياة سريعون، بينما غيرهم…
ك: لماذا أقبل سيرورة النمو أو الهضم البطيء هذه؟ لماذا أتقبَّلها؟
س: ما إنْ تضع كلمة "سيرورة" عليها، بالطبع، حتى يتغير الأمر برمته.
ك: مافتئت السيرورة تُشرط الإنسان. عن نفسي، لن أتقبل فكرة السيرورة. يجب أن أتأنى هنا. لقد كابد ك خبرات نفسانية مزعومة[5]؛ ولسوء الحظ، كُتب عن هذا كله؛ فلن أتطرق إليه. لقد فقدتُ فعلاً ذاكرة ذلك كله؛ لست أبالغ؛ إنه لا يهمني. والآن، يقرأ أحدهم شيئًا، وليكن، على سبيل المثال، "إنهاء الشقاء" أو "معرفة النفس أعظم حكمة في العالم". تراه يقول شيئًا من هذا القبيل. فلماذا لا أدركه على الفور؟ هل ذهني بليد يا ترى؟
تعرفون أن ألدوس هكسلي[6] كان صديقًا مقربًا. كان من عادته أن يرسم ويعزف على الپيانو – كان إنسانًا رائع المواهب. وكان من عادته أن يقول: "عندي كمٌّ هائل من المعرفة، عن الڤيدنتا، عن البوذية، عن المسيحية، عن العلم." وقال: "عندي كمُّ معرفة هو من الحجم بحيث إني لا أدري إنْ كنت أستطيع يومًا أن أختبر الشيء الأصلي." وهكذا تعاطى العقاقير ليختبر ذلك. كنت معارضًا لذلك كله.

وإذن، لماذا عليَّ – أنا الإنسان العادي، وقد سمعت شيئًا كهذا –، لماذا عليَّ أن أقبل التدرج، صفحة بعد صفحة، صفحة بعد صفحة؟…
س: نعم، ولكنْ هل يعني ذلك، إذن، أنك إما أن تفهم كل شيء في لمحة وإما أن لا تفهم شيئًا؟
ك: أجل، سيدي، هو ذاك فعلاً.
س: هو إما كل شيء وإما لاشيء؟
ك: لا، عاينْ فقط، سيدي، الأهمية…
س: إما أسود وإما أبيض؟
ك: لا. لا أسود هناك ولا أبيض. انظر إلى الأمر وحسب. أنا إنسان عادي. أشرطتُ على الكاثوليكية، نشأت على ذلك النحو. ثم تظهر أنت وتقول: "انظر، هناك هندوس يقاتلون مسلمين." تدلني على هذا كله. فلماذا لا أدركه سريعًا؟
س: عليَّ هذا سهل.
ك: لا. على رسلك! تريث. لماذا هو سهل؟
س: لأنه واضح طبعًا.
ك: حذار، حذار، حذار! لماذا ليس [الإدراك] الآخر واضحًا بالمقدار نفسه؟
س: ذاك ما أسأل عنه.
ك: لا، أنا أسأل: "لماذا؟" فلم لا تسأل أنت؟! لماذا لا يرى مخي الأمر كله في لمحة؟ عندي خارطة لأوروبا. أريد أن أذهب إلى رُوان، وما تبقى لا يهم. تراني لا أهتم حقًّا بموقع إكس-لا-شاپيل أو أي مكان آخر، بل أريد أن أذهب إلى رُوان. لذا فإن مخي موجَّه ويستبعد [الأماكن] الأخرى. فلماذا يفعل ذلك؟ لأن عندي هدفًا، عندي قصدًا، عندي شيئًا أريد نيله. لذا لا تشوِّشني الخارطة. فما الشيء الذي أريد نيله؟ ما الشيء الذي أريد الحصول عليه؟ لذا أتقصى ذلك. فإما أن أتقصاه تقصيًا بطيئًا، يومًا بعد يوم، ألتقط نتفًا صغيرة من هنا وهناك، لأن ذهني منشغل بزوجتي، أو بزوجي، أو بأمور أخرى ما، أو تراني أقول: "ليس عندي وقت لهذا؛ عندي مسؤوليات." لكن هذا الشيء فاعل هو الآخر، طوال الوقت. ولهذا السبب أسأل دومًا: "لماذا مخي بطيء إلى هذا الحد الرهيب؟ لماذا لا أرى الأمر رؤية واضحة، آنيًّا، ليس خارجيًّا فقط – الحرب وما شاكلها – بل داخليًّا؟"
س (الدنمرك): كريشناجي، أرى أن الصعوبة المركزية، فيما يخصني، هي قوة الماضي. إذا كانت عندي مشكلة، مثلاً، يتدخل الماضي. مادمت مركِّزًا عليها، واعيًا بها، هناك فَكاك معين، هناك مساحة في نفسي. لكني، ما إنْ أنشغل بشيء آخر حتى تستولي تلك السيرورة [على المساحة]، فأجد نفسي في المآل وسط كركبة كبيرة. لا أدري ماذا أفعل!
ك: نعم، سيدي. هل تأذن لي أن أشرح؟ لا توجد "أنا" تنظر إلى الوراء. أنت، "الأنا" هي الماضي؛ ما من انقسام. لا أدري إنْ كنت أوضح ما أعني. سيدي، بسِّط الأمر للغاية: هل أنا مختلف عن غضبي؟ هل أنا مختلف؟ أنا غاضب. هذه زوجتي، وأنا غاضب عليها. هل ذاك الغضب مختلف عني؟
س (الدنمرك): لا.
ك: فالغضب هو أنا.
س (الدنمرك): نعم.
ك: بمجرد أن أدرك ذلك مرة واحدة ينتهي الانقسام.
س (الدنمرك): فهمت. ومن ثم ليس على المرء أن يبذل الجهد طوال الوقت؟
ك: لا. إذا رأيتُ مرة واحدة نهائية أن الغضب هو أنا، فعلاً، ينعدم الانقسام عندئذ. إنه أنا. أعني، إذا فهمتُ حقًّا أن الإنسانية هي أنا، أنني لست منفصلاً عن الإنسانية، فهذا تطور هائل. الإنسانية هي أنا، لأنني غاضب، عنيف، وكذلك هو الرجل في قرية بالهند. أنا الإنسانية.
س (إيطاليا): ليست رؤية أن الغضب هو أنا بهذه السهولة لأن الغضب يذهب ويأتي، بينما أنا دومًا حاضر. لذا يراودني انطباع بأن…
ك: لا، فأنا أيضًا أذهب وآتي.
س (إيطاليا): أنا أيضًا أذهب مع الغضب؟
ك: طبعًا. ذات يوم أنا غاضب، وفي اليوم التالي أنا مسالم. إنه الشيء نفسه.
س (إيطاليا): ألا يوجد شيء آخر يبقى دومًا فيَّ؟
ك: عندما تتخطى هذا كله، يوجد شيء غير قابل للتحريك. وهو لا يأتي لأنك بين مدٍّ وجزر، مبتهج يومًا، مشاكس في اليوم الذي يليه.
س (الدنمرك): سيدي، لا أزال غير فاهم الفرق بين الصيرورة شيئًا والهضم البطيء. وأعني أن كلا الفهم البطيء والصيرورة شيئًا يستغرق زمنًا. لذا فإن العديد من الناس محتاجون إلى عامين أو ثلاثة، إلى عمر كامل ربما، لفهم التعاليم.
ك: سيدي، أنا بحاجة إلى زمن لتعلُّم لغة. لم أكن أفقه الإيطالية، لكني صرفت وقتًا، استمعت بانتباه شديد إلى السياسيين، قرأت القصص المصورة، إلخ، فتراني أجدت تعلُّم الإيطالية بعض الشيء. ذاك يستغرق زمنًا. تلك سيرورة جمع بطيء، لمختلف الأفعال، للأفعال الشاذة، إلى ما هنالك؛ وفي آخر المطاف، حصَّلتُ الكثير من الكلمات الإيطالية، وتراني أجيد الإيطالية. والآن، هل تجري تلك السيرورة نفسها في الداخل؟ هل أجمع ببطء مَن هو أنا؟ هل أفهم ببطء ما هو الحب؟ هل أبدأ ببطء باغتنام جمال شيء؟ هل هو كذلك؟ أشك في ذلك، لا أقبله. لكننا قبلنا ذلك، تقبَّلنا التطور بوصفه وسيلة للإنجاز.
س (الدنمرك): لكني كثيرًا ما يراودني انطباع بأني، عقليًّا، أفهم ما تقول.
ك: آ، هو ذاك. فهل أستطيع أن أصغي من دون العملية العقلية التي تتدخل دومًا؟ هل بوسعي أن أصغي إلى ما قلت لتوِّك الآن؟ أعني قولك لتوِّك الآن: "عقليًّا أفهم." لماذا؟ لماذا تقول: "عقليًّا أفهم"؟ ماذا تقصد بـ"عقليًّا"؟
س (الدنمرك): أرى منطقية ذلك.
ك: فلماذا ترى منطقيته فحسب؟ ترى منطقيته؛ فلم لا تتخطاها؟
س: ذاك صحيح. تلك هي اللحظة الآنية.
ك: أجل، سيدي. أنا أسأل: لماذا يتفق لي أن أفهم بأني يجب ألا أتشاحن مع زوجتي، لكني [مع ذلك] أتشاحن؟ لماذا؟ أهي العادة؟ أهي اللامبالاة التامة؟ أهو أنني منشغل بأمور هي من الكثرة بحيث إن زوجتي تستفزني؟ وإذن، علي أن أتقصى – المخ مستقصيًا ذاته –: "لماذا ترى المخ يتقبل أمورًا بعينها وينكر أمورًا بعينها؟" لماذا؟ أو لماذا لا ينحِّي المخ فكرة التقبل والإنكار هذه برمتها؟ إذا تقبلتَ شيئًا، فأنت تقاوم شيئًا آخر؛ إذا أنكرتَ شيئًا، فأنت تتقبل شيئًا آخر – ما يعني وجود مقاومة.
س (إيطاليا): أريد أن أطرح سؤالاً بسيطًا: لحصول هذه اللمحة من الفهم التام، ألا يمكن أن يوجد عمل تحضيري؟
ك: بالطبع لا.
س: لنقلْ إنك تقرأ شيئًا، تقرأ بعض أقوال كريشناجي – أنت بحاجة إلى سيرورتك العقلية لتقرأ، أليس كذلك؟
ك: طبعًا، سيدي، على رسلك دقيقة. أنا أقرأ. فهل أقرأ حقًّا، أو هل أقرأ ما وراء الكلمات؟
س: طيب، ذاك هو السؤال الذي أردت أن أسأله.
ك: على رسلك، تريث! أصغ، أصغ! هل أنا أقرأ صفحة بعد صفحة فحسب؟ هَبْ أني أقرأ رواية بوليسية، أعني رواية جيدة، أقرأ سريعًا: إنها كلها عن فتى، فتاة، خونة، تعرفون الحبكة القديمة إياها، الكثير من الجنس، فأجوز عنه. هكذا أقرأ رواية أو ما شابه. لكني هنا أقرأ ما يكمن وراء الكلمة؛ وأنا أصغي أيضًا إلى صوت الكلمة؛ ومخي كذلك يترجم ما يقال بما يلائمه. لذا أقول: "انظر إلى ما أنت فاعل: أنت لا تصغي، لا تتعلم، بل تتكيف، تتلاءم مع ما يقال." فأتوقف على الفور؛ أكف عن القراءة؛ فأنفذ إلى ذاك. أتوقف عن القراءة؛ أمضي وأراقب وأقول: "ماذا أفعل؟" أراني أترجم شيئًا قرأته بحسب ما يلائمني. وإذن أعود إلى نفسي؛ أجد الاهتمام بالنفس فاعلاً. لذا أقول: "بحق الآلهة، انظر إلى ما أفعل!" لا أكف عن المراقبة أبدًا.
س (إيطاليا): عندي إحساس عن الذهن. يلوح لي أن الذهن أشبه بالنافذة: أرى شيئًا في الخارج، وأرى الشيء الواحد بعد الآخر، لذا يبدو لي أن هناك زمنًا. لكني إذا استطعت أن أرى فورًا، إذا استطعت أن أشعر أن كل شيء يحدث في وقت واحد…
ك: لا، سيدي. هذا موضوع معقد نوعًا ما. هل المخ مختلف عن الذهن؟ لا، لا، لا تُجبْ. أنا أطرح عليك سؤالاً: هل المخ مختلف عن الذهن؟ أم أنهما متلازمان؟ هل الأمر كذلك؟ أو – دعنا من الذهن مؤقتًا – ما هو نشاط المخ؟ الحواس، الاستجابات…
س (إيطاليا): رؤية شيء واحد بعد آخر.
ك: لا، لا. انظر إلى المخ، سيدي. لستُ اختصاصيًّا في المخ، لكنْ انظر إليه. المخ هو مركز جميع ردود فعلنا العصبية، الأوتوماتيكية، الآلية، الاستجابات الجسمية، الاستجابات الغدِّية. إنه مركز جميع الانفعالات؛ إنه مركز جميع استجاباتنا وردود فعلنا. إنه مركز الفكر كله. إنه مركز نشاطنا كله – الأشغال، الترجمة، الكلام، الثرثرة، الجنس؛ إنه مركز وجودنا الجسماني كله. هل تقبل أن المخ هو مركز نشاطنا كله، سواء الانفعالي منه أو النفساني إلخ؟ يبدو أنه كذلك، وقد أكون مخطئًا. وإذن، هل الذهن مثل ذلك أيضًا؟ أم أنه مختلف كليًّا؟ إذا كان كذلك، فهو مجرد ردِّ فعل جسماني، انفعالي، مركز لذلك كله. أرصد شجرة؛ أودُّ هذا [الشخص]، لكني لا أودُّ ذاك؛ سوف أصير رجل أعمال كبيرًا؛ لا، لا، سأكون متواضعًا، وذاك حسبي – هذه العملية مستمرة طوال الوقت. إذا كان الذهن جزءًا من ذلك، فما الفرق إذن؟ ومنه، لا بدَّ أنه شيء مختلف، صحيح؟ هل هو مختلف؟ لا يجوز لي أن أفترض.
لذا عليَّ أن أكتشف إذا كان بوسع المخ أن يكون هادئًا يومًا. هل يمكن للمخ يومًا أن يكون صامتًا، هادئًا، ساكنًا، ليس ممتلئًا بالموسيقى أو الثرثرة – كلمات، كلمات –، بل هادئ، هادئ هدوءًا مطلقًا؟ ذاك هو أول شيء سأسأله لنفسي – وانسْ ما قلنا عن الذهن إلى ما هنالك –، ذاك أول شيء سأسأله لنفسي. مادمت أرى ما يحدث من حولي، فيَّ، ذاك أول شيء سأسأله: "هل يمكن لهذا الشيء الذي هو بكل هذا النشاط – يراقب، يتعلم، يسمع، إلى ما هنالك –، هل يمكن لذاك أن يكون هادئًا؟" ليس هادئًا قسرًا، بالجهد، بالسيطرة – فتلك كلها أمور طفولية! –، بل هادئ بحدِّ ذاته.
زانن، 19 تموز 1985 (2)
* From the transcript of the tape recording of the International Committee Meeting at Saanen, 19 July, 1985 ©2000 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd., pp. 27-36.
[1] تضاف لاحقة جي إلى أسماء العلم في الهند احترامًا. (المحرِّر)
[2] كلمة سنسكريتية تعني لفظة أو عبارة ذات تأثير ذبذبي حين تُتلى عن قصد وفق إيقاع معين. (المحرِّر)
[3] كلمة سنسكريتية تعني "ذو الوزن" أو "كاشح الظلام" وتشير إلى المعلم الروحي. (المحرِّر)
[4] كان من عادة كريشنامورتي أن يشير إلى نفسه بحرف "ك" تجنبًا لاستعمال ضمير المتكلم. (المحرِّر)
[5] إشارة إلى الخبرات النفسانية القاسية التي كابدها كريشنامورتي قبل تحرُّره الروحي النهائي؛ وقد تواضع المقربون منه على تسميتها بـ"السيرورة" the process. (المحرِّر)
[6] ألدوس هكسلي (1894-1963): كاتب إنكليزي لامع ووصاف ساخر للعالم الحديث، كما في روايته عالم جديد جَسور (1932). اهتم لاحقًا بالتراث الروحي العالمي، مبوبًا مختارات من نصوصه ومعلقًا عليها في كتاب بعنوان الحكمة الخالدة (1944)، وكتب مقدمة ممتازة لكتاب كريشنامورتي الحرية الأولى والأخيرة (1954). وصف خبرته مع العقار المبدِّل للوعي LSD في كتابين صغيرين: أبواب الإدراك (1954) والنعيم والجحيم (1956)، كما نظَّر تنظيرًا دقيقًا لما يجب أن يكون عليه المجتمع الطيب في "مدينة فاضلة" في روايته الرائعة جزيرة (1962). (المحرِّر)