Archive for the ‘قراءات’ Category

المبدأ الكلي (ندره اليازجي) - ديمتري أڤييرينوس

الأربعاء, شباط 3rd, 2010

المبدأ الكلِّي

لقاء الحكمة القديمة والعلم الحديث

المحور النفساني

ديمتري أڤييرينوس

لا ريب أن القرن العشرين هو قرن الثورة في عالم الفيزياء بامتياز. والفصل الثالث من كتاب المبدأ الكلي* بعنوان "الفيزياء الحديثة، مضامينها وتطبيقاتها في علم النفس" هو الذي ينبري فيه المؤلف لتحليل الأسباب العميقة الكامنة خلف سعي الطرائق العلمية والاجتماعية الحديثة في توسيع منظورها الإپستمولوجي والفلسفي فيما يمكن التمثيل له بتجاوز الفيزياء الحديثة للنظرة النيوتُنية-الديكارتية إلى العالم – تلك النظرة القائمة على ثنوية dualism الروح والمادة، الذات والوجود، التي تتصور هندسة الكون وفق نموذج إقليدس: مكان مطلق يسيل فيه زمان مطلق، مستقل عنه، وتحكم حركةَ الأجسام السابحة فيه (التي يمكن ردُّها جميعًا إلى لبنات بناء أساسية) قوانينُ الجذب الثقالي gravity، بما يجعلها تنصاع لسببية حتمية deterministic causality لا حياد عنها. فقد كان الكون، تبعًا لذاك التصور، أشبه بآلة ضخمة منفصلة الأجزاء، تدور من تلقاء ذاتها، مما أوجد مسوغًا كافيًا لفكرة توصيف للعالم "موضوعي"، أي مستقل عن وعي الإنسان.

holism

لقد كان لآراء ديكارت في الفصل بين العقل والعالم أثرٌ حاسم على تطور العلوم بعده، ولاسيما الطب وعلم النفس والطبابة النفسية؛ فظل الاتجاه السائد في علم النفس، وقد استمد طريقته من الفيزياء النيوتُنية، يرسي قواعده على المذهب التجريبي empiricism الذي يتنكر لكل معرفة غير متحصَّل عليها من طريق التجربة. فقد قام علم النفس القديم، ممثَّلاً بالمذهب السلوكي behaviorism، على اعتماد مقترَب تجريبي صارم، يفترض وجود راصد معزول وأداة رصد محايدة، غير متفاعلة مع الظاهرة المرصودة، نجم عنه إرجاع الإنسان ككل إلى بنية زمكانية، "موضوعية" هي الأخرى، تنتظمها سببيةٌ حتميةٌ لا سبيل إلى الإفلات منها، فنظر بالتالي إلى البنى الحية، بما في ذلك بُعدها النفسي، نظرته إلى مجرد آلات تستجيب للمنبِّهات الخارجية استجابة آلية؛ بينما كان من نتائج النظرية التحليلية psychoanalytical theory الفرويدية اختزالُ المنظومة النفسية psyche إلى كتل بنائية من تصوُّر فرويد (الأنا، الأنا الأعلى، الهو)، وإرجاع الپاثولوجيا النفسية psychopathology إلى أسباب في غاية المحدودية (اختلال الدافع الجنسي حصرًا)، واعتبار المحلِّل منفصلاً عن المحلَّل، شأنه شأن الراصد الفيزيائي في رصده للظواهر الخارجية.

بيد أن طبيعة النفس العصية على التعيين والتحديد، وعجز النموذج الاتِّباعي السائد عن تفسير العديد من الخبرات الإنسانية العميقة وحشره إياها في زمرة الاضطرابات الفصامانية schizoid، ما كان لهما أن يسمحا لعلماء النفس بالمضي في هذا المنحى؛ فبدأت صيحات الاحتجاج تعلو، يطلقها مَن أبوا على الإنسان أن يكون مرتَهنًا لسلوك خارجي "لائق" ليس، في الأعم الأغلب، إلا محاكاة لنمطية اجتماعية ضيقة تسلبه كل أصالة وإبداع وتبتليه بالعُصاب neurosis، وبدأ علماء النفس الظواهريون-الوجوديون phenomeno-existentialists والعبرشخصيون transpersonal، على غرار كارل يونگ وعلم نفسه المركب complex psychology، يستلهمون الحِكَم المشرقية، من حيث إنها قد سبرتْ عالَم النفس منذ القديم وعرفتْ مداخله ومخارجه – حيث إن الحكمة ذاتها هي صفة مَن عرف نفسه – وقدمتْ تصورًا متكاملاً محكمًا عن ماهية الوعي الإنساني ومنزلة الإنسان من الطبيعة والكون.

ولقد أمدتنا الفيزياء الحديثة، من جهتها، بهيكل تصوُّري كلاني holistic عن بنية كلية شاملة يلتقي ووجهةَ نظر الحِكَم المذكورة في العصور والمذاهب كافة، ويتفهم الخبرات النفسية والروحية التي يكابدها أفراد يتجاوزون بها أبعاد شخصيتهم المحدودة. وهكذا انصرف عدد من الباحثين إلى إبراز نتائج الثورة التي أحدثتْها الفيزياء الحديثة بنظريتيها الكبريين – نظرية النسبية relativity والميكانيكا الكوانتية quantum mechanics – في مفاهيمنا وتصوراتنا عن العالم (وثوق الارتباط بين الزمان والمكان، الطبيعة المزدوجة، الجسيمية والموجية، لظواهر العالم الأصغر، مبدأ هايزنبرغ في اللاتعيٌّن indetermination واللاحتمية)، مؤكدين على ضرورة إعادة نظر جذرية فيها، بما أمكن له أن ينعكس على علم النفس انعكاسًا مباشرًا.

تتلخص النظرة الجديدة في اعتبار الكون جملة سيرورات عضوية متناسقة، عصية على التقسيم من حيث الجوهر (اللهم إلا على نحو محض تصوُّري وتصنيفي)، تؤلف فيما بينها منظومات ذاتية التوازن self-regulating systems على مستويين اثنين: مستوى العلائق الداخلية السارية فيها، ومستوى ارتباطها بالمنظومات الأخرى جميعًا. وتعلِّمنا الفيزياء الكوانتية "احتمالية" العالم الأصغر وانتظامه في "أحوال" لا تخضع للسببية الحتمية، إنما تحكمها قوانين إحصائية تحدد الاحتمالات الممكنة لوقوع أحداث تتعلق بدينامية الجملة الفيزيائية ككل. وهذا يعني، في جملة ما يعنيه، أن فهم الجزء متعذر بمعزل عن الكل.

لقد قوَّضت الفيزياء الحديثة التصور القديم للذرة السائد أيام ديموقريطس، بوصفها مادة صلبة صماء، فاستعيض عنه بنماذج دينامية متحولة تحولاً موصولاً، وأصبحت المادة بعامة ذات طبيعتين (موجية وجسيمية)، وتوحَّد الزمان والمكان في متَّصل continuum واحد لا ينفصل عن المادة السابحة فيه؛ كذلك، أصبح الراصد observer في الفيزياء الكوانتية مشاركًا في إيجاد الظاهرة التي يرصدها، بما يجعل فهم العالم بمعزل عن الوعي الإنساني المدرك له أمرًا متعذرًا.

ينسحب المنظور السابق على علم نفس جديد، يتعاون فيه الكون والإنسان على بناء المنظومة النفسية للفرد، ويصبح الإنسان، إذا جازت الاستعارة، "جسيميًّا" corpuscular، خاضعًا للسببية الحتمية في سلوكه الظاهر (البدني والفكري)، لكنه "موجي" wave-like في الوقت نفسه، غير خاضع لها في إرادته الحرة ومواهبه الوجدانية والعقلية والحدسية. وفي هذا السياق، تصبح الإرادة الحرة هي الوجهة أو السيَّالة الطاقية التي يتخذها الوعي نحو غاية تنسجم مع القصد الباطن.

يتقاطع هذا التصور مع حكمة الڤيدنتا اللاثنوي advaita vēdanta الهندية التي ترى في الإنسان توليفًا بين صورة مادية وحقل قوة للطاقة الفاعلة. فمذهب الڤيدنتا، في منهاجه التأملي، يعتمد الاستغراق في النفس سبيلاً إلى تنمية التركيز وتوجيه الذهن إراديًّا نحو ما يتخطاه في الإنسان والكون. وبذلك يسقط التناقض المزعوم بين القائلين بالإرادة الحرة (التخيير) والآخذين بالجبرية المطلقة (التسيير)، ويجتمع المفهومان في تصوُّر كلاني واحد، بحيث يحتِّم الذهن المشتت على الإنسان أن يسلك سلوكًا "جسيميًّا"، بينما يفسح له الذهن الحاضر، المستغرق في موضوع تأمُّله، المجال حرًّا للإفصاح عن طبيعته العقلية "الموجية".

وهكذا نجد، على الصعيد النفسي، عين الوضع الذي وصفه هايزنبرغ بمبدأ اللاتعيُّن الذي يتعذر وفقًا له تحديد وجود القُسيم الأولي elementary particle في موقع معين إذا عُرفت سرعتُه بدقة، فيصير الحديث بخصوصه عن احتمال أو "ميل إلى الوجود". كذلك شأن السلوك الإنساني الذي يتعذر ضبطُه وفق حتمية خطِّية نظرًا لاتصافه بخاصية "موجية" هي أبعد ما تكون عن السببية الحتمية، ويصبح فيه اللقاء الخلاق بين إنسان وآخر ضربًا من "التفاعل الداخلي" كلما وجَّه أحدهما (أو كلاهما) إرادته الحرة نحو صاحبه. ويعبِّر المؤلف عما سبق بقوله:

هكذا نجد أنفسنا نواجه علم نفس اجتماعي-كوني متنوع يشتمل موضوعُ مادته بالضرورة على الأنماط الديناميكية للتفاعل البشري والعمليات العضوية الوظيفية المتضمنة في تكوين هذه الأنماط. (ص 67)

ويعقد المؤلف مقارنة بين فرويد ويونگ، باعتبار الأول ممثلاً للنظرة النيوتُنية الخطية-الميكانيكية والثاني ممثلاً للنظرة اللاخطية-الدينامية (التي لا تتنكر للنظرة الأولى بل تحتويها)، حيث يقدم يونگ، بفكرته عن لاوعي جمعي (أو "خافية جمعية" collective unconscious)، إلماعًا إلى الحلقة التي تشد الإنسان إلى الإنسانية جمعاء، فتصله عن طريق هذه بالكون بأسره. وبذا تصبح النظرة إلى النفس نظرةً إلى

[...] منظومة ديناميكية [...] هي عضو مندرج في منظومات أوسع [...] تُعرَّف بأبعادها المادية والاجتماعية والحضارية والثقافية. (ص 87)

والواقع أن الفيزياء الحديثة، بفضل الثورة التي أحدثتْها في مفهوم الزمن، قد تتيح تطوير مفهومها الجديد ليشمل علم النفس الذي لا بدَّ أن تتجسد فيه، من الآن فصاعدًا، فكرتا الزمن الخطية linear واللاخطية nonlinear، ممثَّلتين بزمن الواعية (= الوعي أو الشعور) وزمن الخافية (= اللاوعي أو اللاشعور)، بما يؤلف بين وجهتَي النظر السببية causal واللاسببية acausal في تفسير بعض الظواهر النفسية (كظاهرة التزامن synchronicity التي درسها يونگ بالتعاون مع عالم الفيزياء ڤولفگنگ پاولي[1]، على سبيل المثال لا الحصر).

جدير بالذكر أن من السبل المتاحة لتطوير علم النفس استلهام ما تقول به الفيزياء الكوانتية بخصوص العلاقة بين المراقِب (= الراصد) والمراقَب (= المرصود)، بحيث يصبح اللقاء الشخصي الودي بين المعالج والمتعالج، في تفاعل يشمل كلِّية المنظومة النفسية عند كليهما، أساسًا مكينًا للعلاج النفسي؛ وبذلك يتحقق التوازي بين وجهة النظر هذه وبين وجهة نظر الحكمة المشرقية في العلاقة الدينامية بين الحكيم ومريده[2].

الحق أن النتائج المترتبة عن مثل هذا التصور للنفس البشرية هائلة وبعيدة المدى؛ لكنْ لا بدَّ لها، كيما تؤتي ثمارها، من أن تؤلف بين الفلسفة والأخلاق وعلم النفس والدين والمباحث الميثولوجية من منظور عبرمناهجي transdisciplinary، بما يؤسس لمنهاج نفساني علمي، نظري وتطبيقي، يشتمل أيضًا على الأبعاد العليا للطبيعة الإنسانية والحياة إجمالاً، فلا يأخذ بالحسبان فقط ما هو متحول وزائل في الإنسان، بل وما يضرب فيه بجذوره عميقًا في الأبدية[3].



* ندره اليازجي، المبدأ الكلي: لقاء الحكمة القديمة والعلم الحديث، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، طب 2: 1989.

[1] راجع: ألان كومبس ومارك هولند، التزامن: العلم والأسطورة والألعبان، بترجمة ثائر ديب، دار مكتبة إيزيس (آفاق 1)، دمشق، 2000. (المحرِّر)

[2] راجع: ديمتري أڤييرينوس، "الشيخ والمريد"، سماوات: http://samawat.org/articles/guru_chela_dna. (المحرِّر)

[3] نشير هنا، استكمالاً للموضوع، إلى ضرورة اطلاع القارئ المهتم على فصول "معالم الشخصية المتكاملة" و"فلسفة القلق" و"المعرفة سبيل إلى التكامل النفسي" من كتاب ندره اليازجي تأملات في الحياة والإنسان وعلى فصلَي "الشعور بالنقص" و"النزعة الإنسانية والشمولية في الفلسفة" من كتابه وحدة الفكر الإنساني. (المحرِّر)

دميان (هرمن هسِّه) - ديمتري أڤييرينوس

السبت, كانون الثاني 2nd, 2010

دمـيـان

هرمن هسِّه والتكامل الداخلي

ديمتري أڤييرينوس

ولد هِرْمَن هِسِّه في العام 1877 في بلدة كالڤ الألمانية على حواشي الغابة السوداء. عاش في شبابه صراعات نفسية مريرة باحثًا عن معنى للحياة بالأعم وعن معنى لحياته بالأخص. كتب في البداية ونشر مجموعة قصائد وخواطر ومقالات حول الموسيقى والأدب والفن، إلى أن نشر روايته الأولى پيتر كامِنْتسِنْد (1904)، مصورًا فيها شابًّا يرحل عن قريته الجبلية السويسرية ليصبح شاعرًا؛ ثم أتبعها برواية تحت العجلة (1906)، وهي حكاية تلميذ لم يكن يتواصل على الإطلاق مع معاصريه وأبناء جيله، فغادر مدرسته هاربًا عبر مدن مختلفة. وهاتان الروايتان تعكسان في صدق الصراع الذي كان يعتمل في أعماق الكاتب.

أحدث اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918) صدمة مروِّعة في نفسه، فانضم إلى داعية السلام واللاعنف الفرنسي رومان رولان (تلميذ المهاتما گاندهي) وشاركه في النشاط المعارض للحرب. ثم رحل في العام 1919 إلى سويسرا ليستقر هناك، عاكفًا على إنجاز روايته دميان* التي نحن بصددها والتي عكست اهتمامه بمسألة التكامل الداخلي للإنسان. وهذا الكتاب هو الذي كرس هسِّه كاتبًا مرموقًا.

demian

وتوالت أعماله الروائية تُواكب تجربته الروحية وتحقُّقه الداخلي: سِدهارتا (1922)، التي استمد موضوعاتها وشخوصها من الموروث الروحي الهندي العريق (كانت أمُّه من مواليد الهند) والتي قُيِّض لها أن تصبح منارة للعديد من الشباب الباحث، شأن هسِّه نفسه في شبابه، عن معنى للوجود ولحياة الإنسان فيه؛ ثم نَرتسيس وگولدمُند (1930)؛ تلتها الرحلة إلى الشرق (1932)، التي أعقبتْها فترة مخاض روحي طويل كان يتأهب في أثنائها لكتابة رائعته الخالدة التي تمثل رؤياه المتكاملة ووصيته الروحية: لعبة الكريات الزجاجية (1943)، التي نال عليها جائزة نوبل للأدب للعام 1946.

هرمن هسه في مكتبه في مونتانيولا.

صرف سنوات حياته الأخيرة في مدينة مونتانيولا السويسرية على ضفاف بحيرة لوگانو، معتكفًا في عزلة تامة، حتى وافته المنية في العام 1962.

* * *

كان لفظائع الحرب العالمية الأولى أبلغ الأثر في نفس هسِّه؛ إذ عانى من جرائها ضغوطًا نفسية شديدة أدت، بالإضافة إلى المرض الذي ألمَّ بأصغر أولاده، إلى إصابته بانهيار عصبي. فنصح له بعض الأصدقاء باللجوء إلى علم النفس التحليلي (مدرسة كارل گوستاڤ يونگ)، الأمر الذي أذعن له، خاضعًا للعلاج التحليلي على مدى حوالى ستين جلسة تحت إشراف أحد تلامذة يونگ ومعونته. فكانت رواية دميان Demian ثمرة هذه الفترة الخصبة من حياته وانعكاسًا مباشرًا للخبرة النفيسة التي استفادها من جلساته مع تلميذ يونگ. "حياة كل إنسان عبارة عن طريق نحو نفسه"، كما يقول في مدخل الكتاب (ص 10).

إن لفظ عنوان الرواية تحريف للفظة Daimon التي تعني الشيطان أو "قرين الجن" أو "الصوت الداخلي"! وبادئة de في هذه الكلمة، كما في اسم "دميان"، تعني الازدواجية والثنائية. وبالفعل، تتناول دميان ثنائيات الخير والشر، الوعي واللاوعي، الغريزة والثقافة، إلخ.

يقع تلميذ المدرسة الفتى إميل سنكلير تحت تأثير رفيق السوء فرانتس كرومر – الزقاقي الدعي الذي يفتعل الخبرة بشؤون الحياة، يتبذل في الكلام والتصرف، يأمر فيطاع! وسنكلير، إذ يقع في حبائله، يخدع والديه ويسرق ويتردى إلى أسفل دركات الخطيئة والضلال وينقاد إلى مغامرات عالم ما تحت الأرض، عالم ما دون الوعي، عالم "الظل" الذي يمثل، بحسب مصطلح يونگ، كل ما نكره في نفوسنا، ونأبى الاعتراف بوجوده فينا، ونخجل من الظهور به أمام الملأ. لكن القلق ينهش سنكلير من الداخل ويتأكله الندم:

[...] لم أكن خائفًا مما قد يحدث غدًا بقدر ما كنت خائفًا من اليقين المرعب من أن طريقي، من الآن فصاعدًا، سيقودني أعمق فأعمق في عالم الظلمة. (ص 21)

هنا يظهر ماكس دميان، رفيق المدرسة الآخر، الغريب الأطوار، ذو القدرات الخارقة، دميان صاحب النظرة الباردة تارة والغامضة طورًا، الذي يبدو حيًّا خارج الزمن أو قادمًا من ماض سحيق:

[...] كان مختلفًا عن الآخرين في كل شيء. لقد كان منسجمًا تمامًا مع نفسه، وله شخصيته الخاصة به التي كانت تجعله مرموقًا على الرغم من أنه كان يبذل جهده لكيلا يكون محط الأنظار. كان له سلوك الأمير وطباعه؛ الأمير المتخفي بين أولاد المزرعة وهو يبذل جهدًا كبيرًا لكي يبدو واحدًا منهم. (ص 31)

يتقرب سنكلير من دميان – دميان البعيد-القريب الذي يصبح لسنكلير صوت "الضمير" أو صوت أعماق النفس التي تجتمع فيها الأضداد وتتصالح المتناقضات. إنه في حياة صديقه أشبه ما يكون بـ"جني" سقراط، أو الصوت الداخلي الذي كان يهمس في أذن الفيلسوف بما يجب أن يُحْجِم عنه، تاركًا له الحرية كاملةً فيما يجب أن يُقْدِم عليه. وهنا تظهر المفارقة جلية بين الابتذال الذي يدعي المعرفة (كرومر) وبين بساطة الحكمة (دميان) التي تأبى الظهور والتبجح ولا تفصح عن نفسها إلا لِمَن يطلبها.

إن المصالحة بين الخير والشر وبين سائر الأضداد في النفس البشرية لا تعني على الإطلاق التراخي الأخلاقي والتأرجح بين الضدين المذكورين، بل إقامة نوع من التوازن الداخلي يُترجَم عمليًّا إلى أخلاق عليا من نوع جديد، أخلاق يفعل من خلالها الإنسان لا طمعًا في ثواب ولا خوفًا من عقاب، بل اختبارًا للمعرفة في صورها كافة. ومنه، لا يرفض دميان وجود جانب مظلم في دخيلة الإنسان، بالإضافة إلى الجانب المضيء، بل يدعو إلى فهم عميق للجانب الأول الذي هو "الظل"، لأن التكامل الداخلي لا يتم من دونه:

علينا أن نعتبر كل شيء مقدسًا، العالم كله، وليس ذلك النصف [المضيء] المفصول بشكل تعسفي [...]. (ص 61)

على الإنسان، إذن، أن يكف عن الخضوع الأعمى للشريعة الخارجية ويبدأ بتحسُّس الشريعة الداخلية المنقوشة في أعماق نفسه:

[...] على كلٍّ منا أن يكتشف بنفسه ما هو مسموح به وما هو ممنوع – ممنوع عليه. إن من الممكن لشخص ما أن لا يتجاوز في حياته كلها قانونًا واحدًا، ومع ذلك يظل سافلاً. [...] والذين هم أكثر كسلاً وتراخيًا من أن يفكروا بأنفسهم وأن يصبحوا قضاة أنفسهم، هؤلاء هم الذين يطيعون القوانين. وهناك آخرون يحسون بقوانينهم الخاصة في داخلهم؛ وهناك أمور يعتبرونها ممنوعة على الرغم من أن أي إنسان شريف يمكن أن يقوم بها [...]، وأشياء أخرى مباحة لهم لكنها في نظرهم محتقَرة. على كل إنسان أن يقف على قدميه. (ص 63)

هكذا أفلح دميان في انتزاع سنكلير من براثن كرومر، وباشر تلقينه مبادئ الخبرة الداخلية التي تقوم على المعرفة والتوازن بين الملَكات والقوى الرابضة في النفس البشرية كافة، ولاسيما التوازن بين الغريزة والعقل. وهذا لا يعني الانسياق للغريزة، لأن سنكلير يحب بياتريس – الصورة التي تمثل الجانب المؤنث من نفسه الذي لا بدَّ من وعيه كمرحلة على طريق تحقيق الذات – حبًّا نقيًّا ينقذه للمرة الثانية من السقوط، على الرغم من غرائزه:

[...] أقمت مذبحي لصورة بياتريس. وبتكريس نفسي لها كنت أكرس نفسي للروح [...]، وبذلك الجزء من الحياة الذي استقيته من قوى الظلام كنت أضحي من أجل قوى النور. ولم يكن هدفي الغبطة بل الطهارة، لم يكن السعادة بل الجمال والروحانية. (ص 78)

وفي فترة الدراسة الجامعية، يتعرف سنكلير إلى عازف أرغن يدعى پستوريوس، يتكلم كما لو كان تلميذ يونگ الذي قطع معه هسِّه شوطًا على طريق معرفة نفسه. تنعقد بينهما أحاديث مطولة، يبين له فيها پستوريوس دور كلٍّ من اللاوعي الفردي، الذي هو خبرته الخاصة، واللاوعي الجمعي الذي ينطوي على تاريخ الحياة برمتها ويعبِّر عن نفسه، في الأساطير والأحلام، على هيئة رموز وتشكيلات مستمدة من الطبيعة، عالمية متكررة في الحضارات والثقافات كافة. إن التحقق برموز هذا اللاوعي الجمعي ومضامينه الحاضرة في أعماق كلٍّ منا هو غاية معرفة النفس؛ وپستوريوس يعلِّم سنكلير التأمل في ذاته الباطنة ليكتشف فيها خبرات الإنسانية والطبيعة والعالم بأسره ويحقق الوعي الذي هو سمة الإنسان:

إن الاستسلام للتشكيلات اللامنطقية الغريبة بتشوُّشها التي تقدمها لنا الطبيعة يولِّد فينا شعورًا من التناغم الداخلي مع القدرة المسئولة عن هذه الظواهر. إننا سرعان ما نسقط ضحايا إغراء التفكير فيها، وكأنها من طبيعتنا نحن، من خلقنا نحن، فنرى الحدود التي تفصلنا عن الطبيعة ترتعش وتتلاشى. [...] ليس هناك مكان مثل [الداخل] نستطيع فيه أن نكتشف [...] إلى أي حدٍّ نحن خلاقون وإلى أي حدٍّ تساهم أرواحنا في عملية الخلق المستمر للعالم، لأن الألوهية المتوحدة ذاتها فعالة فينا وفي الطبيعة. وإذا كان العالم الخارجي سيُدمَّر فإن شخصًا واحدًا مَن سيكون قادرًا على إعادة بنائه. [...] كل شكل طبيعي كامن فينا ولا نستطيع معرفة جوهره؛ لكنه في أغلب الأحيان يعرِّفنا بنفسه على أنه القدرة على الحب والخلق. (ص 99-100)

هكذا يتعلم سنكلير من پستوريوس كيف يقبل الجوانب المظلمة من نفسه ويتعامل معها في احترام ومحبة، وكيف يكف عن إسقاطها على أشخاص في الخارج:

إذا كرهت شخصًا فإنك تكره شيئًا فيه هو جزء منك أنت. (ص 107)

ويجتمع سنكلير ودميان مرة أخرى في الجامعة. وتستقبله كذلك أم دميان التي تريه صورًا لها وهي صبية، فيتعرف فيها إلى المرأة التي كان يتمنى أن يحبها. وتدعو الأم نفسها "فراو إيڤا"، أي "السيدة حواء"، وتمثل في نظر سنكلير مظهرًا من مظاهر "الأم الكونية" (ص 133) التي يبشر الاقتراب منها بالعودة إلى الفطرة الأصلية، ويرمز التحقق بها إلى بلوغ المعرفة والحكمة (صوفيا). إنها التي تؤوِّل له أحلامه، وتكون في الوقت نفسه تجسيدًا حيًّا لهذه الأحلام، وتحكي له القصص التي يستخلص منها العِبَر، وتشحذ إخلاصه ليكون واحدًا من الباحثين عن أنفسهم، أي من "أبناء المعرفة":

نحن، الذين نحمل العلامة، يمكن للعالم أن يعتبرنا بحق "شواذًا"، لا بل ومجانين وحتى خطرين. كنا نعي، أو في طريقنا إلى أن نعي، وكان سعينا موجهًا نحو تحقيق حالة أكثر تكاملاً من الوعي [...]. (ص 134)

ثم يكون الاستنفار للحرب، الحرب التي ستكون "بداية النهاية" وتؤذن بموت عالم قديم وولادة عالم جديد (ص 146). يصاب سنكلير بجرح. وعندما يستقر به المقام في قاعة للجرحى، يرى في جاره على المحفة شخصًا يحمل على جبهته "العلامة"، ثم لا يلبث أن يتعرف فيه إلى دميان الذي يقول له:

اسمع يا صغيري سنكلير: إنني راحل. ربما احتجت إلي ذات يوم مرة أخرى؛ ضد كرومر أو غيره. فإذا ناديتني لن آتي بشكل ملموس، على ظهر جواد أو في قطار. سيكون عليك أن تنصت إلى أعماقك، وعندها ستكتشف أنني في داخلك. هل تفهم؟ (ص 151)

هكذا يستوعب إميل سنكلير أن غاية الحياة هي المعرفة، وغاية حياته هي التحقق بهذه المعرفة. ولا نجد أجمل من هذا المقطع نصًّا نختتم به الحديث عن هذا الكتاب الصغير-الكبير؛ إذ إن فيه خلاصة للرسالة التي أراد الكتاب أن يبلِّغها – صوت العقل والوجدان في عالم تنهار فيه القيم والأخلاق:

لكل إنسان رسالة أصيلة واحدة – هي العثور على طريق نحو نفسه. [...] وظيفته هي أن يكتشف مصيره هو – لا مصير سواه – وأن يعيشه كاملاً مخلصًا لنفسه. أما ما عداه فهو [...] محاولة تملُّص [...] وخوف المرء من داخله. برزت الرؤية الجديدة أمامي، وأومضت مئات المرات. ربما كان عُبِّر عنها من قبل، لكنني أختبرها الآن وأعيشها للمرة الأولى. [...] كانت مهمتي الأولى هي السماح لهذه اللعبة المتعلقة بالأعماق البدائية أن تأخذ مجراها، وأن تمارس إرادتها في داخلي وأن تحولها إلى إرادة لي. إما هذا وإما لاشيء. (ص 119)


* هرمان هيسِّه، دميان: قصة شباب إميل سنكلير، بترجمة ممدوح عدوان، طب 2: دار ورد، دمشق، 2000. (ترقيم صفحات الشواهد بحسب الطبعة الأولى، دار منارات، عمان.)

أغنية الطائر (أنتوني دو ملو) - ديمتري أڤييرينوس

الثلاثاء, كانون الأول 29th, 2009

أغـنـيَّـة الطــائـر

ديمتري أڤييرينوس

يُعَدُّ أنتوني دو مِلُّو، المتوفى في العام 1987 عن عمر يناهز الخامسة والخمسين، واحدًا من "أهل التمكين" في الخبرة الروحية. ومؤلفاته المنشورة بلغات عديدة، ولاسيما كتابه الأشهر سادهانا: طريق إلى الله، باتت تحظى بإقبال متعاظم عليها في العالم بأسره – لا لأنه من القلوب الفسيحة التي استطاعت أن تحطم الحواجز القومية والدينية والمذهبية كافة وتعانق الإنسانية جمعاء وحسب، بل ولأنه عقل عميق الأصالة أيضًا، أفلح في التأليف الباطني بين أغصان شجرة التراث الروحي الإنساني كما لم تفلح فيه غير قلة سواه، وإنْ يكن قد سلك إلى ذلك أبسط الطرق وأقربها إلى القلب والوجدان.

أنتوني دو ملو

جميعنا يحب القصص! وفي هذا الكتاب* يشارك المؤلف قراءه ديوانًا من 124 حكاية استقاها من موروثات روحية متنوعة (روسية، صينية، هندوسية، بوذية، يهودية، مسيحية، إسلامية)، قديمة وحديثة؛ وفي كل قصة منها عِبْرة حياتية فريدة تلقننا حقيقة ساطعة لا مفر منها عن نفسنا وعن عالمنا، وتفصح، على نحو ما، عن وجه من وجوه تعليم دو ملو.

song_of_the_bird

يستعمل أغنية الطائر وسيط القصة العريق – لكن المحبب والفعال دائمًا – لإجلاء حقائق عميقة تضعنا على تماس مباشر مع مصاعب الحياة اليومية وهمومها، بما هي المحك الحقيقي للخبرة الروحية، كما وعلى تماس مع مخزون وعينا الإنساني المشترك. والغاية من ذلك في الحاصل، كما يقول المؤلف، هي تنمية فن تذوُّق العِبْرة من كل قصة على حدة وتصعيد الشعور بها حتى تقودنا إلى تحوُّل داخلي: "اترك [القصة] تخاطب قلبك، لا دماغك"، يشير المؤلف على القارئ، "وهذا قد يجعل منك نوعًا من المتصوف" (ص 14) – علمًا بأن "التصوف" عند دو ملو هو:

فن تذوُّق المعنى الباطن لمثل هذه القصص والشعور به في قلبك إلى حدٍّ يجعلها تحوِّلك. (ص 16)

هناك، بحسب المؤلف، ثلاث طرق لقراءة القصص:

1. اقرأ القصة مرة واحدة. ثم انتقل إلى قصة أخرى. هذه الطريقة في القراءة لن تمنحك إلا التسلية.

2. اقرأ القصة مرتين. تدبَّرْ معانيها. طبِّقْها على حياتك. سيهبك هذا ذائقة لاهوتية[1]. يمكن لمثل هذا الأمر أن يتم على نحو مثمر ضمن مجموعة يتقاسم أفرادُها تدبُّرهم للقصة. بذلك تكون قد تألفتْ حلقة لاهوتية.

3. اقرأ القصة من جديد بعد أن تكون قد تدبَّرتَ معانيها. أحْلِلِ الصمت في دخيلة نفسك ودَع القصة تكشف لك عن عمقها ومعناها الداخليين: شيء يتعدى الكلمات والخواطر. سيهبك هذا وجدانًا صوفيًّا. (ص 13)

فلنورد الآن، على سبيل المثال، إحدى قصص الكتاب:

عثر رجل على بيضة نسر ووضعها في قنِّ الدجاج في فناء البيت الخلفي. فقس الهيثم مع الصيصان وترعرع معهم.

وفعل النسر طوال حياته ما يفعل دجاج الفناء الخلفي، ظنًّا منه أنه دجاجة فناء خلفي. فكان ينبش الأرض بحثًا عن الديدان والحشرات، وكان يقاقي ويقوقئ. وكان من عادته أن يصفق بجناحيه ويطير بضعة أقدام في الهواء.

ومضت السنون، وطعن النسر في السن. وذات يوم رأى طائرًا بديعًا يحلق عاليًا فوقه في السماء الصافية، منسابًا بجلال رشيق بين تيارات الهواء القوية، بضربة واحدة من جناحيه الذهبيين القويين فحسب.

نظر النسر العجوز إلى الأعلى برهبة وسأل: "مَن هذا؟"

أجابته جارته: "ذلك هو النسر، ملك الطيور. إنه ابن السماء. أما نحن – معشر الدجاج – فأبناء الأرض."
وهكذا عاش النسر دجاجة، ومات دجاجة – فذلك ما ظن بنفسه. ("النسر الذهبي"، ص 111)

تنطوي قصة أنتوني دو ملو هذه على مقايسة موجعة للحياة البشرية: هي قصة عنا جميعًا – عني، عنك، عن أي كائن بشري يكدح لكي يصير، على نحو ما، غير ما هو (أو هي) حقًّا؛ إنها قصة عن حال "النسر" في كل واحد (أو واحدة) منا، وعن الكيفية التي يحيا بها الكثيرون منا معظم العمر، إنْ لم يكن كله، وهم يظنون أنهم "دجاج"!

ولكنْ لا يخطرنَّ في بال القراء أن المؤلف يُكِنُّ للدجاج عداءً من أي نوع! فمن الخير للدجاجة – وللخلق أجمعين – أن تكون خير دجاجة بمستطاعها أن تكونها، مثلما أن من الخير للنسر، بالمقدار نفسه، أن يكون خير نسر بمستطاعه أن يكونه. تقع المصيبة عندما يحاول النسر أن يصير دجاجة أو تدعي الدجاجة أنها نسر! لكن شأن الكثيرين منا، في ملعب الدراما البشرية، كشأن النسر في القصة: نتجاهل الشوق الهاجع فينا إلى التحليق، وننصاع لمعتقدات "ثقافة الدجاج"، بكل قيودها وإشراطاتها.

sb_1

الكتاب برمته كتاب عن إعادة اكتشاف "النسر" الكامن في كل منا: قدرتنا الإنسانية الفريدة على التحول الداخلي، أو التفتح الخلاق على الكل، الذي بوسع كلٍّ منا أن ينهض له ويختبره. فكل منا "مصمَّم" منذ الولادة، إذا جاز التعبير، لاجتراح إبداع يختص به، تمامًا على نحو ما هو مقدَّر للنسر أن "ينساب بجلال في السماء الصافية"، وفقًا لعبارة دو ملو. وإننا لنبصر فينا، بين الحين والحين، لمحات عن هذا "النسر" – في تلك الهنيهات المباركة من حياتنا، المترعة بالمعنى، كلما اكتشفنا شيئًا جديدًا، أو أبصرنا الخارق في العادي المألوف[2]، أو تَواصَلْنا عمقيًّا مع إنسان آخر أو مع الطبيعة، أو كرَّسنا موهبتنا ووقتنا لأمر جوهري نحبُّه. إن تلك الأوقات التي نتقاسم فيها والآخرين فرادتَنا، على نحو لا يستطيعه أحد سوانا، هي أوقات "نسرية"، لحظات نادرة، نحيا فيها وفقًا لما نحن إياه حقًّا، وليس بحسب ما نتوهم، أو يوهمنا "الخبراء"، أنه يُفترَض فينا أن نكون:

عاد رجل ميت إلى الحياة فجأة وبدأ يقرع غطاء التابوت بشدة.

رُفع الغطاءُ وانتصب الرجل واقفًا وقال للحشد المتجمع: "ماذا تفعلون؟! أنا لست ميتًا!"

قوبلت كلماتُه بإنكار صامت. أخيرًا قال أحد المشيِّعين: "يا صاح، صدَّق الأطباء والكهنة جميعًا أنك ميت. فأنت ميت قطعًا."

ودُفن الرجلُ على ما ينبغي. ("الخبراء"، ص 67)

وكتاب دو ملو كتاب عن "الدجاج" أيضًا! – كتاب عن قناع الشخصية الكاذب الذي يحجب هويتنا وإبداعنا الحقيقيين؛ كتاب عن الألاعيب التي نتلهى بها لننخرط في حياة المجتمع ونكون "مقبولين" فيه طلبًا للنجاح الدنيوي؛ كتاب عن المقاييس المجتمعية التي نقبلها عن غير تروٍّ أو تفكُّر، فنجيز لها أن تملي علينا آراءنا وخياراتنا وتصرفاتنا تبعًا لما هو "شعبي"، "مرغوب"، "واقعي". أغنية الطائر كتاب عن الصورة التي نشكِّلها عن ذاتنا، ونحرص عليها كي ننال إعجاب الآخرين، فيعترفوا بنا بوصفنا مهمِّين وذوي شأن. إنه، أيضًا، كتاب عن كيفية قيامنا – آباء ومعلِّمين، زعماء سياسيين ومرشدين روحيين – بـ"ترويض" أنفسنا والآخرين على الانصياع للتدجين. إنه، أيضًا وأيضًا، كتاب عن بلبلتنا الداخلية وعن كيف – ونحن نحسَب أننا ننتوي الخير – لا ننتج إلا الضعة والصَّغار، وذلك بترهيب الآخرين أو ترغيبهم ليذعنوا للدخول في قالب موحَّد المقاييس، مسبق التصميم ومسبق التغليف، خدمةً للتسويف أو للمراوحة في المكان:

صار [الملا] نصر الدين كبير وزراء السلطان. وذات يوم، فيما كان يتجول في أنحاء القصر، رأى صقرًا ملكيًّا.

لم يكن نصر الدين قد رأى قط من قبل حمامة من هذا النوع. وهكذا تناول مقصًّا وقلَّم مخالب الصقر وجناحيه ومنقاره.

"الآن تبدو طائرًا مهذبًا"، قال. "لا بدَّ أن سيدك كان يهملك." ("الحمامة الملكية"، ص 25)

هذا الكتاب يحكي، قبل كل شيء، عن السيرورة التي تنطلق فينا منذ الطفولة والتي نقتنع من خلالها بالتدريج بأننا "حمام" ولسنا "صقورًا". ففيه وصف دقيق للعملية التي، على مرِّ الوقت، تروِّض الحياة البشرية على الاتِّباع، لا على الإبداع، على لبس قناع الشخصية، لا على الكينونة فردًا متكاملاً غير منقسم على نفسه. فعبر هذه السيرورة القاتلة، نقايض بذاتنا الأصيلة الخلاقة "شخصية" عادية متعارَفًا عليها؛ نبتني ونتعهد بالصيانة أقفاصًا أو قيودًا (عادات) تحُول دون الذات الخلاقة والطيران المحلِّق – لا لشيء إلا لنبقى آمنين، ندب على الأرض، نرخم على بيضنا، نقوقئ، ونصفق بجناحينا، كأي دجاجة فناء خلفي!

هذه السيرورة غالبًا ما تجعلنا متمركزين على نفسنا، غارقين في التفاهة واللاجدوى والعدمية – مع علمنا جيدًا أن الرهان عليها وعلى استمرارها يقودنا حتمًا إلى إنهاك متفاقم، وحتى إلى علل متنوعة تتفشى في أبداننا، فنرى علاقاتنا تسوء، ويتناقص مردود عملنا، ويتراجع رضانا عن نفسنا وعن الحياة إجمالاً، من غير أن نحرك ساكنًا – باختصار: تموت "أغنية الطائر" في قلبنا ولا نعرف الحب! وهذه العواقب تظهر لا محالة لأن حياة المرء حياةً "داجنة" ليست في واقع الأمر إلا كذبة فادحة، في حين أنه مصمَّم أصلاً ليكون "نسرًا": كذبة نمعن في تصديقها كلما أصررنا على البرهنة لنفسنا وللآخرين على أننا أذكياء، قادرين، جميلين، جديرين. هي حياة كاذبة لأنها تتنكر للفطرة "النسرية" فينا: قدرتنا على الإبداع واعين وبذل نفسنا بلا حدود في حبٍّ حقيقي خالص.

قد يبدو هذا الكتاب، في نظر بعض القراء، كتابًا في علم النفس – مع أنه لا يورد أي فنون علاجية نفسانية؛ قد توحي فصوله أو "فواصله" القليلة الأولى بأنه مرشد في تربية الطفل – وهو كذلك من بعض الوجوه؛ بينما قد توحي الفواصل اللاحقة بأنها مخصصة لكيفية إتقان العمل والنشاط المادي الخارجي – مع أنها لا تنحصر في هذا المضمار. هذا الكتاب، ببساطة، عن هذه الأمور كلها، وعن غيرها كثير. هو كتاب عن أناس من مختلف مشارب الحياة وعن حيرتهم أمام معضلتها؛ كتاب يروي لنا قصصًا عن كدح الإنسان وشقائه تنطبق على الناس قاطبة، بصرف النظر عن الجنس والمعتقد والثقافة والمكانة الاجتماعية والاقتصادية أو مجال الخبرة.

وهو قطعًا ليس كتابًا وُضع بغرض "الترويح عن النفس" بالمعنى المبتذل أو الرخيص، بل للحض، المتكرر في ثنايا القصص جميعًا، على أخذ حياتنا ومسؤوليتنا عنها على محمل الجد. ففيها وصف حي للفاجعة الدائرة كل يوم، بدرجات متفاوتة، في حياة كلٍّ منا – دراما الألاعيب التي لا نفتأ نبتكرها لخداع نفسنا والحيلولة بيننا وبين مواجهة مخاوفنا ورؤية ما نحن إياه حقًّا.

لكن هذه الدراما، نظرًا لكل ما تتيح، في المقابل، من فُرَص للنضج البدني والعاطفي والعقلي والروحي، دعوة للقارئ أيضًا إلى رصد دائم لنفسه عن كثب: "حياة لا يُفحَص عنها لا تستحق أن تُعاش"، كما كان يردد سقراط الحكيم. إن الكشوف الكبرى في عالم الذات، كما تشهد لها غالبية "الراشدين" فينا، لا تتحصل لنا إلا عبر وجع مخاض مستمر، و"الراحة" الدائمة عقبة كأداء في سبيل حياة إنسانية ناضجة. حقًّا إن مَن لم يختبر "جحيمه" الشخصي لم يحيَ بحق.

sb_2

لكن مكابدة كرب الجحيم طوال الوقت، من ناحية أخرى، ليست من قبيل الحياة التامة – وهذا من الأسباب التي حَدَتْ الكاتب على تأليف كتابه هذا. فالعديد من الناس ما انفكوا يكابدون المرارة والشك والضياع، حتى عندما "يتوفر لهم كل شيء" بالمعنى الدارج، حتى عندما يعيشون تبعًا لمتطلبات الحياة الاجتماعية (أو "التجمعية" بالأصح، كما يعبِّر أستاذنا ندره اليازجي) ليحصدوا النجاح الدنيوي البراق. والكاتب، إذ وصف من خلال قصصه تفاصيل السيرورة التي تقود إلى الخواء الداخلي، كما اختبرها بنفسه، فقد فعل ذلك اعتقادًا منه بأن الخلاص من هذا الخواء يبدأ بمعرفة النفس كما هي، لا من خلال الصورة الموهومة الزائفة عنها. يذكِّرنا هذا بحوارية قصيرة من فيلم لقاءات مع رجال أفذاذ (1979) للمخرج پيتر بروك، المقتبَس عن السيرة الذاتية للمعلم ج. إ. گورجييف، جاء فيها:

گورجييف: أريد أن أتعلم… أريد أن أفهم.

الأمير لوبوڤدسكي: حذار… ماذا تعني بالتعلم؟ إذا كنتَ تعني به اختزان التجارب والمعتقدات، فهذا سوف يكبلك ويحول بينك وبين المعرفة. المعرفة مباشرة. فلا يجوز لك أن تسمح لخاطر واحد حتى أن يتوضع بينك وبين ما تعرف. إذ ذاك ترى نفسك كما أنت، وليس كما تود أن تكون.

ترانا نستهل "قصتنا" في سني طفولتنا، ونمضي بها حتى شبابنا، فرُشدنا، وصولاً إلى شيخوختنا. وهذه الفسحة التطورية برمتها مغطاة في الكتاب، لا لتقديم نظريات في نموِّ الطفل أو نصائح للوالدين، على طريقة الدكتور سپوك ذائع الصيت، بل بالأحرى لتوضيح كيفية بدء سيرورة التحقُّق والتجذُّر في الحياة الإنسانية الحقيقية.

sb_3

لا بدَّ للقارئ من أن يتعرف إلى أناس من معارفه وهو يقرأ صفحات أغنية الطائر؛ لكنه سيتعرف قطعًا إلى نفسه هو في كل قصة من قصصه: "كل واحدة من هذه القصص إنما هي عنك، لا عن أحد سواك"، يقول دو ملو (ص 15). وكلما تعرَّف القارئ إلى نفسه في ما يقرأ، فليضحك على نفسه، وليضحك معنا جميعًا على ما يجترح من حماقات! وبالمضي قُدُمًا نحو فهم أعمق لمنطويات أفكارنا ومشاعرنا وردود أفعالنا وتصرفاتنا، وفي صيرورتنا قادرين على رؤية ما يكبح سيرنا ويحُول بيننا وبين ما نحن إياه حقًّا، يمكن لنا أن نشرع في إحباط مؤامرة التدجين والإفلات من حبائلها القاتلة.

هذا الكتاب، في جوهره، كتاب عن الأمل – ذاك الأمل الذي يحدوك وغيرَك من القراء على التحديق في وجه المخاوف التي تكبلك، ويمكِّنك من المطالبة باستحقاقك لمنزلتك كإنسان، ومن اختبار بهجة الطيران الحر من جديد.

sb_4

وهذا الكتاب، يزين صفحاته عدد من الرسوم اللطيفة بالحبر الصيني، كتاب يُضَنُّ به، ويشارَك في محتواه، ويؤتى عليه عن آخره مرات عديدة، لأنه رفيق مؤنس على طريق التفتح الروحي.

كان التلميذ دائم التشكِّي لمعلِّمه: "إنك تحجب عني سر الزنْ الأعظم." وما كان ليقبل نفي المعلم.

ذات يوم، بينما كانا سائرين على التلال، سمعا طائرًا يغني.

"هل سمعت ذلك الطائر يغني؟" قال المعلم.

"نعم"، قال التلميذ.

"طيب. فأنت تعلم الآن أني لم أحجب عنك شيئًا."

"نعم." ("هل سمعت ذلك الطائر يغني؟"، ص 32-33)


* أنتوني دو ملو، أغنية الطائر، بترجمة أديب الخوري، سلسلة "الحكمة" 3، دمشق، 2000، 190 ص.

[1] "اللاهوت"، بحسب تعريف دو ملو غير الاتباعي، هو: "فن رواية القصص عن الألوهة. وهو فن الاستماع إليها أيضًا" (ص 16).

[2] "ليس المهم أن يحيا المرء أمورًا خارقة، بل أن يحيا الأمور العادية بشكل خارق" – هذا ما نصح لنا به ذات يوم صديقنا المرحوم رونيه فواريه.

البحث عن التاريخ والمعنى في الدين (ميرتشيا إلياده) - أحمد تموز

الخميس, أيلول 17th, 2009

البحث عن التاريخ والمعنى

في الدين

فينومينولوجيا الظاهرة الدينية بحسب ميرتشيا إليادِه

أحمد تموز*

صدر عن "المنظمة العربية للترجمة" – التي لم يعوِّدنا الطاهر لبيب، مديرها العام، إلا على ترجمات ممتازة لكتب ممتازة من التراث الفكري العالمي، الكلاسيكي والمعاصر، – كتابُ ميرتشيا إليادِه البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، بترجمة وتقديم سعود المولى[1].

histoire_sens_religion

وميرتشيا إليادِه (1907-1986) هو عالم أديان روماني عصامي كبير، ابتدأ روائيًّا[2]، ثم عزف عن كتابة الرواية لينصرف بكليته إلى دراسة الظاهرة الدينية، في بُعديها الجمعي والفردي، فصرف مدة في الهند دارسًا طُرُق اليوگا عن كثب[3]، ثم غادر فرنسا (التي حصل على جنسيتها وطور فيها نظرياته وتمكن من منهجيته البحثية) إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، باحثًا وأستاذًا في جامعة شيكاگو، حيث قدَّم إسهاماته الحاسمة في تطور علوم الأديان وتاريخها. وقد دعا إليادِه، عبر مؤلفاته الكثيرة، إلى "مذهب إنساني جديد" وإلى "نهضة جديدة" في تاريخ الأديان تأخذ في الحسبان ثقافة الإنسان الشاملة التي هي ثقافة الإنسان العالمي.

ويرى المترجم أنه بقدر ما كانت ممتعة ومثيرة، علميًّا وثقافيًّا، ترجمةُ هذا الكتاب فهي ممتعة ومثيرة، علميًّا وثقافيًّا، قراءتُه وكذلك النقاشُ معه وحوله. فنصوص إليادِه هي مما يغري بهذا وتلك، وهي من "السهل الممتنع" الذي يتطلب جهدًا وتدقيقًا وتركيزًا؛ إذ يقدم فيها المؤلف مادة غزيرة تفتح شهية القارئ المهتم للظاهرة الدينية، بل ونَهَمه أيضًا. وعلى الباحث والمهتم كليهما ركوب مركب البحث والتقصي طلبًا للاستزادة والتعمق إن أمكن. فالقراءة هنا، كما الترجمة، هي كدح وجهد. ذلك أن متابعة أفكار إليادِه ونظرياته وموضوعاته ودراساته الكثيرة والغنية تستوجب إحاطة موسوعية بالأديان – حاضرها وغابرها – وتستلزم معرفة صحيحة بمحاولات الدراسات المقارنة في تاريخ الأديان وفروعها وفي الفلسفات والمذاهب، كما وفي الفينومينولوجيا والأنثروپولوجيا وعلم النفس وفقه اللغة. وهذه المعرفة هي مما سوف يسعى إلى اكتسابه قارئ هذا الكتاب إذا ما استجاب لدعوة المؤلف إياه إلى عدم التوقف عند أفكاره وإلى استكمال البحث والكدح لتحصيل المزيد من المعرفة والفهم.

ميرتشيا إليادِه

لقد ترجم مترجمون (سوريون) عدة لميرتشيا إليادِه[4]، حتى "صار اسمُه علمًا في بلادنا"، كما يقول المترجم، يستشهد به علماء الاجتماع والأنثروپولوجيون؛ إلا أنه لم يصل بعدُ إلى فئة الطلاب والدارسين والمتعلمين من العصاميين الذين كان إليادِه أنموذجًا فذًّا لهم في حياته وأعماله التي تركها لنا. لذا يحاول المترجم إيصال "رسالة" إليادِه إلى مَن يهمه أمر الأديان في العالم العربي اليوم من خلال تقديمه للكتاب، متبعًا في ذلك أساليب القدماء (من نحو عبد الرحمن بدوي) في التقديم والتصدير، حيث يبدأ بالتعريف بالكاتب وأعماله، ثم يعرض لعلوم الأديان المقارنة ومنزلة ميرتشيا إليادِه منها، متناولاً أهم ما جاء به من أفكار وثيمات في علم الأديان وتاريخها، لكي ينتهي بكلمة حول هذه الترجمة والترجمات التي نُشِرتْ له حتى الآن.

أما المقارنات التي يعقدها د. المولى والاستنتاجات والإسقاطات التي يسوقها حول الإسلام والمسيحية في شرقنا العربي فهي، في رأينا، مما لا يحتمله تصدير كتاب مترجَم، بل يفضَّل أن يكون بحثًا مفردًا مستقلاً يتحمل صاحبه المسؤولية عنه فيما يرتئيه في دراسته الشخصية للأديان الحية.

يستعمل إليادِه مصطلح "تاريخ الأديان المقارن" للتعريف بفرعه المعرفي الجديد وبمنهجيته في العمل؛ وهو تعريف يشمل الميدان الذي كان يغطيه ما كان يُعرف بالألمانية باسم "الدراسة الشاملة للعلم العام بالأديان" أو ما بات يُعرَف اليوم، بحسب الجامعات، بـ"الدراسة العامة للأديان" أو "علم الأديان" أو "تاريخ الأديان" وما إلى ذلك. وقد وقف الكثيرون من مؤرخي الأديان موقفًا معارضًا مما يُسمَّى "التاريخ المقارن للأديان"، معتبرين أنه ليس "تأريخًا" historiography بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ينتمي إلى مجال اللاهوت والفلسفة أكثر منه إلى العلم الصحيح. أما إليادِه فقد استنكر من جانبه ما أسماه بـ"الاختزالية التاريخاوية" historicist reductionism لدى المؤرخين الذين ينكرون على الظواهر الدينية معناها وغاياتها الأصلية ومقاصدها. وقد اعتبر إليادِه أن "تاريخ الأديان"، بالمعنى العلمي المعاصر، ابتدأ مع العالم الألماني ماكس موللر الذي كانت له الريادة في هذا الحقل، خصوصًا أنه كان أول مَن شدَّد على ضرورة أن يكون الفرع المعرفي الجديد وصفيًّا وموضوعيًّا وعلميًّا ومجردًا من أي اعتبار معياري أو قيمي ذي صلة بلاهوت الأديان وفلسفتها.

من جهة أخرى، اهتم إليادِه بزاوية النظر الجديدة التي قدَّمها "علم نفس الأعماق" depth psychology لفهم الظاهرة الدينية. وقد قارن في مؤلَّفه بين إسهامات كلٍّ من فرويد (التحليل النفسي) ويونگ (علم النفس التحليلي) في فهم الدين، مفضلاً الثاني ومعتبرًا الأول "شخصية انتقالية" لا يزال فكرُها عالقًا بالقرن التاسع عشر، بكل ما به وله من منهجيات ونزعات وضعية positivist وعلموية scientistic وعقلانية rationalistic مفرطة وإسقاطات سلبية حول تطور الأديان، ومن اختزالية reductionism تقدِّم في تفسير الرمزية الدينية تفسيرات بدائية وسطحية (جنسية بحتة في حالة فرويد).

ميرتشيا إلياده في حديث مع كارل يونگ في أثناء أحد لقاءات إيرانوس السنوية التي كانت تجمع خيرة العلماء للتباحث في الظاهرة الدينية

ينطلق إليادِه، كغيره من مؤرخي الأديان، من مبدأ ينظر إلى الدين باعتباره يقوم على افتراض وجود تجربة دينية أو "اختبار روحي" يخوضه ويعيشه "الإنسان الديني" Homo religiosus. وسواء كانت التجربة اختبارًا للمقدس/الحرام أم للقوة القاهرة العلية القادرة، فإنها تشكل القوام الذي تتكون منه كل ظاهرة دينية. وبحسب تعبير إليادِه، فإن أفضل أنواع الامتياز والفخر التي ينالها مؤرخ الأديان هو بالضبط الجهد الذي يبذله في فك شيفرة لغز واقعة دينية مشروطة بلحظتها التاريخية وبالنمط الثقافي المميِّز لعصرها وفي فهم الوضع الوجودي الذي جعلها ممكنة الوقوع.

ولقد دافع إليادِه عن النظرية القائلة بأن الفكر الديني يرتكز عمومًا على ذلك التمييز القاطع بين "مقدس/حرام" sacred وبين "دنيوي/دهري" profane. ذلك أن المقدس عنده هو تجلِّي الإله، الذي هو مناط الحقيقة والقيمة والمعنى، في حين أن الأشياء الأخرى كلها لا تكون حقيقية أو ذات قيمة إلا من خلال مشاركتها "في" المقدس أو "معه". بذا يتمحور فهم إليادِه للدين حول مفهومه عن "تجلِّي المقدس" وظهوراته الكشفية التي يرى أنها هي التي تضفي على العالم الدنيوي قصدًا ومعنًى ومبنًى (بنية)، وذلك بإقامتها لـ"نظام مقدس" sacred order ينتظم نشاطات الحياة الإنسانية كافة.

ويشير المترجم إلى أن من الثيمات التي تتكرر عند إليادِه في دراسته للأسطورة مقولة "محور العالم" axis mundi أو "المركز الكوني" cosmic center؛ وهي مقولة ملازمة بالضرورة للتقسيم إلى مقدس ودنيوي. فالمقدس يتصف بالقيمة كلها، ولا يتوصل العالم إلى أن يكون ذا معنى وقصد إلا من خلال اختبار تجليات المقدس أو ظهوراته الكشفية، الجمعية والفردية. غير أن "الإله الأكبر" المحتجب، فيما يتعدى هذه التجليات والظهورات، هو ثيمة أساسية عنده أيضًا[5].

ويقول المترجم إنه حاول في هذه الترجمة أن يستفيد من تراث علم الأديان المقارن وتاريخ الأديان وظاهراته، كما تبلور على يد إليادِه، دون أن يغفل ما له علاقة بالتراث الإسلامي، أكان لجهة دقة المصطلح والتعبير وانطباقه على ما هو مألوف في ثقافتنا أم لجهة إعادة فتح الباب أمام تطوير علم الأديان المقارن الذي كان قد استهله العلماء المسلمون الأوائل، من أمثال الشهرستاني في كتابه الشهير الملل والنحل. وقد استفاد أيضًا من أعمال وكتابات زملاء له كانوا سباقين إلى مقاربات عربية مستقلة ونقدية.

من أعمال إليادِه أيضًا، بالإضافة إلى عمله الشامل تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية (في ثلاثة مجلدات)، المترجَم ترجمة رديئة إلى العربية، دراسته المرجعية البديعة عن الشمنية وتقنيات الوجد الصوفي القديمة (1951)، وكذلك دراسته عن الأساطير والأحلام والأسرار (1957)، اللتين نأمل أن يترجمهما د. المولى قريبًا. أما آخر أعماله فهو إشرافه على تحرير موسوعة الدين الضخمة الصادرة عن جامعة شيكاگو، فضلاً عن قاموس الأديان (1990)، وهو درة صغيرة وضعها بالاشتراك مع تلميذه المرموق يُوان پ. كوليانو ونُشِرتْ بعد وفاته.



* كاتب سوري مهتم بفلسفة الدين والتصوف؛ يكتب في مجلة معابر: www.maaber.org.

[1] ميرتشيا إليادِه، البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، بترجمة وتقديم سعود المولى، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007، 410 ص.

[2] رواياته ثلاث: الليلة البنگالية – مايتريي (1933)، الهوليگان (1935)، منتصف الليل في سرامپور (1939).

[3] نشر إليادِه حصيلة بحثه أولاً في كتابين: اليوگا: مقالة في أصول التصوف الهندي (1936) وتقنيات اليوگا (1948)، جمع بينهما لاحقًا في كتاب شامل صار مرجعًا للباحثين في الموضوع: اليوگا: خلود وحرية (1954).

[4] أول مَن اهتم لنقل ميرتشيا إليادِه إلى العربية هو الأستاذ نهاد خياطة: أسطورة العود الأبدي (1949)، دار طلاس، دمشق، طب 1: 1987؛ المقدس والدنيوي: رمزية الطقس والأسطورة (1956)، دار العربي، دمشق، طب 1: 1987؛ مظاهر الأسطورة (1963)، دار كنعان، دمشق، طب 1: 1991.

[5] من الثيمات الأساسية الأخرى في فكر إليادِه ثيمة "الزمن البدئي" الذي تهدف الأساطير والشعائر إلى "تحيينه" actualize في الزمن التاريخي. ستكون لنا عودة إلى الموضوع في قراءة مستقلة لكتابيه أسطورة العود الأبدي والمقدس والدنيوي.

الرحمن والشيطان (فراس السواح) - ديمتري أڤييرينوس

الخميس, تموز 16th, 2009

الرحمن والشيطان

الثنوية الكونية ولاهوت التاريخ في الديانات المشرقية

ديمتري أڤييرينوس

"يا عبدُ، إذا رأيتَني في الضدين رؤية
واحدة فقد اصطفيتُك لنفسي."
[1]
محمد بن عبد الجبار النِّفَّري

التوفر على دراسة مؤلفات فراس السواح – الأستاذ والصديق العزيز – عملية محفوفة بالمتعة وبشيء كثير من المشقة: بالمتعة، لأن الإبحار في عوالم الأديان والأساطير إبحار في عالم النفس الرحب اللامتناهي – إذ إن الدافع الديني، كما برهن فراس السواح بكل تماسُك في كتابه القيم دين الإنسان[2]، دافع أصيل في النفس الإنسانية التي تتمخض عن الأساطير والشعائر والعقائد، دافع لا يقل أصالة عن الجوع والعطش وسائر الدوافع الطبيعية، بل يفوقها بعد بلوغ مرحلة معينة من النضج الداخلي؛ وبالمشقة، لأن السواح لا يهوِّن على القارئ مهمته، بل إنه، باعتماده المقترَب الفينومينولوجي الذي يتوخى الموضوعية والحياد الإيجابي وينأى، قدر المستطاع، عن أحكام القيمة، يتخذ موقعًا أبعد ما يكون عن تقديم "وجبات فكرية" جاهزة للقارئ، بل يترك له حرية التفكر والاستنتاج ويتوقع منه أن يعيد إبداع المادة الفكرية في عقله ونفسه ليخرج من قراءته إنسانًا أغنى وأنضج.

* * *

البحث في الثنوية الكونية بحث مثلث: بحث في الخبرة الدينية بعامة، كانعكاس لعلاقة الإنسان الجوهرية مع الوجود – أولاً؛ وبحث في فهم الإنسان للدينامية المحرِّكة للتاريخ – ثانيًا؛ وبحث في أصل الخير والشر في النفس البشرية وفي كيفية تعامُل الإنسان مع جدلية الجبرية والتقدير المسبق، من جانب، والقدرية الحرة وطلب الكمال، من جانب آخر – ثالثًا. تلكم هي مدارات بحث فراس السواح في كتابه الأنيق الرحمن والشيطان[3]. والثنوية الكونية، كما يعرِّف بها المؤلف، هي

[...] المعتقد الذي يقول بقيام مبدأين أو أصلين متناقضين وراء مظاهر الوجود وصيرورة الزمن والتاريخ. [...] شيمتهما الصراع من أجل أن يلغي أحدُهما الآخر. وصراعهما يدفع عجلة الزمن وتاريخ العالم [...]. (ص 11)

ونجد في تضاعيف الكتاب استعراضًا لنماذج مختلفة من هذه الثنوية: فهناك الثنوية الكوسمولوجية، أو الكونية بحصر المعنى، وهي عبارة عن الاعتقاد بأن العالم محكوم بعلَّتين أصليتين، تتشاركان الهيمنة على العالم أو تتناوبان عليها (ثنوية "أفقية")؛ والثنوية الميتافيزيقية أو الإلهية التي تقول بوجود حقٍّ يتعالى عن الخلق (ثنوية "شاقولية")؛ والثنوية الأنثروپولوجية التي تعلل الأفعال البشرية إما بثنائية النفس والجسد وإما بوجود مبدأين أصليين يتصارعان في النفس البشرية (العقل والأهواء)، يترجَمان في سياق الحياة البشرية إلى حرية وجبرية (التخيير والتسيير)؛ والثنوية الأخلاقية التي تجعل طاعة القانون الإلهي أو الغيرية الأخلاقية على النقيض من المعصية أو الأنانية[4].

merciful_satan

ومن البديهي أن هذه الثنويات على علاقة، معقدة أحيانًا، بعضها ببعض: فالثنوية الأنثروپولوجية التي تضع النفس في مقابل الجسد هي، في الآن نفسه، ثنوية ميتافيزيقية تضع الحق في مقابل الخلق؛ ولها نتائج كوسمولوجية أيضًا: إذ إن التمييز بين مبدأين في النفس يُخلَعُ على الكون في تصور مبدأين إلهيين للخير والشر، ليعاد امتصاصُه في النفس من بعدُ، فينعكس أخلاقًا تنصاع لواحد من هذين المبدأين (ثنوية أخلاقية).

* * *

ينهض فراس السواح في الفصل الأول – مفتاح الكتاب – لتصنيف مُحْكم لأنماط الثنوية الكوسمولوجية إلى ثلاثة: مطلقة (مثالها المانوية)، وجذرية (الزرادشتية)، ومعتدلة (الغنوصية). وهو يَسِمُ المعتقدين الإسلامي والمسيحي بـ"الثنوية الأخلاقية"، حيث لا يطال سلطان الشيطان إلا نفس الإنسان وحدها (ص 12)؛ كما يعرِّج لمامًا على مفهوم القطبية الكوسمولوجية، كما تمثِّل له العقيدة التاوية الصينية، حيث لا صراع بين حدَّي الثنوية (ينْ/يَنْگ)، ولا دلالة "أخلاقية" لهما، ولا امتياز لأحدهما على الآخر، بل تداخُل بينهما وتكامُل وتعاضُد، بما يشبه قطبَي المغناطيس (ص 13).

* * *

في فصل "المفهوم الديني للتاريخ" (الفصل الثاني) يرى السواح أن

[...] معنى تاريخ الكون والإنسان [دينيًّا] يكمن خارج هذا التاريخ، لا في جدليته الداخلية الخاصة، لأن هذا التاريخ تسيِّره قدرة عُلوية توجِّهه وفق غايات خبيئة على الأفهام آنًا وبادية لها آنًا آخر. (ص 17)

وهو يميِّز في تاريخ الدين بين ثلاثة أشكال اعتقادية رئيسية، وهي: المعتقد الربوبي، أو التعالي الإلهي، الذي أساسه الفصل التام بين الإله وخلقه والذي يفضي إلى مفهوم مفتوح للتاريخ – ونموذجه ديانات بلاد الرافدين، حيث يفتقر معنى التاريخ إلى مفهوم واضح عن العدالة الإلهية وعن دور الإنسان في خطة الخلاص (ص 23-37)؛ والمعتقد الحلولي، أو التوحيدي الوجودي، الذي "يذيب الفوارق" بين الإله والإنسان من خلال "لامركزية" الألوهة، بكل ما ينجم عنه من تقديم للمعرفة الباطنية على العبادة وشعائرها – ويتخذ السواح مثالاً عليه الهندوسية التي يسير التاريخ، وفقًا لها، في حركة دورية مقايسة لدورات أو "حيوات" الذات الإنسانية الفردية (آتمن) في انعتاقها المتدرج من المركزية واتحادها أخيرًا بالمطلق (برهمن) (ص 37-51)؛ والمعتقد الألوهي، الذي يمثل حلاً وسطًا بين المعتقدين السابقين – ويمثِّل له بالزرادشتية التي يظهر فيها مفهوم دينامي للتاريخ يكون فيه للأخلاق والحرية والمسؤولية الإنسانية دور حاسم في تعيُّن الوجود وصيرورة الكون (ص 51-54).

* * *

ربما كان من الممكن تقصِّي بذور الثنوية في الديانة المصرية القديمة (الفصل الثالث). فللإله رع في الديانة المصرية الشمسية، حيث الشمس مبدأ الحياة والحق، خصم مبين هو الثعبان الضخم أپوفيس الذي يمثِّل لمبدأ الظلمة. وفي أسطورة أوزيريس (ص 70-72)، يقوم إله الشر سِتْ بقتل أوزيريس ويكيد لكلٍّ من زوجه إيزيس وولدهما حورس ("الصقر"). غير أن بعض قدماء المصريين اعتبر رع (أو أي إله خيِّر عمومًا) بمثابة الإله الخالق الكوني، فيما اعتبر بعضهم الآخر سِتْ إلهًا عظيمًا لا يخلو من الخير من بعض الجوانب، فأقام له دور العبادة (ص 75). مهما يكن من أمر، فقد كان سِتْ أخا أوزيريس الشقيق، الأمر الذي يشير، ميثولوجيًّا، إلى وحدة أصلية انبثق عنها كلاهما.

بالمثل، تحفل أساطير الشرق القديم بمشاهد الصراع بين الآلهة، من ناحية، وبين المردة أو الوحوش أو الشياطين، من ناحية ثانية. فالميثولوجيا البابلية، على سبيل المثال، تصف الصراع الذي دار بين مردوخ وتعامة (ثنائية كون/عَماء)؛ ومَشاهد تلك الدراما الكونية كافة تشي بنوع من الثنوية، غير أنها ليست متبلورة تمامًا بعدُ، حيث القوى المتناوئة ينبثق بعضُها من بعض أو تربط فيما بينها صلة نَسَب، الأمر الذي يشير إلى صدورها جميعًا عن أصل واحد.

زبدة القول إن هذه الديانات القديمة، وإنْ كانت قد بلورت شكلاً من أشكال الثنوية، تمثَّل عمليًّا في الإعلاء من شأن الأخلاق الفردية في تعيين مصير الفرد والحساب الذي يلقاه في الآخرة، إلا أنها لم تصل به إلى نهاياته المنطقية: ثنوية جذرية وثنوية أخلاقية تامة (ص 75-76).

* * *

تختلف الثنوية الزرادشتية عن بقية التيارات السابقة بطابعها المنهجي الذي يتلازم فيه مفهوما الوحدانية والثنوية (ص 82). وفي هذه الديانة الراقية نشهد "ميلاد الشيطان" (الفصل الرابع): ففيها يدور كل ما هو خيِّر حول الإله الأعظم أهورا مزدا (أورمَزد)، مبدأ الحق، بينما يدور كل ما هو شرير حول أهرا منيو (أهريمن)، قوة الباطل؛ وفيها نرى قوى الخير وقوى الشر تصطف متقابلةً في تناظُر يكاد أن يكون تامًّا. والروح الخيِّر والروح الشرير كلاهما أصلي في الخلق، ولا يحقق "كسر التناظر" إلا اليقين بأن أورمَزد هو الأقوى وبأن أهريمن سوف يُهزَم في مآل تاريخ الكون والإنسان.

غير أن هذه الصورة هي التي يمكن استظهارها بالاستناد إلى أدبيات الأڤستا، المتأخرة نسبيًّا؛ أما أناشيد الگاتها، أقدم النصوص الزرادشتية التي وصلتنا، فالصورة فيها ليست على هذا القدر من الوضوح: التناظر فيها أقل كمالاً، وليس من المؤكد أن الروح الشرير مستقل عن أورمَزد ومساو له في الأبدية. ففي إحدى نصوص الگاتها، يَردُ ذكرُ الروح الخيِّر (سپينتا منيو) والروح الشرير (أهرا منيو) على أنهما "توأمان" يتنافسان منذ البداية، "يختار" أحدهما الحق فيما "يختار" الآخر الباطل؛ وهذا، بنظر السواح، دليل على أن الروحين صدرا عن مبدأ أصلي واحد وأن الشرير صار شريرًا بمحض اختياره، و"الاختيار هو جوهر الأخلاق" (ص 83). وعلى كل حال، فإن الروح الشرير ليس مناوئًا لأورمَزد مباشرة، بل للروح الخيِّر. فأغلب الظن أن أورمَزد كان في الأصل إلهًا مطلقًا، متعاليًا عن التضاد.

ولقد أتت الزرادشتية بعدد من المفاهيم الأصيلة في تاريخ الدين، أهمها (ص 98-101):

  1. المفهوم الدينامي التطوري للتاريخ
  2. الطبيعة الأخلاقية للوجود ودور الأخلاق في تطهير النفس
  3. الشراكة بين الألوهة والإنسان وتعاونهما على إصلاح العالم
  4. وحدانية الإله
  5. أصل الشر وفكرة الشيطان
  6. حرية الإنسان ومسؤوليته
  7. مفهوم "الإنسانية" كحركة جماعية في التاريخ
  8. مفهوم المخلِّص (المسيائية)
  9. مصير الروح
  10. نهاية الزمن وتجديد التاريخ

ولا تزال مفاعيل هذه المفاهيم سارية في حياة البشر الدينية إلى يوم الناس هذا.

* * *

تظهر التصوراتُ الثنوية في اليهودية (الفصل الخامس) في القلب من مفهوم الألوهة نفسه، الأمر الذي لم يؤدِّ إلى تمايُز مبدأ واضح يمثِّل للشر وإلى تبلوره، بل فتح الباب على إشكاليتَي "التوحيد" و"الأخلاق" اللتين لم يتوصل الفكر التوراتي إلى حلِّهما إبان تدوين أسفار العهد القديم القانونية، التي يُكثِر فراس السواح من إيراد نصوص مستقاة منها تأييدًا لوجهة نظره. فالتوحيد التوراتي، في أحسن الأحوال، "وحدانية عبادة"، على حدِّ اصطلاح السواح، أي

[...] شكل من أشكال التعددية [...] يتميز بعبادة إله واحد والإخلاص له دون بقية الآلهة التي لا يُنكَر وجودُها، وإنما تُستبعَد من الحياة الدينية للجماعة لصالح ذلك الإله المعبود (ص 104)،

وليس تنزيهًا خالصًا لمفهوم الألوهة، بوصفها "العلَّة الأولى والمآل الأخير"، بما يؤسِّس لمنظومة أخلاقية مُحْكمة. ومن هنا "الإشكالية الأخلاقية" التي تتبدى في سِيَر حياة "المختارين" الذين أسند إليهم الربُّ أدوارًا مهمة في حياة الجماعة:

إن عدم توصُّل إله التوراة إلى موقف متسق من مسألة الأخلاق، سواء في ما يتعلق بسلوكه الخاص أم بمطلبه الأساسي من شعبه، قد جعل الشخصياتِ الرئيسيةَ في الرواية التوراتية تسلك بدوافع من محاكماتها الآنية، دون الاستناد إلى أية مرجعية أخلاقية. (ص 123)

غير أن هذا لم يَحُلْ دون ظهور الشيطان على حلبة دراما الشعب اليهودي، "رغم ضآلة دوره وقلة حيلته"، كشريك ليهوه، تارة، وكأداة منفذة لرغباته، طورًا (ص 128). وقل الشيء نفسه عن "لاهوت الملائكة" المتبلور في أسفار التوراة المتأخرة بفعل التأثيرات الرافدينية والفارسية:

[...] ما يميِّز مفهوم الملائكة في التوراة عن مفهوم الملائكة الفارسي هو أن الملائكة التوراتية ليست كائنات نورانية خيِّرة تقف في وجه الشياطين وتكافح الشر في العالم [...]، بل هي البطانة الخاصة التي تحيط بيهوه الملك، وتحمل عرشه كلما زار الأرض، وتنفِّذ ما يوكل إليها من مهمات: فمنها للمهمات الخيِّرة ومنها للمهمات الشريرة، وغالبًا ما يختلط الفريقان حتى يصعب التمييز بين ملائكة النور وملائكة الظلام. (ص 134)

من هنا وصف السواح للمعتقد التوراتي بأنه "زرادشتية مقلوبة على رأسها" (ص 153)، تختص اليهودية وفقًا له بالإله الشمولي، وترسم تاريخ الكون، ليس كنهاية للزمن الدنيوي بانتصار قوى الخير، كما في الزرادشتية، بل كنهاية لتاريخ الشعب اليهودي حصرًا بتتويجه سيدًا على الأمم كافة وممثِّلاً ليهوه على الأرض. وبذلك يفقد الصراع الأخلاقي بين الخير والشر غائيَّته الميتافيزيقية، ويعدم صياغةَ تصورات أخروية ناضجة عن البعث والحساب (ص 150-152)، كالتي تجلَّت لاحقًا في كلٍّ من المسيحية والإسلام، اللذين يفصِّل المؤلف في عرضهما في الفصلين العاشر والحادي عشر (الأخير) في سبك أخاذ، بما يتسامى بالطبيعة البشرية للإنسان، فردًا وجماعة، من حالة السقوط من النعمة الإلهية إلى الحالة الفردوسية البدئية[5].

* * *

إذا كانت أسفار العهد القديم القانونية تمثِّل، بالمعنى الرمزي التأويلي، خلاصة لتطور البشرية الوئيد، منذ بداياتها البهيمية حتى بلوغها عتبة التوحيد والاهتداء إلى "فكرة الله" المنزَّه في أسفار الأنبياء (ص 104)، فإن احتكاك اليهود بالتراث الروحي للأمم الأخرى في العصر الهلنستي أدى إلى "ثورة دينية صامتة" أبدعت، من داخل الديانة اليهودية، فكرًا رؤيويًّا جديدًا استمر من حيث توقفتْ أسفار الأنبياء واستنفد إمكاناتها التأويلية، ممهدًا للطفرة المسيحية اللاحقة.

ولقد صيغ هذا الفكر في النصوص التي عُرفتْ بالأسفار "المنحولة" (أي المنسوبة إلى غير كاتبها الحقيقي) أو الأسفار "غير القانونية"، التي يتوفر السواح على دراسة نماذج لها ويورد منها مقاطع مطولة في الفصل السادس من كتابه، مثل: سفر أخنوخ الأول وسفر عزرا الرابع وكتاب اليوبيليات ووصايا الأسباط الإثني عشر ونصوص قمران (مخطوطات البحر الميت) وسفر أسرار أخنوخ (أخنوخ الثاني) وكتاب حياة آدم والهاجاده (أسفار التلمود القصصية). وأهم الأفكار الجديدة التي أغنت هذه الأسفارُ بها الإيديولوجيا التوراتية (ص 156-157)، بما يتقاطع مع إضافات الزرادشتية إلى الفكر الديني العالمي، هي:

  1. مشكلة الشر ولاهوت الشيطان الكوني
  2. مشكلة الأخلاق والمسؤولية
  3. التوحيد (في مقابل "وحدانية العبادة")
  4. التاريخ الدينامي القائم على جدلية الخير والشر والارتقاء بالوجود
  5. الأخروية والمسيائية
  6. مفهوم "الإنسانية" (في مقابل مفهوم "الشعب المختار")

* * *

لقد أجمعتْ العقائد الغنوصية (الفصل السابع)، بالتساوق مع المسيحية الباطنية (ولاسيما في الإنجيل الرابع، حيث يصح الكلام على "ثنوية يوحناوية" تصف الشيطان بـ"أمير هذا العالم")، على نَسْخ "العهد القديم" بين يهوه وبني إسرائيل، جزئيًّا على الأقل، وعلى تعديل جذري لقصة التكوين التوراتية (هبوط صوفيا من عالم الأفلاك الروحانية – "الإيونات" – وإنجابها ملائكة المادة – "الأرخونات" – الذين خلقوا العالم)، فأسَّست لـ"عهد جديد" بين الإله الحق وبين بني الإنسان قاطبة (ص 208-211).

ويعود "اعتدال" الثنوية الغنوصية إلى أن الثنوية فيها طارئة على الوجود، وليست أصلية في الطبيعة الإلهية المحضة؛ إذ إنه، في المنظور الغنوصي، لا توجد صلة مباشرة بين الله (الآب الأعلى) وبين العالم: فالقدرات الدنيا والعمياء – ويهوه، "صانع العالم" أو "أميره"، في عِدادها – التي صنعت العالم مباشرة وتسلَّطت عليه (ص 204)، مع أنها من أصل إلهي، فإنها لا تعرف الله، بل "تقاومه" (= شيطان)، وتتسلط ظلمًا على النفوس، حتى مجيء نبيٍّ مخلِّص يأخذ على عاتقه التغلب عليها من أجل تخليص النفوس عن طريق الغنوص ("المعرفة") الذي هو

[...] فعالية روحانية تقود إلى معرفة الأسرار الإلهية عبر تجربة باطنية تقود إلى الكشف والاستنارة. [...] هذه المعرفة هي وحدها الكفيلة بتحرير الروح الحبيسة في إطار الجسد المادي والعالم المادي الأوسع، لتعود إلى العالم النوراني الأسمى الذي صدرت عنه. (ص 204)

وهذا النوع من الثنوية، التي يتقابل فيها قطبا الله والعالم (ثنوية "شاقولية")، يختلف عن الثنوية الزرادشتية "الأفقية" (حيث العالم صنعة الله المباشرة وخيِّر إجمالاً، لكن مبدأ الشر يتسلل إليه ويدخل في صراع مع مبدأ الخير، حتى ينتصر الخير أخيرًا)، ويختلف كذلك عن الثنوية المانوية المطلقة (الفصل الثامن) التي ابتعدت عن الثنوية الغنوصية حصرًا، بحيث إن التضاد فيها لم يعد بين الله والعالم، بل بالحري بين الله والمادة (ص 230). فالعالم، بنظر ماني، الذي عدَّل الغنوص مستلهمًا الثنويتين الفلسفية (روح/مادة) والزرادشتية معًا، نظام وَضَعَه الإلهُ من أجل تمكين النفس الإنسانية من الخلاص عن طريق المعرفة حصرًا.

* * *

ملاحظتنا "الفنية" الطفيفة على كتاب السواح، بهذا الصدد، أنه خصَّ الثنوية الغنوصية بفصل من الكتاب صغير نسبيًّا بعنوان "يهوه: شيطان الغنوصية" مستقل عن فصل "الشيطان في اللاهوت المسيحي". فربما كان من الأجدى، على الصعيد المعرفي، إخراج دراسة الغنوص من مجال تاريخ الديانات العام وإدراجه في مبحث تاريخ اللاهوت المسيحي. ذلك أن النظرية القائلة بأن الغنوص عبارة عن جملة من الهرطقات (الزندقات) المسيحية وبأنه كان قبلها تيارًا دينيًّا مستقلاً لم تجد لها حتى الآن سندًا مقنعًا؛ إذ لم يعثر الباحثون حتى الآن على نصٍّ غنوصي واحد سابق للمسيحية، وأقدم الغنوصيين المعروفين كانوا جميعًا مسيحيين، ترعرعوا في الوعاء الثقافي والروحي للمسيحية، باعتبارها بوتقةً عامةً انصهر فيها سائر التياراتُ الدينية الشائعة في القرون الأولى بعد المسيح. وفي رأينا أن تعاليم يسوع الأصلية التي تشكِّل باطن المسيحية لا يصح تأويلُها وفهمُها إلا في ضوء الغنوص[6].

* * *

يبقى أن نقول إن فراس السواح مفكر سوري فذ يقف في طليعة المعرِّفين بأعماق الخبرة الدينية والروحية – الواحدة في الجوهر – في العالم العربي، إن لم نقل إنه من الثلة النادرة التي تجاهد في هذا الميدان وحدها[7]. وهذا التكريم الذي نشارك فيه اليوم لا يرقى إلى "تكريمه" الفعلي، المتمثل في إسهامه في التنشئة الفكرية لجيل جديد خال من أدواء الانغلاق الفكري والتعصب والتحزب والاعتقاد باحتكار الحقيقة المطلقة والنجاة إلخ.

فراس السواح، بلا ريب، رائد من رواد الانفتاح والمحبة في سورية ودنيا العرب.



[1] يكتفي السواح بهذه العبارة وحدها (كتاب المخاطبات، فقرة 26) ليختم على كتابه في "الثنوية" الكونية!

[2] راجع: فراس السواح، دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني، دار علاء الدين، دمشق، طب 1: 1994.

[3] فراس السواح، الرحمن والشيطان: الثنوية الكونية ولاهوت التاريخ في الديانات المشرقية، دار علاء الدين، دمشق، طب 1: 2000. وقد ألقِيتْ المداخلة التي شكلت نواة هذه القراءة في ندوة تكريم فراس السواح في "رابطة الخريجين الجامعيين"، حمص (سورية)، 25/10/2003.

[4] تبقى الثنوية الإپستمولوجية (أو الخاصة بنظرية المعرفة) التي تحيل على المعرفة بوصفها تتوقف على مقولتين للوجود: الذات والموضوع؛ وهذه لم يتطرق إليها الكاتب مباشرة نظرًا لتناوُله الثنوية في نطاق الأديان المشرقية حصرًا.

[5] لن نتطرق في هذه القراءة إلى ما جاء في هذين الفصلين، تاركين للقارئ مفاجأة التذوق الماتع، مشيرين فقط إلى الجهد الكبير المبذول في تصنيفهما باعتماد المؤلف مقاييس فكرية راقية ومستقلة، خارجة عن نطاق كلٍّ من اللاهوت المسيحي والكلام الإسلامي التقليديين.

[6] في كتابه الوجه الآخر للمسيح: موقف يسوع من اليهود واليهودية وإله العهد القديم ومقدمة في المسيحية الغنوصية (دار علاء الدين، دمشق، طب 1: 2004)، عاد السواح وتبنى وجهة النظر هذه في قوة.

[7] من هذه الثلة نذكر المفكر اللبناني الكبير أديب صعب الذي يبحث أيضًا في النتائج الاجتماعية المترتبة عن هذه الرؤية الشاملة.

تأملات في الحياة والإنسان (ندره اليازجي) - سمير كوسا

الأربعاء, تموز 15th, 2009

تأمُّلات في الحياة والإنسان

سمير كوسا*

أجد نفسي، وأنا أستهل هذه الأسطر، في وضع حرج! فكيف يمكن لي الكلام بموضوعية على كتاب حرره كاتب ارتبطتُ به – ولا أزال – إبان سنوات طويلة؟ وكيف يمكن لي، إنْ كان عندي انتقاد، أن أوجِّهه إلى هذا الصديق المقرب؟ لا أجد حلاً لهذه المعضلة إلا بأن أقبل ما سيخط قلمي من آرائي ومشاعري.

حين أتذكر بداية السبعينيات ولقائي الأول مع ندره اليازجي يخالجني شعور بالحنين والشوق. كان اليازجي أيامئذٍ أستاذًا للغة الإنكليزية والفلسفة وعلم الاجتماع، لكنه قرر، منذ أواسط الستينيات، أن يدرِّس مادة التربية الدينية؛ وقد نبع قراره ذاك من شعوره العميق بأن التعليم الديني تحول، في أكثر الأحيان، إلى مجرد ترديد لكلمات أفرغَتْ من كلِّ معنى عقلي ومضمون وجودي. والحق أنه عندما يستمع المرء إليه – وخاصة الشباب الذين لم ينتهِ المجتمع بعدُ من "صقلهم" وإثقالهم بالأعراف والتقاليد – ينتابه شعور بأن ثمة أبعادًا وأعماقًا أخرى – أو على الأقل رؤى مختلفة – لحياتنا اليومية وللطروحات اللاهوتية، لم يسبق أن تنبَّهنا إلى وجودها من قبل. ويضيف اليازجي أن ولوج هذه الأبعاد الأخرى يتم عبر تجربة داخلية-صوفية تسقط من خلالها – بحسب درجة عمق التجربة ونضجها – الغشاوةُ التي حجبتْ عنا معاينة الواقع كما هو، في داخلنا وفي الخارج.

هناك، إذن، في نظر اليازجي، وعي كوني، هو الوجود الحقيقي الوحيد (وحدة الوجود). أما عالمنا فيمكن لنا تصوُّره – دون أن ننسى أن هذه الصورة مبسَّطة – على أنه آخر حلقة من سلسلة من الفيوض، انغلق فيها ذاك المبدأ الواحد تدريجيًّا على ذاته، حتى ظهر عالمنا أخيرًا في كثرته المتناقضة. يهدف وجودنا، إذن، إلى العودة، في حياتنا اليومية وعلى مستوانا، إلى وحدة الأعماق هذه التي لم ننفصل عنها لحظة واحدة!

ليس التصور السابق خاصًّا باليازجي وحده، بل نجده كذلك لدى مفكرين ومؤلفين عديدين، وفي التصوف بخاصة، على اختلاف مدارسه: الإسلامي، المسيحي، الهندوسي، البوذي، إلخ، وفي شتى البقاع والأزمنة، حيث عُبِّر عن هذه الوحدة الوجودية بحسب لغة العصر الموافق وروحه[1]. لكن ما يميِّز اليازجي هما حساسيته وتعبيره الخاص عن هذا المبدأ من خلال رؤيته لدور الفرد في هذا الكل الواحد، في ماضيه وحاضره ومستقبله.

ويستعمل اليازجي لغة اليوم ومعارفه الموسوعية التي استقاها من فروع المعرفة البشرية العديدة في بسطه لتصوراته هذه. وخلافًا للعديد من المفكرين الذين يتبنون هذا التصور، فهو لا يدعو إلى الانعزال عن المجتمع بحثًا عن خلاص فردي، بل إلى مشاركة وجودية حقيقية من خلال فنِّ حياة أشبه بتصوف عقلي. ويقدِّم اليازجي خمسة أسس لحياة متوازنة، لا يمكن في الحقيقة فصل بعضها عن بعض، كما قد يوحي تعدادها التالي:

1. اللقاء بالآخرين: فهُمْ يمثلون انعكاسًا لنا، كما أننا نمثل انعكاسًا لهم – شريطة أن يكون لقاؤنا بهم اجتماعًا، لا "تجمعًا".

2. التأمُّل بأنواعه: وهو يفتح الباب على مشاركة وجدانية في جوهر عالمنا، من شأنها أن تفتح حواسنا الباطنة على عوالم نفسية وروحية، تتخلل العالم المادي وتتعالى عنه في آن.

3. تذوُّق الفنون: كالاستماع إلى الموسيقى الراقية (الكلاسيكية خاصة) التي تزيد من إحساسنا بجمال الأشياء وبعمقها الخفي.

4. العمل الاجتماعي: المشاركة في الحياة اليومية والاقتصادية لمجتمعنا، لأن اجتماعية الإنسان لا تنفصل عن إنسانيته.

5. القراءة التي توسِّع من آفاقنا وتشحذ عقولنا وتهيؤها لتلقِّي المعرفة الحقيقية وللتعبير عنها.

أما أهم ما يميز اليازجي، بنظري، فهو واقعه المعيش. وأقصد أن عددًا كبيرًا من المؤلفين الذين يدعون إلى تجاوز الذات والعطاء إلخ هم أحوج من قرائهم إلى مثل هذه النصائح! أما مَن يلتقي باليازجي فإنه يجد فيه مثالاً حيًّا على الأفكار التي ينادي بها: ليس عنده أي انفصال بين المفكر وأفكاره.

هكذا عرفت ندره اليازجي، وهكذا أتصوره وأفهمه. ولست أدعي أني وفَّيت فكرَه – الذي سأعود إليه أدناه – شيئًا من حقِّه، أو حتى أني فهمته على الوجه الصحيح؛ ولست أقصد كذلك أني أتفق مع كل ما فهمت من هذا الفكر، على الرغم من تقاربي منه.

صدرتْ لليازجي كتب متعددة، استودعها تأملاتِه الخاصة في مسائل حياتية وفلسفية عديدة[2]. ويلمس القارئ في كلٍّ من هذه الكتب تلك الرؤية الواحدية للوجود. ولا أخفي هنا أنني أفضل كلمة اليازجي المحكية على كلمته المكتوبة التي لا تتصف، برأيي، بشحنة الشعور والحضور القويِّ الآسر ذاتها.

ولعل أشهر كتابات اليازجي هي تلك التي اختصت باللاهوت الديني، ككتابيه رد على اليهودية واليهودية المسيحية ورد على التوراة[3]. وقد بيَّن اليازجي فيهما كيف انحرف الدين اليهودي المنظم عن التجربة الروحية الحق، ليصير مشروعًا سياسيًّا جرف معه غالبية المذاهب المسيحية المُمأسَسة التي تخلت إلى حدٍّ كبير عن روحية تعاليم المسيح. ونحن، إنْ كنا نرى بوضوح آثار هذا المشروع الاجتماعية والسياسية، نتبين أن المؤلف مضى باستقصائه إلى أبعد من هذا أيضًا، ليكتشف كيف أنه، بهدف تحقيق هذا المشروع، تم الاندساس في الفكر العالمي والنشاط الاجتماعي، كما نجد في كثير من المذاهب الفكرية المعاصرة، من ماركسية وفرويدية إلخ.

nadra_CR_5

انجذب اليازجي كذلك، منذ أوائل السبعينيات، إلى الفكر العلمي الحديث وفلسفة العلوم، لعله يتلمس فيهما، من خلال دراسة المادة والحياة والنفس، دليلاً على وحدة الأعماق – وحدة الوجود؛ فكان أن ترجم، مثلاً، كتاب تِلار دُه شاردان ظاهرة الإنسان، الذي يصف تطور الحياة وبلوغها، في كلِّ مرحلة من مراحل التطور، عتبة وعي جديدة وبنية أكثر تعقيدًا؛ وترجم كذلك كتاب صديقه روبير لِنْسِن الطفرة الروحية للألفية الثالثة[4] الذي حاول فيه المؤلف، عبر العلوم الحديثة، وخاصة الفيزياء، تبيان وحدة الوجود، وقدَّم كذلك وصفًا لسيرورة الأنا processus du moi، من انغلاقها الضيق إلى انفتاحها على الكلِّي.

mutation_spirituelle

أصدر اليازجي كذلك كتاب المادة والروح: تأليف جديد[5] الذي جمع فيه دراسات اقتبسها عن مصادر ثيوصوفية مختلفة، تتحدث عن مستويات الوجود المختلفة، عن بنية الإنسان الباطنة وتطوره بحسب هذه المستويات، وعن التقارب بين بعض الطروح العلمية والأفكار الروحية.

وأخيرًا، صدر لليازجي كتاب المبدأ الكلِّي[6] الذي حاول فيه، عبر عدة دراسات، الاستفادة من أحدث الأفكار في الفيزياء، في علم النفس، إلخ، وتلقيحها بأفكاره الروحية، ليبيِّن كيف يمكن لنا أن نفهم الوحدة عبر التعدد والتنوع، وكيف يمكن للأفكار العلمية الحديثة أن تمثل نواة تطور اجتماعي حقيقي.

nadra_CR_3

والحق أن "المبدأ الكلِّي" اليوم، في المعرفة الحديثة، يضرب بجذوره في التفكير المنظوماتي systemic thinking (علم المنظومات) الذي ينظر إلى الأشياء والكائنات على أنها واحدات لا يمكن تقسيمها دون أن تفقد الوحدة خاصيتها؛ وبعبارة أخرى، لا يمكن اشتقاق خواص كلِّية ما من خواص عناصرها المركِّبة (أو الأصغر): فكأن الكون عبارة عن كلِّيات تندرج في كلِّيات أكبر، أكبرها الكون (المنظور وغير المنظور).

nadra_CR_2

وإذا كان الكتاب الذي نحن بصدده، كتاب تأملات في الحياة والإنسان[7]، يجمع بين دفتيه نصوص ستٍّ من المحاضرات التي ألقاها اليازجي في الثمانينيات، فإننا نجد فيه الأفكار السابقة ذاتها، يتطرق إليها المؤلف من زوايا مختلفة ليزيدها تدقيقًا ووضوحًا. أترك الحديث للمؤلف في مقدمته:

تعبِّر هذه التأملات عن فكرة واحدة تتخلل فصول الكتاب. إنها محاولة صادقة تهدف إلى إحداث "تعديل" في وجهات النظر العديدة السائدة التي بحثت واقع الإنسان والحياة؛ إنها "رؤيا" تُمِدُّ الإنسانَ بفاعلية تطوير ذاته، ليتم تساوقُه وانسجامُه مع نفسه، مع الحياة والطبيعة، ومع الكون. (ص 13)

وفصول الكتاب الستة[8] هي على التوالي:

1. معالم الشخصية المتكاملة

2. الرجل والمرأة

3. فلسفة الجنس

4. فلسفة القلق

5. المعرفة سبيل إلى التكامل النفسي

6. العلم والحكمة ومصير الإنسان

ويدرس المؤلف، في غالبية المرات، كلاً من هذه المواضيع على مستويات عدة، منطلقًا من الواقع الظاهر، ليرى من ورائه حقيقة أعمق تفسِّره وتبرر وجوده. وأحب هنا أن أفتح قوسًا أعتقد أنه على جانب كبير من الأهمية.

قد لا نتفق مع وجهة النظر التي انطلق منها المؤلف – وأقصد وحدة الوجود – وعلى أن هدف الحياة يتمثل في وعي هذه الوحدة – وهذا من حقِّنا؛ لكننا يجب أن نعي، في الوقت ذاته، أن أي منطلَق (أو مبدأ) آخر لا يمتلك، من وجهة النظر العلمية، قوة أو حجة أكبر. فمثلاً، لا شيء يبرهن على المبدأ المادي الذي يدعي أن الحياة ظهرت نتيجة مصادفة موفقة غير محتملة (في صورة ديالكتيكية أم لا)؛ فيبقى تبنِّي هذا المبدأ (أو غيره) مشروعًا من وجهة النظر العلمية، على أنْ لا يتناقض والتجربة. المسألة تكمن، إذن، في نوعية البرهان وسُبُله. ولندلل على ذلك ببعض الأمثلة.

ينطلق المنطق، مثلاً، من مسلَّمات يتعامل معها، ليصل إلى نتائج صحيحة. ويمثل هذا التعامل عملية برهان/اشتقاق النتيجة؛ ويُفترَض أن المسلَّمات السابقة لا يتناقص بعضها مع بعض[9]. ويستعمل العلم التجريبي، من طرفه، التجربة ليبني عليها رؤية أو استنتاجًا أعم، يبقى صالحًا إنْ لم تخالفه تجربة أخرى، أو ليتحقق من رؤية ما ومن مبلغ تَوافُقها مع الواقع. وبحسب اليازجي، يوجد، إضافة إلى أنواع البراهين السابقة، برهان ذاتي، يمكن لكلٍّ منا اختباره، ألا وهو التجربة الروحية الداخلية. ولا يتسع المجال في هذا المقام للحديث عن مشكلة البرهان[10].

وبالعودة إلى كتابنا، فلنُبرز كيف يعالج المؤلف موضوعاته، ولننظر، على سبيل المثال، إلى فصل "فلسفة الجنس" (ص 39-47). لقد بتنا نعرف مما سبق الفكرة المحورية-الأساسية التي يدور حولها تأمل اليازجي. هنا يبيِّن المؤلف أن الغريزة لدى الحيوان، في صورة عامة، ذات طابع بيولوجي بحت؛ أما في الإنسان، فلا شيء من هذا: إذ تتحول الغريزة إلى دافع يتجاوز البيولوجي الخام. الغذاء، مثلاً، يلعب في الإنسان دوره البيولوجي، لكنه يتحول كذلك إلى فكر. في الإنسان، إذن، درجات نمو لا توجد في الحيوان، كما أن في الحيوان – في صورة عامة – درجات نمو لا توجد في النبات. كل خلل في هذا النمو، مهما كان سببه، يؤدي بنا، إذن، إلى مشكلات عديدة: بيولوجية، نفسية، روحية… وعلى هذا الأساس، يمثل الجنس في الإنسان لقاءً جسديًّا-نفسيًّا. لكن لنترك الحديث للمؤلف:

يأخذ الجنس، الذي تشترك فيه الروح والمادة، شكلاً جديدًا، يتحول فيه الحب إلى محبة. فهو مادي يعبِّر عن اندفاع لاواع، هو الجانب البيولوجي؛ وهو روحي يعبِّر عن غاية ويعمل فيه الفكر والإرادة. وعندما يتحول الحب إلى محبة يحافظ الجنس على قاعدته المادية، لكنه لا يعبِّر عن الانفعال والاندفاع التلقائي، بل عن عمل تقوم به المادة لكي تحقق الغاية من وجودها. (ص 44)

يمكن لنا، بناءً على درجات النمو آنفة الذكر، أن نفهم تحليل المؤلف لفلسفة القلق، للرجل والمرأة، لمعالم الشخصية المتكاملة، إلخ. فكأن مشكلات الإنسان، على أنواعها، تنجم عن خلل في النمو السابق، أو عن توقُّفه عند مرحلة ما، أو عن عدم الاعتراف (في العديد من الفلسفات ومدارس التربية) بوجود إمكانية نمو تتعدى حدود النمو البيولوجي-الفكري فينا. لا غرابة عندئذٍ أن نرى أن التطور التقني العارم في هذا العصر لم يحل مشكلات البشرية التي دفعت إليه؛ إذ إن ثمة انفصامًا للعقلي-المنطقي عن الحدسي-الأخلاقي فينا. يقول المؤلف في فصل "العلم والحكمة ومصير الإنسان":

إن تراجُع الإنسان الأول أمرٌ يشير إلى تراجُع روح الحكمة واستغراق العقل في العلم، وإلى تحوُّله عن صوفيا أو ثيوصوفيا – الحكمة أو الحكمة الكلِّية – إلى فيلوصوفيا، محبة الحكمة [الفلسفة]. إذن فالحكمة هي صوفيا، ثيوصوفيا، الوعي، المعرفة المباشرة، الحدس، وحدة الموضوع والفكر، الاتصالية دون الانفصالية؛ ومحبة الحكمة، فيلوصوفيا، هي العقل الباحث عن سرِّ الوجود، الباحث عن جوهره، العقل الذي يقدِّم ذاته على الموضوع؛ هي الانفصال دون الاتصال، هي الثنائية التي أدتْ إلى ازدواجية الفكر الإنساني وفصام الشخصية الإنسانية؛ هي العلم في صورته الفكرية. (ص 90)

لا يتسع لي المجال هنا للتعليق على الأفكار العديدة التي يوردها المؤلف. وأشير، مرة أخرى، إلى أني، في صراحة، أتفق معها عمومًا، مع اختلافي على بعض التفاصيل والمصطلحات المستعمَلة. وأعتقد جازمًا أنه قد آن الأوان لأن نكتشف تلك المدرسة الفكرية التي يتحدث اليازجي باسمها… آن الأوان كذلك لأن نوسِّع من أفقنا، ونفتح قلوبنا، كما يدعو المؤلف، بهدف بناء الإنسان الكلِّي/الكامل وتحقيق وحدة الأعماق في عالم الظاهر.



* مُجاز في الرياضيات واختصاصي في البرمجة المعلوماتية، راح، بعد تحصيل واسع في الفلسفة والعلوم والإپستمولوجيا، ينقب عن جوهر الخبرة الروحية المحرِّرة. كتب وترجم العديد من المقالات، وراجع الكثير من الكتب الفلسفية والعلمية والروحية، وأجرى حوارات متميزة مع العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكرين المعاصرين لمجلتَي الصفر ومعابر (www.maaber.org) وغيرهما، وهو المراسل في كندا لمجلة الألفية الثالثة (www.revue3emillenaire.com) الفرنسية الفصلية التي تُعَد من خيرة الدوريات التي تتناول مختلف تجليات الخبرة اللاثنوية المحرِّرة في عالمنا اليوم.

[1] من أسُس فكر ندره اليازجي الإقرار الفعلي بالوحدة الجوهرية للخبرات الروحية كافة، كونها تعبيرات متنوعة عن الروح الإنساني الواحد؛ ومن هنا ترجمته، منذ الستينيات، للكتاب المرجعي الممتاز الفكر الفلسفي الهندي، من تأليف الفيلسوف الهندي الكبير س. رادهاكرشنان بالاشتراك مع تشارلز مور (مكتبة النهضة العربية، بيروت، 1968). (المحرِّر)

[2] نحيل القارئ الراغب في التعرف إلى فكر ندره اليازجي إلى الأعمال الكاملة للمؤلف التي صدر منها حتى الآن سبعة مجلدات. (المحرِّر)

[3] ندره اليازجي، الأعمال الكاملة، مج 5، دار أمواج، بيروت، 2001.

[4] روبير لنسن، التطور النفسي في الألف القادمة، دار الغربال، دمشق، 1982.

[5] ندره اليازجي، الأعمال الكاملة، مج 3، "دراسات في فلسفة المادة والروح"، دار الغربال، دمشق، 1999؛ ص 173-292.

[6] ندره اليازجي، الأعمال الكاملة، مج 3، ص 5-171.

[7] صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار الغربال، دمشق، 1988؛ ثم صدرت الطبعة الثانية منه بعنوان "تأملات في الحياة النفسية" ضمن الأعمال الكاملة، مج 2، "دراسات في الحياة النفسية والاجتماعية"، دار الغربال، دمشق، 1998؛ ص 7-150. (المحرِّر)

[8] أضاف اليازجي إلى الطبعة الثانية ثلاثة فصول جديدة تحمل عناوين: "المرح والصحة النفسية"، "الشعور بالنقص والدافع إلى الكمال"، "سيكولوجية الحلم والنوم واليقظة". (المحرِّر)

[9] من أجل شرح مستفيض لمشكلة البرهان في المنطق والرياضيات، راجع: فايز فوق العادة، منعطف الرياضيات الكبير، وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1987.

[10] للتوسع، أحيل المهتم إلى كتاب كِنْ ولبر الممتاز Ken Wilber, Eye to Eye الذي يدرس مفهومَي الحقيقة والبرهان، بأنواعهما ومستوياتهما، ويتكلم مطولاً على البرهان في نطاق التجربة الداخلية.

فلسفة اللاعنف (ديڤيد مكرينولدز) - دارين أحمد

الأثنين, تموز 6th, 2009

فلسفة اللاعنف*

دارين أحمد**

ليس اللاعنف وليد الحاضر فقط، بل هو، كما يؤكد اللاعنفيون الكبار، قديم قِدَمَ البشرية. غير أنه انتقل على صعيد الواقع، بدءًا من التجربة الگاندهية في تحرير الهند، من الأنساق الضيقة إلى النسق الرحب، أي تحول من مجرد حالات فردية أو جماعية، إلا أنها متفرقة وذات أثر محدود في التاريخ، إلى عامل مهم في صنع التاريخ. بعبارة أخرى، لا يزال النزاع هو العامل المحرك لمسيرة التاريخ، إلا أن إدارة النزاع اتخذت بُعدًا جديدًا، أكثر إنسانية، مع دخول اللاعنف كإستراتيجية فعالة للوصول إلى حل.

قبل أن نستعرض الكتاب محور المقال[1]، سنعرج على بعض المغالطات في فهم اللاعنف التي تشكل عقبة كبيرة تحول دون انتشار هذا التجديد الفكري-الواقعي في نظرتنا إلى مشكلاتنا المحلِّية والعالمية وفي علاقتنا معها. ويمكن لنا تلخيص هذه المغالطات في نقاط ثلاث:

- الأولى، لافعالية اللاعنف: لا يزال يُنظَر إلى اللاعنف على أنه انسحاب من الفعل، انسحاب "سلبي" قوامه العجز والضعف. ومن أسباب انتشار هذه النظرة نذكر:

1. التاريخ الذي مجَّد العنف على حساب السِّلْم والذي تستلهمه الآن مجتمعاتنا المتهالكة كمنبع وحيد لإحيائها.

2. الإعلام، بمنافذه كلها، مساهمٌ أساسي في توكيد العنف وتجاهُل التجارب اللاعنفية.

3. طريقة تفكير "أبيض-أسود" التي تقسم الواقع إلى حيزين متعارضين لا يمكن الجمع بينهما، وتلصق صفات أزلية دائمة بكل حيز منهما، بحيث يغدو من المتعذر رؤية العلاقة بينهما أو فهمها إلا بعين التناحر الأبدي؛ هذا إلى الترافق مع نحوها – أي طريقة التفكير هذه – إلى الاختزال أكثر وأكثر: فالشجاعة والقوة والجسارة والإقدام قد تُختزل إلى "التدميرية" التي توسَم بالإيجاب، فيما التنازل والصبر والتحمل والرقة والمسالمة تُختزل إلى الضعف الذي يوسَم بالسلب[2].

4. استبدال "العدو" بـ"الخصم": ففي حين يُعَدُّ الخصمُ إنسانًا أو دولة صاحب مصالح متعارضة مع مصالحنا وينبغي لكلينا محاولة التوصل إلى تسوية، يُعَدُّ العدو "شيئًا" لاأخلاقيًّا لا يمكن، بالمطلق، التعامل معه إلا بتدميره.

- الثانية، اللاعنف والمثالية: لا يزال اللاعنف، خاصة في ثقافتنا العربية، مرادفًا للمقولة المثالية المسيحية: "مَن لطمك على خدِّك الأيمن فحوِّل له الآخر". ولهذا الترادف مساوئ تتمثل أساسًا في نقطتين اثنتين:

1. الأولى في أنه يقصِر اللاعنف على دين واحد في ثقافة لا يزال فيها الدين هو عامل الهوية الرئيسي، وهي ثقافة تحملها أغلبية ديموغرافية مسلمة، في واقع يُعَدُّ فيه الإسلامُ (الأصولي) أحد منابع العنف الفكرية. المشكلة الأساسية في هذا القَصْر هي في تناقُضه مع واحدة من أهم ميزات اللاعنف: إنه مكان مفتوح للجميع، أطفالاً وشبانًا وشيبًا، نساءً ورجالاً، أقوياء وضعفاء، أصحاء وسقيمين، على العكس من العنف الذي يتغذى على شباب وصحة و"ذكورة" المنافحين عنه.

بهذا المعنى، يمثل اللاعنف نقلة على المستوى الإنساني: فمن التراتب البطريركي الذي يفرضه العنف عبر الأدوار الموكولة إلى أشياعه، إلى المساواة التي يقدِّمها اللاعنف للمشاركين فيه؛ إذ يستطيع كل شخص أن يكون فعالاً على قدر إمكانه، وعلى المستوى نفسه، دون أية تمييزات جندرية أو عمرية أو ثقافية.

2. الثانية في تناقُض مثالية المقولة المسيحية مع واقعية اللاعنف: فاللاعنف، كما يقول ديڤيد مكرينولدز، لا يُعرف إلا على محك الواقع؛ وهو ليس نظرية فلسفية أو أخلاقية فقط، على الرغم من ارتباطه الوثيق بالفلسفة والأخلاق، بل هو، أيضًا، إستراتيجية واقعية قد تنجح وقد تخفق بحسب ظروف استعمالها، إلا أنها – وهذه ميزة أساسية أيضًا من ميزات اللاعنف – توحِّد بين الغاية والوسيلة، مما يساهم، حتى في حال إخفاق حركة لاعنفية ما في الوصول إلى الهدف المحدد آنيًّا، في التأسيس لمجتمع أفضل هو الغاية النهائية للفعل الإنساني.

3. ثالثًا: اللاعنف و"التقنية": اللاعنف ليس تقنية أو إستراتيجية معزولة عن الهدف المطلوب. طبعًا من الممكن استعمال تقنية اللاعنف ضمن تقنيات أخرى عنفية، لكن اللاعنف يفقد بذلك فعاليته الإستراتيجية. بهذا الصدد يقول جان-ماري مولِّر، أحد المفكرين اللاعنفيين الذين يجوز أن نطلق عليهم صفة "پراغماتيين"، إن نشاطًا فيه 90% لاعنف و10% عنف هو نشاط عنيف استُعمِلَتْ فيه تقنيات لاعنفية! وهذا ما ينزع عن اللاعنف، في حال اعتماده كإستراتيجية نضال، فعالية أثره التي ينبغي له أن يوقعها في الخصم وفي الرأي العام وفي المشاركين فيها كذلك.

إن تجاوز المغالطات السابقة شديد الأهمية عند الرغبة في التعرف إلى الفكر اللاعنفي الذي يقدم هذا الكتاب الذي بين أيدينا بعضًا منه.

philosophy_of_nonviolence

يتحدث الكتاب عن اللاعنف من منطلق تجربة حية خاضها المؤلف، مركزًا على مجمل القناعات التي تشكلت من الواقع كما ومن قراءات متعددة، فيبدأ من افتراض أساسي يقتضيه اللاعنف، وهو نسبية رؤية الإنسان للحق، أي عدم قدرة أي إنسان على الوثوق ثقة مطلقة بأنه على حق ونفي هذه الثقة عن الآخر "الخصم". الواقع في تغيُّر دائم، وهذا التغير يتم عبر النزاع، مما يعني وجودًا دائمًا للخصم. الجديد الذي يقدِّمه اللاعنف هو إدارة جديدة للنزاع، إدارة أكثر إنسانية تأخذ بعين الاعتبار فرادة الكائن الإنساني – الذي هو الخصم أيضًا.

تغيير الواقع لا يمكن له أن يتم من دون ألم. لكننا، في المقابل، لن نتحول إلى ممجِّدين للألم، حتى لو كان ذلك باسم "العدالة". وهنا يتناول مكرينولدز مفهوم العدالة، مميزًا بينها وبين الثأر: فالعدالة ليست هي الثأر أبدًا، وإذا كنا نريد التغيير فيجب أن نتحرك نحو الأمام، لا أن ندور في الحلقة المغلقة للثأر[3]. هذا التحرك لا يمكن له أن يحدث من دون تجاوُز، على الرغم من أن التجاوز قد ينقض العدالة في أبسط مفاهيمها. في اختصار، العدالة هي سعينا في تحقيق شروط أكثر إنسانية لحياة البشر، هي إصلاح ما أفسده غيرنا، لا في المزيد من الإفساد المقابل.

هل يتطلب اللاعنف خصمًا إنسانيًّا؟ ويتساءل مكرينولدز في صيغة أخرى: "ولكن ماذا عن هتلر؟" ويجيب بأنه لا يمكن معرفة أثر اللاعنف في مواجهة مثل هذا الخصم؛ فاليهود لم يكونوا لاعنفيين، بل سلبيون. كما أن هناك توثيقات مهمة لانتصارات لاعنفية عديدة في أوروبا على النازية: ففي النرويج حصل إضراب ناجح للمعلِّمين ضد تدريس الإيديولوجيا النازية؛ وفي بلغاريا حالت المقاومة المدنية العفوية دون ترحيل اليهود خارج البلاد.

ويبين مكرينولدز أن الإنكليز والأمريكيين في الجنوب لم يكونوا باللطف المزعوم عنهم في صراعهم مع الهنود أو مع "حركة الحقوق المدنية" على التوالي. صحيح أن الظروف ساعدت على إنجاح الثورة اللاعنفية في كلا المكانين وأفشلتْها في أماكن كثيرة أخرى، إلا أنه لا مناص من أن يُفهَم أن اللاعنف قد يخسر أيضًا، مثله كمثل العنف تمامًا، إلا أنه يتميز بأن هدفه النهائي ليس النصر فقط، بل تغيير الواقع نفسه؛ وهو ما ينجح فيه، حتى لو لم يحقق غايته الآنية، عبر "البرنامج البنَّاء" الذي لا يكتمل النشاط اللاعنفي من دونه.

غاية النشاط اللاعنفي متضمَّنة في وسيلته: گاندهي لم يسعَ إلى خروج الإنكليز من الهند "فقط"، بل ألح على استقلال الهنود أنفسهم أولاً، مؤكدًا عليه ومجاهدًا في سبيله (مسيرة الملح ودولاب الغزل مثالان رائعان على ذلك)؛ سيزار تشاڤير كان أول مؤسِّس لنقابة للعمال الزراعيين في الولايات المتحدة، وقد عمل على توعية العمال بحقوقهم وبمخاطر المبيدات الحشرية، بالإضافة إلى أنه أعاد إليهم الأمل بقدرتهم على إحداث أثر؛ مارتن لوثر كينگ فعل ذلك أيضًا من خلال فعل شديد البساطة كالمشي.

اللاعنف يبني غايته، إذن، عبر أنشطته ذاتها؛ وهو بذلك يتميز عن العنف الذي يضيف إلى الخسارات خسارات جديدة، ويرجئ الإيجابية إلى زمن مجهول غالبًا ما تضيع فيه الإيجابية ذاتها، كما يؤكد التاريخ.



* عن موقع الأوان: http://www.alawan.org.

** شاعرة سورية، محرِّرة في مجلة معابر (www.maaber.org).

[1] ديڤيد مكرينولدز، فلسفة اللاعنف، بترجمة ديمتري أڤييرينوس، معابر للنشر، دمشق، 2009.

[2] الضعيف، في هذا الفكر، عنيف كامن: إذ إن "سِلْمه" ليس ناتجًا من قوته، كما يفترض اللاعنف، بل ناتج من نقص إمكانات العنف لديه؛ فمتى تغيرت ظروف هذه الإمكانات تبادَلَ الأدوار مع التدميري في سهولة لا تخفى على أحد.

[3] راجع: جان ماري-مولِّر، "الانتقام ليس حقًّا من حقوق الإنسان!"، http://samawat.org/articles/vengeance_no_human_right_muller. (المحرِّر)

الإمام الثاني عشر (هنري كوربان) - بلال لزيق

الخميس, تموز 2nd, 2009

الإمام الثاني عشر[1]

العالم الموازي

بلال لزِّيق

في افتتاح القول، لا مناص لنا من ذكر أن مقاربة العرفان الشيعي، موضوعاتٍ ورجالاتٍ ومنطلقاتٍ وتبريرًا وغايةً – كان، ولا يزال، مغمورًا، محدودًا بنطاقات ضيقة في مجال الإسلاميات، بل حتى في المجال الشيعي بالأخص. ومَن تناولَه بحقٍّ وموضوعية من المستشرقين لا يتجاوز عددُهم عدد أصابع اليدين، كأمثال لوي ماسينيون وهنري كوربان وأنِّه-ماري شيمِّل ووليم تْشِتِّك وتوشيهيكو إيزوتسو، – حتى إن الأخير، على سبيل المثال، غير مذكور البتة في موسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي، مع أن له العديد من المؤلفات والأبحاث القيِّمة في مجال التصوف الإسلامي، الشيعي تحديدًا[2] – وهذا أمر غريب حقًّا ومدعاة للتساؤل!

خاتم الولاية المحمدية

ثم إنه لا بدَّ من الإشارة إلى أن جُلَّ القول في هذا المقام – إن لم يكن كله – يتناول وقائع حقيقية، لكنها ليست مادية، بل روحية؛ وهذه الوقائع، على الرغم من روحيتها، واقعية. لكن «واقعيتها» ليست من نوع واقعية الوقائع التاريخية الخارجية؛ إذ هي لا تتخذ مكانًا لها في سلسلة التوالي الزمني الخارجي. إن تفسير أية حقيقة روحية انطلاقًا من تاريخ إعلانها على الملأ هو ما يُطلَق عليه اسمُ «التاريخانية» historicisme، الأمر الذي طالما أدى إلى وقوع التباس بين زمان النفس وبين الزمان الواقع في التاريخ.

استنادًا إلى القول السابق، فإن السؤال المحوري يصير: إذا كان الوحي قد خُتِمَ، وإذا كان عصر البعثات الإلهية قد تم، وإذا كان محمد «خاتم النبيين» ولم يعد من بعده نبي آخر («لا نبي بعدي») وكانت رسالته «خاتمة الرسالات»، فهل يستبطن هذا «الختم» للبعثة النبوية أن الصلة بين عالمَي اللاهوت والملكوت، بين الله والإنسان، قد انقطعت؟ وهل إن الفيض الإلهي على الإنسان قد وصل إلى مداه الأخير، بحيث يصح أن نطلق على هذا الإنسان بأنه «الإنسان الأخير» بالمعنى اللاهوتي؟

إن ما انقضى ولم يعد ممكنًا هو أن تكون هناك شريعة أو «رسالة تشريعية» جديدة؛ إنما لا بدَّ من أن يكون «في أمتي عبادٌ ليسوا بأنبياء ولكن يغبطهم النبيون». هاهنا أدرك

[...] التراث الشيعي مؤشِّر افتتاح دائرة جديدة، دائرة الولاية، دائرة الهداية الروحية. لقد أدرك التشيع كمَن تردَّد فيه الصدى العميق لواقع أليم يتمثل في أن الناس في عُسْرها لم يعد لها نبي تنتظره بعد خاتم المرسلين. لذلك فإن أكثر الناس قد أوقفت نفسها تعصبًا على حراسة الرسالة المقفلة، وتصبح فكرة خاتم النبوة علامة على مأساة بشر انغلقوا في ماض لا مستقبل له. (ص 214)

… ماض لا مستقبل له في عمره المديد!

twelfth_imam

العدد التام للأئمة هو اثنا عشر. ومن دون استكمال هذا العدد تكون الإمامة ناقصة وغير مكتملة. لذا إذا كان الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري، قد استشهد في العام 260 للهجرة، من جهة أولى، وإذا كانت الأرض لا تخلو من حجة-إمام، ظاهرًا كان أو باطنًا، لأن من دونه لن يكون بمقدور الإنسانية أن تحافظ على كينونتها، إذ هو السبب الوحيد المتصل بين السماء والأرض بعد أفول نجم نبوة التشريع، من جهة ثانية، فكيف للإمام الثاني عشر أن يغطي تمام الزمان حتى يوم القيامة؟ كيف للإنسان أن يحيا تلك الحياة الطويلة التي امتدت قرونًا دون أن يتسلل إليها الفساد والتلاشي والموت؟ هل ثمة «في البين» معجزة أو كرامة أو عمل استثنائي مباشر لليد الإلهية في الأمر؟!

مافتئ العلماء عبر العصور يجهدون في تسويغ هذا العمر المديد للإمام بقولهم بأنه يمكن للمرء، إذا ما اعتمد نظامًا غذائيًّا نباتيًّا معينًا، أن يمتد به العمر آمادًا طويلة، ويمثلون لذلك بالأنبياء نوح والخضر وإدريس، متناسين أو متجاهلين أو غافلين عن أن السؤال يبقى مطروحًا: إذ كيف لهؤلاء أيضًا أن يطول بهم العمر إلى هذه المدة؟!

في العالمين المادي والمثالي

بعد أن يصف هنري كوربان هذا الوعي بـ«السذاجة»، يجد أن الحل يكمن بالتسليم بوجود عالم المثال mundus imaginalis؛ إذ ثمة خشية مفادها، إذا لم يتم التسليم بهذا «العالم الموازي» لعالمنا، أن كل تعليل لن يؤدي سوى إلى تدمير موضوعه:

إن الحضور المستتر للإمام ومعاصرته المستمرة بين الأزمان ليسا قطعًا استعارة أخلاقية أو تمثيلاً أسطوريًّا، بل هما واقعية عالم المثال الذي فرضت فلسفته النبوية نفسها على السهروردي والأفلاطونيين الفرس، لأنهم علموا أنه من دون وجود هذا العالم ما كان لهم أن يفهموا واقعية الأحداث الروحية الغيبية فوق الطبيعية. (ص 82-83)

وهكذا تُفهَمُ القدرةُ التي يرفض بها الوعي الشيعي أن يتيه في ضلالين مميتين: ضلال العجز – عجز غير المؤهَّلين لإدراك التجلِّيات الإلهية، بتشديدهم الركيك على أن الإمام الآتي لم يولد بعد؛ أو ضلال أبعد، هو اعتراض المشكِّكين: لقد ولد الإمام، لكنه توفي في حياة والده. لذا كان

[...] من المستحيل على الوعي الشيعي أن يتخيل قبولاً ما بأمر ما يكون صدًى أو استباقًا لـ«الرب مات» [قول نيتشه في هكذا تكلم زرادشت: «لقد مات الله»]، وذلك لأن الإمام الثاني عشر هو شخصية تُقدِّم نمطًا عن التطلعات العميقة، كالتطلعات المقابلة في المسيحية، مع خريستولوجيا الجسد الروحاني للمسيح. (ص 84)

إذًا، لا يمكن الولوج في الحديث عن الإمام المنتظَر، زمانًا ومكانًا وغيبةً ورؤيةً ووظيفة، دون الارتكاز بداهةً إلى الإيمان بوجود عالمين: المادي والمثالي، المُلْكي والملكوتي، البدني والنفسي. فمن دون تخطِّي، أو بالأحرى تطوير العالم الأمپيري (عالم المحسوسات) وتصعيده لنصل إلى ذلك العالم المثالي، الأغنى صورًا والأوسع وجودًا والأبقى حياةً من عالمنا هذا، لا يمكن الركون إلى نظرية «الإمام المنتظَر»، الحاضر ملكوتًا والغائب مُلكًا، والاطمئنان إليها؛ ولن يكون ثمة إمكان للإقرار بذلك العالم أو تأويل لـ«الغيبة الكبرى» للإمام دون الإقرار بهذا «العالم الموازي» لعالمنا – عالم «تتجسَّم فيه الأرواح وتتروَّح فيه الأجسام»، وفقًا لتعبير الفيض الكاشاني.

وعلى الرغم من روحية هذا العالم، فإنه عالم متحقق وحقيقي، وليس وهمًا أو غير واقعي. والقوة التي بها يوصَل إلى تلك العوالم الروحية والواقعية معًا يطلق عليها عرفاؤنا مصطلح «القوة المتخيِّلة»، لكنْ لا بمعنى غير حقيقي ولاواقعي imaginaire، بل بالمعنى المثالي imaginal. وهذا الالتباس الذي وقع فيه الفكر الغربي

[...] يفترض مسبقًا تدنِّي القوة المتخيِّلة نفسها، وتدنِّي موضوعها، وتدنِّي وظيفتها المتعلقة. وإذا ما جرت مماهاةُ ذلك مع الاستيهام، حصل الأدهى؛ فيصير العالمُ الذي رسمتْ هيئتَه تلك القوةُ يوطوپيًّا، ويصير الإنسان الواثق بهذه الجارحة صاحب نزعة يوطوپية ومصابًا بذُهان الاضطهاد، مهلوِسًا، منفصم الشخصية. (ص 140-141)

إن إدراكات هذه الجارحة اللطيفة ليست استيهامات ولا أوهامًا؛ إذ إن الأحداث الحقيقية التي تتاح معايشتُها ليست من الأسطورة (في شيء) ولا من التاريخ (ص 139).

في التاريخ القدسي

لذا فقد أمكن القول إن عالم النفس، عالم الملكوت، موجود في كل محل وليس في أي محل. وهذا يعني أن في أرجاء عالمنا المحسوس كلها يمكن أن يدهم الملكوت، وأنه يمكن للملكوت اختراق كل ناحية من أنحاء عالمنا، دون أن يكون الملكوت جزءًا من العالم المحسوس (ص 139).

من هنا كان تاريخ الإمام الغائب – التاريخ المستسر – والتاريخ القدسي تاريخًا وزمانًا وسيطًا «بين الأزمان». وكل حدث يقع في هذا الزمان المستسر يمثل قطيعةً في التاريخ العام لأنه لا يدخل في التاريخ الذي يخضع للسببية التاريخية. إن التاريخ المستسر للإمام الثاني عشر يتناقض مع

[...] وسواس التاريخانية المادية للوقائع، ومن دونه لا يمكن لنا أن نتصور أن ثمة وقائع واقعية. [...] ومع ذلك، فهو يسود الوعي الديني الشيعي منذ أكثر من عشرة قرون؛ بل إنه هو تاريخ هذا الوعي الذي يحياه التشيع في صحبة الحضور الغائب للإمام الثاني عشر، في تفانٍ وشغف، منذ قرون نافت على العشرة. (ص 76)

لا يمكن شرح التاريخ الغيبي للإمام الثاني عشر بآلية قوانين السببية التاريخية. إنه يقع على الجهة المقابلة لجهة اللاهوتيين والفلاسفة الذين «يبحثون عن الربِّ في التاريخ»:

إن تاريخ الإمام الثاني عشر هو تخلُّص من التاريخ (بالمعنى السائد). وإذا لم نفهم ذلك فلن نستطيع الدخول إلى عالم الإمام، وسنلجأ إلى تعليلات «علمية» قد تكون نتيجتها الأجلى إلغاء ما نسعى إلى تعليله. (ص 92)

وليس هذا من الأسطورة في شيء، كما قد يُظَن، بل إنه يمكن لنا القول بأنه يقع في مكان ما فوق التاريخ ودون الأسطورة.

إن جميع التعليلات الاجتماعية والسياسية التي حاولت شرح التشيع على مستوى قوانين السببية التاريخية (فقط) هي تعليلات تُجانِب ما يكوِّن ماهية الوعي الشيعي وموضوعه، لأن زمان الإمامة يظل «بين الأزمان»:

لا يتعلق الأمر بمشروعية سياسية ولا بيوطوپيا اجتماعية، ولكن بما يكوِّن مغزى الإمامة الذي بدأ مع فجر الإنسانية مع شيث بن آدم، كأول إمام (وصي) لأول نبي، وينتهي مع ظهوره أو مجيء آخر وصيٍّ لآخر نبي. لقد بتنا نستطيع فهم ما يحرك الإمامية، في حميَّة وورع واجتهاد، نحو شخص الإمام الثاني عشر. (ص 81)

في الرؤية والغيبة

ولأن الأمر كذلك فإن إدراك الإمام، أو بالأحرى رؤيته، لا تتم بأدوات مادية، كالحواس المادية التي بها تُدرَك الأشياءُ في عالمنا هذا وتُرى. إن أداة الإدراك، هاهنا، هي «عين النفس التي لا تنام»، كما قال فيلون الإسكندري وكما وافق عليه عرفاؤنا أيضًا. إن شخصية الإمام، في ظهوره واستتاره، لا تخضع للقوانين الفيزيائية والأحيائية والمادية التاريخية:

فمَن لم يستطع أن يرى بغير الطريقة التي يدرك بها أيَّ موضوع في العالم الخارجي لن يرى الإمام الغائب عن الإدراك الحسي، حتى لو كان الإمام ماثلاً أمامه. لذا فإن ظهور الإمام، رجعته، لا تحصل ما لم يستيقظ وعي الناس؛ إنه لا يتحقق في «ما بين الأزمان» إلا لعدد قليل ممَّن يختارهم الإمام بنفسه ممَّن لديهم الوعي الروحي، لا مجرد العلم الظاهري الذي يقدر عليه حتى الحيوان. (ص 57)

إن وعي الناس هو المحدِّد الحقيقي والمفصل الواقعي لرؤية الإمام أو عدمها. فظهوره وغيبته متوقف على مستوى الوعي الروحي للناس: إذا كان الإمام غائبًا فلأن الناس غير قادرين على رؤيته، غير مؤهَّلين لها؛ فهم مَن «غابوا» عنه، وليس هو مَن «غاب» عنهم!

وفي النتيجة، ينتهي كوربان إلى خلاصتين أساسيتين:

- الأولى: إن

[...] التشيع يرفض أن يكون مستقبله وراءه: فبخلاف الإسلام السنِّي الأكثري الذي لم يعد للإنسانية في نظره، بعد النبي الأخير، من جديدٍ تنتظره، يحافظ التشيع على المستقبل مفتوحًا، بإعلانه أنه حتى بعد مجيء خاتم الأنبياء، ثمة أمور بعدُ للانتظار، أي إظهار المعنى الروحي للرسالات التي أتى بها الأنبياء الكبار. تلك كانت المهمة التأويلية التي تولاها الأئمة الأطهار. [...] لكن هذا الإدراك الروحي لن يكون كاملاً إلا في نهاية عصرنا، عند ظهور الإمام الثاني عشر، الإمام الغائب في الوقت الحاضر والقطب العرفاني لهذا العالم.[3]

- الثانية: إنه يجب على الفكر الغربي، من الآن فصاعدًا، ألا يستبعد أو يستغرب أو يقصي من أبحاثه ودراساته فكرةَ شخص كونيٍّ منتظَر، سواء سُمِّيَ "الإمام" أو "المخلِّص" أو "المصلح" أو "المسيح":

إن كل ما ظهر ويستمر في الظهور على الوعي الشيعي في صورة الإمام الثاني عشر وأحداث سيرته: ولادته، غيبته، ظهوراته، مجيئه كفارقليط – إن ذلك كله ينبغي له، من الآن فصاعدًا، أن يكون له معنى عند الغربي، ومن الآن فصاعدًا، ينبغي ألا يكون الطرح الشيعي عن الإمام الغائب قصيًّا عن دراساتنا [الغربية] في الميتافيزيقا الأخروية. (ص 239)

زبدة القول إن كتاب كوربان الإمام الثاني عشر نصٌّ لا غنى عنه لكل راغب حقًّا في فهم سرِّ حضور الإله في التاريخ.


[1] هنري كوربان، الإمام الثاني عشر (في الإسلام الإيراني – مشاهد روحية وفلسفية للإسلام، الكتاب السابع)، بترجمة نواف محمود الموسوي، دار الهادي، بيروت، 2007.

[2] صدرتْ مؤخرًا ترجمة لكتابه الإنسان في القرآن في مقاربة لسانية إبداعية؛ ونحن بصدد ترجمةٍ وتعليق على مؤلَّف له قيِّم عن فلسفة الملا هادي السبزاوري.

[3] هنري كوربان، عن الإسلام في إيران – مشاهد روحية وفلسفية، دار النهار، بيروت، 2000، ج 1، ص 27.

التقمص (ديمتري أڤييرينوس) - هڤال يوسف

الخميس, تموز 2nd, 2009

مقالة في التقمُّص

قراءة نقدية

هڤال يوسف*

صدر الكتاب الثاني من سلسلة "الحكمة"[1] التي يقوم عليها الباحث ديمتري أڤييرينوس بعنوان مقالة في التقمص[2]. يحوي الكتاب، بالإضافة إلى "مقالة في التقمص بحسب التعاليم الثيوصوفية"، ثلاثة نصوص للمفكر الثيوصوفي وليم ك. دجدج تحمل عناوين "العَوْد للتجسُّد" و"كَرْمى" و"حِكَم في كَرْمى"، ترجمَها إلى العربية توفيق شمس وديمتري أڤييرينوس.

reincarnation

موضوع البحث، في حقيقته، يتجاوز سؤال التقمُّص، الشائك والعسير، وذلك لأن قضية كهذه لا يمكن فصلها عن مجمل الأسئلة والأسرار الوجودية حول حقيقة الإنسان وماهيته، حول الحياة – معنًى وغايةً –، وحول الوجود بكلِّيته وما يكتنفه من مجاهل معرفية لا تزال تحتفظ بعذريتها بعيدًا عن متناول الفضول الإنساني.

يتماس التقمُّص مباشرة مع الموت وما يفرزه من تساؤلات وقضايا شغلت معظم الفلاسفة والعلماء والمفكرين على مرِّ العصور. يقول الراحل دَگْ همِّرشولد، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة:

لو ذهبنا حتى جذر الموضوع فإن فكرتنا عن الموت هي التي تقرِّر إجاباتنا عن جميع الأسئلة التي تطرحها الحياة.[3]

في محاولته لتجاوز الموت، وفي أثناء بحثه عن ينبوع الحياة والخلود والأبدي، طرح الإنسان إجابات عدة بقيت محل جدل طويل. بعض تلك المذاهب والأفكار لا يزال محتفظًا بحيويته في وقتنا الراهن، وخاصة تلك التي اعتمدت مفهوم التقمص أو "العَوْد للتجسد" reincarnation لبنةً أساسيةً في بناء منظوماتها العقائدية والفكرية.

يرتبط التقمُّص ارتباطًا وثيقًا بعلم الأخرويات أو "النشوريات" eschatology، أي الاعتقاد باستمرار الحياة بعد الموت، أو بالحري، اعتبار الموت سيرورة من سيرورات الوجود؛ فهو، بالتالي، تحوُّل وانتقال، لا إلى عالم آخر مفارق، بل إلى حالة أخرى – ذلك لأن من المبادئ الأساسية للثيوصوفيا Theosophy، التي ينطلق منها المؤلف في دراسته للتقمُّص، النظر إلى الكون بوصفه كائنًا واحدًا لا يتجزأ، لا يولد ولا يموت، أزليًّا غير محدود (ص 16).

بالعودة إلى الكتاب الذي بين أيدينا، لا يحاول المؤلف مَنْطَقَةَ آرائه أو "فَكْرَنتها"، وذلك لأنه يتناول ما يتجاوز حدود المنطق والفكر، ولأن الكلام على المطلق واللاتناهي والأزل والأبد إلخ يقع خارج حدود التذهُّن والتصوُّر. يؤكد ذلك الحسين بن المنصور الحلاج في "طاسين الفهم"، إذ يقول:

أفهام الخلائق لا تتعلق بالحقيقة، والحقيقة لا تليق بالخليقة. الخواطر علائق، وعلائق الخلائق لا تصل إلى الحقائق.[4]

من هذا المنطلق، فإن المؤلف، عبر شرحه للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها "دين الحكمة" (الثيوصوفيا)، لا يحاول إقناعنا بقدر ما يحاول تعريفنا بهذه العقيدة التي ترى الكون كائنًا واحدًا لا يتجزأ: "حي وعاقل – ككل وفي كل جزء من أجزائه. وهو، في كلِّيته، تجلٍّ لمكوِّنه الذي هو الله أو الواحد أو المطلق" (ص 16). لا خوف هنا من الوقوع في الإشكالية الأرسطية حول حدوث العالم أو قِدَمِه، لأن "الله، من هذا المنظور، ليس كائنًا مستعليًا transcendent على الكون" (ص 16). بيد أننا نقع هنا في المحذور، حيث يجب اجتناب كل محاولة لتقديم تعريف، وذلك لأن أية محاولة للتعريف بـ"الله" بوصفه خالقًا تقود لا محالة إلى التعريف بما ليس هو "الله". ولقد نبَّه ديونيسوس الأريوپاغي إلى هذا الأمر حين قال:

ليس لأحد ممَّن يحبون الله فوق كل حق أن يجوز له تمجيد جوهر الألوهية السامي – الذي هو الوجود الأعلى والخير الأسمى – على أنه كلمة أو عقل أو حياة أو ماهية، بل على أنه مفارق لكل وصف وحركة وخيال وتخمين ولفظ وفكر وتصوُّر وماهية ووضع وثبات ووحدة وحدود ونهائية، بل وبأي شيء آخر على الإطلاق[5]

– الكلام الذي ينسجم مع القول الهندوسي: "ليس هذا، ليس ذاك". ولكن، كما أسلفنا، لا يحاول المؤلف إقناعنا، الأمر الذي يدفعه إلى الحديث عن خلود الكون، حيث "كل ذرة حية فهي لا تفنى، لكنها في تطور (تفتُّح) أبدي" (ص 17). فالخلود، بمعنى سرمدية أزلية-أبدية، مفهوم نظري غير قابل للتذهُّن؛ وبالتالي، فإنه ينضوي تحت المحتوى الإيماني، لا المعرفي. وفي الحقيقة، إن كونًا لامتناهيًا، مكانًا وزمانًا، هو شيء غير معقول. لكن الثيوصوفيا، باعتبارها هذه الوحدة بين "الله" والكون، لا تتناقض مع ذاتها، وذلك لأن "القوانين سارية في كل شيء، من الذرة إلى المجرة. [...] تناغُم الكل تناغُم واحد غير منقسم" (ص 17).

أحد هذه القوانين هو قانون كرمى karma الذي سنعود إليه لاحقًا. غير أننا نجد أنفسنا هنا أمام معضلة غير قابلة للحل في العلاقة بين الـ"كائن"، الذي هو "شعاع Ray في الكل ومنه" والذي "ينطوي بالقوَّة in potentia على صفات الكل ومقوِّماته كافة" (ص 17)، وبين هذا "الكل"، وذلك لأن كون "الشعاع" ينطوي بالقوَّة على صفات الكل لا يعني البتة أنه يساوي الكل أو أنه قادر على أن يكون كلاًّ بذاته. فاللامتناهي لا يُدرَك، وإنما يُتناهى إليه؛ الأمر الذي بيَّنه ابن عربي في شرحه على مقولة سهل التُّسْتَري حين قال: "إن للألوهية سرًّا، لو ظَهَرَ، لبَطُلَتِ الألوهية"؛ إذ قال الشيخ الأكبر: "الألوهية مرتبة للذات لا يستحقها إلا الله"[6].

ترى الثيوصوفيا في الحياة مدرسة يتعلم فيها المرء من أجل

[...] بلوغ مستوى من الوعي هو الوعي المنعكس على ذاته، أي وعي الوعي [...]. وعندما يخترق "المدرك" حدود ظاهر الأشياء إلى بواطنها يتعرف، كشفًا، وجود العاقلة الصادرة عن أصل الوجود – في نفسه وفي غيره من البشر الفانين الذين يتجلَّى من خلالهم الإنسان الخالد. (ص 18-19)

ولأنه "لا حدود للحكمة وللتعلم" (ص 19)، فالإنسان في حاجة إلى حيوات عديدة لحصول هذا التجلِّي. بيد أننا نسأل من منطلق "لاحدِّية" الحكمة أو لامحدوديتها: هل يتوقف التطور عند "الإنسان الخالد" أم يستمر؟ والإجابة سوف تكون طبعًا: يستمر! عندئذٍ نتساءل: ماذا بعد الكمال؟!

في البحث عن الأصول الكتابية الأولى لعقيدة التقمُّص، يعود بنا ألبرت شڤايتْسِر إلى الأسطورة القمرية القديمة التي تقول:

كل أولئك الذين يغادرون هذه الأرض يذهبون إلى القمر. فنفوسهم تملأ البدر، والهلال المتناقص يجعلهم يولدون من جديد. إن القمر باب السماء، وعندما يعرف المرء كيف يرد عليه يترككم تمرون. ومَن لا يعرف الجواب يحيله إلى ماء ويعيده مطرًا إلى الأرض. وهناك، [يثاب] بحسب ما قدَّمتْ يداه وبحسب ما يملك من معرفة. [...] والحقيقة أنكم عندما تصلون إلى القمر يسألكم: "من أنت"؟ عند ذلك يجب أن تجيبوا: "أنا أنت". وكل مَن يقدم هذا الجواب يتركه القمر يمر.[7]

ويعيد شڤايتْسِر أصل هذه الأسطورة تاريخيًّا إلى سكان الهند السابقين للفتح الآري، حيث يؤكد عدم وجود أي أثر لها في الأناشيد الڤيدية، إلى كونها تبدو غريبة عن التصوف البرهمني.

كذلك نرى أن أزلية الوجود هي من ضمن تعاليم كرشنا لأرجونا في البهگڤدگيتا Bhagavadgītā، حيث يقول: "غير أني لم أكن غير موجود، ولا أنت ولا أولئك الرجال الحكماء، ولن يتوقف أي منا أن يوجد هنا"[8]. ويقول في موضع آخر: "لا وجود لما لم يوجد، أما ما هو حقيقي فإنه لن يكون غير موجود"[9]. أما بخصوص التقمُّص فيقول كرشنا: "كما يتخلص المرء من ملابسه ويلبس ملابس جديدة، كذلك الروح المتجسِّدة تتخلص من الأجساد وتدخل أجسادًا جديدة"[10]. وأما عن دورة الولادة والموت فيقول: "حيث إن الموت مؤكد لمن يولد فإن الولادة مؤكدة لمن يموت"[11].

وبالعودة إلى الكتاب قيد القراءة، نرى المؤلف يستنتج "بالقياس العقلي" أن "الكون [...] صادر عن المطلق" (ص 19). وعلى الرغم من أنه لم يشرح كيفية هذا "الصدور"، يمكن لنا مقارنة مفهوم هذه الكلمة مع مفهوم "الفيض" الأفلوطيني. ولكن، ألا يفترض هذا الصدور عن المطلق مبتدأ زمانيًّا، وبالتالي، منتهًى زمانيًّا أيضًا؟ الثيوصوفيا تقول: لا، لأن المطلق ليس مفارقًا للكون، ولأن الكون قابع أصلاً في كمون المطلق، ولأن مادة الكون "مجلى من مجالي واحدية ما بعد الروح الذي يمكن لنا أيضًا أن نسميه الحياة" (ص 20). وبما أن المادة والروح تجلِّيان للمطلق الكلِّي الخالد، فهما غير قابلين للفناء؛ وبالتالي، فإن "الحياة كلِّية الحضور omnipresent [...] غير قابلة للزوال" (ص 21).

ويرى المؤلف أن الحياة طاقة، وأن الطاقة تخضع لقوانين طبيعية. من هذه القوانين الراحة والنشاط. وبالتالي، وبما أن كل فعل هو طاقة، فإن هذه الطاقة سترتد علينا مساويةً لفعلنا، مما يعني توازنًا وتناغمًا وتواكلاً "بين كل واحدات الحياة المتساوقة في التطور" (ص 22)؛ الأمر الذي ينفي "المصادفة" أو "الحظ"، ليحل محلَّه القانون الكوني الذي هو قانون "لا يخطئ وغير شخصي impersonal" (ص 23). هنا يقع المؤلف في تناقض حين يقول: "من هنا ليس لأي صلاة أو التماس مرفوع لإله أو شفيع أن يمنع القانون من السريان" – نقول "تناقُض" لأن الصلاة أيضًا "فعل"؛ فإنْ كانت الصلاة "صالحة" فلِمَ لا تعود على صاحبها بالخير؟ أليس هذا هو القانون؟!

ينطلق المؤلف، بعد ذلك، راصدًا الحركة الدائرية أو اللولبية في الطبيعة، ليصل إلى إثبات سريان هذا التواتر في الإنسان عبر مفهومي التقمُّص وكرمى – موضوعَي الكتاب.

في إطار شرحه لـكرمى يوضح المؤلف أن "الجذر السنسكريتي كْر kri يتضمن معنى "الفعل" ويدل ضمنًا على دورة العلَّة والمعلول. كرمى هو قانون الدينامية الروحية law of spiritual dynamics" (ص 24). وهو يستشهد بالطبيعة وظواهرها، كتعاقب الليل والنهار والفصول وأطوار القمر إلخ، ليدل على دورية التطور الكوني وليصل، بالتالي، إلى أن هذه الدورية تستوجب الولادة بعد الموت بهدف الوصول بالإنسان إلى غايته الأسمى: الألوهة (ص 25-27). وبالتالي، فإن الكون "مدرسة شاسعة" (ص 28)، والبشر فيها تلاميذ يتعلمون ويختبرون، وتستمر دورات الولادة والموت حتى التخرُّج من مدرسة الكون. وهكذا فإن قانون العلة والمعلول "سار أبدًا، سواء وعيناه أم لم نعِه؛ وبسريانه تصاغ مصائر الأشياء" (ص 30)؛ الأمر الذي قد يقودنا إلى أن النتيجة معروفة مسبقًا، فيما ذهب إليه الجبريون. لكن المؤلف يبيِّن أن هذا "السريان المتواصل للقانون يتولد من إرادة الإنسان الحرة وحدها ويتوقف عليها" (ص 30)؛ وبالتالي، فكل علة هي "معلول معلولها"، على حدِّ قول ابن عربي. وبذلك يبدو كرمى قانونًا لاجبريًّا، يعتمد على سيرورة أفعال الشخص الاختيارية.

لكننا نعود إلى الاختلاف مع المؤلف في حديثه عن المعجزات التي ينفي وجودها، وذلك لأن "كل شيء [...] واقع تحت حُكم القانون. [و]هذا يعني بالضرورة أن الله لا يستطيع خرق قوانينه" (ص 33). وهذه الفكرة تقترب من عقيدة المعتزلة والفكر الأرسطي حول ضرورة الفعل الإلهي تبعًا للقانون. ولكن، هل يمكن الحديث عن "إله" مقيَّد الإرادة بقانونه؟!

وباعتبار أن جميع القضايا الآنفة الذكر تعتمد في معالجتها على السؤال المركزي: "ما هو الإنسان؟" فإن المؤلف يتحدث عن الإنسان بوصفه كائنًا سبعي البنيان من حيث تكوينه؛ لكنه يقتصر في نقاشه على أبعاد ثلاثة، ألا وهي الجسم والنفس والروح (ص 36-37). ولأن النفس هي ما يجعل الإنسان بشرًا، فإنه يوضح هذه الفكرة بقوله: "النفس [...] نفسان: نفس دنيا [...] زائلة [...] تسمِّيها الثيوصوفيا أنيَّة الشخصية personal ego [...]؛ ونفس عليا [...] تتصف بالديمومة [...] يُصطلَح على تسميتها بأنيَّة الفردية individual Ego" (ص 37). وبطبيعة الحال، فالنفس الأبدية، أي "أنيَّة الفردية أو الذات الواعية للإنسان قبل الولادة"، هي التي تتجسَّد، وهي التي تبقى بعد الموت (ص 39).

انطلاقًا من التعريف السابق للإنسان، فإن "الإنسان السوي [يعمل] في ثلاثة عوالم – الجسماني والنفساني والذهني" (ص 39) في الوقت نفسه. ويتم الانعتاق من إسار القانون عندما يبلغ الإنسان بوعيه مرتبة الروح. يحتاج الإنسان للعديد من الدورات الحياتية للوصول إلى هذه المرتبة؛ وبالتالي، فإن دورات التقمُّص هي "الامتداد الزمني الضروري لسريان قانون السببية law of causality" (ص 43). والسؤال هنا هو: كيف؟ ولماذا؟

يقول الكتاب: "تشتمل الولادة على سرٍّ مزدوج: [...] سر نموِّ المضغة [...]. وهناك، ثانيًا، اتحاد النفس بالبدن" (ص 55). ولذلك يؤكد على ضرورة تأمين محيط مناسب لنمو الطفل لأن "الجسم العاجز قد يحوي نفسًا أينعت حكمة" (ص 58). إنما يجب على هذه النفس المولودة أن تحقق استقلالها عن المحيط بأن تصبح قادرة على تحقيق كموناتها تحقيقًا حرًّا (ص 59).

تجري الحياة في تيارين عبر المسار الإنساني: "أولهما جريان النفس (العليا) الخالدة عبر أجسام متعاقبة [...]؛ وثانيهما جريان الحياة من جيل إلى جيل" (ص 59)، تحقيقًا لهدف الإنسانية في التطور وصولاً إلى الكمال: "العودة إلى بيت الآب"، بحسب تعبير المؤلف المقتبس عن الإنجيل (ص 60) – التطور الذي يواصل عمله، مؤكدًا على الأخوَّة الكونية بين الموجودات، من خلال قانون النمو، وذلك لأننا "ننمو بوحدتنا مع كلِّ شيء" (ص 35). فالصلاح، في هذا السياق، هو "القيام بالأعمال المتناغمة مع التناغم العام للكون" (ص 34)، بينما الطلاح هو "الأفعال والخواطر والمشاعر غير المتناغمة" (ص 35). وبالتالي، فالقانون "ينسحب على الصعيد الأخلاقي بمقدار ما ينسحب على الصعيد الجسماني" (ص 35). ويتم هذا النمو عبر دورات الولادة والموت.

تميِّز الثيوصوفيا بين النوم والموت، على الرغم من أن "الموت ليس مختلفًا جدًّا عن النوم" (ص 60): فالنوم انسحاب مؤقت للوعي، بينما الموت يعني مفارقة الجسم نهائيًّا. وتؤكد هذه التعاليم أن الموت الفعلي يحصل قبل الموت الظاهري بمدة طويلة، وذلك حين تتبيَّن الذات العليا انتهاء مهمة "شعاعها" في البدن (ص 61).

ويسير بنا الكتاب في رحلة يصف خلالها حوادث ما بعد الموت، دون براهين بطبيعة الحال، إنما بالاعتماد على التعاليم الثيوصوفية وخبرات الحكمة القديمة، وصولاً إلى تصفية الحساب مع الطبيعة، ليتم التطهُّر من الرغبات والمنازع الشريرة، ولتكون النفس قادرة على مصاحبة الذات العليا للسمو إلى "أرض الآلهة" Devachan (ص 64)، حيث يتحدَّد مستوى الـديڤاخان الذي ستقيم فيه النفسُ طردًا مع مستوى الوعي الذي بلغتْه على الأرض (ص 64). وهكذا يتحدَّد نعيم المرء أو جحيمه بحسب ما قدَّم فيما سلف. ويتم التأكيد صراحة على أن الفردوس وجهنم حالتان، وليسا مكانين. ويقول المؤلف، في جرأة يُحسَد عليها: "تلكم هي قدرة الفكر" (ص 64).

أما مسيرة ما بعد الموت، فتتم عبر مراحل من التأملات، ابتداءً بالأشكال والصور، وصولاً إلى معاينة "الذات" وجهًا لوجه (ص 65). ويحاول المؤلف الإفادة من حالات "الموت السريري المؤقت" (ص 67) للتدليل على صحة هذه الفكرة وصوابها، لكني لا أعتقد أن الأمر بهذا الوضوح وبهذه البساطة. واستنادًا إلى ما سبق، يوصي المؤلف بضرورة مساعدة المحتضر على الانسحاب من جسمه وبعدم إطالة مدة الحداد عليه (ص 68).

يختتم المؤلف مقالته قائلاً:

إن العبرة الكبرى من التقمُّص هي أننا ننطوي على قدرات لانهائية، وفرص أبدية، وغاية إلهية. الثيوصوفيا تعلِّمنا أننا شرارات من لهب واحد، صَدَرنا عن المنبع الأصلي للوجود، ولا بدَّ أن "نعود" إليه يومًا [...]. (ص 69)

ويضيف في لغة شاعرية: "التقمُّص هو إيقاع الوجود نفسه. [...] التقمُّص تأكيد على أن للحياة معنًى وقصدًا. [...] التقمُّص هو العاتق العظيم" (ص 70).

أما فيما يتعلق بملاحق الكتاب – وهي عبارة عن دراسات حول كرمى لدجدج، فلم نرَ ضرورةً للتوقف عندها، لأن معظم الأفكار الواردة فيها جاءت في المقالة السابقة، باستثناء ما يتعلق منها بميكانيزم عمل كرمى، الذي هو في حدِّ ذاته موضوع شائك يحتاج إلى دراسة مطوَّلة، آخذين بعين الاعتبار مختلف الآراء والاجتهادات.

فيما عدا ذلك، يحوي الكتاب الكثير من الأفكار الجدية. وقد استطاع المؤلف، بمنطقه الهادئ الدقيق، وصْل الفقرات والآراء بعضها ببعض بدراية وحكمة، مما أعطى الدراسة قيمة حقيقية. أما ما يؤخذ على البحث فهو توجُّهه إلى الخواص دون العوام – وربما كان هذا الأمر ميزة له، لا مأخذًا عليه! – ولكن قد تتوفر إمكانية إيصال المضمون إلى عدد أكبر من الناس.


* كاتب ومترجم ومحرِّر في مجلة معابر (www.maaber.org)؛ صدر من ترجمته عن الروسية مؤخرًا: ليڤ تولستوي، مختارات من كتاباته الفكرية والفلسفية، معابر للنشر، دمشق، 2009.

[1] جاء في تقديم السلسلة: "المقصود بالحكمة ذلك الموروث الروحي الإنساني المشترك الموغل في القِدَم الذي وصلنا بالنقل وبالخبرة بواسطة الوجه الباطن للأديان والفلسفات القديمة، ويعود بإسناده إلى الخبرات الروحية الكبرى التي حققها الجنس البشري عبر مسيرته المضنية باحثًا عن حقيقة وجوده والتي تجسدت، ولا تزال، في حياة وتعاليم حكماء وعارفين من جميع الشعوب والأزمنة."

[2] ديمتري أڤييرينوس، مقالة في التقمص في ضوء التعاليم الثيوصوفية، ويليها مقالان في العود للتجسد وكرمى و"حكم في كرمى" لوليم ك. دجدج، دار مكتبة إيزيس، دمشق، 1998؛ يقع الكتاب في 112 صفحة من القطع المتوسط.

[3] نقلاً عن: ريتشارد شتاينباخ، معنى الحياة والموت، بترجمة هدى موسى، دار الحوار، اللاذقية، ط 2: 1996، ص 31.

[4] الحلاج، الطواسين وبستان المعرفة، من إعداد رضوان السح، دار الينابيع، دمشق، 1994، ص 47.

[5] نقلاً عن جيمس كارس، الموت والوجود، بترجمة بدر الديب، المجلس الأعلى للثقافة بمصر، 1998، ص 81.

[6] ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت، مج 1، ص 42.

[7] ألبير شويتزر، فكر الهند، بترجمة يوسف شلب الشام، دار طلاس، دمشق، ط 1: 1994، ص 47-49. والأسطورة مأخوذة عن أوپنشاد كَوشيتكي 1.

[8] شاكونتالا راو شاستري، الباجاڤادجيتا (كتاب الهند المقدس)، بترجمة رعد عبد الجليل جواد، دار الحوار، اللاذقية، طب 2: 2005، ص 30.

[9] المصدر نفسه، ص 31.

[10] المصدر نفسه، ص 32.

[11] المصدر نفسه، نفس الصفحة.

على خطى غاندي (حوارات) - لنا عبد الرحمن

الجمعة, حزيران 5th, 2009

على خـطـى غـانـدي

حوارات مع مناضلين روحيين اجتماعيين

بحثًا عن الحقيقة والحرية والسلام

لنا عبد الرحمن

عن دار "معابر للنشر" صدر كتابُ على خطى غاندي[*]، ضامًّا بين دفَّتيه مجموعة "حوارات مع مناضلين روحيين اجتماعيين" – كتابٌ أقل ما يوصف به أنه "ملهِم" لكلِّ مَن يبحث في هذه الحياة عن الحقيقة والحرية والسلام.

on_the_footsteps_of_gandhi

أجرت الحوارات الصحافيةُ الأمريكيةُ كاثرين إنغرام؛ وهي صحافية مختصة في الصحافة الروحية، دأبت خلال عملها على إعداد تقارير حول الشخصيات الكبرى والحركات الروحية والاجتماعية، وبالأخص حول مسألة محورية هي حقوق اللاجئين. من هنا قادتْها هذه القناعات إلى الطواف حول العالم للتحاور مع أصحاب الأسماء الواردة في الكتاب، بغضِّ النظر عن عروقهم وانتماءاتهم؛ لكنْ يظل المشترك بينهم، كما يبين من عنوان الكتاب، هو أن حياة المهاتما غاندي ونضاله وكتاباته كانت منارةً ملهِمة لهم جميعًا.

في مقدمتها للكتاب، تتحدث كاثرين إنغرام عن الظرف الزماني والمكاني الذي دفعها لإجراء هذه الحوارات ثم جمْعِها في كتاب. لم يكن من اليسير صدورُه على الإطلاق، لأن مثل هذه النوعية من الكتب الزاخمة بالمعرفة تحتاج أيضًا إلى نوعية معينة من القراء، سواء في الغرب أو في الشرق؛ لذا توجِّه كلمة شكر لناشر الكتاب ولكلِّ مَن ساعد على ظهوره. وتقول في مقدمتها:

إبان السنوات التالية، وأنا أواصل البحث، حاورتُ معلِّمين روحيين ومناضلين يجسِّدون حالةً من اليقظة بقدر ما يجسِّدون التزام التخفيف من ألم العالم.
[...] إننا نعيش عصرًا خطرًا. إن جهلنا وجشعنا [...] قد باتا حليفين لقدرتنا على تدمير أنفسنا، لا نحن وحسب، بل البيئة التي نعيش فيها جميعًا على الكوكب. لم يعد يجوز لنا أن نسمح لأنفسنا بعقود أخرى من الوفرة على حساب فقراء الأرض. (ص 12، 14)

بيد أن الكاتبة لا تكتفي بالحوارات التي تجريها، بل تقوم بجهد بحثي، تمثَّل في جمع مادة وافية عن حياة كلِّ شخصية من الشخصيات التي تُحاورها، ظروف نشأتها، المكونات الاجتماعية، ودوافع التحول نحو العمل الروحي. وهذه المقدمة البحثية المسهبة قبل كلِّ حوار ضرورية جدًّا لأنها تقدم للقارئ جوانب شخصية لا تَرِدُ في الحوار، لكنها أساسية في إلقاء ضوء كافٍ على شخصية المُحاوَر ونضاله.

مسار الحوارات في هذا الكتاب ينبش عميقًا تحت المجرى المعتاد للعمق؛ بل إن الأكثر تميزًا هو أن مسار الحوارات كلها يتوضع على المستوى ذاته من العمق، بحيث لا يمكن المفاضلة فيما بينها. فالمحاوِرة تمكنت، في ذكاء شديد، من اختيار النقاط المحورية في حواراتها مع كلِّ شخصية على حدة، ومن إبراز الجانب الذي تحقَّق فيه نضالُ هذه الشخصية. فهي، في حين تناقش الدالاي لاما في جوهر ممارسته الروحية وارتباطها بالتزامه الاجتماعي والسياسي مبدأ اللاعنف، تحكي مع المناضل الفلسطيني مبارك عوض عن رؤيته للاحتلال الإسرائيلي، بينما تتحدث مع المغنية الأمريكية جوان بيز عن أثر الفن في نضالها ضد العنف.

تناقش حوارات كتاب على خطى غاندي، بلا مواربة ولا التفاف، أفكارًا وسياسات خطيرة هزت العالم، غيرت اتجاهاته، وتركت آثارها السلبية على سكان هذا الكوكب، على بيئتهم، حياتهم، مرضهم، وموتهم. إنها الحروب، القنابل النووية، سباق التسلح، الأسمدة الكيميائية، الاستعباد، الفقر، الجوع، الظلم، الاضطهاد، عمالة الأطفال، وغيرها من إساءات البشر بعضهم لبعض – كل ذلك يحضر في مقابل وعي أناس آخرين يطالبون بسياسة اللاعنف في مواجهة عنف العالم، جنونه، وغفلته.

يجمع بين سلسلة الحوارات الموجودة في الكتاب نسيجٌ مشتركٌ حيك من خيط واحد، تُمسِكُ به المحاوِرة بقوة ليمتد بينها وبين أبطال كتابها الذين تصفهم قائلة:

إن الرجال والمرأة الذين حاورتُهم في هذا الكتاب بعضٌ من أبطالي ومن أوليائي الشخصيين لأنهم يجسِّدون المُثل التي تبدو لي الأكثر ضرورة في عالمنا. [...] إنهم يخبروننا أيضًا بأن قلبنا يعرف من الآن ما الحق، وبأن عصرًا مضطربًا كالذي نعيشه اليوم هو نداء للإصغاء بانتباه أكبر لهذا "الصوت الخافت" الداخلي والسلوك بمقتضاه. (ص 14-15)

تؤكد مجمل الحوارات أن مشكلات هذا العالم لا ينفصل بعضها عن بعض أبدًا وأننا، بإصرارنا على ممارسة هذا الفصل، نزيد من حدة الأزمة، فيزداد الفقر والتلوث، الجوع والمرض، حيث لا يمكن للعالم أن يتغير من دون أن يُستوعَب أنه لا يوجد بلدٌ في إمكانه أن يعيش معزولاً عن غيره من البلدان؛ وبالتالي، فمن الطبيعي أن تتكل كل دولة، بشكل أو بآخر، على غيرها في العديد من احتياجاتها. هنا لا تكمن الحاجة على المستوى الاقتصادي فقط؛ إذ إن نظرة شمولية تكشف عن أكثر من مفهوم للاحتياج، بما يفرض، بالتالي، التفكير مرارًا قبل إيقاع أيِّ أذًى بالآخر، لأن هذا الأذى سيرتد مع الوقت على فاعله. والأمثلة على ذلك كثيرة في الكتاب، سواء كانت سياسية، مثل حرب أمريكا في ڤيتنام أو حربها على العراق، أم اقتصادية، مثل معرفتنا أن اليابان التي تُعتبَر "معجزة آسيا الاقتصادية" تتكل في احتياجاتها الغذائية على الاستيراد بنسبة 70%. فهل يمكن إذن فصل مشكلات العالم بعضها عن بعض؟!

هناك أيضًا المصالحة بين شقَّي العالم: المادي والروحي. وليس المقصود هنا بكلمة "روحي" غير الجانب القيمي السلوكي من الإنسان، لا الجانب العقائدي، حيث إن القيم العليا هي التي ستؤدي حتمًا إلى شيوع الرحمة والمودة، تقبُّل الآخر، التفكير فيه، فالعمل من أجله، ثم الوصول إلى تخفيف جزء ضئيل من معاناة البشر.

يضم الكتاب كلمة توطئة لرامتشاندرا غاندي، حفيد المهاتما غاندي، يقول فيها:

إنني لواثق من أن المهاتما غاندي، لو كان حيًّا، لبارك العمل الجبار الذي أنجزه الرجال والنساء الأفذاذ الذين حاورتْهم كاثرين إنغرام في هذا الكتاب. (ص 7)

كما يضم الكتاب ثمانية حوارات مع الشخصيات التالية، على التسلسل: قداسة الدالاي لاما، الزعيم الروحي والسياسي للتيبت، مبارك عوض، المناضل اللاعنفي الفلسطيني، جوان بيز، مغنية أمريكية، الراهب البوذي الڤيتنامي تيك نات هَنْه، سيزار تشاڤيز، أول رجل في تاريخ الولايات المتحدة يؤلِّف نقابة للعمال الزراعيين، أهنگمگي تودور آريارتْنِه، مناضل من شري لانكا مسئول عن جمعية تهتم لتنفيذ برامج تخص التربية والصحة والزراعة، الأخ ديڤيد شتايندل راست، الراهب "المسكوني"؛ وآخر الحوارات كان مع أسقف جنوب أفريقيا دزموند توتو.

إن ما ينبغي قوله بشأن هذه الحوارات أن أصحابها قد كرسوا حياتهم لهدف نبيل، صاغوا عمرهم كله في سبيل تحقيقه، من دون أي تردد أو خشية رفض اجتماعي أو سياسي، بل في تحدٍّ وإصرار تام على الاستمرار، على الرغم من كل المكابدات التي تعرضوا لها، وعلى الرغم من أن بعضهم كان مدرِكًا أن نهاية المسار لن تكون نتائجها على يديه وفي زمنه، كما تقول جوان بيز: "[...] لا أعتقد بأني سأرى، خلال حياتي، نتائج كل المعارك التي خضناها [...]" (ص 112)؛ وهذا أيضًا ما يوافق عليه الراهب البوذي تيك نات هَنْه حين يقول: "إذا كانت السعادة موجودة هنا حقًّا فسيكون لنا مستقبل" (ص 157)؛ وفي عبارة أخرى: إن مسيرة عملنا فقط هي التي تَعِدُنا بالوصول إلى نتائج.

ملفتٌ في هذا الكتاب الجهدُ الملموسُ الذي قام به المترجم أديب الخوري، سواء على مستوى الترجمة أم في تذييله الكتاب بخاتمة كتبها حول رؤيته لمفهوم اللاعنف وتلامُسه مع الواقع العربي. يقول:

انسحبت أمريكا من ڤيتنام مهزومة، لكنها تمارس اليوم عنفًا لا يقل شراسةً عن عنفها في ڤيتنام، إنْ لم يفقْه، في العراق وأفغانستان، وفي أماكن أخرى أيضًا.
[...] يبدو، إذن، أن "أولي الأمر" في "البلد الأعظم" لم يتعلَّموا شيئًا من درس ڤيتنام [...]. فالذين يموتون في أركان العالم الأربعة ليسوا أولادهم، بينما تستمر خزائنهم وأهراؤهم بالامتلاء!
هل يعني هذا أن جهود جوان بيز، وكل مَن ناضل معها، وكل مَن يجاهد اليوم، وكل الملايين التي تظاهرت في عشرات مدن العالم في يوم واحد عشية الحرب على العراق، قد ذهبت عبثًا وأدراج الرياح؟ (ص 280-281)

يحكي أديب الخوري عن كارثة السلاح النووي الذي يسبب تخزينُه مباشرةً إنضاب الموارد الرئيسية للأرض، كما يتناول المخاطر الاجتماعية والأخلاقية للهندسة الوراثية والاستنساخ، ثم يختم كلمته بفكرة "الفداء"، حيث فضيلة التخلي والتنازل، ولو عن وجبة طعام واحدة، قادرة على فعل الكثير، ليس على مستوى الجوع المادي وحسب، بل في منح الروح الانعتاق أيضًا.

هذا الكتاب هو الإصدار الورقي الثالث لدار "معابر للنشر"، بعد إصدارها كتابين متميزين هما: قاموس اللاعنف لجان-ماري مولِّر (بالتعاون مع "الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية") والتأمل للحكيم الهندي كريشنامورتي. هذا وقد عُرِفَتْ معابر في العالم العربي عبر الموقع الثقافي الإلكتروني www.maaber.org، الذي يتميز بوجود مكتبة هامة، وبحرصه أيضًا على نشر القضايا التي تتصل مباشرة بجوهر الإنسان وتوازُن علاقته مع الكون.


[*] كاثرين إنغرام، على خطى غاندي: حوارات مع مناضلين روحيين اجتماعيين، بترجمة أديب الخوري ومراجعة ديمتري أڤييرينوس، معابر للنشر، دمشق، 2008.