Archive for the ‘لاعنف’ Category

الدعوة إلى اللاعنف: للمقهورين أم للقاهرين؟ - جان-ماري مولر

الأحد, تشرين الأول 18th, 2009

هل يُدعى القاهرون بالأولى

إلى اللاعنف أم المقهورون؟

muller_2

جان-ماري مولِّر*

ثمة سؤال يتكرر طرحُه من حين لآخر، فيما يشبه الاستفزاز: "لماذا يُنصح باللاعنف دومًا للمقهورين؟ ألا يجب بالأولى أن يُدعى إليه القاهرون؟" بدايةً، هل من اللائق "النصح باللاعنف" للمقهورين؟ يجدر بالمرء، أولاً، ألا يقف على منبر الواعظ، لأن الذي يحصي ضربات العصي ليس كمن يتلقاها. ومن بعدُ، هل من اللائق "دعوة القاهرين إلى اللاعنف"؟ وهل من الممكن أصلاً، في الواقع، تخيُّل قاهر لاعنفي؟ قطعًا، لو اتفق للقاهرين أن يهتدوا إلى اللاعنف لانعدم القهر إلى الأبد. لكن فرضية كهذه عبارة عن مثالية محضة ولا تصلح للإحاطة بالواقع في شيء.

إن القاهر هو الذي يتحمل المسؤولية الأولى – المسؤولية الأصلية – عن العنف. فالقاهر – ولا ريب – هو المحرض الحقيقي على العنف، وإنْ يكن يتشبث بموقف الناكر لعنفه هو، إذ يزعم، واثقًا من حقِّه، أنه لا يستعمل إلا مقدار القوة الضروري كي يدرأ عن نفسه مقاومة المقهور. أما وأن الأمر كذلك، وبما أن القاهر عنيف بالطبع، يقضي المنطق الخالص بإلزامه أن يكون غير عنيف. لكن هذا السؤال، فيما يتعدى ظاهر هذا المنطق، سؤال موارب أساسًا، من حيث إنه يشي بأننا حيال جماعتين بشريتين تتخذان، في النزاع الناشب بينهما، موقعين متوازيين، الأمر الذي يجيز لنا مخاطبتهما باللغة نفسها بإسداء "النصائح" نفسها. لا شيء من ذلك طبعًا.

لا مناص لنا من الاعتراف بواقع الحال: إذا كان بمقدور المقهورين، بوصفهم مقهورين، أن يختاروا اللاعنف، فإن القاهرين، بوصفهم قاهرين، ليس بوسعهم أن يختاروه. وإذا كان من المعقول أن يختار المقهورون اللاعنف لمقاومة القهر، فمن طبيعة القاهرين أن يختاروا العنف إصرارًا على قهرهم؛ وقد تعلمنا من التاريخ أنهم لن يقلعوا عنه بمحض إرادتهم. إن هدف المقهورين من أخذهم بالخيار اللاعنفي هو بالضبط إكراه القاهرين على الإقلاع عن عنف ظلمهم.

لا يمكن للقهر الذي ينتهك حقوق الإنسان الأساسية، إذ ينال من كرامته وحريته، إلا أن يحرض انتفاض المقهورين وجميع الذين ينتوون تأكيد تضامنهم مع قضيتهم. والانتفاضة تتضمن المقاومة – وهي مقاومة قاسية. لكن من فرائض اللاعنف أن يُنظَر إلى القاهر بصفته هو الآخر إنسانًا يحمل هو الآخر، في أعماق سريرته، طلبًا للعدل.

اللاعنف نضال لا يساوم ضد الظلم يلازمه احترامٌ لإنسانية الظالمين؛ وهذا الاحترام لشخص الخصم من شأنه لا أن يوهن المقاومة، بل أن يقويها. فاللاَّعنف يمارس مقاومة للعنف أشد برفضه مضاعفة العنف؛ وهو، ببقائه على صعيد العدل، يتيح بذلك تركيز الصراع ضد الظلم.

ومنه، فإن اللاعنف لا يريد العدول عن مناشدة ضمير القاهر وعقله حتى يوقظ فيه إنسانيته، فيحمله على إنصاف المقهور. بهذا المعنى، فإن المقصودة فعلاً هي دعوة القاهر لا إلى اختيار اللاعنف، بل إلى الإقلاع عن العنف، أي – إذا جاز لنا أن… نكتب – إلى اختيار عدم العنف.

لكن القاهرين، على الأرجح، لن يكترثوا بمثل هذه الدعوات إطلاقًا، بل سيصمُّون آذانهم عن حجج المقهور ويظلون عصيِّين على الإقناع؛ وسيكون دأبهم الدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم بكل سهام العنف التي في جعبتهم. وهم، إذ يفعلون ذلك، منسجمون مع منطقهم – وهو منطق صعب المراس: إنه منطق القدرة الكلية.

غير أن هذه الدعوات إلى عدم العنف، هذه النداءات إلى ضمائر القاهرين وعقولهم، ليس محكومًا عليها بالضرورة أن تَعدم كل جدوى. فبين جماعة القاهرين بالذات، قد يحصل في الغالب أن ينفتح بعض الأشخاص على هذه النداءات، فيعون الظلم الواقع على المقهورين. وتبين التجربة، حتى في أشرس النزاعات، أن بعض المنتمين إلى جماعة القاهرين يكفُّون عن التضامن مع جماعتهم وينشقون عنها ويحامون عن قضية المقهورين. بعضهم، مجازفًا بنفسه أشد المجازفة، لا يتردد جهرًا في مقاومة سياسة القهر التي تنتهجها جماعته، وذلك بإعمال وسائل العمل المباشر اللاعنفي؛ في حين أن بعضهم الآخر قد يذعن للاقتناع، لأسباب پراغماتية، بأن مصلحته تقتضي ضمنًا إيجاد تسوية مع المعسكر الخصم. وهذان كلاهما يمكن لهما عندئذ أن يلعبا دورًا حاسمًا في تطور النزاع بتيسيرهما البحث عن حلٍّ بنَّاء.

والحال، فإن من شأن عنف المقهورين حصرًا أن يقضي غالبًا على جهود المنشقين الذين ينهضون بين القاهرين؛ إذ إن من خصائص العنف أن يرص صفوف أفراد المعسكر الخصم وينزع إلى لمِّ شمل هذا المعسكر في كتلة موحَّدة. وإنها لواقعة مُثبَتة بالبرهان القاطع أن العنف يسيء إلى أعدل القضايا ويعسِّر الدفاع عنها، وذلك لأن العنف ينطوي على قدْر من الظلم لا يُختزَل. بالمقابل، فإن لاعنف المقهورين يفسح لهؤلاء المنشقين مجالاً يمكن لهم فيه إظهارُ شرعية مطالب المقهورين.

وفي الحاصل، فإن الواقعية البحتة هي التي تنصح للمقهورين باختيار اللاعنف، لأن مقدرة القاهرين على العنف هي دومًا أكبر بما لا يقاس من مقدرة المقهورين عليه. والمقهورون، إذ يختارون العنف، يقفون على الصعيد الذي يكون القاهرون فيه أوفر عتادًا وأجْوَد تسليحًا. بذا فإن اختيار المقهورين للعنف لا يسعه إلا أن يحرض مزيدًا من القمع من جانب القاهرين ويحبس هؤلاء في منطق عنفهم. ومنه، فإن نضال المقهورين ضد قهرهم يُلزمهم إلزامًا مطلقًا بإحباط قمع القاهرين.

قصارى الأمر، إذن، أن مقاومة المقهورين اللاعنفية هي خير وسيلة لـ"دعوة القاهرين إلى عدم العنف".

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* فيلسوف وكاتب ومناضل لاعنفي فرنسي والناطق باسم "الحركة من أجل بديل لاعنفي"؛ وضع كتبًا عديدة في فلسفة اللاعنف وإستراتيجية العمل اللاعنفي، آخر ما نُشر منها بالعربية: قاموس اللاعنف، معابر للنشر/الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية (2007) واللاعنف في التربية، معابر للنشر (2009)، بترجمة محمد علي عبد الجليل.

كانط: فيلسوف كرامة الإنسانية - جان-ماري مولر

الأثنين, أيلول 28th, 2009

عمانوئيل كانط

فيلسوف كرامة الإنسانية

muller

جان-ماري مولِّر*

في التوطئة التي عقدها عمانوئيل كانط (1724-1804) على كتابه عقيدة الحق، طرح الفيلسوف "مسألة معرفة إنْ كان من الممكن فعلاً وجودُ أكثر من فلسفة". لا مناص، أولاً، من ملاحظة أنه قد وُجدت طُرُق عديدة للتفلسف، وأن هذه الطرق متنوعة وغالبًا متناقضة، وأنه كان لا بدَّ للأمر من أن يكون كذلك لأن كل واحدة من هذه الطرق "ذات جدارة". لكنه يؤكد أنه لمَّا كان لا يمكن أن يوجد "إلا عقل إنساني واحد فقط، ليس من الممكن لفلسفات عديدة أن توجد"[1]. ذلك أن من قبيل التناقض بالفعل القبولَ بإمكان وجود فلسفتين صحيحتين تتناولان الموضوعات نفسها.

مفاد القناعة التي أود أن أتوسع فيها أمامكم هي أن الخيار اللاعنفي هو "الحدث" الأصلي المؤسس للمعرفة الفلسفية. بذا يصبح اللاعنف مبدأ الفلسفة، أي قضيتها الأولى والرائسة، بدؤها وأساسها، – الأمر الذي يعني في المحصلة أنه لا يمكن لفلسفة صحيحة أخرى أن توجد غير الفلسفة التي تأخذ بخيار اللاعنف. اللاعنف ليس فلسفة ممكنة، ليس إمكانية من إمكانيات الفلسفة، بل هو بنيان الفلسفة بذاته: ما من فلسفة ممكنة إلا وتصر على أن فريضة اللاعنف لا جدال فيها، على أنها التعبير عن إنسانية الإنسان الذي لا يقبل الطعن في صحته، وعلى أنها مكوِّنة لما هو إنساني في الإنسان.

كثيرًا ما يُنظر إلى فلسفة كانط بوصفها إسهامًا حاسمًا في صياغة الفلسفة الأخلاقية. إنها "ذات جدارة"، على حدِّ تعبير كانط نفسه، وهذه الجدارة هائلة! فالفيلسوف الألماني ما انفك يتفكر في هوان الكائن الإنساني وفي عظمته. وقد حاول، بأكثر ما يكون من النزاهة الفكرية، أن يتفهم، في آنٍ معًا، النزوع الطبيعي إلى الشر و"الاستعداد الرائع للخير"[2] اللذين يتقاسمان قلب الإنسان. وقد أكد، أكثر من أي فيلسوف آخر، أن إنسانية الإنسان جديرة بالاحترام لأن "الإنسانية نفسها هي كرامة"[3]؛ وبصرامة فكرية قصوى، بيَّن أن أعمق فرائض الإنسان هي احترام "كرامة الإنسانية في شخصه هو"[4]، وفي الآن نفسه، الاعتراف بـ"كرامة الإنسانية في كل إنسان آخر"[5].

عمانوئيل كانط

غير أن مدار حديثي بالطبع ليس الادعاء بأن كانط قد بسط، من حيث لا يدري، فلسفةً في اللاعنف – فهو يجهل مفهوم اللاعنف. لكن من المشروع قطعًا الاستناد إلى عبارات كانط نفسها لطرح تعريف بالعنف بوصفه "انتهاك [المرء] للإنسانية في شخصه هو"[6] وفي شخص الإنسان الآخر، واعتبارًا من ذلك، التعريف بمفهوم اللاعنف بوصفه احترام المرء الإنسانيةَ في شخصه هو وفي شخص الإنسان الآخر على حدٍّ سواء. سوف أقتبس من كانط إذن مادة فكرية لبناء تفكُّري أنا بقصد مقاربة فلسفة اللاعنف التي يبدو لي أنها تعبِّر خير التعبير عن حقيقة إنسانية الإنسان. لن أقوِّل كانط ما لم يقل، لكني سوف أقول ما لم يقل، مقتبسًا منه عناصر معينة من تفكُّره لتغذية تفكُّري الشخصي. ولسوف أختار هذه المواد بكل حرية: أي أنني، مستبقيًا بعضها، سوف أستبعد في الوقت نفسه بعضها الآخر مما يبدو لي غير قابل للاستعمال، من غير أن أصرف وقتًا في تبرير خياري، غير سالك طريق عرض فكره وتحليله نقديًّا، لأن هذه المقاربة أطول بكثير مما ينبغي.

يعتبر إريك ڤايل أن كانط

[...] كاتب عظيم، أي كاتب أثَّر فكرُه على الحاضر، وإذ رَفَعَ هذا الفكر إلى صعيد أعلى من الصعيد الذي انطلق منه الكاتب نفسه، زود أخلافه بمزية التمتع، من أجل اجتهاداتهم هم، بنوع من المقفز انطلاقًا مما كان يجب، بنظر ذلك الرجل العظيم، أن يبقى هو الغاية.[7]

ومنه، أود أن أتكئ على فلسفة كانط الأخلاقية لكي أستخدمها كمقفز.

في تساؤل كانط عن النزوع الطبيعي للإنسان إلى خبث النية mal-veillance، توصل إلى الإجابة بأنه يتعين بـ"حب الذات":

إن جملة الميول (التي تُسمى تلبيتُها عندئذ السعادة الشخصية) هي التي تشكِّل الأنانية. والأنانية هي إما حب الذات، وهو عبارة عن مراعاة مفرطة للنفس، وإما إرضاء النفس.[8]

بذا فإن "الاعتزاز بالنفس" amour-propre (نزوع المرء إلى حب نفسه على حساب الآخرين) طبيعي لدى الإنسان، وهو يستيقظ فيه قبل القانون الأخلاقي. الإنسان، بطبيعته، ميال إلى الحرص على مآربه هو أولاً. فحين يبادر المرء إلى الفعل "يصطدم دومًا بالأنا العزيزة التي تنتهي دومًا إلى الظهور"[9]. الإنسان، تأكيدًا لهويته، في حاجة لا تُقهَر إلى الاعتراف به؛ وهو يتوقع من الآخرين أن يُظهروا له هذا الاعتراف كانعكاس لحبِّه لنفسه. وهذا لا يعني وجوب إسكات كل طموح – فالطموح حافز من حوافز الإرادة: لكن الطموح ليس نبيلاً إلا عندما يكون في خدمة قناعة ما. غير أن الإنسان، بكل أسف، كثيرًا ما يغريه أن يقدِّم مطامحه على قناعاته.

ومادام الإنسان خاضعًا لميوله الطبيعية – قد يستطيع ألا يستمع إليها، لكنه لن يُسكتها أبدًا –، فهو يتصف بشهوة هائلة إلى المجد، وهو يستظل بمجد الآخرين. إنه لا ينفك يعبد نفسه ويهيب بالآخرين أن يشاركوا في هذه العبادة. يريد الإنسان أن يكون شهيرًا وسط الآخرين، أي أن يُشهره الآخرون بذكره. والإنسان، في طلبه الشهرة، التي يأمل أن تستمر بعد موته بتركها أثرًا في التاريخ، يريد أن يشبع رغبته في الخلود. بيد أن الشهرة، لا تلك التي تُنال عفوًا بل تلك التي تُطلب، لا يفوز بها المرء إلا ضد الآخرين. إذ إن اشتهار المرء هو أن يكون على نحو ما في المرتبة الأولى.

حين يلتقي كائنان، وكلٌّ منهما يريد أن يثبت حبَّه لنفسه، فهو الصدام لا محالة؛ وهذا الصدام من شأنه جزمًا أن يحرض العنف. العنف هو اصطدام أنانيتين، تجابُه نرجسيتين، احتدام غرورين. كل إنسان فهو شبيه نرجس Narcisse، ذلك الشاب في الأسطورة اليونانية الذي، إذ شاهد انعكاس صورته في الماء، وقع في هوى نفسه. إنه لا يحب إلا نفسه، ولا يهتم للآخرين إلا ليزدريهم. الإنسان، بطبيعته نفسها وفي علاقته مع سواه، يغار تلقائيًّا من غيره من البشر؛ إنه لا ينفك يقدِّر سعادته هو بالمقارنة مع سعادة سواه. الإنسان، حبًّا بنفسه، يقارن نفسه دائمًا بالآخرين، مريدًا أن يتفوق عليهم:

من حب الذات هذا ينجم نزوع المرء إلى أن يؤمِّن لنفسه قيمة ما في رأي سواه؛ وأغلب الظن أنه لا يريد في الأصل إلا المساواة، فلا يتيح تفوقًا عليه لأحد، بينما هو يخشى دومًا أن يطمح آخرون إلى هذا التفوق؛ ومنه تنتج شيئًا فشيئًا الرغبة الجائرة في الفوز به للنفس على حساب الآخرين. – وفوقهما، أي على الغيرة والمنافسة، يمكن أن تنزرع أكبر الرذائل، ما بَطُنَ منها وما ظهر، من صنوف العداء ضد جميع الذين نعتبرهم بنظرنا غرباء.[10]

والإنسان، إذا لم يستمع إلا إلى نوازعه ورغباته الطبيعية، يذعن طواعية للرذائل التي "تؤلف الأسرة المريعة للـحسد ونكران الجميل والفرح بمصائب الآخرين"[11]. وهذا الفرح الخبيث، المريع بالفعل، يتجذَّر في الرضا الذي قد نستشعره حين نعتبر أنفسنا سالمين من المصيبة التي تحل بسوانا.

ولقد كان باروخ سپينوزا (1632-1677) سباقًا، في كتابه الأخلاق، إلى التشديد على أن الحسد والغيرة هما العلتان الطبيعيتان الرئيسيتان اللتان تعيِّنان سلوك الإنسان حين لا يحيا على هدي من العقل:

بمجرد أن نتخيل أن أحدهم يستمد من شيء ما فرحًا، ترانا نحب هذا الشيء ونرغب في أن نستمد منه فرحًا. لكننا نتخيل أن العائق لهذا الفرح آتٍ من أن آخرًا سوانا يستمد منه فرحًا؛ ومنه فإننا لا نألو جهدًا لكي لا يعود مالكًا هذا الشيء.[12]

ولهذا سوف ننازع الآخر ولن نتورع، عند الضرورة، عن اللجوء إلى العنف ضده:

بمقدار ما يحرك الحسدُ أو أية علة من علل الكراهية البشرَ ضد بعضهم بعضًا فإنهم يناقضون بعضهم بعضًا، وبالتالي، تتناسب الخشية منهم طردًا مع تفوُّق سلطانهم على سلطان غيرهم من أفراد الطبيعة الآخرين.[13]

أحكام القانون الأخلاقي

لكن عقل الإنسان يجعله يكتشف وجود قانون آخر غير قانون "حب الذات"، ألا وهو "القانون الأخلاقي". على الإنسان، بوصفه كائنًا عاقلاً، أن يعمل بدافع إرادة الانصياع لأحكام القانون الأخلاقي. وهذا القانون يفني مآرب حب الذات:

العقل يمحق الخيلاء تمامًا، بما أن جميع مآرب عزة النفس، السابقة للتوافق مع القانون الأخلاقي، تغدو باطلة وغير شرعية.[14]

بذا يجب على الإرادة ألا تتعين إلا بالقانون الأخلاقي، بينما النزوع الطبيعي للإنسان، استعداده الأصلي، هو تعيين إرادته بقانون حب الذات. ومنه فإن القانون الأخلاقي لا يُحترم إلا على حساب الميول الطبيعة. لذا فإن "القانون الأخلاقي يتمثل أولاً بوصفه نهيًا"[15]. ومذ ذاك، "لا يكون أثر القانون الأخلاقي إذن إلا سلبيًّا"[16]. يتكون الشعور الأخلاقي من الاحترام الذي يكنُّه الإنسان العاقل للقانون الأخلاقي الذي يجبره على كظم ميوله ورغباته وضبطها، ولاسيما تلك الميول والرغبات التي لا تتوافق من تلقاء نفسها مع هذا القانون. بذا فإن "المعرفة الأخلاقية للنفس تُعارض عزة النفس بالذات التي تنجم عن حب الذات"[17]. إن الحد الذي يفرضه الإنسان الأخلاقي على مآرب اعتزازه بنفسه، احترامًا لكرامة غيره من البشر، يسمَّى "تواضعًا"[18].

ليس النازع الأول للإنسان نحو الإنسان الآخر إذن إبداء حسن النية bien-veillance تجاهه؛ بل إن ردَّ فعله الفوري أميل بالحري إلى الإذعان لإغراء استعمال العنف ضده حتى يزيحه من طريقه. فمادام البشر باقين على "الحالة الطبيعية" فهم "يتخذون العنف قاعدةً للسلوك ويُظهرون خبثًا [...] يقودهم إلى شن الحرب بعضهم على بعض"[19]. لذا فإن الفريضة الأولى للأخلاق هي الامتناع عن كل خبث نية mal-veillance تجاه الآخرين. فحالما يغادر المرء حلقة أصدقائه الضيقة ويصادف فردًا غريبًا عنه، فإن نزوعه إلى الحساسية يدفع به إلى إرادة الدفاع عن امتيازاته هو أكثر منه إلى الالتفات إلى حاجات الآخر. إنما في هذه اللحظة بالذات يقتضيه وجوبُ الأخلاق أن يتحلى بإرادة إبداء حسن النية تجاهه. إن ما يختص به الواجب الأخلاقي الذي يُلزم الإنسان هو إرادة إبداء حسن النية تجاه الإنسان الآخر في الوقت نفسه الذي تنزع مشاعرُه الطبيعية إلى خبث النية.

يبدو مشروعًا، وخصبًا بصفة خاصة، الاتكاءُ، من ناحية، على آراء كانط فيما يخص "حب الذات"، تعليلاً للنزوع الطبيعي للإنسان إلى العَنَف بالإنسان الآخر، ومن ناحية أخرى، تأسيس فريضة اللاعنف على التصور الذي بسطه كانط عن "القانون الأخلاقي". إذ ذاك يبدو اللاعنف بوصفه فضيلة الإنسان الشجاع الذي تتحلى إرادته بالقوة الأخلاقية لمقاومة "ما هو فينا خصم النية الأخلاقية"[20]، وذلك كي يستطيع أن يبدي حسن النية تجاه الإنسان الآخر. هنا يتقاطع رأي كانط مع واحد من التأكيدات الأصلية للفلسفة الذي يكون الإنسان الفاضل بحسبه هو المرء الذي يكتسب قوة السيادة على نفسه، أي السيطرة على نوازعه وميوله ورغباته المتولدة عن حب الذات، أي عن الأنانية.

هنا تبدو لنا ممكنةً صياغةُ تعريف بالعنف اعتبارًا من الإلزام الثاني الذي وضعه كانط في كتابه أسس ميتافيزياء الأخلاق:

افعلْ بحيث تعامل الإنسانية دومًا، سواء في شخصك أو في شخص أي إنسان آخر، كغاية في الآن نفسه، وليس أبدًا كمجرد وسيلة.[21]

إن أساس هذا المبدأ، بحسب كانط، هو أن الأشخاص، على العكس من الأشياء التي ليست إلا وسائل، موجودون كغايات بحدِّ ذاتهم. هو ذا يؤكد:

الإنسان، وكل كائن عاقل عمومًا، موجود كغاية بحدِّ ذاته، وليس كمجرد وسيلة تستطيع هذه الإرادة أو تلك أن تستعملها كما يحلو لها؛ ففي أعماله كلها، سواء ما يخصه منها أو ما يخص كائنات عاقلة أخرى، يجب أن يُعتبَر دومًا بوصفه غاية في الآن نفسه.[22]

بذا فإن مَن يستخدم غيره من البشر كمجرد وسائل ينتهك إنسانيتهم: إنه يعنف بهم.

فريضة حسن النية

حين اجتهد كانط في التعريف بالواجب الأخلاقي الملزم للإنسان تجاه الإنسان الآخر، لم يجرؤ على الكلام على المحبة، مفضلاً عليها حسن النية، فكتب:

المحبة قضية شعور، لا قضية إرادة؛ فلا أستطيع أن أحب لأنني أريد ذلك، ولا بالأحرى لأن ذلك واجب علي (ما يعني: أن أكون مجبرًا على المحبة)؛ ومنه فإن وجوب المحبة من قبيل اللامعقول. في المقابل، يمكن لـحسن النية amor benevolentiæ، بوصفه فعلاً، أن يكون خاضعًا لقانون الواجب.[23]

غير أنه يعترف بأنه كثيرًا ما يُسمى "محبة" حسنُ نية متجرد تجاه الآخرين، وإنْ لم يكن إلا "بطريقة مغلوطة جدًّا"[24]. هو ذا يدقق:

غير أن المحبة يجب ألا تُفهم هنا كعاطفة [...]، ولا كحبٍّ على سبيل المجاملة (إذ ما من إلزام بأن نكنَّ عواطف بتاتًا يقدر آخرون أن يفرضوه علينا)، بل يجب تصوُّره كقاعدة سلوك بحسب حسن النية (بوصفها ممارسة) ينجم عنها الإحسان.[25]

مذ ذاك، فإن الإحسان bienfaisance إلى غيرنا من البشر، بقدر ما نستطيع، واجب، "سواء أحببناهم أم لم نحبهم"[26].

وعلى حسن النية أن يكون شاملاً؛ أي أنه يجب أن يشمل البشر الآخرين كافة: يجب عليَّ أن أريد الخير لجميع البشر. أما الإحسان، الذي هو التعبير العملي عن حسن النية، فلا يمكن له أن يمارَس إلا تجاه أفراد بعينهم: ليس بوسعي أن أحسن إلا إلى الأقربين.

واجب الإحسان يُلزمني أن "أسعى في ضمان سعادة سواي"[27]. ويقترح كانط أيضًا تعبيرًا آخر عن واجب الإحسان تجاه القريب:

إنه عبارة عن واجب جعل غايات غيري من البشر غاياتي (على ألا تكون هذه مجرد غايات غير أخلاقية وحسب).[28]

وفي الغالب الأعم، يقتضيني ذلك، من ناحية، أن أتخلى عن إرادتي بأن يصير الآخر مجرد وسيلة لخدمة غاياتي الشخصية، ومن ناحية ثانية، أن أحدَّ من مأربي بلوغ غاياتي، وأحيانًا أن أزهد في غاياتي حتى. العَنَف بغيري من البشر إنما هو إرادة استخدامهم كمجرد وسيلة إلى غاياتي الشخصية:

إن مَن ينتهك حقوق البشر ينتوي استخدام شخص الآخرين كمجرد وسيلة، من غير اعتبار أن الآخرين، بوصفهم كائنات عاقلة، يجب أن يقدَّروا دومًا في الوقت نفسه كغايات.[29]

إن طيبة bonté الإنسان تجاه الإنسان الآخر لا تفترض المساواة، لكنها تقتضي ترسيخها: فالطيبة لا يجوز لها أن تكون غير مشارَكة النظير للنظير. الطيبة لا يمكن لها أن تمارَس من الأعلى إلى الأدنى. الطيبة ليست رأفة commisération، بل وصال communion. أولى فرائض الطيبة هي العدالة التي تعيد إلى الإنسان المُهان حقوقه. فإذا لم يكن العطاء مشاركة فهو لا يزال سيطرة، لا يزال إذلالاً. يقول "نبي" جبران خليل جبران:

بعض الناس يعطي القليل مما عنده من كثير – أولئك يعطون تباهيًا بالعطاء، فتذهب نياتهم المستورة بطيبات عطاياهم. [...]
ومن تكون أنت حتى يكشف الناس لك عن خبيئة صدورهم ويلقوا عنهم رداء الكبرياء، فترى منهم أقدارًا عارية وعزة مبذولة؟
[30]

"التصدُّق" على الإنسان الآخر تفضُّلاً هو كذلك من قبيل تجاهُل كرامته. وقد كتبت سيمون ڤايل في ذلك:

لقد اخترعنا التمييز بين العدل والصدقة، ومن السهل فهم لماذا. إن مفهومنا عن العدل يعفي الذي يملك من العطاء. فإذا أعطى مع ذلك، يحسب أن بوسعه أن يكون راضيًا عن نفسه، يحسب أنه أحسن صنعًا. أما الذي يأخذ، فوفقًا للطريقة التي يفهم بها هذا المفهوم، إما أن يعفيه من كل امتنان، وإما أن يُكرهه على بذل الشكر متَّضعًا. وحده التطابق المطلق بين العدل والمحبة يجعل ممكنةً في آن معًا الرحمةَ والامتنانَ، من ناحية، واحترامَ كرامة البلوى عند المبتلى، لديه ولدى الآخرين، من ناحية ثانية. لا مناص من التفكير بأنه ما من طيبة يمكن لها أن تتخطى العدل، تحت طائلة ارتكاب خطيئة تتستر بمظهر طيبة مزيف.[31]

أما نيتشه، فقد راح، بعبقريته الخاصة، يندد بالرحماء الذين، من خلال شفقتهم المباهية، يُذلون المتألمين[32]. هو ذا زرادشت يصرخ: "الحق أقول لكم، لا أحبهم، هؤلاء الرحماء السعداء بشفقتهم: فالحياء ينقصهم." يجدر بالمرء، أجل، أن يستقبل ألم الإنسان الآخر، لكن يحسن به أن يفعل ذلك من غير مباهاة:

الإنسان النبيل يفرض على نفسه ألا يُذل غيره من البشر: إنه يلتزم الحياء حيال كل ما يتألم. [...] إذا وجب علي أن أكون رحيمًا فلا أريد على الأقل أن يقال عني ذلك؛ وحين أكون رحيمًا ليكن ذلك عن بُعد. أوثر أن أحجب وجهي وأهرب قبل أن يتعرف الناس إلي.

زرادشت يفضل أن يتعلم الابتهاج مع غير المتألمين، لأننا "حين نتعلم كيف نُحْسِن الابتهاج، نُحسن نسيان ما تعلَّمنا من إساءة إلى الآخرين ومن اختراع للأوجاع". فلأن الناس لا يعرفون كيف يبتهجون يوجد على الأرض كل هذا العدد من الأشقياء!

يجدر بالمرء كذلك أن ينسى الخير الذي يصنعه للإنسان الشقي. ويواصل زرادشت كلامه:

لهذا أغسل يدي التي أسعفت المتألم، ولهذا أمسح روحي أيضًا. ذلك أنني أخجل من رؤيتي المتألم يتألم بسبب خجله؛ فحين مددت له يد العون أصبته في كبريائه إصابة قاسية.

فحتى لا يكون العطاء إذلالاً يجب أن يتم في الصداقة:

أنا ممَّن يعطون: يطيب لي أن أعطي، كصديق للأصدقاء. أما الغرباء والفقراء فليجنوا بأنفسهم ثمرة شجرتي: فهذا أقل إذلالاً لهم.

وحتى حيال الأصدقاء، لا بدَّ من التغلب على كل شعور بالشفقة:

إذا كان لك من صديق يتألم، فكن لألمه ملاذًا، لكن كن، على نحو ما، سريرًا قاسيًا، سرير معسكر: فهكذا تكون له أنفع ما تكون. [...] الويل لكل مَن يحبون حبًّا من غير أن يقفوا على علوٍّ يفوق شفقته! [...] احفظوا أيضًا هذه العبارة: كل حبٍّ عظيم فهو يفوق شفقته: لأن ما يحبه يريد أن يخلقه! [...] وجميع الخالقين قساة.

حتى تكون الرحمة التي نكنُّها للإنسان الآخر تجليًا للطيبة بحق، يجب أن نكون بأنفسنا – وإنْ يكن في الحدِّ الأدنى – قد جابهنا الألم واجتزنا البلوى وتغلبنا على المأساة. فوحده الذي عرف القنوط بوسعه أن يتواصل مع الإنسان القانط، ولعله يقدر أن يجعله يستطيب مذاق الحياة من جديد.

عن واجب حسن معاملة الحيوان

ولا يغفل كانط عن معالجة موقف الإنسان حيال "الطائفة من المخلوقات التي تتصف بالحياة، وإنْ تكن عديمة العقل"[33]. إنه يعتبر أن على الإنسان، على سبيل الواجب تجاه نفسه، أن يجتهد في تجنب العَنَف بالحيوان، لأن معاملة كهذه تحضِّره سلفًا لقبول استعمال العنف ضد غيره من البشر. وقد كتب في ذلك:

إن معاملة الحيوانات معاملة عنيفة، وفي الوقت نفسه قاسية، وثيقة التعارض مع واجب الإنسان حيال نفسه، لأن من شأنها أن توهن التعاطف مع عذاباتها في المرء ولأن ذلك يُضعف، وشيئًا فشيئًا يفني، استعدادًا طبيعيًّا نافعًا جدًّا للأخلاقيات في العلاقة مع غيره من البشر.[34]

غير أن كانط لا يمضي بعيدًا مثل گاندهي، فيعتبر أنه يجوز للإنسان أن يقتل الحيوانات مادام، وهو فاعل ذلك، يجتنب كل صنوف القسوة.

الترجمة من الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* فيلسوف ومناضل لاعنفي فرنسي والناطق باسم "الحركة من أجل بديل لاعنفي"؛ وضع كتبًا عديدة في فلسفة اللاعنف وإستراتيجية العمل اللاعنفي، منها: مبدأ اللاعنف: مسار فلسفي (1995)، گاندهي العاصي: ملحمة مسيرة الملح (1997)، إستراتيجية العمل اللاعنفي، حركة حقوق الناس (1999)، قاموس اللاعنف، معابر للنشر/الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية (2007).

[1] Emmanuel Kant, préface à la Doctrine du droit, Paris, GF Flammarion, 1994, pp. 11-12.

[2] Emmanuel Kant, Métaphysique des mœurs, Doctrine de la vertu, Paris, GF Flammarion, 1994, p. 300.

[3] Ibid., p. 333.

[4] Ibid., p. 283.

[5] Ibid., p. 333.

[6] Ibid., p. 279.

[7] Éric Weil, Problèmes kantiens, Paris, Vrin, 1990, p. 10.

[8] Emmanuel Kant, Critique de la raison pratique, Paris, PUF, 1960, pp. 76-77.

[9] Emmanuel Kant, Fondements de la métaphysique des mœurs, Paris, Librairie Delagrave, 1952, p. 113.

[10] Emmanuel Kant, La religion dans les limites de la simple raison, Paris, Vrin, 1968, p. 71.

[11] Critique de la raison pratique, op. cit., p. 327.

[12] Spinoza, Éthique, Paris, GF Flammarion, 1965, p. 166.

[13] Ibid., p. 294.

[14] Critique de la raison pratique, op. cit., p. 77.

[15] La religion dans les limites de la simple raison, op. cit., p. 84.

[16] Critique de la raison pratique, op. cit., p. 76.

[17] Doctrine de la vertu, op. cit., p. 300.

[18] Ibid., p. 332.

[19] Doctrine du droit, op. cit., p. 126.

[20] Doctrine de la vertu, op. cit., p. 219.

[21] Fondements de la métaphysique des mœurs, op. cit., pp. 150-151.

[22] Ibid., p. 149.

[23] Doctrine de la vertu, op. cit., p. 246.

[24] Ibidem.

[25] Ibid., pp. 314-315.

[26] Ibid., p. 246.

[27] Fondements de la métaphysique des mœurs, op. cit., p. 172.

[28] Doctrine de la vertu, op. cit., p. 315.

[29] Fondements de la métaphysique des mœurs, op. cit., p. 152.

[30] جبران خليل جبران، النبي، نقله إلى العربية وقدم له ثروت عكاشه، القاهرة، دار المعارف، طب 4: 1979، ص 83، 85.

[31] Simone Weil, Attente de Dieu, Le livre de poche chrétien, 1950, p. 125.

[32] Friedrich Nietzche, Ainsi parlait Zarathoustra, Paris, Gallimard, Le livre de Poche, 1963, pp. 103s.

[33] Kant, Doctrine de la vertu, op. cit., p. 302.

[34] Ibidem.

اليهود في فلسطين - موهنداس ك. گاندهي

الأثنين, أيلول 7th, 2009

اليهود في فلسطين*

المهاتما گاندهي

المهاتما گاندهي

تبلغتُ عدة رسائل تسألني التصريح بنظراتي حول المسألة العربية-اليهودية في فلسطين وحول اضطهاد اليهود في ألمانيا. وإن إقدامي على طرح نظراتي في هذه المسألة العويصة لا يخلو من تردُّد.

أنا متعاطف كليًّا مع اليهود؛ فقد عرفتُهم معرفة حميمة في جنوب أفريقيا، وبعضهم بات رفيق حياة. ومن خلال هؤلاء الأصدقاء، قُيِّض لي أن أعرف الكثير عن تعرُّضهم المديد للاضطهاد. لقد كانوا منبوذي المسيحية؛ والشبه كبير بين معاملة المسيحيين لهم ومعاملة الهندوس للمنبوذين: فقد تذرع القوم بالدين في كلتا الحالتين تبريرًا للمعاملة غير الإنسانية التي أنزلَتْ بهم جميعًا. وإذن فثمة لتعاطفي مع اليهود، إلى جانب الصداقة، سبب أشمل أعم.

لكن تعاطفي لا يعميني عن مقتضيات العدل. فالنداء من أجل الوطن القومي لليهود لا يستهويني كثيرًا؛ إذ هو يجد تسويغًا له في التوراة وفي إصرار اليهود على تمسُّكهم بالعودة إلى فلسطين. فلماذا لا يتأسُّون بشعوب الأرض الأخرى، فيتخذون وطنًا لهم ذلك البلد الذي يولدون فيه ويرتزقون؟

فلسطين ملك للعرب، تمامًا مثلما أن إنكلترا ملك للإنكليز وفرنسا ملك للفرنسيين. فمن الخطل وعدم الإنسانية فرض اليهود على العرب. ما يجري اليوم في فلسطين لا يقبل التبرير بأي ناموس أخلاقي للسلوك؛ وما من تسويغ للانتداب إلا التذرع بالحرب الأخيرة[1]. ولا ريب أنه من قبيل الجريمة ضد الإنسانية أن يُكرَه العربُ الأعزةُ على النزول عن فلسطين لليهود، جزئيًّا أو كليًّا، وطنًا قوميًّا لهم.

قد يكون البديل الأنبل هو الإصرار على معاملة عادلة لليهود حيثما يولدون ويترعرعون؛ فاليهود المولودون في فرنسا فرنسيون بالدقة، تمامًا كما أن المسيحيين المولودين في فرنسا فرنسيون. فإذا لم يكن لليهود من وطن سوى فلسطين، هل سيطيب لهم أن يُكرَهوا على مغادرة الأماكن الأخرى من العالم التي هم فيها مستقرون؟ هل يريدون وطنًا مزدوجًا يقيمون فيه كما يحلو لهم؟ إن هذا النداء من أجل الوطن القومي يقدِّم تبريرًا مدلَّسًا لطرد اليهود من ألمانيا.

لكن اضطهاد الألمان لليهود ليس له، على ما يبدو، نظير في التاريخ. فطغاة الماضي لم يذهبوا قط إلى الحدِّ الذي يبدو أن هتلر ذهب إليه؛ وهو يفعل ذلك بحماسة دينية: إنه يدعو إلى دين جديد قوامه قومية حصرية قتالية يصير باسمها أيُّ انتهاك للإنسانية عملاً إنسانيًّا يثاب عليه فاعلُه دنيا وآخرة. إن إجرام شاب بادي الجنون، لكنه جَسور، مافتئ يُبتلى به قومُه بشراسة لا تصدَّق. فإذا كان مقيضًا لحرب أن تكون مبرَّرة باسم الإنسانية ومن أجلها، فإن حربًا ضد ألمانيا، بهدف الحيلولة دون الاضطهاد التعسفي لشعب كامل، قد تكون مبرَّرة كل التبرير. لكني لا أؤمن بأية حرب. لذا فإن مناقشة الحجج المؤيدة لمثل هذه الحرب والحجج عليها تقع خارج أفقي أو نطاق اختصاصي.

إذا لم يكن بالوسع شنُّ حرب على ألمانيا، حتى ردًّا على مثل هذا الإجرام الذي يُرتكَب بحق اليهود، فلا يصح التحالف معها قطعًا؛ إذ كيف يُعقَد تحالفٌ بين أمَّة تدعي الانحياز إلى العدالة والديمقراطية وبين أمَّة تجاهر بعدائها لكليهما؟ أم أن بريطانيا باتت تنساق إلى الدكتاتورية المسلحة وإلى كل ما تعنيه؟

إن ألمانيا تبيِّن للعالم مدى فعالية استعمال العنف عندما لا يعرقله أيُّ رياء أو ضعف يرتدي رداء الإنسانية؛ وهي تبيِّن أيضًا مبلغ بشاعة ذلك العنف في عريه المروِّع ورعبه.

فهل بوسع اليهود أن يقاوموا هذا الاضطهاد المنظَّم السافر؟ هل من طريق لصون عزة نفسهم من غير أن يشعروا بالعجز أو بالخذلان؟ أراهن أن هناك طريقًا. فما من امرئ مؤمن بإله حي ينبغي أن يشعر بالعجز أو بالخذلان. إن يهوه – إله اليهود – إله شخصي الصفات أكثر من إله المسيحيين أو المسلمين أو الهندوس، على كونه، في الواقع ومن حيث الماهية، مشتركًا بين الجميع، وواحدًا لا شريك له، وعصيًّا على الوصف. ولكن بما أن اليهود ينسبون الشخصية إلى الله ويعتقدون أنه يحكم كل فعل من أفعالهم، فقد وجب عليهم ألا يشعروا بالعجز. فلو كنت يهوديًّا، ولدتُ في ألمانيا وكنت أطلب رزقي فيها، لأعلنتُها وطني بما لا يقل عن أطول الجوييم[2] الجرمان قامةً، ولتحديته أن يرديني قتيلاً أو أن يلقي بي في غيهب سجنه، ولرفضت أن أطرَد أو أخضع لمعاملة تمييزية؛ وفي قيامي بذلك، لما انتظرت أن ينضم إليَّ أصحابي من اليهود في المقاومة المدنية، بل لأيقنت أن الباقين في النهاية لا بدَّ أن يحذوا حذوي…

… والآن أوجِّه كلمة إلى يهود فلسطين. لا ريب عندي أنهم ماضون على ضلال. ففلسطين بالمفهوم الكتابي ليست أرضًا جغرافية؛ إنها في قلوبهم. أما إذا كان لا بدَّ لهم أن يتطلعوا إلى فلسطين الجغرافيا وطنًا قوميًّا لهم، فمن الخطل أن يدخلوها في ظل المدفع البريطاني؛ إذ إن منسكًا دينيًّا لا يصح أن يُتمَّم بمعونة أسنة الحراب أو القنابل. ليس لهم أن يستوطنوا فلسطين إلا بالوفاق مع العرب؛ بل عليهم أن يسعوا إلى كسب قلوب العرب: فالإله نفسه يحكم كلا القلبين العربي واليهودي. بوسعهم أن يواجهوا العرب بالـستياگراها[3] ويقدموا أنفسهم للقتل أو للرمي في البحر الميت من دون أن يرفعوا إصبعًا صغيرًا ضد العرب؛ ولسوف يجدون الرأي العالمي يؤيِّدهم في تشوُّقهم الديني. هناك مئات الطرق للتفاهم مع العرب، شريطة أن يستبعدوا معونة الحراب البريطانية. أما وأن الأمور على ما هي، فهم ضالعون مع البريطانيين في سلب شعب لم يسئ إليهم في شيء.

أنا لا أدافع عن تجاوُزات العرب. أتمنى عليهم أن يختاروا طريق اللاعنف في مقاومة ما يعتبرونه – محقِّين – تعدِّيًا لا مسوِّغ له على بلادهم. ولكن بحسب القوانين المقبولة للحق وللباطل، لا جناح على مقاومة العرب في وجه المظالم الطاغية.

فليبرهن اليهود الزاعمون أنهم "الشعب المختار" على صحة لقبهم باختيارهم طريق اللاعنف تزكيةً لحقِّهم بمكان لهم على الأرض. فكل بلد وطن لهم، بما في ذلك فلسطين، إنما ليس بالعدوان، بل بالخدمة المُحِبة. لقد بعث إلي صديق يهودي كتابًا بعنوان مساهمة اليهود في الحضارة من تأليف سيسل روث، وفيه مسرد بما فعله اليهود إغناءً للأدب والفن والموسيقى والمسرح والعلم والطب والزراعة إلخ. فبالعزيمة يستطيع اليهودي أن يرفض معاملتَه معاملةَ منبوذ الغرب، أن يرفض احتقاره أو التكبر عليه؛ بوسعه أن يستقطب انتباه العالم واحترامه بأن يكون الإنسان – خليقة الله المصطفاة – بدلاً من أن يكون بشرًا سرعان ما يسقط إلى درك البهيمة فيتخلى الله عنه. بوسعهم أن يضيفوا إلى مساهماتهم العديدة مساهمة العمل اللاعنفي الفائقة.

المترجم عن الإنكليزية: ديمتري أڤييرينوس


* Harijan, 26/11/1938.

[1] المقصودة هي الحرب العالمية الأولى (كُتب هذا المقال في العام 1938). (المحرِّر)

[2] كلمة عبرية مفردها جوي، وهي تسمية يطلقها اليهود على غير اليهود. (المحرِّر)

[3] مصطلح سنسكريتي (من ستيا، "الحق"، وأگراها، "قبض" = "الاستمساك بالحق") أطلقه گاندهي على منهاجه اللاعنفي وترجمه بـ"القوة النابعة من الروح". (المحرِّر)

فلسفة اللاعنف (ديڤيد مكرينولدز) - دارين أحمد

الأثنين, تموز 6th, 2009

فلسفة اللاعنف*

دارين أحمد**

ليس اللاعنف وليد الحاضر فقط، بل هو، كما يؤكد اللاعنفيون الكبار، قديم قِدَمَ البشرية. غير أنه انتقل على صعيد الواقع، بدءًا من التجربة الگاندهية في تحرير الهند، من الأنساق الضيقة إلى النسق الرحب، أي تحول من مجرد حالات فردية أو جماعية، إلا أنها متفرقة وذات أثر محدود في التاريخ، إلى عامل مهم في صنع التاريخ. بعبارة أخرى، لا يزال النزاع هو العامل المحرك لمسيرة التاريخ، إلا أن إدارة النزاع اتخذت بُعدًا جديدًا، أكثر إنسانية، مع دخول اللاعنف كإستراتيجية فعالة للوصول إلى حل.

قبل أن نستعرض الكتاب محور المقال[1]، سنعرج على بعض المغالطات في فهم اللاعنف التي تشكل عقبة كبيرة تحول دون انتشار هذا التجديد الفكري-الواقعي في نظرتنا إلى مشكلاتنا المحلِّية والعالمية وفي علاقتنا معها. ويمكن لنا تلخيص هذه المغالطات في نقاط ثلاث:

- الأولى، لافعالية اللاعنف: لا يزال يُنظَر إلى اللاعنف على أنه انسحاب من الفعل، انسحاب "سلبي" قوامه العجز والضعف. ومن أسباب انتشار هذه النظرة نذكر:

1. التاريخ الذي مجَّد العنف على حساب السِّلْم والذي تستلهمه الآن مجتمعاتنا المتهالكة كمنبع وحيد لإحيائها.

2. الإعلام، بمنافذه كلها، مساهمٌ أساسي في توكيد العنف وتجاهُل التجارب اللاعنفية.

3. طريقة تفكير "أبيض-أسود" التي تقسم الواقع إلى حيزين متعارضين لا يمكن الجمع بينهما، وتلصق صفات أزلية دائمة بكل حيز منهما، بحيث يغدو من المتعذر رؤية العلاقة بينهما أو فهمها إلا بعين التناحر الأبدي؛ هذا إلى الترافق مع نحوها – أي طريقة التفكير هذه – إلى الاختزال أكثر وأكثر: فالشجاعة والقوة والجسارة والإقدام قد تُختزل إلى "التدميرية" التي توسَم بالإيجاب، فيما التنازل والصبر والتحمل والرقة والمسالمة تُختزل إلى الضعف الذي يوسَم بالسلب[2].

4. استبدال "العدو" بـ"الخصم": ففي حين يُعَدُّ الخصمُ إنسانًا أو دولة صاحب مصالح متعارضة مع مصالحنا وينبغي لكلينا محاولة التوصل إلى تسوية، يُعَدُّ العدو "شيئًا" لاأخلاقيًّا لا يمكن، بالمطلق، التعامل معه إلا بتدميره.

- الثانية، اللاعنف والمثالية: لا يزال اللاعنف، خاصة في ثقافتنا العربية، مرادفًا للمقولة المثالية المسيحية: "مَن لطمك على خدِّك الأيمن فحوِّل له الآخر". ولهذا الترادف مساوئ تتمثل أساسًا في نقطتين اثنتين:

1. الأولى في أنه يقصِر اللاعنف على دين واحد في ثقافة لا يزال فيها الدين هو عامل الهوية الرئيسي، وهي ثقافة تحملها أغلبية ديموغرافية مسلمة، في واقع يُعَدُّ فيه الإسلامُ (الأصولي) أحد منابع العنف الفكرية. المشكلة الأساسية في هذا القَصْر هي في تناقُضه مع واحدة من أهم ميزات اللاعنف: إنه مكان مفتوح للجميع، أطفالاً وشبانًا وشيبًا، نساءً ورجالاً، أقوياء وضعفاء، أصحاء وسقيمين، على العكس من العنف الذي يتغذى على شباب وصحة و"ذكورة" المنافحين عنه.

بهذا المعنى، يمثل اللاعنف نقلة على المستوى الإنساني: فمن التراتب البطريركي الذي يفرضه العنف عبر الأدوار الموكولة إلى أشياعه، إلى المساواة التي يقدِّمها اللاعنف للمشاركين فيه؛ إذ يستطيع كل شخص أن يكون فعالاً على قدر إمكانه، وعلى المستوى نفسه، دون أية تمييزات جندرية أو عمرية أو ثقافية.

2. الثانية في تناقُض مثالية المقولة المسيحية مع واقعية اللاعنف: فاللاعنف، كما يقول ديڤيد مكرينولدز، لا يُعرف إلا على محك الواقع؛ وهو ليس نظرية فلسفية أو أخلاقية فقط، على الرغم من ارتباطه الوثيق بالفلسفة والأخلاق، بل هو، أيضًا، إستراتيجية واقعية قد تنجح وقد تخفق بحسب ظروف استعمالها، إلا أنها – وهذه ميزة أساسية أيضًا من ميزات اللاعنف – توحِّد بين الغاية والوسيلة، مما يساهم، حتى في حال إخفاق حركة لاعنفية ما في الوصول إلى الهدف المحدد آنيًّا، في التأسيس لمجتمع أفضل هو الغاية النهائية للفعل الإنساني.

3. ثالثًا: اللاعنف و"التقنية": اللاعنف ليس تقنية أو إستراتيجية معزولة عن الهدف المطلوب. طبعًا من الممكن استعمال تقنية اللاعنف ضمن تقنيات أخرى عنفية، لكن اللاعنف يفقد بذلك فعاليته الإستراتيجية. بهذا الصدد يقول جان-ماري مولِّر، أحد المفكرين اللاعنفيين الذين يجوز أن نطلق عليهم صفة "پراغماتيين"، إن نشاطًا فيه 90% لاعنف و10% عنف هو نشاط عنيف استُعمِلَتْ فيه تقنيات لاعنفية! وهذا ما ينزع عن اللاعنف، في حال اعتماده كإستراتيجية نضال، فعالية أثره التي ينبغي له أن يوقعها في الخصم وفي الرأي العام وفي المشاركين فيها كذلك.

إن تجاوز المغالطات السابقة شديد الأهمية عند الرغبة في التعرف إلى الفكر اللاعنفي الذي يقدم هذا الكتاب الذي بين أيدينا بعضًا منه.

philosophy_of_nonviolence

يتحدث الكتاب عن اللاعنف من منطلق تجربة حية خاضها المؤلف، مركزًا على مجمل القناعات التي تشكلت من الواقع كما ومن قراءات متعددة، فيبدأ من افتراض أساسي يقتضيه اللاعنف، وهو نسبية رؤية الإنسان للحق، أي عدم قدرة أي إنسان على الوثوق ثقة مطلقة بأنه على حق ونفي هذه الثقة عن الآخر "الخصم". الواقع في تغيُّر دائم، وهذا التغير يتم عبر النزاع، مما يعني وجودًا دائمًا للخصم. الجديد الذي يقدِّمه اللاعنف هو إدارة جديدة للنزاع، إدارة أكثر إنسانية تأخذ بعين الاعتبار فرادة الكائن الإنساني – الذي هو الخصم أيضًا.

تغيير الواقع لا يمكن له أن يتم من دون ألم. لكننا، في المقابل، لن نتحول إلى ممجِّدين للألم، حتى لو كان ذلك باسم "العدالة". وهنا يتناول مكرينولدز مفهوم العدالة، مميزًا بينها وبين الثأر: فالعدالة ليست هي الثأر أبدًا، وإذا كنا نريد التغيير فيجب أن نتحرك نحو الأمام، لا أن ندور في الحلقة المغلقة للثأر[3]. هذا التحرك لا يمكن له أن يحدث من دون تجاوُز، على الرغم من أن التجاوز قد ينقض العدالة في أبسط مفاهيمها. في اختصار، العدالة هي سعينا في تحقيق شروط أكثر إنسانية لحياة البشر، هي إصلاح ما أفسده غيرنا، لا في المزيد من الإفساد المقابل.

هل يتطلب اللاعنف خصمًا إنسانيًّا؟ ويتساءل مكرينولدز في صيغة أخرى: "ولكن ماذا عن هتلر؟" ويجيب بأنه لا يمكن معرفة أثر اللاعنف في مواجهة مثل هذا الخصم؛ فاليهود لم يكونوا لاعنفيين، بل سلبيون. كما أن هناك توثيقات مهمة لانتصارات لاعنفية عديدة في أوروبا على النازية: ففي النرويج حصل إضراب ناجح للمعلِّمين ضد تدريس الإيديولوجيا النازية؛ وفي بلغاريا حالت المقاومة المدنية العفوية دون ترحيل اليهود خارج البلاد.

ويبين مكرينولدز أن الإنكليز والأمريكيين في الجنوب لم يكونوا باللطف المزعوم عنهم في صراعهم مع الهنود أو مع "حركة الحقوق المدنية" على التوالي. صحيح أن الظروف ساعدت على إنجاح الثورة اللاعنفية في كلا المكانين وأفشلتْها في أماكن كثيرة أخرى، إلا أنه لا مناص من أن يُفهَم أن اللاعنف قد يخسر أيضًا، مثله كمثل العنف تمامًا، إلا أنه يتميز بأن هدفه النهائي ليس النصر فقط، بل تغيير الواقع نفسه؛ وهو ما ينجح فيه، حتى لو لم يحقق غايته الآنية، عبر "البرنامج البنَّاء" الذي لا يكتمل النشاط اللاعنفي من دونه.

غاية النشاط اللاعنفي متضمَّنة في وسيلته: گاندهي لم يسعَ إلى خروج الإنكليز من الهند "فقط"، بل ألح على استقلال الهنود أنفسهم أولاً، مؤكدًا عليه ومجاهدًا في سبيله (مسيرة الملح ودولاب الغزل مثالان رائعان على ذلك)؛ سيزار تشاڤير كان أول مؤسِّس لنقابة للعمال الزراعيين في الولايات المتحدة، وقد عمل على توعية العمال بحقوقهم وبمخاطر المبيدات الحشرية، بالإضافة إلى أنه أعاد إليهم الأمل بقدرتهم على إحداث أثر؛ مارتن لوثر كينگ فعل ذلك أيضًا من خلال فعل شديد البساطة كالمشي.

اللاعنف يبني غايته، إذن، عبر أنشطته ذاتها؛ وهو بذلك يتميز عن العنف الذي يضيف إلى الخسارات خسارات جديدة، ويرجئ الإيجابية إلى زمن مجهول غالبًا ما تضيع فيه الإيجابية ذاتها، كما يؤكد التاريخ.



* عن موقع الأوان: http://www.alawan.org.

** شاعرة سورية، محرِّرة في مجلة معابر (www.maaber.org).

[1] ديڤيد مكرينولدز، فلسفة اللاعنف، بترجمة ديمتري أڤييرينوس، معابر للنشر، دمشق، 2009.

[2] الضعيف، في هذا الفكر، عنيف كامن: إذ إن "سِلْمه" ليس ناتجًا من قوته، كما يفترض اللاعنف، بل ناتج من نقص إمكانات العنف لديه؛ فمتى تغيرت ظروف هذه الإمكانات تبادَلَ الأدوار مع التدميري في سهولة لا تخفى على أحد.

[3] راجع: جان ماري-مولِّر، "الانتقام ليس حقًّا من حقوق الإنسان!"، http://samawat.org/articles/vengeance_no_human_right_muller. (المحرِّر)

رسالة من تولستوي إلى گاندهي

الجمعة, حزيران 26th, 2009

رسالة

من تولستوي إلى گاندهي

tolstoi

كوتشيتي، 7 أيلول 1910

تلقيتُ نُسَخَ مجلتكم الرأي الهندي، فسررتُ بالغ السرور بقراءة كل ما يمت فيها بصِلةٍ إلى اللاَّمقاومة[1]، وأود أن أشاطرك الخواطر التي ألهمتْني إياها هذه القراءة.

كلما تقدمتْ بي السن – ولاسيما الآن وأنا أشعر بدنو الأجل – أزداد رغبة في أن أقول للآخرين ما أستشعره بكل قوة وما يتسم في نظري بأهمية بالغة – وأقصد ما يُسمَّى "اللاَّمقاومة"، وإنْ هو ليس في الواقع غير شريعة المحبة وقد تخلَّصتْ من تفسيراتها الزائفة كلها. يشعر كل إنسان ويتعرف في أعماق نفسه (وهذا نراه في وضوح عند الأطفال) أن المحبة – أي توق النفوس إلى الاتحاد والسلوك المتولد عنه – هي شريعة الحياة الوحيدة والعليا؛ إنه يعرف ذلك مادامت لم تغرِّر به تعاليمُ العالم الكاذبة. وهذه الشريعة أعلنها حكماءُ الكون جميعًا، رومانًا كانوا أم إغريقًا أم يهودًا أم صينيين أم هندوسًا. وأعتقد أن أجلى صياغة لهذه الشريعة جاء بها المسيح، الذي أكد أنها حتى تلخِّص الناموس والأنبياء[2]. لا بل إنه، وقد توقع التشويهات التي قد يُنزلها البشرُ بهذه الشريعة، أشار إلى أن الخطر يمكن له أن يأتي من البشر المغالين في التعلق بأمور الدنيا، خطر رؤية بعضهم يجيز لنفسه العنفَ ذودًا عن مصالحه، أي الرد على الضربة بمثلها واسترداد ما أخِذَ منه بالقوة، إلخ. كل إنسان عاقل يعرف أن ممارسة العنف لا تتوافق مع المحبة، بوصفها قاعدةَ الحياة الأساسية، وأن المرء ما إن يقر العنف في حالات بعينها حتى يعترف بقصور شريعة المحبة، وبالتالي، يُنكرها. والحضارة المسيحية، التي تظهر بكل هذا البريق، مؤسَّسة برمتها على هذا التناقض البيِّن والعجيب، الواعي أحيانًا، غير الواعي في أغلب الأحيان.

وفي الواقع، ما إن أقِرَّتِ المقاومة[3] حتى لم تعد المحبة – ولم يعد بمستطاعها أن تكون – شريعة الحياة، فكان العنف، أي سلطان الأقوى. هكذا عاش العالم المسيحي طوال تسعة عشر قرنًا. صحيح أن البشر، في جميع العصور، لم يؤمنوا إلا بالعنف لبناء حياتهم؛ لكن الفارق بين الشعوب المسيحية وبين غيرها أن شريعة المحبة عُبِّر عنها في العالم المسيحي بجلاء أنصع وإحكام أكبر منهما في أي ملَّة أخرى، وأن المسيحيين اعتنقوا رسميًّا هذه الشريعة، في حين أجازوا لأنفسهم العنفَ وأقاموا عليه حياتهم. لذا فإن حياة الشعوب المسيحية على تناقُض تام مع ما تبشِّر به: تناقُض بين المحبة، معترَفًا بها شريعةَ حياة، وبين العنف، معترَفًا به ضروريًّا في حالات بعينها، كسلطان القادة والجيش والمَحاكم، – معترَفًا به ومهلَّلاً له! وهذا التناقض ما انفك يتفاقم مع توسع العالم المسيحي، وهو الآن بالغٌ أوْجَه. والمشكلة تنطرح من الآن فصاعدًا على النحو التالي: من الأمرين أحدهما: إما أن نقرَّ بأننا لا نعترف بأي أخلاق ولا بأي دين، وبأننا لا ننصاع في حياتنا إلا لسلطان الأقوى، وإما أن نقرَّ بأن ضرائبنا، المجبية قسرًا، وبأن هيئاتنا القضائية والشُّرطية – والجيش بالأخص – لا مناص من إلغائها.

في الربيع الفائت، في أثناء امتحان في التعليم الديني في مدرسة إعدادية للبنات في موسكو، استجوب المدرِّس، تلاه رجلُ دين كان حاضرًا، التلميذاتِ حول وصايا الرب، ولاسيما الوصية السادسة[4]. وحين كانت الإجابة صحيحة، كان رجل الدين يطرح سؤالاً آخر، هو الآتي في الغالب: "هل الشريعة الإلهية تحرِّم القتل دومًا وفي كلِّ مكان؟" وكان على تلك الفتيات المسكينات، اللواتي أضلَّهُنَّ مدرسوهنَّ، أن يُجبْنَ – وكنَّ يُجبْنَ فعلاً – بأن القتل محلَّل في الحرب وللاقتصاص من المجرمين. غير أن إحدى هاتيك المسكينات (وأنا لا أختلق، إذ نقل إليَّ الواقعةَ شاهدُ عيان)، حين ألقِيَ إليها بالسؤال المعتاد: "هل القتل خطيئة دومًا؟"، أجابت، محمرةً انفعالاً، بأن القتل خطيئة دومًا، وواجهت سفسطات رجل الدين كلَّها بقناعتها الراسخة بأن القتل محرَّم دومًا، بأنه محرَّم في العهد القديم، وبأن المسيح لم يحرِّم قتل الإنسان أخاه وحسب، بل إنزالُه أقل أذًى به[5]. وعلى الرغم من جلال رجل الدين وفصاحة لسانه فقد أعياه الردُّ على الفتاة التي خرجت من المعركة منصورة.

أجل، إن بوسع صحفنا أن تتكلم على فتوح الطيران، على العلاقات الدپلوماسية، على النوادي، على المكتشَفات، على التحالفات من كلِّ لون، على الأعمال الفنية المزعومة – وتصمت عما قالت هذه الفتاة. لكننا يجب ألا نصمت عن ذلك، لأنه أمر يستشعره، في وضوح كثير أو قليل، الذين يعيشون في العالم المسيحي. الاشتراكية، الشيوعية، الفوضوية، "جيش الخلاص"، الإجرام المتنامي، البطالة، رفاهية الأثرياء الوقحة في مقابل بؤس الفقراء، أعداد المنتحرين المتزايدة تزايدًا مروِّعًا – هذه كلها إشارات إلى التناقض الداخلي الذي لا مناص من حلِّه، ولسوف يُحَلُّ – ولن يُحَلَّ قطعًا إلا في منحى تبنِّي شريعة المحبة ورفض العنف بتاتًا. لذا فإن ما أنت ناهض له في الترانسڤال[6]، الذي يبدو في أنظارنا وكأنه آخِر العالم، هو حدث مركزي، هو أهم المهمات واجبة الإنجاز في العالم حاليًّا، المهمة التي لا مناص من أن يشارك فيها الكونُ بأسره، لا الأمم المسيحية فحسب.

أحسب أنه سيسرك أن تعلم أن ثمة في روسيا أيضًا جهودًا تُبذَل في هذا المنحى، على هيئة رفض الخدمة العسكرية، وهو رفض يزداد عدد أصحابه كلَّ عام. ومهما بلغت ضآلة عدد ممارسي اللاَّمقاومة عندكم وعدد العُصاة عندنا في روسيا، يستطيع هؤلاء وأولئك أن يؤكدوا في جسارة أن الله معهم – والله أقوى من البشر!

إن لفي الاعتراف بالمسيحية – حتى على الشكل المحرَّف الذي قُدِّم للشعوب المسيحية – والإقرار، في الوقت نفسه، بضرورة الجيوش وآلات الحرب المهيأة للقتل على أوسع نطاق – إن لفي ذلك تناقُض صارخ صار من الوضوح بحيث إنه سيظهر حتمًا، عاجلاً أم آجلاً (وأغلب الظن قريبًا)، في وضح النهار، فيضع حدًّا إما للاعتراف بالدين المسيحي، الضروري لبقاء السلطان، وإما لوجود الجيش والعنف بكل أشكاله، الذي لا يقل ضرورةً للسلطان. وهذا التناقض تستشعره جميع الحكومات، بما فيها الحكومة البريطانية والحكومة الروسية، التي تدفعها غريزةُ بقاء طبيعيةٌ إلى قمعه في ضراوة أكبر من قمعها أيَّ نشاط آخر مناوئ للحكومة، كما تبيِّن ذلك مجلتُكم. فالحكومات تعرف أين مكمن الخطر وتبدي أشد الاحتراس منه، لأن المستهدَف لم يعد مصالحها وحسب، بل مسألة: أن تكون أو لا تكون.

مع فائق احترامي،

ليڤ تولستوي

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس


[1] "اللاَّمقاومة" هو المصطلح الذي أطلقه ليڤ تولستوي (1828-1910)، "حكيم ياسنَيا پوليانا"، على منهاجه في عدم مقاومة الشر بالشر؛ وقد تبنى المهاتما گاندهي هذا المصطلح في بدو نضاله، ثم ما لبث أن استبدل به مصطلح "اللاعنف". (المحرِّر)

[2] سأل أحد الفريسيين المعلم الناصري ليُحرِجَه: "يا معلِّم، ما هي الوصية الكبرى في الشريعة؟" فقال له: "أحببِ الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك. تلك هي الوصية الكبرى والأولى. والثانية مثلها: أحببْ قريبَك حبَّك لنفسك. بهاتين الوصيتين ترتبط الشريعة كلها والأنبياء" (إنجيل متى 22: 35-40). (المحرِّر)

[3] المقصود هو الرد على الشر بالشر. (المحرِّر)

[4] المقصود وصية: "لا تقتل"، الوصية السادسة المنسوبة إلى موسى (التوراة، سفر الخروج 20: 13). (المحرِّر)

[5] يقول المعلِّم الناصري: "سمعتم أنه قيل للأولين: لا تقتل، فإن مَن يقتل يستوجب حكم القضاء. أما أنا فأقول لكم: مَن غضب على أخيه استوجب حكم القضاء، ومَن قال لأخيه: يا أحمق استوجب حكم المجلس، ومَن قال له: يا جاهل استوجب نار جهنم" (إنجيل متى 5: 21-23). (المحرِّر)

[6] مقاطعة في جنوب أفريقيا، عاصمتها پريتوريا. (المحرِّر)

الانتقام ليس حقًا من حقوق الإنسان! - جان-ماري مولر

الأربعاء, حزيران 17th, 2009

الانتقام ليس حقًّا من حقوق

الإنسان!

muller

جان-ماري مولِّر*

لن أعرِّف بالانتقام بوصفه إرادتي الحصولَ من المسيء إليَّ على تعويض عن الإساءة التي كبَّدني إياها، بل بوصفه رغبتي في تكبيده إساءةً بغرض أن أؤلمه وحسب [= نقمة]**. فأنا، حين أنتقم، ما من نية عندي سوى أن أردَّ rétorquer الإساءة التي تكبدتُها على صاحبها. الانتقام، إذن، محض ردِّ الفَعْلَة بفَعْلَة من جنسها ré-torsion. لكن الانتقام لا يعوِّض عن شيء أبدًا؛ إذ هو لا ينتوي التعويض، بل التقويض. ومنه فإن الانتقام ليس فعل دفاع شرعي عن النفس. فما يختص به هو أنني، حين أمارسه، لا يبدي عدوي أية خطورة فعلية عليَّ ولا يمارس ضدي أي تهديد مباشر؛ إنه حينذاك لا يعود يجابهني. لذا فإن الانتقام يحصل دومًا من الخلف – عن جبن. ومنه لا يجوز للانتقام أن يستفيد من تأييد العدالة. فهو لا يريد أن يردَّ لي حقوقي، ولا يقدر على ذلك أصلاً، بل يبتغي فقط إيلام مَن آلمني. لذا فإن عنف الانتقام ليس حقًّا أبدًا؛ إذ ليس ثمة أي "حق" في الانتقام. إنه دومًا غير مبرَّر، دومًا جائر، دومًا جريمة ضد الإنسانية. وبما أن الانتقام وليد الحقد والضغينة والصدود والكراهية فهو ليس نبيلاً أبدًا، بل خسيس دومًا.

لقد زُعِمَ طويلاً أن من واجب المرء، كي يذود عن شرفه، أن ينتقم للإساءات التي تكبَّدها بأن يحمل بالطعن على المسيء إليه. ولكن أي "شرف" في التفنن في إيذاء faire du mal العدو وفي إيلامه faire mal؟! أي "شرف" في إساءة الفعل mal faire؟! أي "شرف" في إرواء رغبة وبيلة mal-sain من حيث الأساس؟! أليس هذا وضعًا للشرف في الموضع السيئ، بل في الموضع الأسوأ؟ إذا كان الانتقام مسألة شرف honneur فإن فيه، بهذا المعنى حصرًا، خزيًا dés-honneur للذي يمارسه.

إلغاء شريعة "العين بالعين"

غاية شريعة "العين بالعين" قَوْنَنَة codifier النقمة فحسب بأمرها بتكبيد المسيء mal-faiteur الإساءةَ نفسَها التي كبَّدها غيرَه:

ومَن قتل إنسانًا يُقتَل قتلاً. [...] وأيُّ رجل أحدث عيبًا في قريبه، فليُصنَع به كما صنع: الكسرُ بالكسر والعينُ بالعين والسنُّ بالسن، كالعيب الذي يُحدِثُه في الإنسان يُحدَث فيه. [...] ومَن قتل إنسانًا يُقتَل. (سفر الأحبار 24: 17-21)

يقال عمومًا إن شريعة "العين بالعين" تستهدف كظم النقمة التي ترغب أن تُنزل بالمؤذي أذى أكبر من الأذى الذي فعله هو. هذا جائز. لكن هذه الشريعة، حين تأمر بـ"قتل بقتل"، فإنه يصعب الزعم، لهذا السبب حصرًا، أنها تحدُّ من مدى الانتقام. كل قتل فهو عنف غير محدود. لذا فإن شريعة "العين بالعين" ترسِّخ في الواقع حق الانتقام؛ ومفعولها أنها تشرعن الانتقام وتديمه وتُمأسِسُه، وبذلك تحبس الفرد والمجتمع في منطق العنف.

لذا فإن قيام حكيم من فلسطين بإلغاء شريعة "العين بالعين" في بداية العهد المسيحي يمثل واحدة من أكثر الثورات الأخلاقية جذريةً في تاريخ الإنسانية. فهو، حين أمر البشر بعدم دفع السوء بالسوء، فقد حثهم على عدم مقاومة الشر بمحاكاة الشرير. لم يَدْعُهم إلى الكف عن بغض أعدائهم وحسب، بل إلى محبتهم: "أحبوا أعداءكم" (إنجيل متى 5: 44). لم يُسمَع بمثل هذا من قبل! يكاد هذا الكلام أن يكون غير مسموع؛ وإلى اليوم، لا يزال الذين "يسمعونه" قلة قليلة. وفي الحاصل، مَن ذا يستطيع أن يباهي بأنه "سمعه"؟ أحيانًا؟ هيهات…

لقد كتبت سيمون ڤايل: "النقمة رغبة في التوازن." أريد أن أوازن ألمي بأن أكبِّد المسيء إلي ألمًا يضارعه. لكني بإعادتي التوازن إلى نصابه لا أقيم العدل. فلكي أتغلب على هذه الرغبة لا بدَّ لي من "قبول عدم التوازن"[1]. ذلك أن من المؤكد أنني لن أستفيد خيرًا من الشر الذي أكبِّد عدوي إياه، بل تراني أتخيل أن هذا سوف يسرِّي عني. تراني أتخيل أن الانتقام سوف ينصفني منه؛ أتخيل أني بدفعي السوءَ بالسوء أزيل السوء الذي تكبدته، وكأن محصلة القضية، إذا صح القول، تؤول بذلك إلى الصفر. ولكن هذا ليس إلا من بنات المخيلة، من بنات الوهم. فالانتقام لا يقتلع الشر، بل يضاعفه. لذا كتبت سيمون ڤايل أيضًا:

السعي في التوازن سيء لأنه متخيَّل. الانتقام! حتى إذا اتفق للمرء أن يقتل عدوه فعلاً أو يعذبه فهذا بمعنى ما متخيَّل.[2]

أتخيل أيضًا أن الانتقام سوف يفرِّج عني وسوف يلذ لي. أما في الواقع، فإن من شأن الانتقام، حالما يُقترَف، أن يولد القرف بدلاً من الارتياح. فإذا اتفق لي أن أتذوق الانتقام حق تذوقه سأفطن إلى أن للانتقام مذاقَ أمرِّ السموم!

قبول عدم التوازن إنما يعني احترام إنسانية مَن لم يحترم إنسانيتي. ولذلك فإن النزول عن الانتقام يقتضي استبعاد هاجس المعاملة بالمثل réciprocité تمامًا. وبحسب عمانوئيل ليڤيناس، تنفرض عليَّ مسؤوليتي نحو الآخر مهما يكن موقفه مني. فالعلاقة مع الآخر علاقة "غير متناظرة"، من حيث

[...] إني مسؤول عن الآخر دون أن أتوقع منه أن يعاملني بالمثل، وإنْ كلفني ذلك حياتي. فالمعاملة بالمثل قضيته هو.[3]

إذا أساء الآخر التصرف نحوي فإن قضيتي أنا، إذ ذاك، هي أن أحسِنَ التصرف نحوه. قد يتفق لي ألا أفلح في بلوغ هذا الأرب، غير أن هذا هو ما يأمرني به الشرف. فإذا كان هذا محالاً عليَّ من ساعتي فإن مطلوبي إذن هو المحال؛ وأنا ملزَم بالإصرار على طلبه حتى أجعله ممكنًا – في شهر، في سنة، ذات يوم. فالشقي méchant [= الشرير] لا يستحق انتقامي؛ ذلك أن الشقي [= نقيض السعيد] هو المنحوس أيضًا.

وبالفعل، يعلِّمنا علم الاشتقاق أن الشقاء méchanceté [= ضد السعادة] والنحس malchance [= نقيض السعد] من أصل واحد. فكلمة méchant بالفرنسية القديمة (اسم فاعل من فعل mescheoir القديم، المؤلف من أداة النفي mes ومن فعل cheoir، الذي صار choir، "وَقَعَ") مؤداها [بالعربية "مَن ساءت وقعتُه"، أي زَلَّ وعَثَرَ، ومنه "مَن نَحَسَ طالعُه"، أي أدبر؛ إذ إن الطالع عند أصحاب الفأل: ما يُتفاءل به أو يُتشاءم بطلوع الكواكب أو أفولها من السعد أو النحس]. بالمثل، تذكِّر كلمة chance [في الفرنسية] بكيفية وقوع عُظيمات القرعة أو حجارة النرد. ولكلمة تعيس mal-heureux (المشتقة من كلمة heur التي تعني الحظ [أي النصيب من الخير أو الشر، حيث تَعَسَ أو تَعِسَ بالعربية: عَثَرَ ووقع على وجهه]) دلالة مصطلح عاثر الحظ mal-chanceux نفسها. الشقي منحوس الطالع وتعيس الحظ في آن معًا – وهما سببان وجيهان لكظم نقمتنا.

إخفاق العدالة الانتقامية

إعمال المغفرة وحده يتيح تقويض النقمة على أتم وجه. ومنه فإن الغفران ليس حقًّا من حقوق المعتدي. الغفران ليس دَينًا، بل هبة؛ فهو لا يُستحَق. بوسع الفرد أن يقرر النزول عن الانتقام من عدوِّه، لكنْ من غير أن يطفئ نقمته كلَّها. فهذا يتطلب وقتًا، بل يتطلب عمومًا وقتًا طويلاً. تستطيع العدالة أن تنهى عن الانتقام، لكنْ ليس في مستطاعها أن تأمر بالغفران. تستأثر الدولة بالقصاص حتى لا يتولى الأفراد الاقتصاص لأنفسهم بأنفسهم. لكن مهمة الدولة ليست إرواء غليل النقمة عند المواطن المعتدى عليه؛ فلا يجوز لنا أن نقرَّ للدولة بأي استئثار بالانتقام الشرعي. وظيفة الدولة، من ناحية، إنصاف الضحية بحمايته وبإحقاق حقوقه، ومن ناحية ثانية، كف أذى المسيئين بقصد الدفاع عن النظام العام وضمان أمن الأشخاص وصون الممتلكات؛ فلا تجوز لها من أي وجه ممارسةُ الانتقام، مهما يكن من جانبه مقدار ضغط الرأي العام في هذا الاتجاه.

لكن عدالة الدولة، بكل أسف، هي من قبيل الانتقام في أغلب الأحيان. ولقد كتبت سيمون ڤايل واصفةً ضرار المنظومة القضائية وصفًا على غاية من الحزم:

هناك شيء واحد فقط في المجتمع الحديث يفوق الجريمة شناعة، ألا وهو العدالة القمعية. [...] فكلما تكلم أحدهم من أبناء اليوم على القصاص أو العقاب أو المجازاة أو العدالة بالمعنى التأديبي فإن المقصود بذلك هو أكثر أنواع الانتقام وضاعة وحسب [التشديد من تدخل الكاتب].[4]

وبذلك فإن سيمون ڤايل تندِّد تنديدًا قويًّا بالعنف الذي تؤدي الدولة به مهمة الحسيب، مؤكدة أن

[...] جهاز العدالة الجزائية قد بلغ من التلوث بالشر مبلغًا [...] يجعل من الحُكم في الغالب تحويلاً للشر من الجهاز الجزائي إلى المحكوم عليه، جريمة في حق المحكوم عليه [التشديد من تدخل الكاتب].[5]

بذا فإن المجتمع، متذرعًا بوصم الجريمة، يحتقر المجرم المسحوق تحت وطأة تعسه:

ابتداءً من اللحظة التي يقع فيها امرؤ في أيدي الجهاز الجزائي حتى اللحظة التي يخرج فيها منه لا يكون أبدًا محل رعاية. كل شيء يُدبَّر، حتى في أدق التفاصيل، حتى في تغيير نبرات الصوت، ليجعل منه، في أنظار الجميع وفي نظره هو، شيئًا خسيسًا، حثالة.[6]

نحن أحوج ما نكون إلى عدالة من غير جلاد

وظيفة العدالة ليست المعاقبة على ذنب، بل الحكم على جنحة؛ ليست الاقتصاص من المذنب، بل حماية المجتمع. من هنا فإن الزجر الجزائي يجب أن يخلو من جميع أنواع القصاص والإذلال والعنف الجسدي ضد الجانح. فغاية الزجر الجزائي إنما هي الوقاية من وقوع جُنَح جديدة، وذلك بالحيلولة دون الجانح والعودة إلى الإجرام، من جهة، وبردع الجانحين بالقوة عن الإقدام على الفعل، من جهة أخرى. ليس بالإمكان تنظيم مجتمع القانون من غير تعيين جُنَح وتدابير زاجرة؛ لكن على الزجر الجزائي، فيما هو يسمح للمجتمع بأن يحمي نفسه، أن يتيح للجانح، الذي يبقى مواطنًا تام الأهلية، إمكانية الالتحاق بالمجتمع من جديد. فإذا فقد الجانح بعضًا من حقوقه فإن المجتمع لا يفقد أي واجب من واجباته نحوه. وليس المقصود من ذلك مناقشة ما إذا كان الجانح يستحق أن يعامَل معاملةً إنسانية؛ إذ إن من واجب المجتمع عليه أن يعامله معاملةً إنسانية. وبذا يُرَدُّ على لاإنسانية الجنحة بإنسانية التأديب. وإذا كان يجدر الحكم على الجريمة بحسب صرامة العدالة فلا مناص من معاملة المجرم بحسب مقتضيات الطيبة. وليس المقصود من ذلك التساهل مع المجرم، بل التزام الطيبة.

لذا يجب على الدولة التي ترفض الانقياد لمنطقها هي أن يؤنبها ضميرُها على تقصيرها دومًا في إحقاق العدل؛ عليها دومًا أن توبخ نفسها على قسوة عقوباتها. إن ضرورة إحقاق العدل تحت غطاء قوانين الدولة لا تعفي الإنسان من مسؤوليته نحو الإنسان الآخر:

إن دولة تسري فيها القوانين في عموميتها ويحدو النطقَ بالأحكام فيها هاجسُ العالمية، بمجرد أن تقول العدالةُ قولَها في دولة كهذه، يحتفظ الشخص، بوصفه فريدًا ومسئولاً، بإمكانية الاستجارة بشيء يراجع صرامة العدالة هذه القاسية دومًا. والتلطيف من هذه العدالة والإصغاء إلى هذه الاستجارة الشخصية هو دور كل واحد. [...] ثمة هذه الاستجارة بالرحمة وراء العدل [التشديد من تدخل الكاتب].[7]

كل تأسيس لنظام اجتماعي قائم على المراتبية hiérarchie لا ينتج، بنظر ليڤيناس، غير عدالة ناقصة. هو ذا يؤكد:

عندي أن العنصر السلبي، عنصر العنف في الدولة، في نظام المراتب، يظهر حتى عندما يكون أداء المراتب على أحسن ما يرام، حتى عندما ينصاع الجميع للأفكار العالمية. هناك فظاعات رهيبة لأن مصدرها بالدقة هو النظام العاقل. هناك دموع ليس في مستطاع الموظف الحكومي أن يراها: دموع الآخر. [...] وحدها الأنا تستطيع أن تلمح "الدموع الخفية" للآخر التي يتسبب في جريانها ذلك الأداء العقلاني بعينه لنظام المراتب. لذا لا غنى عن الذاتية لضمان هذا اللاعنف نفسه الذي هو [...] من مساعي [الدولة] أيضًا.[8]

وعلى العدالة أن تكسر مسلسل العنف:

العنف يجر العنف. لكن لا مناص من وقف ردِّ الفعل المتسلسل هذا. تلك هي طبيعة العدالة. [...] ليس الإنسان في حاجة إلى عدالة متجرِّدة من الهوى وحسب، بل نحن أحوج ما نكون إلى عدالة من غير جلاد.[9]

الفريضة الأخلاقية للغفران

تظهر للعيان الأهميةُ الحاسمةُ للفريضة الأخلاقية للغفران في الصلات البشرية عبر ما يجعله انتفاؤها ممكنًا دومًا: التسلسل عديم الرحمة للأفعال الانتقامية والثأرية (كلمتا "انتقام" و"ثأر" مترادفتان). فالانتقام معاملة بالمثل متشدِّدة هي محض محاكاة لعنف الخصم. يأتي الغفران، فيكسر أولاً هذه المعاملة بالمثل وهذه المحاكاة. ففي حين أن الضغينة والحقد والكراهية تكبل الفرد بقيود الماضي يأتي الغفران فيعتقه منها ليسمح له بالدخول في المستقبل. أما الانتقام فيطيل العواقب المدمِّرة للفعل الضار المرتكَب في ظروف لم تعد موجودة الآن ويرجِّعها في المستقبل. فالانتقام غير مؤاتٍ، في غير محلِّه، وفي غير أوانه؛ إنه يأتي دومًا في الوقت غير المناسب.

أما الذي يصفح فهو لا يتجاهل النقمة، لكنه يقرر أن يتغلب عليها وأن يتخطاها. وقرار الصفح لا يمكن له أن يُتخَذ إلا بالدقة لأن النقمة موجودة، حاضرة فينا فعلاً، وترغب أن تفرض نفسها على إرادتنا. ولهذا السبب حصرًا يتطلب الغفران شجاعة كبيرة. إنما الغفران واجبٌ صعبٌ لأن الانتقام مرغوب. الغفران ليس ثمرة ميل من ميول النفس، ولا هو يتجذَّر في مجرد شعور، بل في قرار إرادي؛ إنه فعل، عمل، حدث يطرأ على التاريخ فيغير مجراه.

الغفران أمل في بدء جديد

الغفران قطعًا لا يفقد ذاكرة الماضي – فالنسيان ليس فضيلة، إنما هو سهو وحسب –، بل ينصرف عازمًا إلى المستقبل. هناك "واجب تذكرة" الماضي، هو تيقُّظ للمستقبل، لكن من شأن المداومة على تذكُّر الشر أن تعرقل المستقبل. الغفران لا يمحو الذكرى، بل هو رهان على المستقبل. قد يُخسَر هذا الرهان، لكنه لا يخسر بذلك معناه. الغفران لا شروط له، وبالتالي لا ضمانة له. إنه لا يُسترَد. فحتى يصبح قرار الصفح نافذًا في الصيرورة التاريخية لا بدَّ له من أن يستديم. وفي حين أن الانتقام شكل من أشكال اليأس فإن الغفران يحييه برمَّته الأملُ في بدء جديد.

منزلةُ الغفران من فريضة اللاعنف قلبُها. إذ إن المغفرة، في الحاصل، هي دومًا الصفح عن عنف. المغفرة قرار من طرف واحد بكسر سلسلة أفعال العنف التي لا تنتهي والتي يسوغ بعضها بعضًا؛ هو رفض مواصلة الحرب إلى أجل غير مسمَّى؛ هو إرادة التسالُم مع الآخرين إرادةَ التسالُم مع النفس. إذ إن المشغول بهاجس الانتقام لنفسه ليس في سلام مع نفسه. المغفرة هي إحلال المرء السلامَ في مستقبله، رافضًا أن يبقى حبيس دورة العنف المستديمة. فالانتقام يجعل الحياة متعذرة حقًّا والموت مرجَّحًا.

بيد أن إعمال المغفرة لا يكتفي برفض الانتقام: عليها أيضًا أن تعيد بناء صلة جديدة بين المعتدى عليه والمعتدي. لذا يجدر هنا التمييز بين الغفران الشخصي، حين يمس الاعتداءُ مباشرةً بعلاقة بين شخص وشخص، وبين الغفران الجماعي، حين يمس الاعتداءُ بعلاقة جماعة بأخرى، أي يتوضع على الصعيد الاجتماعي أو السياسي. والمقصود في الصلة الشخصية الصفح عن القريب، فيما المقصود في العلاقة السياسية الصفح عن الغريب. وفي كلا الحالين، إذا لم يمكِّن الغفران من المصالحة réconciliation فهو يمكِّن من التوفيق conciliation على الأقل؛ أي أنه يتيح إعادة صلات قائمة على العدل أو عقد مثل هذه الصلات. ولكن صيرورة هذه الصلات أمرًا مفعولاً تقتضي من المسيء أن يعترف بمسؤولياته ويدخل هو نفسه في تاريخ الغفران ويشارك في ديناميَّته.

العلاقة بين فريضتَي العدل والغفران ليست علاقة تضاد؛ إنهما ليستا متناقضتين، بل على العكس تقترنان لتسهما معًا في إيجاد دينامية سلام. إعمال العدل يفسح في المجال للمغفرة، والعكس بالعكس.

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس


* فيلسوف فرنسي اختصاصي في اللاعنف عمومًا وفي حياة المهاتما گاندهي وفكره خصوصًا. وضع في اللاعنف مؤلفات عديدة أصبح بعضها كتبًا مرجعية. آخر مؤلفاته: قاموس اللاعنف، دمشق، معابر للنشر/بيروت، الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية، 2007.

** ما بين معقوفتين [...] في المتن من إضافتنا لتوضيح معاني الألفاظ الفرنسية وتأدية ما يوازيها بالعربية. (المترجم)

[1] Simone Weil, Cahiers II, Œuvres complètes, Tome VI, Paris, Gallimard, 1997, p. 137.

[2] Ibid., p. 142.

[3] Emmanuel Lévinas, Éthique et infini, Paris, Le Livre de Poche, 1992, Biblio-Essais, 1991, p. 121.

[4] Simone Weil, Écrits de Londres, Paris, Gallimard, 1957, pp. 40-41.

[5] Simone Weil, Cahiers III, Paris, Plon, 1956, p. 319.

[6] Simone Weil, Attente de Dieu, Paris, Le Livre de poche chrétien, 1963, p. 142.

[7] Emmanuel Lévinas, in François Poirié, Emmanuel Lévinas, Besançon, Éditions de la Manufacture, 1992, p. 96.

[8] Emmanuel Lévinas, Cahier de l’Herne, Paris, Éditions de l’Herne, 1991, pp. 63-64.

[9] Emmanuel Lévinas, Difficile liberté, Paris, Le Livre de Poche, Biblio-Essais, 1990, p. 23.

على خطى غاندي (حوارات) - لنا عبد الرحمن

الجمعة, حزيران 5th, 2009

على خـطـى غـانـدي

حوارات مع مناضلين روحيين اجتماعيين

بحثًا عن الحقيقة والحرية والسلام

لنا عبد الرحمن

عن دار "معابر للنشر" صدر كتابُ على خطى غاندي[*]، ضامًّا بين دفَّتيه مجموعة "حوارات مع مناضلين روحيين اجتماعيين" – كتابٌ أقل ما يوصف به أنه "ملهِم" لكلِّ مَن يبحث في هذه الحياة عن الحقيقة والحرية والسلام.

on_the_footsteps_of_gandhi

أجرت الحوارات الصحافيةُ الأمريكيةُ كاثرين إنغرام؛ وهي صحافية مختصة في الصحافة الروحية، دأبت خلال عملها على إعداد تقارير حول الشخصيات الكبرى والحركات الروحية والاجتماعية، وبالأخص حول مسألة محورية هي حقوق اللاجئين. من هنا قادتْها هذه القناعات إلى الطواف حول العالم للتحاور مع أصحاب الأسماء الواردة في الكتاب، بغضِّ النظر عن عروقهم وانتماءاتهم؛ لكنْ يظل المشترك بينهم، كما يبين من عنوان الكتاب، هو أن حياة المهاتما غاندي ونضاله وكتاباته كانت منارةً ملهِمة لهم جميعًا.

في مقدمتها للكتاب، تتحدث كاثرين إنغرام عن الظرف الزماني والمكاني الذي دفعها لإجراء هذه الحوارات ثم جمْعِها في كتاب. لم يكن من اليسير صدورُه على الإطلاق، لأن مثل هذه النوعية من الكتب الزاخمة بالمعرفة تحتاج أيضًا إلى نوعية معينة من القراء، سواء في الغرب أو في الشرق؛ لذا توجِّه كلمة شكر لناشر الكتاب ولكلِّ مَن ساعد على ظهوره. وتقول في مقدمتها:

إبان السنوات التالية، وأنا أواصل البحث، حاورتُ معلِّمين روحيين ومناضلين يجسِّدون حالةً من اليقظة بقدر ما يجسِّدون التزام التخفيف من ألم العالم.
[...] إننا نعيش عصرًا خطرًا. إن جهلنا وجشعنا [...] قد باتا حليفين لقدرتنا على تدمير أنفسنا، لا نحن وحسب، بل البيئة التي نعيش فيها جميعًا على الكوكب. لم يعد يجوز لنا أن نسمح لأنفسنا بعقود أخرى من الوفرة على حساب فقراء الأرض. (ص 12، 14)

بيد أن الكاتبة لا تكتفي بالحوارات التي تجريها، بل تقوم بجهد بحثي، تمثَّل في جمع مادة وافية عن حياة كلِّ شخصية من الشخصيات التي تُحاورها، ظروف نشأتها، المكونات الاجتماعية، ودوافع التحول نحو العمل الروحي. وهذه المقدمة البحثية المسهبة قبل كلِّ حوار ضرورية جدًّا لأنها تقدم للقارئ جوانب شخصية لا تَرِدُ في الحوار، لكنها أساسية في إلقاء ضوء كافٍ على شخصية المُحاوَر ونضاله.

مسار الحوارات في هذا الكتاب ينبش عميقًا تحت المجرى المعتاد للعمق؛ بل إن الأكثر تميزًا هو أن مسار الحوارات كلها يتوضع على المستوى ذاته من العمق، بحيث لا يمكن المفاضلة فيما بينها. فالمحاوِرة تمكنت، في ذكاء شديد، من اختيار النقاط المحورية في حواراتها مع كلِّ شخصية على حدة، ومن إبراز الجانب الذي تحقَّق فيه نضالُ هذه الشخصية. فهي، في حين تناقش الدالاي لاما في جوهر ممارسته الروحية وارتباطها بالتزامه الاجتماعي والسياسي مبدأ اللاعنف، تحكي مع المناضل الفلسطيني مبارك عوض عن رؤيته للاحتلال الإسرائيلي، بينما تتحدث مع المغنية الأمريكية جوان بيز عن أثر الفن في نضالها ضد العنف.

تناقش حوارات كتاب على خطى غاندي، بلا مواربة ولا التفاف، أفكارًا وسياسات خطيرة هزت العالم، غيرت اتجاهاته، وتركت آثارها السلبية على سكان هذا الكوكب، على بيئتهم، حياتهم، مرضهم، وموتهم. إنها الحروب، القنابل النووية، سباق التسلح، الأسمدة الكيميائية، الاستعباد، الفقر، الجوع، الظلم، الاضطهاد، عمالة الأطفال، وغيرها من إساءات البشر بعضهم لبعض – كل ذلك يحضر في مقابل وعي أناس آخرين يطالبون بسياسة اللاعنف في مواجهة عنف العالم، جنونه، وغفلته.

يجمع بين سلسلة الحوارات الموجودة في الكتاب نسيجٌ مشتركٌ حيك من خيط واحد، تُمسِكُ به المحاوِرة بقوة ليمتد بينها وبين أبطال كتابها الذين تصفهم قائلة:

إن الرجال والمرأة الذين حاورتُهم في هذا الكتاب بعضٌ من أبطالي ومن أوليائي الشخصيين لأنهم يجسِّدون المُثل التي تبدو لي الأكثر ضرورة في عالمنا. [...] إنهم يخبروننا أيضًا بأن قلبنا يعرف من الآن ما الحق، وبأن عصرًا مضطربًا كالذي نعيشه اليوم هو نداء للإصغاء بانتباه أكبر لهذا "الصوت الخافت" الداخلي والسلوك بمقتضاه. (ص 14-15)

تؤكد مجمل الحوارات أن مشكلات هذا العالم لا ينفصل بعضها عن بعض أبدًا وأننا، بإصرارنا على ممارسة هذا الفصل، نزيد من حدة الأزمة، فيزداد الفقر والتلوث، الجوع والمرض، حيث لا يمكن للعالم أن يتغير من دون أن يُستوعَب أنه لا يوجد بلدٌ في إمكانه أن يعيش معزولاً عن غيره من البلدان؛ وبالتالي، فمن الطبيعي أن تتكل كل دولة، بشكل أو بآخر، على غيرها في العديد من احتياجاتها. هنا لا تكمن الحاجة على المستوى الاقتصادي فقط؛ إذ إن نظرة شمولية تكشف عن أكثر من مفهوم للاحتياج، بما يفرض، بالتالي، التفكير مرارًا قبل إيقاع أيِّ أذًى بالآخر، لأن هذا الأذى سيرتد مع الوقت على فاعله. والأمثلة على ذلك كثيرة في الكتاب، سواء كانت سياسية، مثل حرب أمريكا في ڤيتنام أو حربها على العراق، أم اقتصادية، مثل معرفتنا أن اليابان التي تُعتبَر "معجزة آسيا الاقتصادية" تتكل في احتياجاتها الغذائية على الاستيراد بنسبة 70%. فهل يمكن إذن فصل مشكلات العالم بعضها عن بعض؟!

هناك أيضًا المصالحة بين شقَّي العالم: المادي والروحي. وليس المقصود هنا بكلمة "روحي" غير الجانب القيمي السلوكي من الإنسان، لا الجانب العقائدي، حيث إن القيم العليا هي التي ستؤدي حتمًا إلى شيوع الرحمة والمودة، تقبُّل الآخر، التفكير فيه، فالعمل من أجله، ثم الوصول إلى تخفيف جزء ضئيل من معاناة البشر.

يضم الكتاب كلمة توطئة لرامتشاندرا غاندي، حفيد المهاتما غاندي، يقول فيها:

إنني لواثق من أن المهاتما غاندي، لو كان حيًّا، لبارك العمل الجبار الذي أنجزه الرجال والنساء الأفذاذ الذين حاورتْهم كاثرين إنغرام في هذا الكتاب. (ص 7)

كما يضم الكتاب ثمانية حوارات مع الشخصيات التالية، على التسلسل: قداسة الدالاي لاما، الزعيم الروحي والسياسي للتيبت، مبارك عوض، المناضل اللاعنفي الفلسطيني، جوان بيز، مغنية أمريكية، الراهب البوذي الڤيتنامي تيك نات هَنْه، سيزار تشاڤيز، أول رجل في تاريخ الولايات المتحدة يؤلِّف نقابة للعمال الزراعيين، أهنگمگي تودور آريارتْنِه، مناضل من شري لانكا مسئول عن جمعية تهتم لتنفيذ برامج تخص التربية والصحة والزراعة، الأخ ديڤيد شتايندل راست، الراهب "المسكوني"؛ وآخر الحوارات كان مع أسقف جنوب أفريقيا دزموند توتو.

إن ما ينبغي قوله بشأن هذه الحوارات أن أصحابها قد كرسوا حياتهم لهدف نبيل، صاغوا عمرهم كله في سبيل تحقيقه، من دون أي تردد أو خشية رفض اجتماعي أو سياسي، بل في تحدٍّ وإصرار تام على الاستمرار، على الرغم من كل المكابدات التي تعرضوا لها، وعلى الرغم من أن بعضهم كان مدرِكًا أن نهاية المسار لن تكون نتائجها على يديه وفي زمنه، كما تقول جوان بيز: "[...] لا أعتقد بأني سأرى، خلال حياتي، نتائج كل المعارك التي خضناها [...]" (ص 112)؛ وهذا أيضًا ما يوافق عليه الراهب البوذي تيك نات هَنْه حين يقول: "إذا كانت السعادة موجودة هنا حقًّا فسيكون لنا مستقبل" (ص 157)؛ وفي عبارة أخرى: إن مسيرة عملنا فقط هي التي تَعِدُنا بالوصول إلى نتائج.

ملفتٌ في هذا الكتاب الجهدُ الملموسُ الذي قام به المترجم أديب الخوري، سواء على مستوى الترجمة أم في تذييله الكتاب بخاتمة كتبها حول رؤيته لمفهوم اللاعنف وتلامُسه مع الواقع العربي. يقول:

انسحبت أمريكا من ڤيتنام مهزومة، لكنها تمارس اليوم عنفًا لا يقل شراسةً عن عنفها في ڤيتنام، إنْ لم يفقْه، في العراق وأفغانستان، وفي أماكن أخرى أيضًا.
[...] يبدو، إذن، أن "أولي الأمر" في "البلد الأعظم" لم يتعلَّموا شيئًا من درس ڤيتنام [...]. فالذين يموتون في أركان العالم الأربعة ليسوا أولادهم، بينما تستمر خزائنهم وأهراؤهم بالامتلاء!
هل يعني هذا أن جهود جوان بيز، وكل مَن ناضل معها، وكل مَن يجاهد اليوم، وكل الملايين التي تظاهرت في عشرات مدن العالم في يوم واحد عشية الحرب على العراق، قد ذهبت عبثًا وأدراج الرياح؟ (ص 280-281)

يحكي أديب الخوري عن كارثة السلاح النووي الذي يسبب تخزينُه مباشرةً إنضاب الموارد الرئيسية للأرض، كما يتناول المخاطر الاجتماعية والأخلاقية للهندسة الوراثية والاستنساخ، ثم يختم كلمته بفكرة "الفداء"، حيث فضيلة التخلي والتنازل، ولو عن وجبة طعام واحدة، قادرة على فعل الكثير، ليس على مستوى الجوع المادي وحسب، بل في منح الروح الانعتاق أيضًا.

هذا الكتاب هو الإصدار الورقي الثالث لدار "معابر للنشر"، بعد إصدارها كتابين متميزين هما: قاموس اللاعنف لجان-ماري مولِّر (بالتعاون مع "الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية") والتأمل للحكيم الهندي كريشنامورتي. هذا وقد عُرِفَتْ معابر في العالم العربي عبر الموقع الثقافي الإلكتروني www.maaber.org، الذي يتميز بوجود مكتبة هامة، وبحرصه أيضًا على نشر القضايا التي تتصل مباشرة بجوهر الإنسان وتوازُن علاقته مع الكون.


[*] كاثرين إنغرام، على خطى غاندي: حوارات مع مناضلين روحيين اجتماعيين، بترجمة أديب الخوري ومراجعة ديمتري أڤييرينوس، معابر للنشر، دمشق، 2008.

اللاعنف: أربع نعم - وليد صليبي

الجمعة, حزيران 5th, 2009

اللاعنف: أربعُ نَعَم*

وليد صلَيْبي**

 

"الوجه الآخر للحق ليس الباطل، بل العنف."
إريك ڤايل، منطق الفلسفة

"فيما قد يُستعمَلُ كل من اللاعنف والعنف في مواجهة
طغيان الآخرين، وحده اللاعنف يستطيع مواجهة طغيان الذات."

وليد صليبي

اللاعنف لاءان: لا لعنف الذات، ولا لعنف الآخرين.

الـ"لا" الأولى – لا لعنف الذات – قد تبدو طوباوية إذا ما نظرنا إليها وكأنها تسعى في لَجْم عنفٍ مفترَض مغروس في صُلْب الطبيعة البشرية – عنفٍ حتميٍّ بالتالي؛ ومن هذا المنظار بعينه، تبدو هذه الـ"لا" مناقضةً لطبيعة الإنسان. لكن الأمر غير ذلك قطعًا: فهي "لا" واقعية، بل متجانسة حتى مع ما يُسمى بـ"الغرائز"، وفقًا لما توصل إليه عددٌ كبير من كبار المحلِّلين النفسيين psychanalystes وعلماء سلوك الحيوان éthologues وعلماء التطور évolutionnistes وعلماء الوراثة généticiens وعلماء الأعصاب neurologues إلخ.

ويرى عددٌ من أبرز المحلِّلين النفسيين ممَّن انتقدوا نظرية فرويد في غريزة الموت (نخص منهم بالذكر إريش فروم) أنه ما من غريزة ثابتة تُدعى "غريزة الموت" تدفع بالإنسان نحو الموت أو الانتحار أو تدمير الذات، مضيفين أن غريزة الموت التي تكلم عليها فرويد ليست موجودة في حدِّ ذاتها، وأن نزوع الإنسان إلى العنف ما هو سوى انعكاس لإخفاق غريزة الحياة عنده في التعبير عن نفسها وتحقيق ذاتها، وذلك من جراء العقبات والخيبات الاجتماعية في سيرة كلِّ فرد[1].

ويلتقي بعض من أهم علماء سلوك الحيوان (ولاسيما كونراد لورنتس في كتابه في العدائية) مع أولئك المحلِّلين النفسيين في استنتاجهم هذا، كونهم توصلوا إلى نتيجة مفادها أن العنف عند الحيوان (التدمير للتدمير والقتل للقتل) ما هو أيضًا سوى إخفاق عدائية الحيوان في تجسيد وظيفتها الطبيعية الأساسية، أي الحفاظ على النوع الحيواني وعلى بقائه. لا بل إن هؤلاء العلماء برهنوا، بناءً على سنوات تراكمية من البحث والرصد المباشر، أن الحيوان تمكن من تحويل عدائيته إلى علاقات فردية من المودة والصداقة شبيهة جدًّا بعلاقات المودة والصداقة الإنسانيتين[2].

كذلك يلتقي هؤلاء وأولئك العلماء مع عدد من أهم الباحثين في علم التطور، ولاسيما الدارونيون الجُدُد، من أمثال هاملتون وتريڤرز وويلسون وأكسلرود وسواهم. ونذكِّر هنا بالمنطلقات الرئيسية لنظرية دارون في التطور؛ إذ اعتبر أن الحياة الحيوانية هي مجرد صراع وتنافُس على البقاء يبقى فيه ويستمر الأصلح والأكثر تلاؤمًا مع شروط الطبيعة survival of the fittest. وقد حُرِّفتْ هذه النظرية بالقول بأن مَن يبقى ويستمر هو "الأقوى"؛ وفي هذا، كما هو واضح، مغالطة (مقصودة) للمعنى الحقيقي لكلمة fittest الإنكليزية التي تعني "الأنسب" أو "الأصلح". من هنا فإن الدارونيين الجُدُد قد أكدوا أنه، إلى جانب الصراع والتنافس على البقاء، هناك دور كبير جدًّا ورئيسي جدًّا للتعاون وللتصرفات الغيرية؛ لا بل إن الأجناس التي تبدي سلوكًا تعاونيًّا وغيريًّا هي "الأصلح" للبقاء والاستمرار.

ضمن المنطق نفسه، توصل عددٌ من أهم علماء الوراثة الجينية، منهم بوك وگودِه وترمبلاي وسواهم، إلى خلاصة جوهرية مفادها أنه ما من جينات معينة مسؤولة حصرًا عن العنف عند البشر، بل إن العنف البشري هو نتيجة تفاعل بين البنية الجينية وبين الظروف الاجتماعية والسيرة الذاتية لكلِّ فرد.

واستكمالاً لهذه الاستخلاصات العلمية، أكد عددٌ من أهم علماء الأعصاب، مثل نلسون وترينُر، أن ما من أماكن معينة في المخ أو الجهاز العصبي بعامة مسؤولة عن توليد العنف، بل إن المخ أو الجهاز العصبي ليس سوى ناقل للانفعالات، لا مولِّد لها. كما أكد هؤلاء، على غرار فروم، أن السلوك العنفي ما هو غير نتيجة تفاعل بين الشبكة العصبية والدماغ وبين البيئة المحيطة.

قصدنا مما سبق أننا حين نقول "لا" لعنف الذات لا نتحدى عنوةً طبيعة الإنسان الحتمية، بل بالعكس نعود فنساير طبيعة الإنسان الحقيقية، وأننا، عمليًّا وفعليًّا، حين نقول "لا" لعنف الذات نقول "نعم" للحياة، "نعم" للحب.

الـ"لا" الثانية – لا لعنف الآخرين – هي الـ"لا" المجتمعية. والمقصود منها هو: "لا" لعنف الآخرين، لا بمعنى القتل وحسب، بل بمعناه الأوسع، أي بجميع أشكاله، بما فيها الظلم الاجتماعي والإفقار والاحتلال والقمع وضرب النساء والأطفال وتضليل العقول والفساد والعنصرية والطائفية والإكراه الديني إلخ.

فاللاَّعنف هنا هو هذا التدخل المباشر في الواقع الاجتماعي والسياسي: هو هذه الـ"لا" المتواضعة التي حررت الهند من الاستعمار البريطاني، الأعتى آنذاك، متفوقةً على غطرسة تشرشل وتهكُّمه إذ قال: "سوف نحارب حتى آخر هندي!"؛ هو هذه الـ"لا" ("قوة المحبة"، بتعبير مارتن لوثر كينگ) التي انتصرت في نضال لاعنفي نموذجي، فألغتْ جميع القوانين والمواد الدستورية العنصرية في الولايات المتحدة الأميركية بعد قرون من الاستعباد والتمييز العنصري؛ هو هذه الـ"لا" التي وقفت في وجه الاحتلال النازي في أوروبا، حيث حققت المقاومة المدنية انتصارات مؤزرة، نسوق منها، على سبيل المثال، أنه حين أغلق الجيش الألماني جميع المدارس في پولونيا "من أجل القضاء على النخب الطليعية" (هتلر)، نظَّم المعلمون تعليمًا سريًّا تابعه أكثر من مئة ألف تلميذ وتخرَّج منه أكثر من ثمانية عشر ألف طالب لشهادة البكالوريا، وأن الحكومة النرويجية رفضت، تحت الاحتلال العسكري، تشريع السلطات الألمانية وقادت العصيان المدني من خارج البلاد؛ هو تلك الـ"لا" التي كسرت حاجز الصمت وأطاحت، بقيادة "نقابة تضامن" Solidarność، بنظام الحزب الواحد في پولونيا؛ هو قوة هذه الـ"لا" التي أطاح بها الشعب بالدكتاتور ماركوس في الفيلپين؛ هو هذه الـ"لا" الفلسطينية المبدعة في "انتفاضة الحجارة" التي حولت الجيش الإسرائيلي من قاهر للجيوش العربية إلى مُطارد للأطفال والنسوة في الأزقة…

وهو، أيضًا، هذه الـ"لا" التي صاغت قواعد لإستراتيجية دفاع لاعنفية، بديلة عن الإستراتيجيات المعمَّمة التي أدت إلى العسكرة المتفاقمة والتسابق المحموم على التسلح وحصرت الفكر البشري المتفكر في المقاومة في احتمال أوحد هو احتمال العنف وحمل السلاح…

وهو، أيضًا وأيضًا، الـ"لا" للعنف الأول المتسلِّل في حياة الإنسان من طريق التربية، حيث طوَّر اللاعنف مفاهيم وأنظمة، وحتى مؤسسات تربوية وتعليمية، لاسلطوية ولاعنفية، مرتكزها الأساس تنمية شخصية الطفل وتفتيح إبداعه ومهاراته على الحب والخلق والتعاون. وقد ابتكرت هذه المؤسسات وراكمت نتاجًا ثقافيًّا غزيرًا من الأدبيات والأدوات وحتى الألعاب اللاتنافسية التي أسهمت في تعزيز ثقافة اللاعنف والتمرس منذ الصغر على حلِّ النزاعات لاعنفيًّا.

بعبارة أخرى، لا لعنف الآخرين، أي لا للظلم، هي، عمليًّا، نعم للعدالة والسلام.

وبعبارة موجزة، الـ"لا" الأولى هي توكيد لأخلاقية الفرد، والـ"لا" الثانية هي توكيد على الفاعلية الاجتماعية والسياسية. من هذا المنطلق، يغدو اللاعنف أربع "نعم":

- نعم للحب

- نعم للعدالة

- نعم للأخلاق

- نعم للفاعلية

أما لماذا الإصرار على كلمة "لا" non-، على كونها تتسبب في جدل يعتبر اللاعنف non-violence مفردة سلبية، فذلك لكي نعبِّر، بعيدًا عن أي لبس أو التباس، عن ضرورة القطع المطلق مع منطق العنف. فالمفردات المستعمَلة للتعبير عن التغيير الاجتماعي، من نحو الوسائل "الشرعية" أو "الديمقراطية" أو "السلمية"، معظمها يحتمل إمكان استعمال العنف. فكم نسمع عبارات من نوع: "نحارب من أجل السلام" أو "أرسلنا جيوشنا لترسيخ الديمقراطية" إلخ، أو حين تُذكَر الوسائل "الشرعية" في تدبير النزاعات ويكون العنف مشمولاً فيها.

إنها أربع "نعم"، متداخلة مع عالم واسع من الثقافة المستمَدة من التحليل النفسي والفلسفة وعلم السياسة وعلم الاجتماع وسائر العلوم الإنسانية. فما أحوج اللاعنف إلى "قاموس" يترجمه إلى مفردات دقيقة وثقافة تضرب بجذورها في نضال البشر والشعوب وفي آلاف أبحاث النساء والرجال التواقين إلى العدالة والحب والسلام.

ونسأل هنا: أيحتاج العنف إلى قاموس؟! بالطبع لا، كونه يُكتَبُ كل يوم بمفردات الدم والدمار والإذلال… لا بل إنه أمسى مشرَّعًا في قوانين دُولية ونصوص حقوقية تبنَّتْها الأمم المتحدة ("الحق في شن الحرب" ius ad bellum)، ومشرَّعًا في قوانين وطنية محلِّية عبر مفهوم العقاب المتوَّج بالإعدام – حتى إنه أقيمت للعنف منظومات قضائية متكاملة تطبِّقه، ومؤسسات أمنية وعسكرية ضخمة وصارمة تسهر عليه، ومدارس تعلِّمه وتطبِّق نماذج منه ضمن مؤسسات تعليمية سلطوية، وشبكات إعلامية تسوِّقه، إلخ.

في المقابل، يخوض البشر آلاف النضالات اللاعنفية الفعالة والناجحة، لكن المجهولة أو القليلة التسويق، ويمارسون مئات آلاف الأعمال التعاونية المثمرة والمؤثرة جدًّا، لكن غير المعروفة أو المهمَّشة. وهذه وتلك، برأينا، بأمس الحاجة إلى ثقافة لاعنفية تدعمها وتروِّج لها، ثقافة لها مرتكزاتها التاريخية والفكرية والعلمية، ثقافة لها بالطبع "قاموسها".

من هذا المنطلق، فإن قاموس اللاعنف لصديقنا المفكر اللاعنفي جان-ماري مولِّر – وهو خلاصة سيرة ذاتية فلسفية ونضالية غنية – يحل في الزمان والمكان المناسبين في عمق وعطاء منيرين. لا نراه قاموسًا حرفيًّا لتعبيرات لغوية وحسب – مع أنه ما من قاموس لغوي إلا وهو ترجمة لمفاهيم فكرية محددة –، بل إنه عبر هذا القاموس وشروحه وتأويلاته يتم التعريف بفلسفة وبموقف غير محايد وبمضمون سياسي إنساني.

يأتي هذا القاموس ليلبِّي عمليًّا مجموعة من الوظائف الأساسية، نوجزها في سبعة عناوين عريضة:

- يعيد تحديد السمات ونقاط الاستدلال repères الدقيقة الضرورية لفهم المعاني؛

- يفضح الأفكار المسبقة وينزع الغشاء عن التباسات وتعميمات مغلوطة؛

- يدقق في الأصول اللغوية للمفردات المستعمَلة؛

- يبين فاعلية العمل اللاعنفي في سبيل القضايا العادلة والمحقَّة؛

- يُظهر الإيجابية في اللاعنف، كونه يرتكز على مفهوم "البرنامج البناء" programme constructif، على الرغم من السلبية التي تنطوي عليها المفردة بحكم ارتكازها على الـ"لا" في أولها؛

- يحدد موقف اللاعنفيين من مسائل جوهرية، كالعدالة والعنصرية والأصولية والتوتاليتارية والإرهاب، بما فيها إرهاب الدولة؛ كما

- ينزع "الشرعية" و"الصدقية" عن مفردات العنف ومنطق العنف.

قاموس اللاعنف هذا مادة نظرية وعملية أكثر من ضرورية لثقافة اللاعنف – هذا المفهوم الوحيد بين المفاهيم السياسية الذي يستحق، برأينا، التزامه حتى النهاية والوحيد الذي يتجانس فعلاً مع معنًى حقيقيٍّ للحياة ليس عبثيًّا. فكما قال المهاتما گاندهي: "ربما كانت هناك قضية أنا مستعد للموت من أجلها، لكنْ ما من قضية أنا مستعد لأن أقتل في سبيلها."

لعل ثقافة اللاعنف تستطيع في النهاية أن تخترق ذلك الغلاف الكثيف من الغيوم الحالكة التي تخيم علينا وتحاصرنا في سجن من القلق والعنف والعبثية، كي نستطيع التواصل مع شمس لا تيأس من مناداتنا صباح كلِّ يوم!

الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية
بيروت، كانون الأول 2007


* صدر هذا النص تقديمًا لكتاب جان-ماري مولِّر قاموس اللاعنف، بترجمة محمد علي عبد الجليل ومراجعة ديمتري أڤييرينوس، معابر للنشر، دمشق/الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية، بيروت، طب 1: 2007.

** دكتور في الاقتصاد السياسي، كاتب ومناضل لاعنفي من رواد اللاعنف في المنطقة العربية. أطلق مع أوغاريت يونان في لبنان مشروع "اللاعنف وحقوق الناس" (1983) الذي تشكلت في إطاره أكثر من جمعية وحركة مدنية وحملة نضالية، نذكر منها: "حركة حقوق الناس"، "الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية"، "بيوت اللاعنف اللاطائفية الديمقراطية – بلاد". مُنِحَ جائزة الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان (2005) على عمله الريادي المثابر في سبيل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان. أطلق، منذ بداية التسعينيات، سلسلة ترجمات اللاعنف (من إصدار "حركة حقوق الناس")، مشرفًا على إصدار 14 كتابًا عالميًّا في اللاعنف بالعربية ومترجِمًا عددًا منها. آخر مؤلفاته المنشورة في هذا المجال نعم للمقاومة، لا للعنف (2005).

[1] راجع: إريش فروم، تشريح التدميرية البشرية، في جزأين، بترجمة محمود منقذ الهاشمي، إصدارات وزارة الثقافة، دمشق، 2006.

[2] Cf. Konrad Lorenz, On Aggression.