Archive for the ‘نصوص’ Category

إپكتيتوس - ألان

الأثنين, آذار 8th, 2010

إپكتيتوس*

alain_1

ألان**

"ادحض الرأي الباطل، تقض على الشر" – هكذا يتكلم إپكتيتوس[1]. والنصيحة تصلح لِمَن كان يتوقع نيل الشريط الأحمر[2]، فيمتنع عن النوم مشغول البال بأنه لم ينله. هذا غلوٌّ في تقدير سطوة قطعة شريط؛ حسب المرء أن يفكر فيه كما هو – قليل من حرير، قليل من صباغ أحمر – فلا يكدِّره الأمر. ويُكثر إپكتيتوس من إيراد أمثلة قاسية؛ فهذا الصديق الصالح يصطحبنا من كتفنا قائلاً: "ها أنت ذا مغتمٌّ لأنك لم تقوَ على احتلال هذه المكانة المرغوبة في السيرك[3] التي تظن أنك حقيق بها. تعال إذن، فالسيرك خال الآن؛ تعال والمسْ هذا الحجر الرائع؛ بوسعك حتى أن تجلس عليه." الدواء هو هو إياه لصدِّ جميع المخاوف وجميع المشاعر المستبدة: يجب الذهاب إلى الشيء رأسًا ورؤية ما هو.

وإپكتيتوس هذا نفسه يقول للمسافر المبحر: "أنت خائف من هذه العاصفة، وكأن عليك أن تبتلع هذا البحر الكبير برمته؛ ولكنْ، يا عزيزي، بحسْبك مكيالان من الماء لكي تغرق." إنه موقن أن حركة الموج المهولة هذه تمثل الخطر الحقيقي أسوأ التمثيل. يقول المرء ويفكر: "بحر هائج؛ صوت الهاوية؛ أمواج غاضبة؛ نذير؛ هجوم." ذلك ليس صحيحًا البتة؛ إنه مجرد تذبذب تابع لجاذبية الأرض والمدِّ والجَزْر والريح؛ ما من قَدَر مشؤوم؛ ليس هذا الصخب كله ولا هذه الحركة كلها ما سيقتلك؛ ما من قضاء مبرم: يمكن للمرء أن ينجو من الغرق، كما يمكن له أن يغرق في ماء هادئ. المشكلة الحقيقية هي هذه: هل سيبقى رأسك خارج الماء؟

تناهى إلى سمعي ما يُروى عن بحارة قديرين كانوا، إذا دنوا من صخرة ملعونة بعينها، ينبطحون على القارب مغطين عيونهم. وبذا كان كلام سبق لهم أن سمعوه يقتلهم. وجثثهم الملفوظة على ذاك الشاطئ نفسه كانت تشهد للرأي الباطل. أما مَن يُحسن التفكير في مجرد صخور، في تيارات، في دوامات، وفي الحاصل، في قوى مترابطة وقابلة للتعليل تمامًا، فهو قادر على التحرر من إسار الرعب كله، وربما من الضرر كله. مادام المرء يناور، فهو لا يرى إلا خطرًا واحدًا بعينه في وقت واحد. المبارز الماهر لا يجزع البتة لأنه يرى رؤية واضحة ما يفعل وما يفعل خصمه؛ أما إذا سلَّم أمره للقَدَر، فإن النظرة السوداء التي تتربص به تطعنه قبل أن يطعنه السيف؛ وهذا الخوف أسوأ من الضرر.

إن رجلاً عنده حصاة في الكلية ويسلِّم أمره للجراح يتخيل بطنًا مفتوحًا ودمًا دافقًا. أما الجراح فلا. الجراح يعرف أنه لن يشق خلية واحدة، أنه سيباعد فقط بين خلايا هذه المستعمرة من الخلايا ويشق لنفسه ممرًّا عبرها؛ ربما اتفق له أن يدع قليلاً من هذا السائل الذي يغمرها ينزف، لعله أقل حتى مما يكلف جرحٌ من النزف يدًا سيئة التضميد. إنه يعرف ما هم أعداء هذه الخلايا الحقيقيون الذين تشكِّل لصدِّهم هذا النسيجَ المرصوصَ الذي يقاوم الحديد؛ إنه يحدد مكمن هذا العدو – الجرثومة – بهذه الحصاة التي تسد الطريق على الفضلات الطبيعية؛ إنه يعرف أن مبضعه يحمل الحياة، لا الموت؛ يعرف أن ذلك كله، بعد أن يندحر الأعداء، سرعان ما سيحيا من جديد، على غرار الجرح الدقيق والنظيف، لا يكاد أن يُحدَث حتى يلتئم. فإذا تسلح العليل بهذه الأفكار، إذا دحض الرأي الباطل، فهذا قد لا يشفيه من الحجر، لكنه على الأقل يشفيه من الخوف.

10 كانون الأول 1910

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Épictète », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 164-166.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] فيلسوف رواقي يوناني اللسان (حوالى 50-130 م)؛ كان عبدًا في روما، أعتقه سيده، ثم ما لبث أن نُفي. مدار أخلاقه حول الفارق بين ما يتوقف على الفرد وما لا يتوقف عليه؛ لم يكتب، فلم يصلنا منه غير المحادثات والوجيز اللذين دوَّنهما أحد تلامذته. (المحرِّر)

[2] كناية عن الفوز بمنزلة عالية وما يصاحبه من تشريف. (المحرِّر)

[3] ميدان مستدير مدرَّج في روما القديمة كان يتصارع فيه المُجالدون أو يصارعون الحيوانات الضارية. (المحرِّر)

أفلاطون طبيبًا - ألان

الجمعة, شباط 26th, 2010

أفلاطون طبيبًا*

alain_2

ألان**

كان ترويض البدن والموسيقى وسيلتَي أفلاطون الطبيب الكبريين. والرياضة البدنية تعني اشتغال العضلات المعتدل بنفسها بغية مطِّها وتدليكها داخليًّا بحسب حالها. العضلات الموجوعة تشبه إسفنجًا محشوًّا بالغبار؛ فتنظَّف العضلةُ كما ينظَّف الإسفنج، وذلك بحقنها بالسائل والضغط عليها أكثر من مرة. لقد قال أهل الفسيولوجيا تكرارًا بأن القلب عضلة جوفاء؛ ولكنْ، بما أن العضلات تتضمن شبكة غنية من الأوعية الدموية، تضيق وتتوسع على التناوب مع الانقباض والانبساط، يصح قولنا أيضًا بأن كل عضلة أشبه ما تكون بقلب إسفنجي يمكن لحركاته – وهي حيلة نفيسة – أن تُضبَط إراديًّا. ومنه نرى أن الذين ليسوا بتاتًا سادة عضلاتهم بالرياضة البدنية – هؤلاء الذين نسميهم خجولين – يحسون في نفسهم بموجات دم هوجاء تتدفق نحو الأجزاء الرخوة من البدن، ما يجعل وجهَهم يحمرُّ تارة دونما سبب، ومخَّهم يغزوه تارة أخرى دمٌ عَجول، فتصيبهم نوبة هلع قصيرة، وأحشاءَهم طورًا كأنها غُمِرتْ، وهي وعكة معروفة جيدًا – وهذه عوارض يجدي معها قطعًا تمرينُ العضلات تمرينًا مضبوطًا. وإننا هاهنا نعاين ظهور الموسيقى على هيئة أستاذ الرقص الذي يضبط، بكمنجته الرديئة الصغيرة، دوران الدم في الأحشاء على أحسن ما يرام. وبذلك فإن الرقص يشفي من الخجل، كما هو معلوم، لكنه يفرِّج عن القلب أيضًا بطريقة أخرى، وذلك بمطِّ العضلات مطًّا معتدلاً بكل هدوء.

منذ بضعة أيام، قال لي امرؤ يعاني صداعًا إن حركات المضغ، في أثناء الوجبات، سرعان ما تخفف عنه الألم. فقلت له: "عليك إذن بمضغ اللبان، على طريقة الأميركيين." لكني لا أدري إنْ كان قد جربه. الوجع سرعان ما يجعلنا فريسة تصورات ميتافيزيقية: نتخيل في بؤرة الوجع داءً، كائنًا خرافيًّا تسلل إلى ما تحت جلدنا، ونود أن نطرده بالسحر. يبدو لنا غير قابل للتصديق أن يمحو الوجعَ – الوحشَ الناهشَ – تحريكٌ للعضلات مضبوط؛ إنما ليس هناك، على وجه العموم، من وحش ناهش بتاتًا، ولا شيء من هذا القبيل: إنْ هي إلا استعارة بلاغية رديئة. جرِّبْ أن تبقى واقفًا طويلاً على رجل واحدة، وستلحظ أنك لن تحتاج إلى تغيير كبير لإحداث وجع مبرِّح، ولا إلى تغيير كبير لإزالته. فالمطلوب، في الحالات كلها، أو في معظمها، هو ابتكار رقصة بعينها. كلٌّ يعرف جيدًا أنها سعادة أن يمط المرء عضلاته ويتثاءب في حرية؛ لكن ما لا يخطر بالبال بتاتًا هو تجريب ذلك على سبيل الرياضة البدنية، وذلك من أجل الشروع في هذه الحركة المحرِّرة. على الذين لا يتيسر لهم النوم أن يحاكوا النعاس وسعادة الاسترخاء؛ لكنهم، على العكس، يحاكون نفاد الصبر، الكرب، الغضب – وهاهنا مضرب جذور الكبرياء، التي تعاقَب دومًا عقابًا شديدًا. لذا تراني، مستعيرًا قلنسوة هيپوقراطس[1]، أحاول أن أصف التواضع الحق، شقيق الصحة وابن ترويض البدن والموسيقى.

4 شباط 1922

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Platon médecin », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 213-215.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو أبقراط اليوناني (حوالى 460-377 ق م) في التراث العربي، أشهر أطباء العصور القديمة. يتأسس مذهبه في الطب على التحولات الطارئة على أخلاط البدن؛ وأخلاقه هي في الأصل من اليمين التي يؤديها أطباء العالم أجمع لدى تخرُّجهم (قَسَم أبقراط). (المحرِّر)

رواقية - ألان

الأربعاء, شباط 10th, 2010

رواقـيَّـة*

alain_1

ألان**

ربما لم يُحسن الناسُ الاستفادةَ من الرواقيين ذائعي الصيت، وكأن هؤلاء لا يعلِّموننا إلا مقاومة الطاغوت والاستخفاف بالعذاب. أما أنا فيستبين لي أكثرُ من استعمالٍ لحكمتهم الباسلة – ببساطة، ضد المطر والعاصفة. تفكُّرهم كان يقوم، كما هو معلوم، على بادرة للانفصال عن الشعور الأليم، والنظر فيه كموضوع، ومخاطبته: "أنتَ من الأشياء، لست منِّي." وعلى العكس، مَن لا يجيدون بتاتًا فن الحياة حياةَ الملوك على بساط حقير يتركون العاصفة تجتاح دواخلهم، ويقولون طواعية: "أحس بالعاصفة قادمةً من بعيد، وأنا نافد الصبر ومرهَق في آن معًا… فارعدي، إذن، يا سماء!" إن هذا لمن قبيل التشبُّه بحياة الحيوان، مع الفكر زائدًا. إذ إن الحيوان، على ما يبدو، تكيِّفه برمته العاصفةُ القادمة، مثلما أن النبتة تنحني للشمس الحارقة وتنتصب في الظل؛ لكن الحيوان لا يعرف عن الأمر الشيء الكثير، مثلما أننا في النوم الخفيف لا نعرف إنْ كنا مبتهجين أم مكتئبين. هذه الحال من الخَدَر تصلح للإنسان أيضًا وتريحه دومًا، حتى في غمرة أشد أنواع المشقة، شريطة أن يسترخي التعيس كل الاسترخاء – وأعني هذا حرفيًّا: على جميع الجوارح أن تكون حسنة الاتكاء، وعلى جميع العضلات أن ترتخي؛ فثمة فنٌّ في التكوُّم المريح، هو ضرب من التدليك من الداخل، وهو نقيض التشنج، علة الغضب والأرق والجزع. فللذين يعجزون عن الخلود إلى النوم، أقول بطيب خاطر: "تمثَّلوا بالقط النافق!"

والآن، إذا لم يتمكن المرء من النزول إلى هذه الحال الحيوانية، التي هي الفضيلة الأپيقورية صرفًا، إذ ذاك عليه أن يتنبَّه تنبهًا شديدًا، وأن يثب، إذا جاز القول، إلى الفضيلة الرواقية؛ إذ إن كلتا الفضيلتين حسنة، وبين بينهما هو الذي لا يجدي نفعًا. فإذا لم يكن المرء يقوى على الغوص في الحال العاصفة أو المطيرة، عليه عندئذٍ أن يدفعها عن نفسه دفعًا، أن ينفصل عنها، فيقول: "إنْ هذا إلا مطر وعاصفة، وليس أنا." وأصعب منه، جزمًا، متى تعلق الأمر بملامة مجحفة، أو خيبة، أو غيرة؛ فهذه الحشرات الضارة تعلق بك. مع ذلك، يجب على المرء أن يجترئ على القول في الآخِر: "لا عجب إذا وجدتُني بعد هذه الخيبة على هذه الحال من الكآبة، فالأمر طبيعي كالمطر والريح." هذه النصيحة تغيظ أصحاب الأهواء؛ فهم يُكرهون أنفسهم، يقيِّدونها، يعتنقون عذابهم. أشبِّههم بطفل يصيح كالجحش، فيبلغ به اغتياظُه من شدة حمقه أنه يصيح صياحًا أشد. بوسعه أن يعتق نفسه بنفسه بقوله: "طيب، فماذا إذن؟ إنْ هو إلا طفل يصيح." لكنه لا يجيد الحياة بعد. فضلاً عن أن فن الحياة لا تجيده غير قلة قليلة. لكني أرى أن واحدًا من أسرار السعادة هو عدم اكتراث المرء بمزاجه؛ بذا، فإن المزاج، إذ يُستهان به على هذا النحو، تراه يهوي من جديد في الحياة الحيوانية، كأنه كلب يرجع إلى بيته. وهاكم، فيما أرى، واحد من أهم أبواب الأخلاق الحقة – انفصال المرء عن أخطائه، عن حسراته، عن ويلات التفكر كلها، والقول: "هذا الغضب سيزول متى شاء." فهذا الغضب، شبيهًا بطفل لا يُلقَ بالٌ إلى صياحه بتاتًا، يزول في الحال. جورج صاند[1] – وهي صاحبة نظر نافذ – أجادت تمثيل هذه النفس المَلَكية في روايتها كونسويلو، وهو عمل قوي، غير مقروء إلا قليلاً.

13 آب 1913

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Stoïcisme », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 167-169.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هي الأديبة الفرنسية أورور دوپان (1804-1876)، الملقبة بجورج؛ استلهمت في رواياتها الحياة العاطفية والاجتماعية والقروية، ومنها: ليليا (1833)، كونسويلو (1842-43)، البركة ذات الشيطان (1846)، فاديت الصغيرة (1849). (المحرِّر)

في المرج الكبير - ألان

السبت, شباط 6th, 2010

في المرج الكبير*

alain_1

ألان**

لدى أفلاطون قصص كحكايات العجائز، تشبه من هذا القبيل جميع حكايات العجائز، لكنها، عبر كلمات صغيرة بعينها يلقيها كما لو تلميحًا، تراها تدوِّي في أعماق نفوسنا وتضيء منها بغتة خبايا مجهولة. من هذه القصص قصة رجل يدعى إرْ Er، كان قد حُسِبَ في عداد القتلى بعد إحدى المعارك، ثم عاد من عالم الموتى[1] حالما تبيَّن الغلط، فروى ما رأى هناك.

هو ذا الامتحان الأكثر هولاً: تُقتاد النفوسُ، أو "الظلال"، أو ما شئتم، إلى مرج كبير، فتُلقى أمامها أكياسٌ فيها مصائر تُخيَّر فيما بينها. هذه النفوس لا تزال تتذكر حياتها الماضية، فتختار بحسب رغباتها وحسراتها. فمَن رغب منها في المال أكثر من أي شيء سواه يختار مصيرًا مملوءًا مالاً؛ ومَن أصاب الكثير منه يطلب المزيد أيضًا. الشهوانيون يطلبون أكياسًا مملوءةً بالملذات؛ أصحاب الطموح يطلبون مصير ملك. وفي آخر المطاف، يجد كلٌّ منهم ما يلزمه، ثم يقصدون، وعلى عاتق كلٍّ منهم قَدَره الجديد، نهر ليثي Léthé – الذي يعني نهر النسيان –، فيشربون من مائه، ثم ينصرفون إلى أرض البشر من جديد ليعيش كلٌّ منهم بحسب اختياره[2].

هو ذا امتحان عجيب في نوعه وعقاب غريب، لكنه أكثر هولاً مما يبدو عليه. إذ إنهم قليل بين الناس مَن يتفكرون في الأسباب الحقيقية للسعادة والشقاء. فأولئك يتقصون الأسباب حتى منبعها، أي حتى الرغبات الطاغية التي تحبط عمل العقل. أولئك يحترسون من الثروات لأنها تغري بالتبجح وتصم الآذان عن الأشقياء؛ يحترسون من السلطان لأنه يجعل، كثيرًا أو قليلاً، جميع أصحابه من الباغين؛ يحترسون من الملذات لأنها تخبي سراج الفطنة وتنتهي إلى إخماد نوره. هؤلاء الحكماء سوف يقلِّبون إذن في حذر أكثر من كيس ذي مظهر أخاذ، حريصين دومًا على عدم فقد توازنهم وعلى عدم المقامرة، في مصير براق، بالقليل من حسِّ الاستقامة الذي اكتسبوه وحافظوا عليه بكثير من المشقة. هؤلاء سوف يحملون على عاتقهم مصيرًا مغمورًا ما يأبى الجميع أن يتنكَّبوه.

أما الآخرون، الذين هرولوا طوال حياتهم وراء رغبتهم، متلذذين بما بدا لهم طيبًا، من غير أن ينظروا إلى أبعد من القصعة، ماذا لأولئك أن يختاروا يا ترى، اللهم إلا المزيد من العمى، المزيد من الجهل، المزيد من الكذب والبغي؟ وبهذا يعاقبون أنفسهم بأنفسهم عقابًا أشد من أي عقاب قد يُنزله بهم أي قاض. لعل هذا المليونير الآن في المرج الكبير – فماذا تراه سيختار؟ ولكنْ دعنا من الاستعارات؛ فأفلاطون لا يزال أقرب إلينا مما نظن بكثير. أنا ما عندي أي خبرة عن حياة جديدة بعد الموت؛ لذا فإن قولي إني لا أومن بالآخرة هو من قبيل الحشو، والأصح منه قولي إن لا رأي لي في الأمر بتاتًا. أقول بالأولى بأن الحياة الآتية، حيث نعاقَب بحسب خيارنا نحن، وحتى وفقًا لقانوننا نحن، هي هذا المستقبل بعينه الذي لا ننفك نمضي فيه والذي يفضُّ فيه كلٌّ منا غلاف الصرة التي اختارها. والصحيح أيضًا أننا لا ننفك نشرب من نهر النسيان، لائمين الآلهة والقَدَر. فمَن اختار الطموح لم يحسَب أنه اختار التزلف الوضيع، الحسد، البغي؛ لكنها كانت من جملة محتويات الصرة!

5 حزيران 1909

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Dans la grande prairie », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 83-85.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] في الأصل الفرنسي les Enfers: هو، بحسب اعتقاد الإغريق، عالم هاذِس Hadès أو پلوتون Pluton، إله العالم السفلي الذي تذهب إليه النفوس بعد موتها. (المحرِّر)

[2] يمكن للقارئ الرجوع إلى الجمهورية (الكتاب العاشر) للاطلاع على وصف أفلاطون الشائق لمغامرة إرْ. (المحرِّر)

لكنه شيطاني ذكَّر - دارين ناظم

السبت, كانون الثاني 30th, 2010

إلى الشِّعر الذي يهجرني!

داريـن نـاظـم*

لكـنَّـه شـيطـاني ذكَّـر…

بَعدَكَ
للسهم عبور جاهل
وللفضائل أسماء جديدة

أمدُّ ذراعي
لعل احتضار المدى يحتاج إلى طيش أصابعي
وتلك الحمَّى على الجبين
ما السرُّ فيها؟!

عند التحام القاسي بالغضِّ
كأن المرايا كيانٌ يحتاط منِّي
فأعتنق ضدِّي

وأمُّك العذراء التي تطهو في فنائك الخلفي
تزيد الملح في القِدْر وتطهوني
وتدعو كلَّ جيرانك إلى مأدبة سجدتْ في ذاكرتي
لِمَن مُسحوا بزيت لينسوني

مدخل:

موجعةٌ أنتِ، تكراريةٌ رتيبةٌ ولا تشبه ذاتها! يُجفِلُها جنونُ عاقل يفقه ما حوله حدَّ الإنهاك، ويبوح مبالغًا، بالغًا حدَّ الانتهاك! أفٍّ ما أصعب البدايات التي لا تُحَدُّ بزمن! كبدْءِ الخلق تتماهى معه الزيارةُ الأولى للشِّعر. متى بدأ، وحتَّام يستمر؟ بل ما هما الأزلُ والأبدُ لدى فكر صغير يعانق قشرتَه برضى!

ها أنتَ ذا تثور فيَّ، فتتقاسمني المراحلُ متمازجةً، متمايزةً في عبثيَّةٍ دافقةٍ كدم حارٍّ، حتى آخر قطرة يسحُّ. بعد أن بَقَرَني الثورُ ذو القرنين الذهبيين، واللهاثُ الدافئ يلقي بغَبَشِه الأبيض على بلور عينيَّ ثم يكتب.

نعم، يمكن للضباب أن يكون كاشفًا. رحماكَ، أيها الضبابُ المقدسُ! غلِّفْني سبع مرات، اجعلْني رطبةً حدَّ الإشباع، قبل أن تتلاشى بعيدًا، حتى من الذاكرة، باحثًا عن تربة أخصب.

أنبتْني، رحماك!

دهشة:

حسبي منكَ السؤال، يقفز كظبي يلهو، مستهترًا بالخطر المحدق، بشَرْعَةِ الغابِ تحدِّد أدوارَ كلٍّ منا. وحسبي منكَ انتفاضةٌ في شغاف القلب، لا يضاهيها ابتسامُكَ الذي، في البدء، كان مسبِّبَها. ها أنا ذا أتحرر من أسْركَ إلى احتلام مبكر لا يغنيني عنكَ، فأسجَنُ في شوقي إلى أسْركَ.

اقتنصْني، أرجوكَ، أيها النسرُ الحرُّ الكاشفُ تحتكَ كلَّ مساحة. ففي عشِّكَ، حتى لو لم أكن ما يتعدَّى فريسةً تنتظر انقضاضَ المناقير المتحفِّزة، أنَّى لي نكرانُ أو تجاهُلُ أن الشاهقاتِ تعبث بفطرتي كمُقاساة لذيذة.

أقبعُ هناكَ مع فراخكَ الجائعة، لعلَّهم يصيرون إخوةً لي في التوق إلى نزع لثام أحجيات ذلك العلوِّ والعمق اللذين يخلبانني اقتباساتي حتى قبابِ السماواتِ وأغوار الجحيم – وكلاهما نارٌ آكلة.

معرفة:

ليست أسناني ما يشغلني من الفريسة، ولا حطبُ المواقد ملقًى هناك ينتظر الجامعين، مسوِّلاً لنفسه مساربَ مضلِّلةً بها يختبي. سأطهوكَ بالفضول الحارق. وسواءٌ عندي اقتدارُ الإنس، وكلُّ قهقهة الدلافين الودودة. بل شاغلي احتباسُ الوعد في سكونٍ راعش، واعتقادي أن مكاشفةً تُروِّجُ للعناقيد المكظومة تحت اقتبال النور المسعور في احتقاني المُعَدِّ للانفجار.

تناهى إليَّ أنه مرَّ من تحت أنفي ولم أرَه. كقنبلةٍ موقوتةٍ جالسَني كلَّ حين. وكان عليَّ أن أصغي، لَعَلِّي أنقِذُ من المِران ما يمكن إنقاذه.

لَكَم وددتُ لو تُفضي إليَّ كمتجايلين خَلاصًا من كبت لعين، لو تمطرُ فوق رأسي كموسم خيِّر، فأنبتَ غُسْلَ براءتي. فأنا لا يعجبني امتداحٌ إنْ لم أعرفْ شعرًا. لقد عرفتُه، وليكن ما يكون!

وحي:

ها أنتَ ذا تهمس في أذني، تُسِرُّ إليَّ، تزرع جلدي قشعريرةً منقَّطةً، ترنو كلُّ حبَّة فيها إلى أفق مختلف، ثم تثرثر فيما بينها. هكذا أجمع النائي والداني، أوحِّد فيَّ متناقضاتٍ شتى، تحميني من السِّباب البذيء للدُّود العابر في فنائي، متشدِّقًا، مضجرًا، ضَجِرًا.

أليس معلومًا هو الفرقُ ما بين مزبلةٍ متاحةٍ لأيِّ ديك وبين تفاح الآلهة الذي لا يقرَّب إلا على مذبح مطهَّر! ألتهمكَ، ربَّةً مباحةً، مستباحةً لكَ، عصيَّةً على سواكَ، شعثاءَ الناصية، زائغةَ العينين والنجوى. فمَن يستسيغني سوى الذي يرى الجمالَ في أيِّ شيء؟! مَن يقبل بي إلاكَ عندما أجفل كحمقاءَ تصغي إلى مناجاة مقدسة؟!

نبذ الوحي:

لم يبقَ لنا، لكي نثمل، سوى احتقارُ الطيف من حيثما يأتي، مبعثَرًا كقصور اللصوص على هذه الأرض، كأحلام الجائعين، كنبضكَ يحتاط في جسدي لعاشق محتمَل.

ولم يبقَ بيننا قَدَرٌ، ولا ابتسامُ العُقَد بين حاجبكَ وعهدي، ولا هَذَرٌ مستتبٌّ أخاله أنبل من هرائي. تَمَتْرَسْتَ فيَّ حتى تملَّكني اقتضابُكَ المرُّ في وجوههم. سأطردكَ حتمًا، وأجترُّ جنوني حتى الخواء.

أيُّ زرع أنتَ! كيفَ تجعلني أحسُّ أنني نَبْتٌ غريبٌ بأرض غريبةٍ حدَّ التقهقر؟! بل كيفَ تمسخني، أنا التي مازلتُ ألهجُ برضابكَ الحلو، طفلاً محملقًا يسأل: متى أميِّز ذاتي من العالم لأكبر عنكَ؟

تكريس:

أنا لكَ. خُذْني، افعلْ بي ما تشاء. اصلبْني على بوابة المدينة كأول همجيةٍ تقلق. ويومًا ما، عندما أجفُّ كمَلْبَن منشور في الشمس، عُدْ إليَّ، اسْقِني.

نُسَغي محمومٌ. فأنا لستُ بعدُ تلكَ الطفيليةَ التي لا تعطي وتكتفي بالأخذ. من يوم ما أحببتَني صارَ لي اسمٌ، وتمائمُ برتقاليةٌ صغيرةٌ ولاذعة.

لقد أصبحتُ شجرةً تُثمرُ – فلن يتجاهلني بعد اليوم العابرون.

وللكلام ختام:

وأستقيكَ من الجمود، كما الحراك، انتفاضةً، مترجِمةً نفسي إلى لغاتٍ غريبة. كأنه الواحدُ، الصمتُ، أزلهما، كلَّ لحظة يعرف أنْ لا حدود للزمن الذي ينضح من اكتراثكَ.

فأقول:

أعطِني للمحدود أفقًا، وخُذْ منِّي أن أسمِّي النسيانَ تذكارًا، وانتظاري هروبًا متقنًا، ثم ألِدَكَ من كلِّ اسم كالهوية.

وكَمَنْ تقرأ إشاراتِ الأرض، تعرف مواقيتها، أحتاط حينًا، أستثمر حينًا، وأستسلم أحيانًا كثيرة. فأعترف أن كلَّ ما بدأ ينتهي – وكيف ينتهي مَن يبدأ من ذاته مرارًا، منتهيًا أبدًا إلى غيرها، ويظل نفسه!

وبَعدَكَ
لا يعدو الأمر ما كان
ولا شيء يتغير
فتبقى سجادة البيت
التي ما كانت ولن تصبح
بساط الريح

وأمُّك العذراء التي حلمتْ بجسد
لعله آبَّ
مسلِّمًا كلَّ ذرائعه لجسد
كان قد تابَ
تعبتْ جدًّا وآن لها
أن تستريح


* شاعرة سورية.

السعادة والفضيلة - ألان

الخميس, كانون الثاني 21st, 2010

السعادة والفضيلة*

alain_1

ألان**

هناك نوع من السعادة لا يتشبث بنا بأكثر مما يتشبث المعطف. كذا هي سعادة الورث أو الربح في اليانصيب؛ وكذلك سعادة المجد، لأنها منوطة بلقاءات. أما السعادة المنوطة بمقدراتنا الخاصة فهي، على العكس، مدمجة فينا، ونحن نصطبغ بها بأحسن مما يصطبغ بالقرمز الصوفُ. حكيم الأزمنة القديمة، إذ نجا من الغرق ووطئ البر عاريًا كما ولدته أمُّه، قال: "أحمل ثروتي كلها معي." كذا كان ڤاگنر يحمل موسيقاه، وكان ميكلانجلو يحمل جميع الصور السامية التي كان بوسعه رسمها. والملاكم لديه، هو الآخر، قبضتاه وساقاه وثمرة أعماله كلها، خلافًا للفائز بإكليل أو بمال. غير أن ثمة وسائل عدة لكسب المال، ومَن يجيد "جني المال"، كما يقال، لا يزال غنيًّا بذاته في اللحظة التي يخسر فيها كل شيء.

كان حكماء الماضي يجدُّون في طلب السعادة؛ لا سعادة الجار، بل سعادتهم الخاصة. أما "حكماء" اليوم فيصطلحون على تعليم أن السعادة الخاصة ليست مغنمًا نبيلاً يُطلَب، حيث ديدن بعضهم أن يقولوا بأن الفضيلة لا تأبه للسعادة، وهذا شيء لا يصعب قوله؛ بينما يعلِّم بعضهم الآخر أن السعادة العامة هي المنبع الحقيقي للسعادة الخاصة، وهذا الرأي، أغلب الظن، هو أكثر الآراء خواءً، إذ ما من انشغال البتة أشد عبثية من سكب السعادة في الناس من حولنا سكبَها في زقاق مثقوبة. فلقد لحظت أن البَرمين بأنفسهم ليس بالمستطاع تسليتهم بتاتًا؛ وبالعكس، فإن الذين لا يستعطون البتة، هؤلاء يمكن إعطاؤهم شيء، كأنْ تُعطى الموسيقى لمن اتخذها صنعة. زبدة القول إنه لا جدوى البتة من الزرع في الرمل؛ وأظنني فهمت، بعد أن تفكرت فيه مليًّا، مَثَل الزارع[1] الشهير الذي يحكم على أولئك الذين يعوزهم كل شيء بأنهم غير قادرين على الأخذ. فالمقتدر والسعيد بذاته يصير إذن بالآخرين أسعد وأقدر أيضًا. أجل، إن من شأن السعداء أن يعقدوا صفقة طيبة ومقايضة أطيب – لكنْ شريطة أن تكون لديهم سعادة فيهم، فيعطوها. وعلى صاحب العزم أن ينعم النظر جزمًا من هذه الناحية فيما يصرفه عن طريقة بعينها في الحب لا تجدي نفعًا البتة.

ففي رأيي، إذن، أن السعادة الصميمة والخاصة لا تُناقض الفضيلة البتة، بل إنها بالحري فضيلة بحدِّ ذاتها، كما تنبِّهنا إلى ذلك كلمة "فضيلة" الجميلة هذه التي مؤداها الإحسان[2]. إذ إن الأسعد بالمعنى التام هو، بكل وضوح، مَن يُحسِن طرح السعادة الأخرى في البحر كما يُطرح الثوبُ المبتذل. أما غناه الحق فلا يطرحه البتة، إذ لا يستطيع إلى هذا سبيلاً؛ ولا حتى الجندي الراجل مهاجمًا أو الطيار ساقطًا: إذ إن سعادتهما الصميمة مُحكمة الارتباط بهما ارتباط حياتهما؛ إنهما يقاتلان بسعادتهما كأنما يقاتلان بسلاح؛ ما دفع إلى القول بأن ثمة سعادة في البطل الساقط. لكنما يجدر بنا هنا أن نستعمل هذه العبارة المصحِّحة التي تخص اسپينوزا بالذات، فنقول: ليس بتاتًا لأنهما ماتا في سبيل الوطن كانا سعيدين، بل بالعكس، لأنهما كانا سعيدين قويا على الموت. هكذا فلتُضفَر أكاليلُ تشرين[3].

5 تشرين الثاني 1922

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Bonheur et vertu », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 223-225.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] مثل الزارع كما ورد في إنجيل متى 13: 4-9: "هو ذا الزارع قد خرج ليزرع. وبينما هو يزرع، وقع بعض الحَبِّ على جانب الطريق، فجاءت الطيور فأكلته. ومنه ما وقع على أرض حَجِرة لم يكن له فيها تراب كثير، فنبت من وقته لأن ترابه لم يكن عميقًا؛ فلما أشرقت الشمس احترق، ولم يكن له أصل فيبس. ومنه ما وقع على الشوك، فارتفع الشوك فخنقه. ومنه ما وقع على الأرض الطيبة فأثمر، بعضه مئة، وبعضه ستين، وبعضه ثلاثين. فمن كان له أذنان فليسمع!" (المحرِّر)

[2] كلمة "فضيلة" vertu بالفرنسية تعني "القدرة" puissance. أما بالعربية فيقال: الفضْل، أي البقية، والفُضُل: الثوب الذي يُبتذَل في الشغل؛ ويقال أيضًا: فَضَلَ، أي زاد وأكثر، والفضْل: ضد النقص، أي الزيادة، وكذلك الإحسان أو الابتداء به بلا علة له؛ ومنه، الفاضل: ذو الزيادة، والفاضلة: الهبة والنعمة، والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الإحسان والمعروف، خلاف النقيصة والرذيلة. يتبين مما سبق أن الفاضل الحق هو السعيد الحق، وهو الغني المقتدر أيضًا، لأنه يُحسِنُ مما عنده أصلاً ويطرح واهبًا ما يفضل عن قدرته. (المترجم)

[3] يحتفي الفرنسيون في الأول من تشرين الثاني لـ"عيد جميع القديسين" Toussaint (ويليه عيد الموتى في الثاني منه)، وفيه تُضفَر أكاليلُ الزهر وتوضع على شواهد القبور؛ كما يحتفلون في الحادي عشر منه بتوقيع "هدنة" 1918 مع ألمانيا التي أنهت الحرب العالمية الأولى، فيكرِّمون ذكرى الأبطال الذين قضوا في سبيل الوطن. (المحرِّر)

من أنا؟ - نبيل سلامة

الثلاثاء, كانون الثاني 19th, 2010

مَـن أنــا؟

نبيل سلامة*

حين كنا بعدُ أطفالاً، كان أكثرنا يستفسر عن جواب هذا السؤال: كيف وُجدت؟ أو بعبارة أخرى: مَن أنا؟ هذا السؤال الأولي هو الذي كوَّن دافعنا العفوي إلى معرفة أنفسنا. إنه أول أسئلة طفولتنا التي تنبثق من وجودنا الأصلي.

مَن أنا؟ يعلِّمنا رامنا مهارشي، أحد كبار حكماء الهند، أن نطرح هذا السؤال كل يوم، بل كل لحظة، بكل ما فينا من قوة إرادة، فنستغرق في وجودنا الأصلي، طارحين من غير توقف هذا السؤال الأوحد، مستبعدين من ذهننا الأسئلة الأخرى كافة، غير مستبقين فيه غير هذا السؤال، لا بالإدراك العقلي وحده، بل وبالإدراك الشعوري أيضًا: مَن أنا؟ فعلى إيقاع هذا السؤال الاستبطاني، الذي يندمج أحيانًا مع إيقاع التنفس، يصير بوسعنا أن نتوغل عميقًا في وجودنا الأصلي.

مَن أنا؟ سؤال من الأهمية بحيث إننا لن نضيِّع حياتنا سدى إذا استفدنا من فرصة هذه الحياة للسفر في صحبة سؤال طفولتنا هذا: مَن أنا؟ فهذا الدافع الأصلي يحضنا على اكتشاف وجودنا، شخصنا، كوننا، وعينا، حياتنا برمتها.

لكنْ حين يكتفي أحدهم بأن يجيب عنه بقوله إنه سوري أو أميركي إلخ، فهو إنما يتكلم عن جنسيته، لا عن وجوده؛ وحين يجيب عنه بقوله إنه عالم أو طبيب أو محام إلخ، فهو إنما يذكر مهنته، لا وجوده؛ وحين يجيب عنه بقوله إنه رجل أو امرأة، أسود أو أبيض، إلخ، فهو يقرر جنسه أو عرقه، لا وجوده.

كذلك، لست هذا الجسم. فحين أقول إنني لست جسمي، إنما أعني بذلك أنني "ذات" أسمى من جسمي، لأن الجسم فان وزائل. فالأصح قولنا إن الجسم تجلٍّ عابر للوجود الأصلي.

على النحو نفسه، لست هذا الذهن المفكر. فلأن هذا الأخير هو قوة التفكير في، أنا لست أفكاري، لست مجرد فكرة!

بالمثل، لست انفعالاتي الجسمية، ولا رغباتي، ولا أهوائي، التي تجعلني أحيد عن الصراط المستقيم لأنها تحول بيني وبين معرفة مَن أنا.

أخيرًا، فإن الحكماء والراسخون في العلم يقولون لنا بأن هذا الوجود وجود مهول، تعبِّر رقصة طاقته الكونية عن الفرح بالخلق. إنه وجود شاسع، بديع، مذهل؛ وجود ينعكس في صورة القوة الخالقة؛ وجود يصفه العارفون بأنه قدسي، بريء، يجلُّ كمالُه عن الوصف.

ذاك الوجود ذات تشهد إخصاب أولى خلايا جسمنا ونحن بعدُ في أرحام أمهاتنا. هو ذات تشهد كل شيء؛ وعي محض ولد في سر الأزلية.


* كاتب ومترجم سوري.

حسن الظن - ألان

الخميس, كانون الأول 17th, 2009

حسن الظن*

alain_2

ألان**

"ما أصعب الرضا عن أحدهم!" مقولة لابرويار[1] الصارمة هذه من شأنها سلفًا أن تجعلنا نلزم جانب الحيطة. إذ إن الحس السليم يقضي بأن يتكيف كل واحد مع الشروط الواقعية للحياة في المجتمع، وليس من العدل في شيء إدانة الإنسان المتوسط؛ فذلك من قبيل جنون كاره البشر. وإذن، فمن غير أن أفتش عن الأسباب، تراني أتحاشى النظر إلى أشباهي وكأني مُشاهد دفع ثمن مكان جلوسه ويريد أن يرى من الآخرين ما يسرُّه. بل على العكس، إذ أسترجع في نفسي مألوف هذا الوجود الصعب، أجدني أتوقع سلفًا من كل شيء أسوأه؛ أفترض أن مُحادثي يعاني معدة سقيمة أو صداعًا، أو ربما همومًا مالية أو خلافات بيتية. سماء مريبة هي سماء آذار، أقول لنفسي، يختلط فيها الرمادي والأزرق، ومضات الشمس وهبَّات الشمال اللاذعة؛ فأحتاط لنفسي بفرائي ومظلتي.

طيب. لكن في جعبة التفكير ما يسعفنا على الأمر إسعافًا أفضل، إذا ما خطر ببالنا هذا الجسم البشري المتقلب، المرتعش عند أقل لمسة، اللاطئ دومًا، الذي سرعان ما يحتدُّ، مُصدِرًا حركات وكلامًا بحسب حال صحته، بحسب التعب، وبحسب أفعال الآخرين؛ مع ذلك، فإن هذا الجسم البشري هو الذي يجب أن يجيئني، مثل طاقة أزهار عيدية، بالمشاعر الثابتة، بالمراعاة، وبالنوايا الطيبة التي يلوح لي أنها من حقي. غير أني، أنا الذي أبدي كل هذا الاكتراث للآخر، لست بهذا الاكتراث بتاتًا بنفسي: تراني أطلق رسائل أجهلها، بحركة تلقائية، بتقطيب حاجبيَّ؛ الشمس والريح ترسمان ملامح وجهي. وبذا أقدِّم للآخر بالضبط ما أستغرب وجوده فيه هو، الإنسان، أي الحيوان المكلَّف بالعقل، الذي يُرفَع دومًا إلى منزلة عالية، ثم يُرَدُّ إلى أسفل سافلين، الذي لا تكاد تصدر عنه إيماءة حتى تصدر عشر إيماءات، بل تراه بالأحرى يومئ بشخصه كله، من غير أن يكون له خيار. وفي هذا الخليط، عليَّ، كالمنقب عن الذهب، أن أطرح الحصباء والرمل وأتعرف إلى أصغر شذرة؛ عليَّ أنا أن أنقب؛ فما من امرئ يغربل الكلام الذي يتفوه به كما يغربل الكلام الذي يسمعه. وها أنا ذا بذلك متهيئ بحسب الأدب، لا بل أفضل من ذلك: أفتح للآخر رصيدًا واسعًا؛ أنبذ الخَبَث، أنتظر حقيقة فكره. لكني ألحظ هنا أثرًا آخر لا يُتوقع أبدًا بما يكفي: حسن الظن هذا الذي أبديه سرعان ما يفك إسار هذا الخجول الذي يتقدم نحوي مدججًا بالسلاح ومنتفشًا بكليته. قصارى القول إن على واحد من هذين المزاجين اللذين يهرع كل منهما نحو الآخر كما تهرع الغيوم أن يبادر إلى الابتسام؛ وإذا لم تكن أنت البادئ فلست سوى غبي.

ما من امرئ إلا ويمكن الإكثار من إساءة القول فيه والظن به؛ ما من امرئ إلا ويمكن الإكثار من إحسان القول فيه والظن به. والطبيعة البشرية مجبولة بحيث لا تخاف البتة من التنغيص؛ إذ إن الغيظ الذي يمنح الجرأة يتبع الخجل عن كثب شديد؛ والشعور الذي ينتاب المرء بأنه غير مستحَب سرعان ما يجعله أسوأ. لكنْ عليك أنت، يا مَن فهم هذه الأمور، ألا تدخل هذه اللعبة بتاتًا. وإنها لَتجربة مدهشة التجربة التالية التي أرجوك أن تجربها مرة واحدة: أسهل على المرء أن يسوس مباشرة مزاج الآخرين من أن يسوس مزاجه هو؛ ومَن يعالج في احتراس مزاج مُحادِثه يكون طبيب مزاجه هو بهذه الوسيلة؛ إذ إن كل واحد، في المحادثة كما في الرقص على حدٍّ سواء، هو مرآة للآخر.

8 نيسان 1922

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Bienveillance », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 179-181.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو الكاتب الفرنسي جان دُه لابرويار (1645-1696). كتابه الطبائع (1688-1696)، المصمَّم على غرار كتاب بالعنوان نفسه للفيلسوف الإغريقي ثاوفراسطُس، يصف تحولات مجتمع زمانه. دعا إلى العودة إلى تراث الأقدمين. (المحرِّر)

شاعران - ألان

الثلاثاء, كانون الأول 1st, 2009

شاعران*

alain_2

ألان**

إنها لَصداقة جميلة صداقة گوته[1] وشيلِّر[2]، تلك التي نراها في مراسلاتهما. كلٌّ منهما يسعف الآخر بالعون الوحيد الذي يمكن لفطرة ما أن تنتظره من فطرة أخرى، ألا وهو أن تقرها الفطرة الأخرى على ما هي عليه ولا تطلب منها إلا أن تبقى هي هي. قبولك الموجودات كما هي لا فضل فيه، ولا بدَّ للأمر دومًا من أن يؤول إلى هذا القبول؛ أما أن تريدها كما هي، فهي ذي المحبة الحق. هذان الرجلان إذن – وكلٌّ منهما يدفع إلى الخارج بطبيعته المستكشِفة – اجتمعا على الأقل على رأي مفاده أن الفوارق جميلة، وأن القيم لا تتدرج من الوردة إلى الحصان، بل من الوردة إلى الوردة الجميلة، ومن الحصان إلى الحصان الجميل. يقال فعلاً إنه لا يجوز الاختلاف على الأذواق، وذاك صحيح إذا كان الواحد يفضل الوردة بينما يفضل الثاني الحصان؛ لكن النقاش حول ماهية الوردة الجميلة أو الحصان الجميل جائز لأن التوافق عليها ممكن. بيد أن هذا المثال لا يزال مثالاً مجردًا، على كونه يسير في الاتجاه الصحيح، لأن موجودين كهذين [الوردة والحصان] لا يزالان رهينَي النوع، أو رهينَين لنا ولحاجاتنا. ما من أحد يدافع عن الموسيقى، ولا عن الرسم؛ لكن النقاش حول اللوحة الأصيلة والنسخة المزورة مفيد: إذ به تستبين في الأولى علاماتُ الفطرة الحرة والناشئة من عمقها هي، وفي الثانية ندوبُ العبد والنشوء بواسطة الفكرة الخارجية. لا بدَّ أن كلا شاعرينا شعر بهذه الفوارق في رأس ريشته. وما يستحق الإعجاب هو أنهما، وهما يتحاجَّان ويتحادثان غالبًا في الكمال وفي المثال، لم يضيِّع أيٌّ منهما قط، ولا لحظة واحدة، عبقريتهما الخاصة. صحيح أن كلاً منهما ينصح للآخر بما معناه: "لو كنت مكانك لفعلت كذا"، لكن كلاً منهما، في الوقت نفسه، يصرِّح لبقًا بأن ما ينصح به للآخر لا يصلح للآخر. والآخر، جوابًا، يرد النصيحة بقوة إلى الناصح، عازمًا على البحث بسُبُله الخاصة.

أحسب أن الشاعر – وكل فنان – تنبِّهه السعادةُ إلى ما يقدر عليه وما لا يقدر، وذلك لأن السعادة، كما يقول أرسطو، هي علامة المقدرات. لكن هذه القاعدة، على ما أعتقد، تصلح للجميع. لا خطر في العالم يُخشى أكبر من خطر امرئ ينهشه السأم. جميع الذين يُنعتون بالأشقياء ساخطون من فرط سأمهم؛ وهم ليسوا ساخطين لأنهم أشقياء، بل الأصح أن هذا السأم الذي يتبعهم في كل مكان هو علامة أنهم لا ينمُّون البتة كمالهم الخاص، وأنهم من جراء ذلك يفعلون على نحو ما تفعل العلل العمياء والآلية. وفي الحاصل، ليس في العالم، أغلب الظن، غير المجنون الهائج يعبِّر، في آن معًا، عن أعمق التعاسة وعن محض الشقاء[3]. بيد أني ألحظ، فيمن ننعتهم بالأشقياء، وفي كلٍّ منا على حدٍّ سواء، شيئًا ما ضائعًا وآليًّا، مصحوبًا في الوقت نفسه بهياج العبد. على العكس، كل ما يتم تصحبُه السعادةُ خيِّر. والأعمال الفنية تشهد لذلك أوضح الشهادة: يقال [بالفرنسية] صراحة عن ضربة فرشاة موفقة إنها "سعيدة". لكن كل عمل خيِّر جميل بحدِّ ذاته ويجمِّل وجه الإنسان. وإنه لذو دلالة أن يتفق الناس أجمعون على الاطمئنان دومًا إلى الوجه الحسن. ومنه، أحدسُ أن الكمالات لا تتعارض أبدًا وأن النقائص أو العيوب وحدها تتضارب، والخوف مثال عليها دامغ. ولذلك فإن نهج التكبيل – وهو نهج الطاغية ونهج الجبان – بدا لي دومًا أحمق من حيث الأساس، ووالد الحماقات كلها. فُكَّ الإسار، سرِّحْ، ولا تخف. فالحر أعزل.

12 تشرين الأول 1923

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Poètes », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 220-222.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو الكاتب والشاعر الألماني يوهَن ڤولفگَنْگ فون گوته (1749-1832)؛ صاحب فاوست (1808-1832). (المحرِّر)

[2] هو المسرحي والشاعر الألماني فريدرش فون شيلِّر (1759-1805)؛ صاحب مسرحيات تاريخية عديدة، منها دون كارلوس (1787) وڤلهلم تِلْ (1804)، والنشيد إلى الفرح (1785) الشهير الذي استلهمه بتهوڤن في سيمفونيته التاسعة. (المحرِّر)

[3] الشقي (اسم مفعول ومبالغة اسم فاعل: مَن يشقى ومَن يُشقي سواه) هو عينه التعيس. إذ يفيدنا اشتقاق الكلمة الفرنسي أن الشقاوة méchanceté (ضد السعادة) والنحس malchance (نقيض السعد) من أصل واحد. فكلمة "شقي" méchant بالفرنسية القديمة (اسم فاعل من فعل mescheoir القديم، المؤلف من أداة النفي mes ومن فعل cheoir، الذي صار choir: "وقع") مؤداها بالعربية "مَن ساءت وقعتُه"، أي زَلَّ وعَثَرَ. ولكلمة "تعيس" malheureux (المشتقة من كلمة heur التي تعني "حظ") دلالة مصطلح "عاثر الحظ" malchanceux نفسها؛ إذ تذكِّر كلمة "حظ" chance بكيفية وقوع عُظيمات القرعة أو حجارة النرد (وبالعربية، تَعَسَ أو تَعِسَ: عثر ووقع على وجهه). فالشقي هو المنحوس تعيس الحظ. (المترجم)

اليأس - ألان

الأحد, تشرين الثاني 29th, 2009

في اليأس*

alain_2

ألان**

قال أحدهم: "الماكر لا يقتل نفسه لسبب بهذه التفاهة." إنها ليست أول مرة، ولا آخر مرة، يظن فيها امرؤ شريف أنه مجلل بالعار، فينتحر، فيبكيه أولئك بعينهم الذين كان يظنهم يحتقرونه. تراني لا أزال أبحث، بخصوص هذه الفاجعة التي سوف تبقى ماثلة طويلاً في ذاكرتنا، عما يجعل امرءًا يريد أن يكون بارًّا وعاقلاً يبدو غالبًا كأنه لم يروض بعض الأهواء إلا لتهاجمه أهواء أخرى وتصرعه؛ ولا أزال أبحث كذلك عن الخواطر التي يمكن له بها أن يكافح اليأس.

تقدير موقف، طرح مشكلة صعبة، البحث عن حلٍّ لها، عدم إيجاد هذا الحل بتاتًا، الاحتيار في القرار على رأي، الدوران في الخواطر نفسها كما يدور الحصان في ميدان ترويض الخيل، – ذاك وحده، تقول، عذاب مبرِّح، وللعاقلة رؤوس مدببة أيضًا تَخِرُنا بها. لا، بتاتًا. يجب بالضبط البدء بعدم الوقوع في هذا الغلط بالذات. ثمة مشكلات كثيرة لا يتبين فيها المرء شيئًا؛ وهو يتصبر على ذلك بلا عناء. كثيرًا ما يتفق لمجلس، أو لمأمور تصفية [قضائي]، أو لقاض، أن يقرروا بأن قضية ما لا رجاء منها، أو حتى بأنه ليس في المستطاع تقرير شيء، من غير أن يُفقدهم ذلك شهيتهم أو يؤرقهم. إن ما يجرحنا في مسألة مستعصية على الحل ليس استعصاؤها على الحل، بل بالحري نوع من مصارعة ذلك الاستعصاء بالذات أو مقاومته، أو إنْ شئت، رغبة في أن لا تكون الأمور كما هي. في كل حركة هوى، أظن أن هناك مقاومة للمُحال إصلاحه. على سبيل المثال، إذا كان أحدهم يتعذب من جراء حب امرأة حمقاء، أو مغرورة، أو باردة، فذاك لأن إرادته تصر على أن لا تكون هذه المرأة كما هي. بالمثل، حين يكون خراب ما محتمًا، ويعلم المرء ذلك في قرارة نفسه، فإن هواه يريد أن يأمل، فيأمر الفكر، إذا صح القول، بأن يسلك مرة أخرى الطريق نفسها، لعله واجد فيها تفرعًا ما يقود إلى مكان آخر. لكن الدرب قد سُلِكتْ وانتهى الأمر؛ والمرء منها حيث هو بالضبط؛ وفي دروب الزمن، ليس بالوسع العودة القهقرى، ولا سلوك الطريق الواحد نفسه مرتين. ومنه، أقول بأن صاحب الطبع الشديد هو الذي يقول لنفسه أين هو من الأمر، ما هي الوقائع، ما هو المُحال إصلاحه بالضبط، فيمضي من هناك قُدُمًا نحو المستقبل. لكن هذا ليس سهلاً، ولا بدَّ من التدرب عليه في الأمور الصغيرة؛ وإلا صار الهوى كالأسد المحبوس في قفص، يراوح الخطى طوال ساعات أمام القضبان، وكأنه لا يزال يأمل، لدى بلوغه أحد الطرفين، بأنه لم يمعن النظر في الطرف الآخر. قصارى القول إن هذا الغم المولود من تأمُّل الماضي لا يجدي نفعًا، بل هو شديد الضرر حتى، لأنه يجعلنا نتفكر عبثًا ونبحث سدًى. يقول اسپينوزا[1] إن الندم خطيئة ثانية.

لكن المغتم، إذا كان قد قرأ اسپينوزا، يقول: "لكني لا أستطيع دومًا أن أكون مرحًا إذا كنت مغتمًّا؛ فذاك يتوقف على أمزجتي، على تعبي، على سنِّي، وعلى حال الطقس." طيب. قل ذلك لنفسك، قله لنفسك عن جِدٍّ؛ أرجع الغم إلى أسبابه الحقيقية؛ إذ يبدو لي أن من شأن ذلك أن يطرد خواطرك المغمومة كما تطرد الريح الغيوم. ستكون الأرض مثقلة بالأوجاع، لكن السماء ستكون صافية؛ وهذا دومًا مكسب بحدِّ ذاته؛ إذ تكون قد أرجعت الغم إلى الجسم؛ وبذلك تكون خواطرك كأنها قد نُظِّفَتْ. أو لنقل، إنْ شئت، إن الفكر يعطي للغم جناحين ويجعل منه كآبة محلِّقة؛ في حين أني بتفكُّري، إذا كان يجيد التسديد، أحطم الجناحين، فلا تبقى عندي غير كآبة زاحفة. إنها تلبث قابعة عند قدميَّ، لكنها لا تعود ماثلة نصب عينيَّ. بيد أننا – وهي ذي العقبة الكأداء – نريد دومًا كآبة تطير عاليًا جدًّا.

31 تشرين الأول 1911

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Du désespoir », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 145-147.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو الفيلسوف الهولندي باروخ اسپينوزا (1632-1677)، صاحب الرسالة اللاهوتية-الفلسفية (1670) والأخلاق (نُشر بُعيد وفاته)؛ اتخذ هدفًا أساسيًّا نقلَ رسالة محرِّرة من أنواع العبودية كافة، مبينًا كيف أن حرية الإنسان ممكنة (في إطار الضرورة)، كما رأى أن المعرفة التي يمكن للحكيم أن يحصِّلها عن الجوهر (الله = الطبيعة) لا بدَّ أن تقوده إلى الغبطة. (المحرِّر)