Archive for the ‘نصوص’ Category

لكنه شيطاني ذكَّر - دارين ناظم

السبت, كانون الثاني 30th, 2010

إلى الشِّعر الذي يهجرني!

داريـن نـاظـم*

لكـنَّـه شـيطـاني ذكَّـر…

بَعدَكَ
للسهم عبور جاهل
وللفضائل أسماء جديدة

أمدُّ ذراعي
لعل احتضار المدى يحتاج إلى طيش أصابعي
وتلك الحمَّى على الجبين
ما السرُّ فيها؟!

عند التحام القاسي بالغضِّ
كأن المرايا كيانٌ يحتاط منِّي
فأعتنق ضدِّي

وأمُّك العذراء التي تطهو في فنائك الخلفي
تزيد الملح في القِدْر وتطهوني
وتدعو كلَّ جيرانك إلى مأدبة سجدتْ في ذاكرتي
لِمَن مُسحوا بزيت لينسوني

مدخل:

موجعةٌ أنتِ، تكراريةٌ رتيبةٌ ولا تشبه ذاتها! يُجفِلُها جنونُ عاقل يفقه ما حوله حدَّ الإنهاك، ويبوح مبالغًا، بالغًا حدَّ الانتهاك! أفٍّ ما أصعب البدايات التي لا تُحَدُّ بزمن! كبدْءِ الخلق تتماهى معه الزيارةُ الأولى للشِّعر. متى بدأ، وحتَّام يستمر؟ بل ما هما الأزلُ والأبدُ لدى فكر صغير يعانق قشرتَه برضى!

ها أنتَ ذا تثور فيَّ، فتتقاسمني المراحلُ متمازجةً، متمايزةً في عبثيَّةٍ دافقةٍ كدم حارٍّ، حتى آخر قطرة يسحُّ. بعد أن بَقَرَني الثورُ ذو القرنين الذهبيين، واللهاثُ الدافئ يلقي بغَبَشِه الأبيض على بلور عينيَّ ثم يكتب.

نعم، يمكن للضباب أن يكون كاشفًا. رحماكَ، أيها الضبابُ المقدسُ! غلِّفْني سبع مرات، اجعلْني رطبةً حدَّ الإشباع، قبل أن تتلاشى بعيدًا، حتى من الذاكرة، باحثًا عن تربة أخصب.

أنبتْني، رحماك!

دهشة:

حسبي منكَ السؤال، يقفز كظبي يلهو، مستهترًا بالخطر المحدق، بشَرْعَةِ الغابِ تحدِّد أدوارَ كلٍّ منا. وحسبي منكَ انتفاضةٌ في شغاف القلب، لا يضاهيها ابتسامُكَ الذي، في البدء، كان مسبِّبَها. ها أنا ذا أتحرر من أسْركَ إلى احتلام مبكر لا يغنيني عنكَ، فأسجَنُ في شوقي إلى أسْركَ.

اقتنصْني، أرجوكَ، أيها النسرُ الحرُّ الكاشفُ تحتكَ كلَّ مساحة. ففي عشِّكَ، حتى لو لم أكن ما يتعدَّى فريسةً تنتظر انقضاضَ المناقير المتحفِّزة، أنَّى لي نكرانُ أو تجاهُلُ أن الشاهقاتِ تعبث بفطرتي كمُقاساة لذيذة.

أقبعُ هناكَ مع فراخكَ الجائعة، لعلَّهم يصيرون إخوةً لي في التوق إلى نزع لثام أحجيات ذلك العلوِّ والعمق اللذين يخلبانني اقتباساتي حتى قبابِ السماواتِ وأغوار الجحيم – وكلاهما نارٌ آكلة.

معرفة:

ليست أسناني ما يشغلني من الفريسة، ولا حطبُ المواقد ملقًى هناك ينتظر الجامعين، مسوِّلاً لنفسه مساربَ مضلِّلةً بها يختبي. سأطهوكَ بالفضول الحارق. وسواءٌ عندي اقتدارُ الإنس، وكلُّ قهقهة الدلافين الودودة. بل شاغلي احتباسُ الوعد في سكونٍ راعش، واعتقادي أن مكاشفةً تُروِّجُ للعناقيد المكظومة تحت اقتبال النور المسعور في احتقاني المُعَدِّ للانفجار.

تناهى إليَّ أنه مرَّ من تحت أنفي ولم أرَه. كقنبلةٍ موقوتةٍ جالسَني كلَّ حين. وكان عليَّ أن أصغي، لَعَلِّي أنقِذُ من المِران ما يمكن إنقاذه.

لَكَم وددتُ لو تُفضي إليَّ كمتجايلين خَلاصًا من كبت لعين، لو تمطرُ فوق رأسي كموسم خيِّر، فأنبتَ غُسْلَ براءتي. فأنا لا يعجبني امتداحٌ إنْ لم أعرفْ شعرًا. لقد عرفتُه، وليكن ما يكون!

وحي:

ها أنتَ ذا تهمس في أذني، تُسِرُّ إليَّ، تزرع جلدي قشعريرةً منقَّطةً، ترنو كلُّ حبَّة فيها إلى أفق مختلف، ثم تثرثر فيما بينها. هكذا أجمع النائي والداني، أوحِّد فيَّ متناقضاتٍ شتى، تحميني من السِّباب البذيء للدُّود العابر في فنائي، متشدِّقًا، مضجرًا، ضَجِرًا.

أليس معلومًا هو الفرقُ ما بين مزبلةٍ متاحةٍ لأيِّ ديك وبين تفاح الآلهة الذي لا يقرَّب إلا على مذبح مطهَّر! ألتهمكَ، ربَّةً مباحةً، مستباحةً لكَ، عصيَّةً على سواكَ، شعثاءَ الناصية، زائغةَ العينين والنجوى. فمَن يستسيغني سوى الذي يرى الجمالَ في أيِّ شيء؟! مَن يقبل بي إلاكَ عندما أجفل كحمقاءَ تصغي إلى مناجاة مقدسة؟!

نبذ الوحي:

لم يبقَ لنا، لكي نثمل، سوى احتقارُ الطيف من حيثما يأتي، مبعثَرًا كقصور اللصوص على هذه الأرض، كأحلام الجائعين، كنبضكَ يحتاط في جسدي لعاشق محتمَل.

ولم يبقَ بيننا قَدَرٌ، ولا ابتسامُ العُقَد بين حاجبكَ وعهدي، ولا هَذَرٌ مستتبٌّ أخاله أنبل من هرائي. تَمَتْرَسْتَ فيَّ حتى تملَّكني اقتضابُكَ المرُّ في وجوههم. سأطردكَ حتمًا، وأجترُّ جنوني حتى الخواء.

أيُّ زرع أنتَ! كيفَ تجعلني أحسُّ أنني نَبْتٌ غريبٌ بأرض غريبةٍ حدَّ التقهقر؟! بل كيفَ تمسخني، أنا التي مازلتُ ألهجُ برضابكَ الحلو، طفلاً محملقًا يسأل: متى أميِّز ذاتي من العالم لأكبر عنكَ؟

تكريس:

أنا لكَ. خُذْني، افعلْ بي ما تشاء. اصلبْني على بوابة المدينة كأول همجيةٍ تقلق. ويومًا ما، عندما أجفُّ كمَلْبَن منشور في الشمس، عُدْ إليَّ، اسْقِني.

نُسَغي محمومٌ. فأنا لستُ بعدُ تلكَ الطفيليةَ التي لا تعطي وتكتفي بالأخذ. من يوم ما أحببتَني صارَ لي اسمٌ، وتمائمُ برتقاليةٌ صغيرةٌ ولاذعة.

لقد أصبحتُ شجرةً تُثمرُ – فلن يتجاهلني بعد اليوم العابرون.

وللكلام ختام:

وأستقيكَ من الجمود، كما الحراك، انتفاضةً، مترجِمةً نفسي إلى لغاتٍ غريبة. كأنه الواحدُ، الصمتُ، أزلهما، كلَّ لحظة يعرف أنْ لا حدود للزمن الذي ينضح من اكتراثكَ.

فأقول:

أعطِني للمحدود أفقًا، وخُذْ منِّي أن أسمِّي النسيانَ تذكارًا، وانتظاري هروبًا متقنًا، ثم ألِدَكَ من كلِّ اسم كالهوية.

وكَمَنْ تقرأ إشاراتِ الأرض، تعرف مواقيتها، أحتاط حينًا، أستثمر حينًا، وأستسلم أحيانًا كثيرة. فأعترف أن كلَّ ما بدأ ينتهي – وكيف ينتهي مَن يبدأ من ذاته مرارًا، منتهيًا أبدًا إلى غيرها، ويظل نفسه!

وبَعدَكَ
لا يعدو الأمر ما كان
ولا شيء يتغير
فتبقى سجادة البيت
التي ما كانت ولن تصبح
بساط الريح

وأمُّك العذراء التي حلمتْ بجسد
لعله آبَّ
مسلِّمًا كلَّ ذرائعه لجسد
كان قد تابَ
تعبتْ جدًّا وآن لها
أن تستريح


* شاعرة سورية.

السعادة والفضيلة - ألان

الخميس, كانون الثاني 21st, 2010

السعادة والفضيلة*

alain_1

ألان**

هناك نوع من السعادة لا يتشبث بنا بأكثر مما يتشبث المعطف. كذا هي سعادة الورث أو الربح في اليانصيب؛ وكذلك سعادة المجد، لأنها منوطة بلقاءات. أما السعادة المنوطة بمقدراتنا الخاصة فهي، على العكس، مدمجة فينا، ونحن نصطبغ بها بأحسن مما يصطبغ بالقرمز الصوفُ. حكيم الأزمنة القديمة، إذ نجا من الغرق ووطئ البر عاريًا كما ولدته أمُّه، قال: "أحمل ثروتي كلها معي." كذا كان ڤاگنر يحمل موسيقاه، وكان ميكلانجلو يحمل جميع الصور السامية التي كان بوسعه رسمها. والملاكم لديه، هو الآخر، قبضتاه وساقاه وثمرة أعماله كلها، خلافًا للفائز بإكليل أو بمال. غير أن ثمة وسائل عدة لكسب المال، ومَن يجيد "جني المال"، كما يقال، لا يزال غنيًّا بذاته في اللحظة التي يخسر فيها كل شيء.

كان حكماء الماضي يجدُّون في طلب السعادة؛ لا سعادة الجار، بل سعادتهم الخاصة. أما "حكماء" اليوم فيصطلحون على تعليم أن السعادة الخاصة ليست مغنمًا نبيلاً يُطلَب، حيث ديدن بعضهم أن يقولوا بأن الفضيلة لا تأبه للسعادة، وهذا شيء لا يصعب قوله؛ بينما يعلِّم بعضهم الآخر أن السعادة العامة هي المنبع الحقيقي للسعادة الخاصة، وهذا الرأي، أغلب الظن، هو أكثر الآراء خواءً، إذ ما من انشغال البتة أشد عبثية من سكب السعادة في الناس من حولنا سكبَها في زقاق مثقوبة. فلقد لحظت أن البَرمين بأنفسهم ليس بالمستطاع تسليتهم بتاتًا؛ وبالعكس، فإن الذين لا يستعطون البتة، هؤلاء يمكن إعطاؤهم شيء، كأنْ تُعطى الموسيقى لمن اتخذها صنعة. زبدة القول إنه لا جدوى البتة من الزرع في الرمل؛ وأظنني فهمت، بعد أن تفكرت فيه مليًّا، مَثَل الزارع[1] الشهير الذي يحكم على أولئك الذين يعوزهم كل شيء بأنهم غير قادرين على الأخذ. فالمقتدر والسعيد بذاته يصير إذن بالآخرين أسعد وأقدر أيضًا. أجل، إن من شأن السعداء أن يعقدوا صفقة طيبة ومقايضة أطيب – لكنْ شريطة أن تكون لديهم سعادة فيهم، فيعطوها. وعلى صاحب العزم أن ينعم النظر جزمًا من هذه الناحية فيما يصرفه عن طريقة بعينها في الحب لا تجدي نفعًا البتة.

ففي رأيي، إذن، أن السعادة الصميمة والخاصة لا تُناقض الفضيلة البتة، بل إنها بالحري فضيلة بحدِّ ذاتها، كما تنبِّهنا إلى ذلك كلمة "فضيلة" الجميلة هذه التي مؤداها الإحسان[2]. إذ إن الأسعد بالمعنى التام هو، بكل وضوح، مَن يُحسِن طرح السعادة الأخرى في البحر كما يُطرح الثوبُ المبتذل. أما غناه الحق فلا يطرحه البتة، إذ لا يستطيع إلى هذا سبيلاً؛ ولا حتى الجندي الراجل مهاجمًا أو الطيار ساقطًا: إذ إن سعادتهما الصميمة مُحكمة الارتباط بهما ارتباط حياتهما؛ إنهما يقاتلان بسعادتهما كأنما يقاتلان بسلاح؛ ما دفع إلى القول بأن ثمة سعادة في البطل الساقط. لكنما يجدر بنا هنا أن نستعمل هذه العبارة المصحِّحة التي تخص اسپينوزا بالذات، فنقول: ليس بتاتًا لأنهما ماتا في سبيل الوطن كانا سعيدين، بل بالعكس، لأنهما كانا سعيدين قويا على الموت. هكذا فلتُضفَر أكاليلُ تشرين[3].

5 تشرين الثاني 1922

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Bonheur et vertu », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 223-225.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] مثل الزارع كما ورد في إنجيل متى 13: 4-9: "هو ذا الزارع قد خرج ليزرع. وبينما هو يزرع، وقع بعض الحَبِّ على جانب الطريق، فجاءت الطيور فأكلته. ومنه ما وقع على أرض حَجِرة لم يكن له فيها تراب كثير، فنبت من وقته لأن ترابه لم يكن عميقًا؛ فلما أشرقت الشمس احترق، ولم يكن له أصل فيبس. ومنه ما وقع على الشوك، فارتفع الشوك فخنقه. ومنه ما وقع على الأرض الطيبة فأثمر، بعضه مئة، وبعضه ستين، وبعضه ثلاثين. فمن كان له أذنان فليسمع!" (المحرِّر)

[2] كلمة "فضيلة" vertu بالفرنسية تعني "القدرة" puissance. أما بالعربية فيقال: الفضْل، أي البقية، والفُضُل: الثوب الذي يُبتذَل في الشغل؛ ويقال أيضًا: فَضَلَ، أي زاد وأكثر، والفضْل: ضد النقص، أي الزيادة، وكذلك الإحسان أو الابتداء به بلا علة له؛ ومنه، الفاضل: ذو الزيادة، والفاضلة: الهبة والنعمة، والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الإحسان والمعروف، خلاف النقيصة والرذيلة. يتبين مما سبق أن الفاضل الحق هو السعيد الحق، وهو الغني المقتدر أيضًا، لأنه يُحسِنُ مما عنده أصلاً ويطرح واهبًا ما يفضل عن قدرته. (المترجم)

[3] يحتفي الفرنسيون في الأول من تشرين الثاني لـ"عيد جميع القديسين" Toussaint (ويليه عيد الموتى في الثاني منه)، وفيه تُضفَر أكاليلُ الزهر وتوضع على شواهد القبور؛ كما يحتفلون في الحادي عشر منه بتوقيع "هدنة" 1918 مع ألمانيا التي أنهت الحرب العالمية الأولى، فيكرِّمون ذكرى الأبطال الذين قضوا في سبيل الوطن. (المحرِّر)

حسن الظن - ألان

الخميس, كانون الأول 17th, 2009

حسن الظن*

alain_2

ألان**

"ما أصعب الرضا عن أحدهم!" مقولة لابرويار[1] الصارمة هذه من شأنها سلفًا أن تجعلنا نلزم جانب الحيطة. إذ إن الحس السليم يقضي بأن يتكيف كل واحد مع الشروط الواقعية للحياة في المجتمع، وليس من العدل في شيء إدانة الإنسان المتوسط؛ فذلك من قبيل جنون كاره البشر. وإذن، فمن غير أن أفتش عن الأسباب، تراني أتحاشى النظر إلى أشباهي وكأني مُشاهد دفع ثمن مكان جلوسه ويريد أن يرى من الآخرين ما يسرُّه. بل على العكس، إذ أسترجع في نفسي مألوف هذا الوجود الصعب، أجدني أتوقع سلفًا من كل شيء أسوأه؛ أفترض أن مُحادثي يعاني معدة سقيمة أو صداعًا، أو ربما همومًا مالية أو خلافات بيتية. سماء مريبة هي سماء آذار، أقول لنفسي، يختلط فيها الرمادي والأزرق، ومضات الشمس وهبَّات الشمال اللاذعة؛ فأحتاط لنفسي بفرائي ومظلتي.

طيب. لكن في جعبة التفكير ما يسعفنا على الأمر إسعافًا أفضل، إذا ما خطر ببالنا هذا الجسم البشري المتقلب، المرتعش عند أقل لمسة، اللاطئ دومًا، الذي سرعان ما يحتدُّ، مُصدِرًا حركات وكلامًا بحسب حال صحته، بحسب التعب، وبحسب أفعال الآخرين؛ مع ذلك، فإن هذا الجسم البشري هو الذي يجب أن يجيئني، مثل طاقة أزهار عيدية، بالمشاعر الثابتة، بالمراعاة، وبالنوايا الطيبة التي يلوح لي أنها من حقي. غير أني، أنا الذي أبدي كل هذا الاكتراث للآخر، لست بهذا الاكتراث بتاتًا بنفسي: تراني أطلق رسائل أجهلها، بحركة تلقائية، بتقطيب حاجبيَّ؛ الشمس والريح ترسمان ملامح وجهي. وبذا أقدِّم للآخر بالضبط ما أستغرب وجوده فيه هو، الإنسان، أي الحيوان المكلَّف بالعقل، الذي يُرفَع دومًا إلى منزلة عالية، ثم يُرَدُّ إلى أسفل سافلين، الذي لا تكاد تصدر عنه إيماءة حتى تصدر عشر إيماءات، بل تراه بالأحرى يومئ بشخصه كله، من غير أن يكون له خيار. وفي هذا الخليط، عليَّ، كالمنقب عن الذهب، أن أطرح الحصباء والرمل وأتعرف إلى أصغر شذرة؛ عليَّ أنا أن أنقب؛ فما من امرئ يغربل الكلام الذي يتفوه به كما يغربل الكلام الذي يسمعه. وها أنا ذا بذلك متهيئ بحسب الأدب، لا بل أفضل من ذلك: أفتح للآخر رصيدًا واسعًا؛ أنبذ الخَبَث، أنتظر حقيقة فكره. لكني ألحظ هنا أثرًا آخر لا يُتوقع أبدًا بما يكفي: حسن الظن هذا الذي أبديه سرعان ما يفك إسار هذا الخجول الذي يتقدم نحوي مدججًا بالسلاح ومنتفشًا بكليته. قصارى القول إن على واحد من هذين المزاجين اللذين يهرع كل منهما نحو الآخر كما تهرع الغيوم أن يبادر إلى الابتسام؛ وإذا لم تكن أنت البادئ فلست سوى غبي.

ما من امرئ إلا ويمكن الإكثار من إساءة القول فيه والظن به؛ ما من امرئ إلا ويمكن الإكثار من إحسان القول فيه والظن به. والطبيعة البشرية مجبولة بحيث لا تخاف البتة من التنغيص؛ إذ إن الغيظ الذي يمنح الجرأة يتبع الخجل عن كثب شديد؛ والشعور الذي ينتاب المرء بأنه غير مستحَب سرعان ما يجعله أسوأ. لكنْ عليك أنت، يا مَن فهم هذه الأمور، ألا تدخل هذه اللعبة بتاتًا. وإنها لَتجربة مدهشة التجربة التالية التي أرجوك أن تجربها مرة واحدة: أسهل على المرء أن يسوس مباشرة مزاج الآخرين من أن يسوس مزاجه هو؛ ومَن يعالج في احتراس مزاج مُحادِثه يكون طبيب مزاجه هو بهذه الوسيلة؛ إذ إن كل واحد، في المحادثة كما في الرقص على حدٍّ سواء، هو مرآة للآخر.

8 نيسان 1922

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Bienveillance », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 179-181.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو الكاتب الفرنسي جان دُه لابرويار (1645-1696). كتابه الطبائع (1688-1696)، المصمَّم على غرار كتاب بالعنوان نفسه للفيلسوف الإغريقي ثاوفراسطُس، يصف تحولات مجتمع زمانه. دعا إلى العودة إلى تراث الأقدمين. (المحرِّر)

شاعران - ألان

الثلاثاء, كانون الأول 1st, 2009

شاعران*

alain_2

ألان**

إنها لَصداقة جميلة صداقة گوته[1] وشيلِّر[2]، تلك التي نراها في مراسلاتهما. كلٌّ منهما يسعف الآخر بالعون الوحيد الذي يمكن لفطرة ما أن تنتظره من فطرة أخرى، ألا وهو أن تقرها الفطرة الأخرى على ما هي عليه ولا تطلب منها إلا أن تبقى هي هي. قبولك الموجودات كما هي لا فضل فيه، ولا بدَّ للأمر دومًا من أن يؤول إلى هذا القبول؛ أما أن تريدها كما هي، فهي ذي المحبة الحق. هذان الرجلان إذن – وكلٌّ منهما يدفع إلى الخارج بطبيعته المستكشِفة – اجتمعا على الأقل على رأي مفاده أن الفوارق جميلة، وأن القيم لا تتدرج من الوردة إلى الحصان، بل من الوردة إلى الوردة الجميلة، ومن الحصان إلى الحصان الجميل. يقال فعلاً إنه لا يجوز الاختلاف على الأذواق، وذاك صحيح إذا كان الواحد يفضل الوردة بينما يفضل الثاني الحصان؛ لكن النقاش حول ماهية الوردة الجميلة أو الحصان الجميل جائز لأن التوافق عليها ممكن. بيد أن هذا المثال لا يزال مثالاً مجردًا، على كونه يسير في الاتجاه الصحيح، لأن موجودين كهذين [الوردة والحصان] لا يزالان رهينَي النوع، أو رهينَين لنا ولحاجاتنا. ما من أحد يدافع عن الموسيقى، ولا عن الرسم؛ لكن النقاش حول اللوحة الأصيلة والنسخة المزورة مفيد: إذ به تستبين في الأولى علاماتُ الفطرة الحرة والناشئة من عمقها هي، وفي الثانية ندوبُ العبد والنشوء بواسطة الفكرة الخارجية. لا بدَّ أن كلا شاعرينا شعر بهذه الفوارق في رأس ريشته. وما يستحق الإعجاب هو أنهما، وهما يتحاجَّان ويتحادثان غالبًا في الكمال وفي المثال، لم يضيِّع أيٌّ منهما قط، ولا لحظة واحدة، عبقريتهما الخاصة. صحيح أن كلاً منهما ينصح للآخر بما معناه: "لو كنت مكانك لفعلت كذا"، لكن كلاً منهما، في الوقت نفسه، يصرِّح لبقًا بأن ما ينصح به للآخر لا يصلح للآخر. والآخر، جوابًا، يرد النصيحة بقوة إلى الناصح، عازمًا على البحث بسُبُله الخاصة.

أحسب أن الشاعر – وكل فنان – تنبِّهه السعادةُ إلى ما يقدر عليه وما لا يقدر، وذلك لأن السعادة، كما يقول أرسطو، هي علامة المقدرات. لكن هذه القاعدة، على ما أعتقد، تصلح للجميع. لا خطر في العالم يُخشى أكبر من خطر امرئ ينهشه السأم. جميع الذين يُنعتون بالأشقياء ساخطون من فرط سأمهم؛ وهم ليسوا ساخطين لأنهم أشقياء، بل الأصح أن هذا السأم الذي يتبعهم في كل مكان هو علامة أنهم لا ينمُّون البتة كمالهم الخاص، وأنهم من جراء ذلك يفعلون على نحو ما تفعل العلل العمياء والآلية. وفي الحاصل، ليس في العالم، أغلب الظن، غير المجنون الهائج يعبِّر، في آن معًا، عن أعمق التعاسة وعن محض الشقاء[3]. بيد أني ألحظ، فيمن ننعتهم بالأشقياء، وفي كلٍّ منا على حدٍّ سواء، شيئًا ما ضائعًا وآليًّا، مصحوبًا في الوقت نفسه بهياج العبد. على العكس، كل ما يتم تصحبُه السعادةُ خيِّر. والأعمال الفنية تشهد لذلك أوضح الشهادة: يقال [بالفرنسية] صراحة عن ضربة فرشاة موفقة إنها "سعيدة". لكن كل عمل خيِّر جميل بحدِّ ذاته ويجمِّل وجه الإنسان. وإنه لذو دلالة أن يتفق الناس أجمعون على الاطمئنان دومًا إلى الوجه الحسن. ومنه، أحدسُ أن الكمالات لا تتعارض أبدًا وأن النقائص أو العيوب وحدها تتضارب، والخوف مثال عليها دامغ. ولذلك فإن نهج التكبيل – وهو نهج الطاغية ونهج الجبان – بدا لي دومًا أحمق من حيث الأساس، ووالد الحماقات كلها. فُكَّ الإسار، سرِّحْ، ولا تخف. فالحر أعزل.

12 تشرين الأول 1923

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Poètes », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 220-222.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو الكاتب والشاعر الألماني يوهَن ڤولفگَنْگ فون گوته (1749-1832)؛ صاحب فاوست (1808-1832). (المحرِّر)

[2] هو المسرحي والشاعر الألماني فريدرش فون شيلِّر (1759-1805)؛ صاحب مسرحيات تاريخية عديدة، منها دون كارلوس (1787) وڤلهلم تِلْ (1804)، والنشيد إلى الفرح (1785) الشهير الذي استلهمه بتهوڤن في سيمفونيته التاسعة. (المحرِّر)

[3] الشقي (اسم مفعول ومبالغة اسم فاعل: مَن يشقى ومَن يُشقي سواه) هو عينه التعيس. إذ يفيدنا اشتقاق الكلمة الفرنسي أن الشقاوة méchanceté (ضد السعادة) والنحس malchance (نقيض السعد) من أصل واحد. فكلمة "شقي" méchant بالفرنسية القديمة (اسم فاعل من فعل mescheoir القديم، المؤلف من أداة النفي mes ومن فعل cheoir، الذي صار choir: "وقع") مؤداها بالعربية "مَن ساءت وقعتُه"، أي زَلَّ وعَثَرَ. ولكلمة "تعيس" malheureux (المشتقة من كلمة heur التي تعني "حظ") دلالة مصطلح "عاثر الحظ" malchanceux نفسها؛ إذ تذكِّر كلمة "حظ" chance بكيفية وقوع عُظيمات القرعة أو حجارة النرد (وبالعربية، تَعَسَ أو تَعِسَ: عثر ووقع على وجهه). فالشقي هو المنحوس تعيس الحظ. (المترجم)

اليأس - ألان

الأحد, تشرين الثاني 29th, 2009

في اليأس*

alain_2

ألان**

قال أحدهم: "الماكر لا يقتل نفسه لسبب بهذه التفاهة." إنها ليست أول مرة، ولا آخر مرة، يظن فيها امرؤ شريف أنه مجلل بالعار، فينتحر، فيبكيه أولئك بعينهم الذين كان يظنهم يحتقرونه. تراني لا أزال أبحث، بخصوص هذه الفاجعة التي سوف تبقى ماثلة طويلاً في ذاكرتنا، عما يجعل امرءًا يريد أن يكون بارًّا وعاقلاً يبدو غالبًا كأنه لم يروض بعض الأهواء إلا لتهاجمه أهواء أخرى وتصرعه؛ ولا أزال أبحث كذلك عن الخواطر التي يمكن له بها أن يكافح اليأس.

تقدير موقف، طرح مشكلة صعبة، البحث عن حلٍّ لها، عدم إيجاد هذا الحل بتاتًا، الاحتيار في القرار على رأي، الدوران في الخواطر نفسها كما يدور الحصان في ميدان ترويض الخيل، – ذاك وحده، تقول، عذاب مبرِّح، وللعاقلة رؤوس مدببة أيضًا تَخِرُنا بها. لا، بتاتًا. يجب بالضبط البدء بعدم الوقوع في هذا الغلط بالذات. ثمة مشكلات كثيرة لا يتبين فيها المرء شيئًا؛ وهو يتصبر على ذلك بلا عناء. كثيرًا ما يتفق لمجلس، أو لمأمور تصفية [قضائي]، أو لقاض، أن يقرروا بأن قضية ما لا رجاء منها، أو حتى بأنه ليس في المستطاع تقرير شيء، من غير أن يُفقدهم ذلك شهيتهم أو يؤرقهم. إن ما يجرحنا في مسألة مستعصية على الحل ليس استعصاؤها على الحل، بل بالحري نوع من مصارعة ذلك الاستعصاء بالذات أو مقاومته، أو إنْ شئت، رغبة في أن لا تكون الأمور كما هي. في كل حركة هوى، أظن أن هناك مقاومة للمُحال إصلاحه. على سبيل المثال، إذا كان أحدهم يتعذب من جراء حب امرأة حمقاء، أو مغرورة، أو باردة، فذاك لأن إرادته تصر على أن لا تكون هذه المرأة كما هي. بالمثل، حين يكون خراب ما محتمًا، ويعلم المرء ذلك في قرارة نفسه، فإن هواه يريد أن يأمل، فيأمر الفكر، إذا صح القول، بأن يسلك مرة أخرى الطريق نفسها، لعله واجد فيها تفرعًا ما يقود إلى مكان آخر. لكن الدرب قد سُلِكتْ وانتهى الأمر؛ والمرء منها حيث هو بالضبط؛ وفي دروب الزمن، ليس بالوسع العودة القهقرى، ولا سلوك الطريق الواحد نفسه مرتين. ومنه، أقول بأن صاحب الطبع الشديد هو الذي يقول لنفسه أين هو من الأمر، ما هي الوقائع، ما هو المُحال إصلاحه بالضبط، فيمضي من هناك قُدُمًا نحو المستقبل. لكن هذا ليس سهلاً، ولا بدَّ من التدرب عليه في الأمور الصغيرة؛ وإلا صار الهوى كالأسد المحبوس في قفص، يراوح الخطى طوال ساعات أمام القضبان، وكأنه لا يزال يأمل، لدى بلوغه أحد الطرفين، بأنه لم يمعن النظر في الطرف الآخر. قصارى القول إن هذا الغم المولود من تأمُّل الماضي لا يجدي نفعًا، بل هو شديد الضرر حتى، لأنه يجعلنا نتفكر عبثًا ونبحث سدًى. يقول اسپينوزا[1] إن الندم خطيئة ثانية.

لكن المغتم، إذا كان قد قرأ اسپينوزا، يقول: "لكني لا أستطيع دومًا أن أكون مرحًا إذا كنت مغتمًّا؛ فذاك يتوقف على أمزجتي، على تعبي، على سنِّي، وعلى حال الطقس." طيب. قل ذلك لنفسك، قله لنفسك عن جِدٍّ؛ أرجع الغم إلى أسبابه الحقيقية؛ إذ يبدو لي أن من شأن ذلك أن يطرد خواطرك المغمومة كما تطرد الريح الغيوم. ستكون الأرض مثقلة بالأوجاع، لكن السماء ستكون صافية؛ وهذا دومًا مكسب بحدِّ ذاته؛ إذ تكون قد أرجعت الغم إلى الجسم؛ وبذلك تكون خواطرك كأنها قد نُظِّفَتْ. أو لنقل، إنْ شئت، إن الفكر يعطي للغم جناحين ويجعل منه كآبة محلِّقة؛ في حين أني بتفكُّري، إذا كان يجيد التسديد، أحطم الجناحين، فلا تبقى عندي غير كآبة زاحفة. إنها تلبث قابعة عند قدميَّ، لكنها لا تعود ماثلة نصب عينيَّ. بيد أننا – وهي ذي العقبة الكأداء – نريد دومًا كآبة تطير عاليًا جدًّا.

31 تشرين الأول 1911

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Du désespoir », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 145-147.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل إن كتاباته أنقذت العديد من القراء من اليأس.

[1] هو الفيلسوف الهولندي باروخ اسپينوزا (1632-1677)، صاحب الرسالة اللاهوتية-الفلسفية (1670) والأخلاق (نُشر بُعيد وفاته)؛ اتخذ هدفًا أساسيًّا نقلَ رسالة محرِّرة من أنواع العبودية كافة، مبينًا كيف أن حرية الإنسان ممكنة (في إطار الضرورة)، كما رأى أن المعرفة التي يمكن للحكيم أن يحصِّلها عن الجوهر (الله = الطبيعة) لا بدَّ أن تقوده إلى الغبطة. (المحرِّر)

تحت المطر - ألان

السبت, تشرين الثاني 28th, 2009

تحت المطر*

alain_1

ألان**

هناك، على كل حال، ما يكفي من الأوجاع الواقعية؛ لكن ذلك لا يحول دون إضافة الناس المزيدَ عليها عبر نوع من اجترار المخيلة. تراك تصادف كل يوم رجلاً واحدًا على الأقل يشتكي من المهنة التي يمتهنها، فيبدو لك في كلامه دومًا ما يكفي من التماسك، لأن ثمة ما يقال في كل شيء، وما من شيء كامل.

أنت، يا ذا المدرس، عليك، كما تقول، أن تعلِّم فتية شرسين لا يفقهون شيئًا ولا يكترثون بشيء؛ وأنت، أيها المهندس، غائص في بحر من الأوراق؛ وأنت، أيها المحامي، تترافع أمام قضاة يهضمون طعامهم غافين بدلاً من أن يستمعوا إليك. أغلب الظن أن ما تقوله صحيح، وأنا آخذه على محمل الصدق؛ ففي هذه الأمور دومًا ما يكفي من الصحة لكي يجوز قولها. وإذا كنت، فوق ذلك، تعاني معدة عليلة، أو كان حذاؤك يسرِّب الماء، فأنا أتفهمك كل التفهم؛ حسب ذلك مدعاةً لِلَعْن الحياة، والبشر، وحتى الله، إنْ كنت تؤمن بوجوده.

في هذه الأثناء، لاحِظْ أمرًا، وهو أن ذلك لا نهاية له، وأن الحزن يولِّد الحزن. فأنت، إذ تندب مصيرك كل هذا الندب، تراك تزيد من أوجاعك، وتعزل عن نفسك سلفًا كل أمل في الضحك، ومعدتك نفسها تسوء حالها أكثر من جراء ذلك. لو كان لك صديق، وكان يشكو مُرَّ الشكوى من كل شيء، لحاولت، أغلب الظن، أن تهدئ من روعه وأن تجعله يرى العالم من منظار آخر. فلم لا تكون صديقًا صدوقًا لنفسك؟ أجل، عن جِدٍّ، أقول إن على المرء أن يحب نفسه قليلاً وأن يُحسِنَ معاملة نفسه. إذ إن كل شيء غالبًا ما يتوقف على موقف أول يتخذه. قال مؤلف قديم بأن لكل حَدَث مقبضين، وبأنه ليس من الحكمة، عند حَمْلِه، اختيارُ المقبض الذي يجرح اليد. لقد درجت اللغة الشائعة على إطلاق تسمية "فلاسفة" على الذين يختارون في كل مناسبة أحسن الكلام وأكثره تقْوية – وهذا رأي سديد. فالمقصود، إذن، هو الترافع عن النفس، لا ضد النفس. ونحن جميعًا من إجادة الترافع، ومن حماس الفصاحة، بحيث إننا واجدون لا محالة أسبابًا للسرور، على أن نسلك ذلك الدرب. كثيرًا ما لحظت أن البشر لا يشتكون من مهنتهم إلا سهوًا، وربما بعض الشيء على سبيل المجاملة أيضًا. فإذا حثثتَهم على الكلام عما يفعلون وعما يبتكرون، لا عما يتكبدون، تراهم يصبحون شعراء، بل شعراء جذلون.

هو ذا مطر خفيف يهطل؛ أنت في الشارع، فتفتح مظلتك؛ حسبك هذا. إذ لا خير في قولك: "بئس هذا المطر الخسيس!"؛ فذلك لن يؤثر بتاتًا في قطرات الماء، ولا في الغيمة، ولا في الريح. فلم لا تقول بالقدر نفسه من العزم: "آه، ما أطيبه مطرًا خفيفًا!" أسمعك تقول إن ذلك لن يؤثر بتاتًا في قطرات الماء – صحيح؛ لكن أثره سيكون طيبًا فيك أنت؛ بدنك برمته سينتفض ويدفأ حقيقة – فكذا هو أثر أصغر حركة فرح؛ وها أنت ذا على ما ينبغي لك أن تكون لتستقبل المطر من غير أن تصاب بالرشح.

يجدر بك أن تتلقى البشر أيضًا كما تتلقى المطر. "ذاك ليس بالأمر اليسير"، تقول. بلى، هو أيسر بكثير جدًّا من تلقِّي المطر. إذ إن ابتسامتك لا تؤثر في المطر، لكن أثرها كبير في البشر، وبمحض محاكاتهم الابتسامة، تجعلهم سلفًا أقل حزنًا وأقل إملالاً. فضلاً عن أنك ستجد لهم أعذارًا بسهولة، على أن تنظر في نفسك. كان من عادة مرقس أوريليوس[1] أن يقول كل صباح: "سألتقي اليوم مغرورًا، كذابًا، ظالمًا، ثرثارًا مملاً؛ إنهم هكذا من جراء جهلهم."

4 تشرين الثاني 1907

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Sous la pluie », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 159-161.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها. قيل فيه إنه أنقذ العديد من القراء من اليأس.

[1] إمبراطور روماني وفيلسوف كبير (121-180)؛ ترك خواطر وضعها باليونانية تشي باعتناقه المذهب الرواقي في صورته الأكثر صوفية: الإله هو مبدأ الموجودات ومنتهاها، وهو العقل الكلي الذي يندمج فيه الوعي الفردي بعد موت الجسم؛ وهذا يتم، بحسب فيلسوفنا، عند بلوغ الكمال الداخلي عن طريق التطهر الخلقي بمراقبة النفس والتجمُّل بالتواضع والزهد في أمجاد الدنيا، وثبات الجنان عند الشدائد بتفهُّم حتمية الضرورة التي تحكم العالم. (المحرِّر)

صداقة - ألان

الأربعاء, تشرين الثاني 25th, 2009

صـداقـة*

alain_1

ألان**

في الصداقة أفراح رائعة. نفهم ذلك من غير عناء إذا ما لحظنا أن الفرح يسري. حسب حضوري أن يوفر لصديقي القليل من الفرح الحق حتى يجعلني مشهد فرحته هذه أشعر بدوري بفرحة؛ وبذا فإن كل واحد يسترجع الفرح الذي يبذله؛ في الوقت نفسه، يُطلَق سراحُ كنوز من الفرح، وكلاهما يقول للآخر: "كانت بي سعادة لم أكن أفعل بها شيئًا."

ينبوع الفرح في الداخل، أقرُّ بذلك؛ ولا شيء محزن أكثر من رؤية أناس ساخطين على أنفسهم وعلى كل شيء، يدغدغون بعضهم بعضًا ليتضاحكوا. لكنْ لا بدَّ من القول أيضًا إن الإنسان المسرور، إذا كان وحده، سرعان ما ينسى أنه مسرور؛ فرحه كله سرعان ما يخمد؛ فينتهي به الأمر إلى نوع من البلادة يكاد أن ينعدم فيها الحس. الشعور الداخلي بحاجة إلى حركات خارجية. إذا اتفق لأحد الطغاة أن يسجنني لكي يعلِّمني احترام السلاطين، لاتخذت لنفسي قاعدة للصحة أن أضحك وحدي كل يوم، ولخصصت لفرحي من الرياضة ما أخصص لساقيَّ.

هاكم حزمة من الأغصان اليابسة. إنها جامدة في الظاهر كالتراب؛ وإذا تركتموها هناك صارت ترابًا. غير أن توقدًا خفيًّا يكمن فيها قد استمدتْه من الشمس. قرِّبوا منها أصغر لهب، وسرعان ما تحصلون على أجيج نار زافرة. كان يكفي هزُّ الباب فقط لإيقاظ السجين.

هكذا لا بدَّ من نوع من الشروع في العمل لإيقاظ الفرح. حين يضحك الرضيع للمرة الأولى، فإن ضحكته لا تعبِّر عن شيء البتة؛ إنه لا يضحك لأنه سعيد؛ أقول بالأحرى إنه سعيد لأنه يضحك؛ الضحك يلذ له، كما يلذ له الأكل؛ لكنه يجب أن يأكل أولاً. لكن هذا لا يصح على الضحك وحسب؛ فالمرء بحاجة إلى الكلام أيضًا لكي يعرف ما يفكر فيه. مادام المرء وحده ليس بوسعه أن يكون نفسه. المغفلون من فقهاء الأخلاق يقولون بأن المحبة هي نسيان النفس: نظرة مغالية في السذاجة؛ كلما خرج المرء من نفسه أكثر كان نفسَه أكثر، وشعر بنفسه حيًّا أكثر أيضًا. لا تترك حطبك يتعفن في قبوك.

27 كانون الأول 1907

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « Amitié », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 193-194.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي برع فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها.

السأم - ألان

الأثنين, تشرين الثاني 23rd, 2009

الســأم*

alain_2

ألان**

حين لا يبقى عند الرجل من شيء يبنيه أو يهدمه، تراه يغدو شديد التعاسة. أما النساء – وأقصد المشغولات منهن بأعمال المنزل وبالعناية بالأطفال – فأغلب الظن أنهن لن يفهمن أبدًا تمام الفهم لماذا يذهب الرجال إلى المقهى ويلهون بالكوتشينة. العيش مع النفس والتأمل في النفس لا قيمة لهما.

في رواية گوته البديعة ڤلهلم مايستر[1]، ورد ذكر "جمعية زاهدين" تحرِّم على أعضائها التفكير في المستقبل وفي الماضي. هذه القاعدة، بقدر ما يستطاع التقيدُ بها، قاعدة حسنة جدًّا. ولكنْ، حتى يستطاع التقيدُ بها، لا مناص للأيدي وللعيون من أن تكون مشغولة. فالإدراك والعمل هما العلاجان الحقيقيان. على العكس، إذا قعد المرء عن العمل، سرعان ما يقع فريسة التخوف والتحسر. التفكير ضرب من اللهو ليس صحيًّا للغاية دومًا؛ فبوجه العموم، يدور المرء في مكانه من غير أن يتقدم. لذا كتب جان-جاك الكبير[2]: "امرؤ يتأمل حيوان منحط."

الضرورة تنتشلنا من ذلك – في أغلب الأحيان. أكثرنا عنده مهنة يزاولها، وهذا حسن جدًّا. لكن ما ينقصنا هي مهن صغيرة تريحنا من الآخر. كثيرًا ما حسدتُ النساء على ممارستهن حبك الصوف أو التطريز: ترى عيونهن مشدودة إلى شيء واقعي تتبعه؛ ومن شأن هذا أن يجعل صور الماضي والمستقبل لا تلح في الظهور إلا كاللوامع. أما في هذه الاجتماعات التي يُهدَر فيها الوقت، فإن الرجال لا عمل لهم، فتراهم يطنون طنين الذباب في قارورة.

ساعات الأرق، إلا في حال المرض، لا يخشاها المرء كل هذه الخشية، على ما أظن، إلا لأنها تطلق العنان لمخيلة تعدم أغراضًا واقعية تتمعن فيها. يأوي الرجل إلى فراشه في العاشرة، فيظل، حتى ينتصف الليل، يتلوى كالشبوط ضارعًا إلى إله النوم. وهذا الرجل بالذات، في الساعة عينها، لو كان في المسرح، لتناسى وجوده كل التناسي.

من شأن هذه الخواطر أن تعين على فهم الانشغالات المتنوعة التي تملأ حياة الأغنياء. إنهم يفرضون على أنفسهم ألف واجب وألف عمل ويهرعون إليها كما [تهرع الفراشة] إلى النار. إنهم يقومون بعشر زيارات في اليوم الواحد ويراوحون بين حفلة الموسيقى والمسرح. ذوو الدم الفائر منهم يرتمون في الصيد والحرب والأسفار المحفوفة بالمهالك. وسواهم يسرعون بالسيارة وينتظرون بفارغ الصبر فرصةً لتهشيم عظامهم بالطيارة. لا غنى لهم عن أعمال جديدة وإدراكات جديدة. إنهم يريدون أن يعيشوا في العالم، لا في أنفسهم. فكما كانت الفيلة الضخمة المنقرضة تقطم الغابات، تراهم يقطمون العالم بأعينهم. وأبسطهم عقلاً يلعبون لعبة تلقِّي اللكمات العنيفة في أنوفهم وفي بطونهم؛ فذلك يعيدهم إلى الأشياء الحاضرة، ويجدون فيه لذة ما بعدها لذة. ولعل الحروب هي أولاً دواء للسأم؛ بذا قد يُفسَّر لماذا أكثر الناس استعدادًا لقبول الحرب – إنْ لم نقل لطلب نشوبها – هم في الغالب الذين عندهم ما يخسرونه أكثر من غيرهم. الخوف من الموت فكرة يختص بها البطَّال، وسرعان ما يمحوها عملٌ ملحٌّ، مهما كان مقدار الخطر فيه. أغلب الظن أن المعركة واحدة من الظروف التي يكون فيها التفكير في الموت أقل ما يكون. ومنه هذه المفارقة: كلما أحسن المرء ملء حياته، قلَّ خوفُه من فقدانها.

29 كانون الثاني 1909

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس



* Alain, « L’ennui », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 99-101.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي تخصص فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الدقيقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها.

[1] تُعَد هذه الرواية نموذجًا لرواية التأهيل على الحياة؛ مؤلفة من جزأين: سنوات تعلُّم ڤلهلم مايستر (1796) وسنوات سفر ڤلهلم مايستر (1821). (المحرِّر)

[2] هو بالطبع جان-جاك روسو (1712-1778). جدير بالذكر أن روسو هو الفيلسوف الوحيد الناطق بالفرنسية الذي يشار إليه تقليديًّا باسمه الأول فقط. (المحرِّر)

انظر إلى المدى البعيد - ألان

السبت, تشرين الثاني 21st, 2009

انظرْ إلى المدى البعيد*

alain

ألان**

السوداوي، ليس عندي غير شيء واحد أقوله له: "انظرْ إلى المدى البعيد." فالسوداوي يكاد دومًا أن يكون امرءًا يغالي في القراءة. العين البشرية لم تُصنَع لمثل هذه المسافة بتاتًا؛ فالأمداء البعيدة هي ما ترتاح إليه. حين تعاين النجوم أو أفق البحر، فإن عينك تكون مستريحة تمامًا؛ وإذا كانت العين مستريحة كان الرأس حرًّا والمشية أكثر ثباتًا؛ كل شيء يستريح ويلين حتى الأحشاء. لكنْ لا تحاولنَّ البتة أن تليِّن نفسك عامِدًا؛ فالإرادة فيك، حين تطبِّقها على نفسك، تشدُّ كل شيء بالوَرْب وينتهي بها الأمرُ إلى خنقك. لا تفكرْ في نفسك؛ انظرْ إلى المدى البعيد.

الصحيح أن السوداوية داء؛ والطبيب يقدر أحيانًا أن يخمن سببه ويصف الدواء؛ لكن هذا الدواء يعيد انتباهك مركوزًا في جسمك، وهمُّك أن تتبع نظام الحِمْية من شأنه بالضبط أن يُبطل مفعوله؛ لذا فإن الطبيب – إذا كان حكيمًا – يحيلك إلى الفيلسوف. لكنك، حين تهرع إلى الفيلسوف، ماذا تجد؟ تجد امرءًا مغاليًا في القراءة، يفكر كصاحب النظر الحسير، وحزينًا أكثر منك.

على الدولة أن تَصلُح مدرسةً للفلسفة ومدرسةً للطب أيضًا. وكيف ذلك؟ بالعلم الحق، الذي هو تأمُّل الأشياء، وبالشعر العظيم عظمة العالم. إذ إن آلية عيوننا، التي ترتاح إلى الآفاق العريضة، تعلِّمنا حقيقة عظيمة: على الفكر أن يطلق سراح الجسم ويعيده إلى الكون، الذي هو موطننا الحقيقي. هناك صلة قربى عميقة بين مصيرنا كبشر وبين وظائف جسمنا. الحيوان، ما إنْ تتركه الأشياءُ المجاورةُ وشأنه، يستلقي وينام؛ أما الإنسان فيفكر؛ فإذا كان تفكيره تفكير حيوان فالويل له: تراه يزيد من أوجاعه ومن حاجاته؛ تراه تنهشه الخشية والأمل؛ الأمر الذي يجعل جسمه لا يكف عن التوتر، عن التهيج، عن الاندفاع، عن كبح نفسه، وذلك بحسب ألاعيب المخيلة؛ تراه مرتابًا دومًا، متربصًا دومًا بالأشياء وبالناس من حوله. وإذا أراد أن ينطلق، تراه يغوص في الكتب، وهي عالم مغلق هو الآخر، شديد القرب من عينيه، شديد القرب من أهوائه. الفكر يتحول إلى سجن والجسم يعاني؛ إذ إن قولنا إن الفكر يضيق وقولنا إن الجسم يعمل ضد نفسه هو قولنا الشيء نفسه. الطَّموح يعيد صياغة خطاباته ألف مرة، والعاشق يعيد تلاوة صلواته ألف مرة. على الفكر أن يسافر وأن يتأمل إذا شئنا أن يكون الجسم على ما يرام.

هذا ما سيقودنا إليه العلم، شريطة ألا يكون طَموحًا، ولا ثرثارًا، ولا نافد الصبر؛ شريطة أن يصرفنا عن الكتب وينقل نظرتنا إلى مدى الأفق. العلم، إذن، يجب أن يكون إدراكًا وسفرًا. فالغرض، عبر الروابط الحقيقية التي تكتشفها فيه، يقودك إلى غرض آخر وإلى ألف غرض آخر، ودوامة النهر هذه تحمل فكرك حتى الرياح، حتى السحب، حتى الكواكب. فالمعرفة الحق لا ترجع أبدًا إلى شيء صغير ما قريب من العيون؛ إذ إن المعرفة هي فهم كيف أن أصغر شيء مرتبط بالكل؛ لا شيء تكمن علته في ذاته، وبذا فإن الحركة الصائبة تبعدنا عن أنفسنا؛ وذلك لا يقل صحةً للذهن عنه صحةً للعينين. بذا فإن فكرك سيرتاح في هذا الكون الذي هو مجاله، وسينسجم مع حياة جسمك المرتبطة هي الأخرى بالأشياء كلها. حين كان المسيحي يقول: "السماء موطني"، لم يكن يحسَب أنه يحسن القول إلى هذا الحد. انظرْ إلى المدى البعيد.

15 أيار 1911

المترجم عن الفرنسية: ديمتري أڤييرينوس


* Alain, « Regarde au loin », in Propos sur le bonheur (1928), Gallimard, coll. « Idées », 1964, pp. 131-133.

** لقب أستاذ الفلسفة الفرنسي إميل شارتييه (1868-1951). كاتب مقالة لامع، تفصح مقالاته القصار – وهي جنس أدبي-فلسفي تخصص فيه – عن مذهب إنساني روحي تتخلله السخرية الرفيعة والملاحظة الحاذقة. قال بضرورة مزاولة الفيلسوف العملَ اليدوي وبضرورة اطلاعه على العلوم حتى لا تفارق الفلسفةُ الحياةَ العملية، كما أدان الحرب بكل أشكالها.

الرسالة الوجودية - محيي الدين بن عربي

الجمعة, تشرين الأول 30th, 2009

الرسـالـة الوجـوديـة

محيي الدين بن عربي

تقديم

التصوف والحلولية

وأيُّ الأرض تخلو منكَ حتى * تعالَوا يطلبونكَ في السـماءِ
تراهـم ينظـرون إليكَ جهـرًا * وهُـمْ لا يبصـرون من العَمـاءِ

الحسين بن منصور الحلاج

فمتى عرفتَ نفسَك ارتفعتْ أنانيتُك، وعرفتَ أنكَ لم تكن غيرَ الله.
محيي الدين بن عربي

لا نظنُّنا نغالي إنْ قلنا بأن دين الإسلام ككل محتوى في عقيدة التوحيد: نفي الشِّرك بالله ("لا إله…") وإثبات وحدانيته ("… إلا الله") يؤلفان معًا، عند عامة المؤمنين، المحور البسيط والواضح الذي تدور عليه حياتهم الدينية برمتها. أما الخاصة من أهل الباطن، فالتوحيد عندهم هو الباب الذي ينفتح على حقيقة الذات الإلهية: فكلما أمعن عقل المتصوف، على هدي من بصيرته، في سبر ظاهر البساطة العقلانية للوحدانية الإلهية، تبيَّن له أن هذه البساطة أعمق غورًا وأشد تعقيدًا – إلى أن يبلغ به الأمر حدًّا يتعذر بعده التوفيق بين مختلف أوجُه التوحيد بالعقل الخطابي discursive reason وحده؛ إذ إن تفكُّره في هذه الأوجُه بالغٌ لا محالة بمَلَكة التفكير حدودَ استيعابها القصوى، وبذلك يتاح للعقل أن يختبر حال جَمْع[1] يتعدى كل تصور شكلاني. بعبارة أخرى، فإن للكشف عما يتعدى الصور وحده أن يرقى إلى الوحدانية الإلهية[2].

لعل المفهوم المركزي الذي يتخلل مذهب الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي[3] كله هو وحدة الوجود؛ ولا يزال الجدل دائرًا حول ما إذا كان المقصود بهذا المصطلح هو وصف مذهب توحيدي لا يوجد بمقتضاه إلا الواحد وحده أم لم يكن. بيد أن الإجابة بالإيجاب عن هذه المسألة لا تشير إلى نقلة نوعية حاسمة في الإلهيات الإسلامية، لأن ابن عربي لم يفعل، في الواقع، غير الدفع بمذهب المتكلِّمين الأشاعرة حتى أقصى مداه؛ إذ إن إصرار الأشعري على قدرة الله الكلِّية وهيمنته على الكون ينطوي، منطقيًّا، على أن الله هو خالق الأفعال، وبالتالي، الفاعل الأوحد[4]. لذا ترانا لا نجانب المنطق إنْ قلنا، قياسًا على ذلك وعلى غرار ابن عربي، بأن الحق هو الواجد الأوحد.

في كتابه الأشهر فصوص الحكم، يتكلم الشيخ الأكبر على ذروة التحقق الروحي بوصفها "تخلُّلاً" متبادلاً بين الحق والخلق، الله والإنسان. فالله، إذا جاز القول، يتخذ الصورة البشرية: فمن منظور أول، يكون اللاهوت محتوى الناسوت، حيث الثاني عبارة عن "إناء" للأول، على حدِّ قول ابن عربي[5]؛ ومن منظور آخر، يُمتص الإنسانُ في الحق الذي يستهلكه في شهوده تمامًا. بعبارة أخرى، يكون الحق باطنًا في الخلق (الإنسان)، ويكون الخلق "ممحوقًا" محقًا في شهود الحق[6]. إنما لا بدَّ من فهم هذا الكلام من منظور مخصوص يتصل بالتحقق الروحي حصرًا: فابن عربي، إذ يضع هذين النسقين من تخلُّل الله للإنسان وتخلُّل الإنسان لله جنبًا إلى جنب على التوازي، يدقق في "الفص الإبراهيمي" في مقطع من أبلغ ما كتب:

اعلم أنه ما تخلَّل شيءٌ شيئًا إلا كان محمولاً فيه. [...] فإن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، فيكون الخلقُ جميعَ أسماء الحق، سمعَه وبصرَه وجميعَ نِسَبه وإدراكاته. وإن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه، فالحق سمعُ الخلق وبصرُه ويدُه ورجلُه وجميعُ قواه [...]. ثم إن الذات لو تعرَّتْ عن هذه النسب لم تكن إلهًا. وهذه النسب أحدثتْها أعيانُنا: فنحن جعلناه بمألوهيَّتنا إلهًا، فلا يُعرَف حتى نعرف. [...] فإن بعض الحكماء وأبا حامد [الغزالي] ادعوا أنه يُعرَف الله من غير نظر في العالم – وهذا غلط؛ نعم، تُعرَف ذاتٌ قديمة أزلية، لا يُعرَف أنها إله حتى يُعرَف المألوه – فهو الدليل عليه. ثم بعد هذا، في ثاني حال، يعطيك الكشف أن الحق نفسه كان عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته، وأن العالم ليس إلا تجلِّيه في صور أعيانهم الثابتة[7] التي يستحيل وجودها بدونه، وأنه يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها – وهذا بعد العلم به منَّا أنه إله لنا. ثم يأتي الكشف الآخر، فيُظهر لك صورَنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض في الحق، فيعرف بعضنا بعضًا، ويتميَّز بعضنا عن بعض.[8]

في "التخلل" الأول، يكشف الله عن نفسه بوصفه الذات التي تعرف من خلال ملَكات الإنسان الإدراكية وتفعل عبر ملَكاته العملية (جوارحه)؛ أما في "التخلل" الثاني، المعاكس للأول، فيتحرك الإنسان، إذا جاز القول، في أبعاد الوجود الإلهي التي، فيما يخصه بالذات، تتقاطب وتتقابل مثنى مثنى، بحيث تُقابل كلَّ صفة بشرية صفةٌ من الصفات الإلهية. وهذا "الكشف" المزدوج معبَّر عنه في الحديث القدسي المشهور:

ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبُّه؛ فإذا أحببتُه، كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها.

كثيرًا ما التبستْ مذاهبُ المشرق الباطنية جميعًا (كما وبعض مذاهب الغرب) على الباحثين الغربيين "البرانيين" (وعلى "المتغرِّبين" من أبناء الشرق أيضًا) بمذهب الحلولية pantheism. غير أن الحلولية لا تصادَف في الواقع إلا في حالة عدد من الفلاسفة الأوروبيين وبعض الشرقيين ممَّن تأثروا بالفكر الغربي في القرن التاسع عشر؛ فالحلولية نشأت عن النزعة الفكرية عينها التي تفتقت، أولاً، عن المذهب الطبيعي naturalism، ومن بعدُ، عن المذهب المادي materialism الحديث. يقول سيد حسين نصر:

أما ما أغفله النقاد ممَّن يتهمون الصوفيين بـ"الحلولية" فهو الفرق بين التوحيد الذاتي بين الوجود الظاهر ومبدئه الوجودي وبين عينيَّتهما واستمرارهما الجوهري. وهذا المفهوم الأخير مُحال عقلاً، ويتناقض مع كلِّ ما قاله محيي الدين [بن عربي] والصوفيون الآخرون في خصوص الذات الإلهية.[9]

فالحلولية، كما يتبين من كلام نصر، لا تتصور العلاقة بين المبدأ الإلهي[10] والعالم إلا من منظور الاستمرارية الجوهرية أو الكونية – وهذا غلط ينبذه كلُّ مذهب باطني نقلي بما لا لبس فيه ولا إبهام[11]. فلو كانت ثمة استمرارية تجوِّز المقارنةَ بين الخلق والحق، بين الكون المتجلِّي وأصله، على نحو ما يُقارَن بين الغصن وجذع الشجرة الذي يتفرع منه الغصن، لكانت هذه الاستمرارية، أو لنقل، هذه "الجوهرية" المشتركة بين الحدَّين، إما متعيِّنة بمبدأ أعلى لا تتميز عنه، وإما متعالية هي نفسها عن هذين الحدَّين اللذين تشد كلاً منهما إلى الآخر وتكتنفهما جميعًا بمعنى ما، وبالتالي، لَما كان الحق إذ ذاك هو الحق "الغني عن العالمين"[12]. لذا يصح، إلى حدٍّ ما، القولُ بأن الحق هو عينه هذه الاستمرارية أو الوحدة، على ألا تُتصوَّر باعتبارها "خارجه"، وذلك لأن

[...] الحق لا ضد له، ولا ندَّ له، ولا ينتسب إلى أين، [...] ليس بعَرَض فيحتاج إلى حامل يقوم وجودُه <عليه>، ولا بجوهر فيشارك الجواهر في حقيقة الجوهرية.[13]

وهو منزَّه عن كلِّ شيء متجلٍّ، لكنْ دون إمكان وجود شيء "خارجه" أو "سواه"، كما يؤكد صاحب الرسالة الوجودية[14]:

[...] كان ولا بَعْد معه ولا قبل، ولا فوق ولا تحت، ولا قُرْب ولا بُعْد، ولا كيف، ولا أين ولا حين، ولا أوان ولا وقت ولا زمان، ولا كون ولا مكان، وهو الآن كما كان.
هو الواحد بلا وحدانية، وهو الفرد بلا فردانية. ليس مركَّبًا من الاسم والمسمَّى: هو الأول بلا أولية وهو الآخِر بلا آخِرية، وهو الظاهر بلا ظاهرية وهو الباطن بلا باطنية [...]. فلا أول ولا آخِر ولا ظاهر ولا باطن إلا وهو بلا صيران. [...] – فافهم هذا لئلا تقع في غلط الحلولية.
لا هو في شيء، ولا شيء فيه، لا داخلاً ولا خارجًا. [...] لا يراه إلا هو، ولا يدركه إلا هو، ولا يعلمه إلا هو بنفسه، وبنفسه يعرف نفسه؛ يرى نفسه، لا يراه أحدٌ غيره.
حجابه وحدانيته، فلا يحجبه شيء غير حجابه. وجوده وحدانيته، تستَّر بوحدانيته بلا كيفية.

يقول سيد حسين نصر معلِّقًا على هذا المقبوس:

من الصعب أن يُتهَم بالحلولية مَن يذهب إلى هذا الحدِّ في تأكيد تعالي الله. إن ما يريد ابن عربي أن يثبته هو أن الوجود الإلهي متميِّز عن مظاهره وأنه متعالٍ عنها؛ إلا أن المظاهر ليست منفصلة من كلِّ وجه عن الوجود الإلهي الذي يكتنفها بوجه ما.[15]

فإذا عرض لبعض أهل الباطن من الصوفية أن يستعملوا صورة استمرارية "مادية" تعبيرًا عن الوحدة الذاتية للأشياء، تمامًا كما يشبِّه الأدڤيتيون (= اللاثنويون) الهنود الأشياء بجِرار تختلف من حيث الشكل لكنها جميعًا مصنوعة من الصلصال[16]، فإنهم على بيِّنة من قصور مثل هذا التشبيه؛ ناهيكم أن هذا القصور، البيِّن تمامًا في نظر القوم، يدرأ بعيدًا الخطر المتمثل في قراءتهم في أيِّ شيء أكثر من إشارة أو رمز. أما فيما يخص الإشارة نفسها، فإن مسوِّغها يتأسس على التناظر المعكوس القائم بين الوحدة الذاتية للأشياء وبين وحدتها "المادية"؛ وهو لا يمت بصلة إلى أية نظرية "سببية" (بالمعنى الكوني للكلمة)، اللهم إلا أن يُعتبَر الحق العلة الأولى (= "المحرك الساكن" عند أرسطو)، فيكون بذلك "علَّة" كلِّ شيء.

ويحسن بنا هاهنا أن نضيف بأن الصوفي المتحقق لا ينزع أبدًا إلى تقييد الحقيقة بأي نسق من أنساقها (كالاستمرارية الجوهرية)، ولا على أية مرتبة من مراتبها (كالكون المحسوس أو الوجود العقلي)، دون الأنساق أو المراتب الوجودية الأخرى؛ بل إنه، على العكس، يتعرف إلى أنساق ومراتب للحقيقة لا عدَّ لها، ولا تقبل العكس، بحيث يجوز القول في النسبي إنه واحد ومبدأه المطلق[17]، أو حتى بأنه "عين" مبدئه، على الرغم من أن القول ببطون الأصل في فرعه غير صحيح تمامًا من منظور المبدأ الذي لا وجود لسواه، كما تلح الرسالة الوجودية مرارًا وتكرارًا. من هنا لا يصح أخذ قول فريد الدين العطار

سأقولُ لكم ما لم يُقَلْ:
أيُّ الأسرار بقي محتجبًا
<بعد أن> رأيتُ وجه الحبيب جهرًا؟
ها أنا ذا أشي بسرِّ الأسرار الخفية:
اعلمْ، أخي، أن النقش هو النقَّاش

على محمل الحلولية؛ وإنما مؤداه أن الموجودات كلها، منظورًا إليها من حيث حقيقتُها الذاتية، هي الحق، من دون أن يكون الحق هو "عين" هذه الموجودات[18] – وهذا، لا بمعنى أن حقيقته تستبعدها، بل بمعنى أن حقيقتها في مرأى من كماله والعدمَ سيان[19]. وهكذا يكون وجود السواء، في نظر ابن عربي، هو "بطون الحق في الخلق والخلق في الحق"[20].

إن الأحدية التي تغيب فيها الكثرةُ الكونية أو تنعدم لا تتناقض البتة وفكرةَ عدد غير محدود من مراتب الوجود: فهاتان الحقيقتان، على العكس، وثيقتا الصلة إحداهما بالأخرى. وهذا ينجلي بمجرد أن يُنظَر في الكمال الإلهي "من خلال" كلٍّ منهما: إذ ذاك فإن الكامل، إنْ صحَّ التمثيل، "يضيق" أو "يتسع" بحسب ما يُنظَر إليه إما في تعيُّنه المبدئي، أي الأحدية الذاتية، وإما في انعكاسه الكوني، أي طبيعة الكون الذي لا تنضب تجلِّياتُه ولا تنفك تتعيَّن. يدل على ذلك قول الشيخ الأكبر[21]:

يا خالقَ الأشـياءِ في نفسـه * أنـتَ لِمَــا تخـلقُـه جـامــعُ
تخلقُ مـا لا ينتهـي كونُـه فيـ * ـك فأنـتَ الضـيِّقُ الواسـعُ

إن هذا المنظور يمكِّننا من فهم أن مذهب التوحيد عند الصوفية (وهو بالدقة، على الرغم من اختلاف التسمية، مذهب "اللاثنوية" advaita الڤيدنتي الهندي عينه) لا صلة البتة بينه وبين أية "وحدانية" monism فلسفية بالمعنى المعاصر، كما يحاول أن يزعم بعض القادحين في بعض الصوفية المتحققين (ابن عربي، عبد الكريم الجيلي). فكما يقول سيد حسين نصر:

إن اصطلاح "الوحدانية الوجودية" monisme existentiel ليس تعريفًا مناسبًا [بوحدة الوجود] أيضًا، لأن "الوحدانية" [...] تفترض نظامًا فلسفيًّا فكريًّا يقابل مثلاً الثنوية، ولفظة "وجودية" تخلط بين الاستمرار الذاتي بين الأشياء ومبدئها وبين الاستمرار الجوهري، أو بين النظرة الأفقية والنظرة العمودية.[22]

وإن رأي هؤلاء القادحين لمما يزيد من دهشتنا، على اعتبار أن منهجية مذهب الصوفيَّيْن المذكورَين إنما تقوم على إبراز الأضداد الأونطولوجية القصوى وعلى النظر في الأحدية لا بالاختزال المنطقي العقلاني للعالم، بل بالجمع كَشْفًا بين الأضداد والنظائر في الخبرة الصوفية المباشرة[23]. ويتابع نصر:

[الأحدية] مركز الدائرة التي يوجد الكل فيها الذي يقف العقلُ أمامه حائرًا. فهي تشتمل على اجتماع "الأضداد" الذي لا يمكن أن يُرَدَّ إلى مقولات العقل البشري أو إلى وحدانية تنعدم معها الفوارق الوجودية ويُغفَل الوضعُ المتعالي الذي يحتله المركز بالنسبة إلى كلِّ المتناقضات التي تنحل جميعًا فيه.[24]

أخيرًا، نترك للشيخ الأكبر نفسه أن يلخص مذهبه بهذا المقطع البديع المأخوذ من الفتوحات المكية:

لو علمتَه لم يكن هو، ولو جهلكَ لم تكن أنت. فبعلمه أوجدك، وبعجزك عبدتَه. فهو هو لِهُوَ، لا لك، وأنت أنتَ لأنتَ ولَهُ. فأنت مرتبط به، ما هو مرتبط بك. الدائرة، مطلقةً، مرتبطة بالنقطة؛ النقطة، مطلقةً، ليست مرتبطة بالدائرة؛ نقطة الدائرة مرتبطة بالدائرة. كذلك الذات، مطلقةً، ليست مرتبطة بك. ألوهية الذات مرتبطة بالمألوه [أنت] كنقطة الدائرة [في ارتباطها بالدائرة].[25]

ديمتري أڤييرينوس

مراجع

- ابن عربي، محيي الدين، اصطلاح الصوفية، بتحقيق گوستاڤ فلوگل (نسخة بالأوفست ملحقة بـكتاب التعريفات للشريف الجرجاني)، بيروت، 1985.

- ابن عربي (محيي الدين)، الفتوحات المكية، بتحقيق وتقديم عثمان يحيى، السفر الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972.

- ابن عربي، محيي الدين، فصوص الحكم، في جزأين، بتحقيق وشرح أبي العلا عفيفي، بيروت، طب 2: 1980.

- الإسكندري، ابن عطاء الله، الحكم العطائية، بضبط وتقديم إبراهيم اليعقوبي، دمشق/بيروت، طب 2: 1985.

- الجيلي، عبد الكريم، الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، القاهرة، 1981.

- السهروردي الإشراقي، هياكل النور، بتقديم وتحقيق وتعليق محمد علي أبو ريان، القاهرة، 1957.

- الحلاج، الحسين بن منصور، الديوان، يليه كتاب الطواسين، صنعَه وأصلحَه كامل مصطفى الشيبي، كولن، 1997.

- شنكرَ، معرفة الذات، حلقة الدراسات الهندية 4، بيروت، طب 1: 1997.

- الكاشاني، عبد الرزاق، اصطلاحات الصوفية، بتحقيق وتقديم وتعليق عبد الخالق محمود، القاهرة، طب 2: 1984.

- الكلاباذي، أبو بكر محمد، التعرف لمذهب أهل التصوف، بتحرير عبد الحليم محمود، بيروت، 1980 (نسخة بالأوفست عن طبعة القاهرة، 1960).

- نصر، سيد حسين، ثلاثة حكماء مسلمين، بترجمة صلاح الصاوي ومراجعة وتنقيح ماجد فخري، بيروت، 1986.

- يحيى، عثمان، مؤلفات ابن عربي: تاريخها وتصنيفها، بترجمة أحمد محمد الطيب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001.

- Guénon, René, « Création et manifestation », in Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, Paris, 1973, pp. 88-101.

- Schuon, Frithjof, Islam and the Perennial Philosophy, tr. J. Peter Hobson, Preface by Seyyed Hossein Nasr, World of Islam Festival Publishing Company Ltd, 1976.

* * *

 

الرسالة الوجودية

في شرح معنى قوله – صلَّى الله عليه وسلَّم –:
"مَن عَرَفَ نفسَه فقد عَرَفَ ربَّه"
للسيد الإمام العالم المحقِّق صاحب الشريعة والحقيقة

محيي الدين أبي عبد الله محمد بن العربي
الطائي الحاتمي الأندلسي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين

في معنى قول النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم –:
"مَن عَرَفَ نفسَه فقد عَرَفَ ربَّه"

الحمد لله الذي لم يكن قبل وحدانيته قبلُ إلا والقبل هو، ولم يكن بعد فردانيَّته بَعْدُ إلا والبَعْد هو. كان ولا بَعْد معه ولا قبل، ولا فوق ولا تحت، ولا قُرْب ولا بُعْد، ولا كيف، ولا أين ولا حين، ولا أوان ولا وقت ولا زمان، ولا كون ولا مكان، وهو الآن كما كان.

هو الواحد بلا وحدانية، وهو الفرد بلا فردانية. ليس مركَّبًا من الاسم والمسمَّى: هو الأول بلا أولية وهو الآخِر بلا آخِرية، وهو الظاهر بلا ظاهرية وهو الباطن بلا باطنية؛ أعني أنه هو وجود حروف "الأول" وهو وجود حروف "الآخِر"، وهو وجود حروف "الباطن" وهو وجود حروف "الظاهر". فلا أول ولا آخِر ولا ظاهر ولا باطن إلا وهو بلا صيران. هذه الحروف وجوده، وصيران وجوده هذه الحروف. – فافهم هذا لئلا تقع في غلط الحلولية.

لا هو في شيء، ولا شيء فيه، لا داخلاً ولا خارجًا. ينبغي أن نعرفه بهذه الصفة، لا بالعلم ولا بالعقل، ولا بالفهم ولا بالوهم ولا بالعين، ولا بالحسِّ الظاهر ولا بالعين الباطن ولا بالإدراك. لا يراه إلا هو، ولا يدركه إلا هو، ولا يعلمه إلا هو بنفسه، وبنفسه يعرف نفسه؛ يرى نفسه، لا يراه أحدٌ غيره.

حجابه وحدانيته، فلا يحجبه شيءٌ غير حجابه. وجوده وحدانيته، تستَّر بوحدانيته بلا كيفية. لا يراه أحدٌ غيره: لا نبي مرسل، ولا ولي كامل، ولا مَلَك مقرَّب يعرفه. نبيُّه هو، ورسوله هو، ورسالته هو، وكلامه هو: أرسلَ نفسَه بنفسه من نفسه إلى نفسه، لا واسطة ولا سبب غيره، ولا تفاوُت بين المرسِل والمرسَل به والمرسَل إليه. وجود حروف الثناء وجوده لا غير، لا ثناؤه ولا اسمه ولا مُسمَّاه.

ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم –: "عرفت ربِّي بربِّي، مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه"[26]. وقال – صلى الله عليه وسلم –: "عرفت ربِّي بربِّي"؛ أشار – صلى الله عليه وسلم – بذلك أنك لست أنت، <بل> أنت هو بلا أنت: لا هو داخل فيك ولا هو خارج منك، ولا أنت خارج منه ولا أنت داخل فيه؛ ولا بذلك أنك موجود وصفتك هكذا أبدًا: غني به. إنك ما كنت قط ولا تكون، لا بنفسك ولا فيه ولا معه، ولا أنت فانٍ ولا موجود. أنت هو، وهو أنت، بلا علَّة من هذه العلل. فإن عرفتَ وجودك بهذه الصفة فقد عرفتَ الله. – وإلا فلا.

وأكثر العُرَّاف أضافوا معرفة الله – تعالى – إلى فناء الوجود وفناء الفناء[27] – وذلك غلط وسهو واضح: فإن معرفة الله – تعالى – لا تحتاج إلى فناء الوجود ولا إلى فناء فنائه، لأن الشيء لا وجود له، وما لا وجود له لا فناء له؛ فإن الفناء بعد إثبات الوجود. فإذا عرفت نفسك بلا وجود ولا فناء فقد عرفتَ الله. – وإلا فلا.

وفي إضافة معرفة الله – تعالى – إلى فناء الوجود وإلى فناء فنائه إثباتُ الشِّرك، لأنك إذا أضفت معرفة الله إلى فناء الوجود وفناء الفناء، كان الوجود لغير الله ونقيضه – وهناك شرك واضح، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه"، ولم يقل: "مَن فني عن نفسه عرف ربَّه". فإن إثبات الغير يناقض فناءه، وما لا يجوز ثبوتُه لا يجوز فناؤه. وجودك لا شيء، واللاشيء لا يُضاف إلى شيء، لا فانٍ ولا غير فانٍ، ولا موجود ولا معدوم. <أنت> الآن كما كنتَ معدَمًا قبل التكوين. فالآن الأزل، والآن الأبد، والآن القِدَم. فالله هو وجود الأزل ووجود الأبد ووجود القِدَم؛ فإنه بلا وجود الأزل والأبد والقِدَم لم يكن كذلك ما كان وحده لا شريك له. وواجب أن يكون وحده لا شريك له: فإن "شريكه" هو الذي يكون وجودُه بذاته، لا بوجود الله؛ ومَن يكن كذلك لم يكن محتاجًا إليه، فيكون إذًا ربًّا ثانيًا – وذلك محال: فليس لله شريك ولا ندٌّ ولا كفؤ. ومَن رأى شيئًا مع الله أو من الله أو في الله – وذلك الشيء يحتاج إلى الله بالربوبية – فقد جعل ذلك الشيء أيضًا شريكًا يحتاج إلى الله بالربوبية. ومن جوَّزَ أن يكون مع الله شيءٌ يقوم بنفسه، أو يقوم به، أو هو فانٍ عن وجوده أو عن فنائه، فهو بعدُ ما شمَّ رائحة معرفة النفس، لأن مَن جوَّزَ أن يكون موجودًا سواه، قائمًا به، فيه يصير فانيًا في فنائه، فتسلسل الفناء بالفناء، – وذلك شِرْك بعد شِرْك، وليس بمعرفة النفس، – هو مُشْرك، لا عارف بالله ولا بنفسه.

فإنْ قال قائل: "كيف السبيل إلى معرفة النفس وإلى معرفة الله؟"، فالجواب: سبيل معرفتها أن تعلم وتتحقق أن الله – عزَّ وجل – كان ولم يكن معه شيء، وهو الآن كما كان. فإنْ قال قائل: "أنا أرى نفسي غير الله، ولا أرى الله نفسي"، فالجواب: أراد النبي – صلى الله عليه وسلم – بـ"النفس" وجودَك وحقيقتك، لا النفس المسمَّاة بـ"الأمَّارة" و"اللوَّامة" و"المطمئنة" [يوسف 53، القيامة 2، الفجر 27]؛ بل أشار بـ"النفس" إلى ما سوى[28] الله جميعًا، كما قال – صلى الله عليه وسلم –: "اللهم أرني الأشياء كما هي": عبَّر بالأشياء عما سوى الله – سبحانه وتعالى –، أي عرِّفْني ما سواك لأعلم وأعرف الأشياء أيَّ شيء هي: أهي أنت أم غيرك، أهي قديم باق أم حادث فانٍ؟ فأراه الله – تعالى – ما سواه نفسَه بلا وجود ما سواه، فرأى الأشياء "كما هي"؛ أعني الأشياء ذات الله – تعالى – بلا كيف ولا أين.

واسم الأشياء يقع على النفس وغيرها من الأشياء. فإن وجود النفس ووجود الأشياء سيَّان في الشيئية: فمتى عرف الأشياءَ عرف النفس، ومتى عرف النفسَ فقد عرف الربَّ، لأن الذي يظن أنَّـ<ـه> سوى الله ليس هو سوى الله. ولكنك لا تعرف وأنت تراه، ولا تعلم أنك تراه. ومتى يكشف لك هذا السر، علمتَ أنك لست ما سوى الله، وعلمت أنك كنت مقصودًا، وأنك لا تحتاج إلى الفناء، وأنك لم تزل ولا تزال، بلا حين ولا أوان، كما ذكرنا قبل. جميع صفاته صفاتك، وترى ظاهرَك ظاهرَه وباطنَك باطنَه، وأولك أولَه وآخِرَك آخِرَه، بلا شك ولا ريب؛ وترى صفاتِك صفاتِه وذاتَك ذاتَه، بلا صيرورتك إيَّاه وصيرورته إيَّاك، ولا بقليل ولا بكثير.

"كلُّ شيء هالكٌ إلا وجَهه" [القصص 88]، بالظاهر والباطن، يعني: لا موجود إلا هو؛ ولا وجود لغيره فيحتاج إلى الهلاك. و"يبقى وجهُه" [الرحمن 27] يعني: لا شيء إلا وجهه. فكما أن مَن لم يعرف شيئًا، ثم عَرَفَه، ما فني وجودُه بوجود آخر، ولا تركَّب وجودُ المُنكِر بوجود العارف، ولا تداخَل بالأثر. <هنا> يقع الجهل: فلا تظن أنك تحتاج إلى الفناء؛ فإن احتجت إلى الفناء فأنت إذًا حجابه – والحجاب غير الله؛ فيلزم غلبةُ غيره عليه بالدفع عن رؤيته له. – وهذا غلط وسهو.

قد ذكرنا قبل أن حجابه وحدانيته وفردانيَّته لا غير. ولهذا أجاز للواصل إلى الحقيقة أن يقول: "أنا الحق" [الحلاج] وأن يقول: "سبحاني" [البسطامي]. وما وصل واصلٌ إليه إلا ورأى صفاتِه صفاتِ الله، وذاتَه ذاتَ الله، بلا كون صفاتُه ولا ذاتُه داخلاً في الله أو خارجًا منه قط، ولا أنه فانٍ من الله أو باق في الله، <أو> يرى نفسه أنْ لم يكن له <وجود> قط لأنه كان ثُمَّ فني؛ فإنه لا نفس إلا نفسه، ولا وجود إلا وجوده. وإلى هذا أشار النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله: "لا تسبُّوا الدهر، فإن الله هو الدهر"، ونزَّه الله – تبارك وتعالى – عن الشريك والند والكفؤ.

ورُوِيَ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "إن الله – تعالى – قال: يا ابن آدم، مرضتُ ولم تَعُدْني، وسألتكَ ولم تُعطِني": أشار إلى أن وجودَ السائل وجودُه، ووجودَ المريض وجودُه. فمتى جاز أن يكون وجودُ السائل وجودَه ووجودُ جميع الأشياء من المكوَّنات من الأعراض والجواهر وجودَه، ومتى ظهر سرُّ ذرة من الذرات، ظهر سرُّ جميع المكوَّنات الظاهرة والباطنة؛ ولا نرى الذرين سوى الله، بلا وجود الذرين، اسمهما ومسمَّاهما، بل اسمهما ومسمَّاهما ووجودهما كلهما هو، بلا شك ولا ريب.

ولا ترى أنه – تعالى – خلق شيئًا قط، بل ترى "كلَّ يوم هو <في> شأنٍ" [الرحمن 29] من إظهار وجوده وإخفائه بلا كيفية، لأنه "هو الأول والآخِر والظاهر والباطن وهو بكلِّ شيء عليم" [الحديد 3]: ظهر بوحدانيته وبَطُنَ بفردانيَّته، وهو الأول بذاته وقيوميَّته وهو الآخِر بديموميَّته. وجود حروف "الأول" هو ووجود حروف "الآخِر" هو، ووجود حروف "الظاهر" هو ووجود حروف "الباطن" هو؛ هو اسمه وهو مسمَّاه.

وكما يجب وجودُه يجب عدمُ ما سوى: فإن الذي تظن أنه سواه ليس سواه، – تَنَزَّه أن يكون غيره، – بل غيرُه هو، بلا غيرية الغير، مع وجوده وفي وجوده، ظاهرًا وباطنًا.

ولِمَنِ اتصف بهذه الصفة أوصافٌ كثيرة لا حدَّ ولا نهاية لها. فكما أن مَن مات بصورته انقطع جميعُ أوصافه عنه، المحمودة والمذمومة، كذلك مَن مات بالموت المعنوي[29] ينقطع عنه جميعُ أوصافه، المذمومة والمحمودة، ويقوم الله – تعالى – مقامَه في جميع الحالات، فيقوم مقامَ ذاته ذاتُ الله – تعالى – ومقامَ صفاته صفاتُ الله – تعالى –. ولذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم –: "موتوا قبل أن تموتوا"، أي اعرفوا أنفسكم قبل أن تموتوا؛ وقال – صلى الله عليه وسلم –: "قال الله تعالى: لا يزال العبد يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبُّه، فإذا أحببتُه كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا"، إلى آخره، فأشار إلى أن مَن عرف نفسه يرى جميع وجوده، ولا تغيرًا في ذاته ولا صفاته. ولا يحتاج إلى تغيُّر صفاته، إذ لم يكن هو وجود ذاته، بل كان جاهلاً بمعرفة نفسه. فمتى عرفتَ نفسَك ارتفعتْ أنانيتُك، وعرفت أنك لم تكن غير الله[30]. فإنْ كان لك وجود مستقل، لا يحتاج إلى الفناء ولا إلى معرفة النفس، فتكون ربًّا سواه. فتبارك الله – تعالى – أن يوجَد ربٌّ سواه.

ففائدة معرفة النفس أن تعلم وتحقِّق أن وجودك ليس موجودًا ولا معدومًا، ولست كائنًا ولا كنت ولا تكون قط. ويظهر لك بذلك معنى "لا إله إلا الله" [الصافات 35]: إذ لا إله غيره، ولا وجود لغيره؛ فلا غير سواه، ولا إله إلا إيَّاه. فإن قال قائل: "عطَّلتَ ربوبيتَه"، فالجواب: لم أعطِّل ربوبيته لأنه لم يزل ربًّا – ولا مربوب – ولم يزل خالقًا – ولا مخلوق –، وهو الآن كما كان. أترى خلقته وربوبيته لا تحتاج إلى مخلوق ولا إلى مربوب: فهو بتكوين المكوَّنات كان موصوفًا بجميع أوصافه، وهو الآن كما كان. فلا تفاوُت بين الجهة والقِدَم: فوحدانية الجهة مقتضى ظاهريته، ووحدانية القِدَم مقتضى باطنيَّته. ظاهرُه باطنُه وباطنُه ظاهرُه، أولُه آخِرُه وآخِرُه أولُه، والجميع واحد والواحد جميع. كان صفته "كلَّ يوم هو في شأنٍ"، وما كان شيء سواه، وهو الآن كما كان. ولا موجود لما سواه بالحقيقة، كما كان في الأزل والقِدَم. "كل يوم هو في شأن"، ولا شيء موجود: فهو الآن كما كان. فوجودُ الموجودات وعدمُها سيَّان – وإلا لَلَزمَ صيران لم يكن في وحدانيَّته، وذلك نقص. – وجلَّت وحدانيته عن ذلك.

ومتى عرفت نفسَك بهذه الصفة، من غير إضافة ضدٍّ أو ندٍّ أو كفؤ أو شريك إلى الله – تعالى – فقد عرفتَها بالحقيقة. ولذلك قال – صلى الله عليه وسلم –: "مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه"، ولم يقل: "مَن أفنى نفسَه فقد عرف ربَّه". فإنه – صلى الله عليه وسلم – علم ورأى أن لا شيء سواه، ثم أشار إلى أن معرفة النفس هي معرفة الله – تعالى –، أي اعرف نفسك، أي وجودك أنك لست أنت، ولكنك لا تعرف؛ أي اعرف أن وجودك ليس بوجودك ولا غير وجودك: فلست بموجود ولا بمعدوم، ولا غير موجود ولا غير معدوم. وجودُك وعدمُك وجودُه بلا وجود ولا عدم، لأن عينَ وجودك وعدمك وجودُه، ولأن عينَ وجوده وجودُك وعدمُك. فإنْ رأيتَ الأشياء بلا رؤية شيء آخر مع الله – تعالى – وفي الله أنها هو، فقد عرفتَ نفسَك. فإن معرفة النفس بهذه الصفة هي معرفة الله – بلا شك ولا ريب ولا تركيب شيء من الحدث مع القديم وفيه وبه.

فإن سألك سائل: "كيف السبيل إلى وصاله؟ – فقد أثبتَّ أن لا غير سواه، والشيء الواحد لا يصل إلى نفسه"، فالجواب: لا شكَّ أنه في الحقيقة لا وَصْل ولا فَصْل، ولا بُعْد ولا قُرْب، لأنه لا يمكن الوصال إلا بين اثنين: فإن لم يكن إلا واحد، فلا وَصْل ولا فَصْل. فإن الوصال يحتاج إلى اثنين متساويين، فهما شبيهان، وإن كانا غير متساويين فهما ضدَّان؛ وهو – تعالى – منزَّه أن يكون له ضد أو ند. فالوصال في غير الوصال، والقُرْب في غير القُرْب، والبُعد في غير البُعد، فيكون وَصْلٌ بلا وَصْل، وقُرْب بلا قُرْب، وبُعْد بلا بُعْد.

فإن قيل: "فهمنا الوَصْلَ بلا وَصْل. فما معنى القُرْب بلا قُرْب والبُعْد بلا بُعْد؟"، فالجواب: أعني أنك، في أوان القُرْب والبُعْد، لم تكن شيئًا سواه، ولكنك لم تكن عارفًا بنفسك ولم تعلم أنك هو بلا أنت. فمتى وصلتَ إلى الله – تعالى –، أي عرفتَ نفسَك بلا وجود حروف العرفان، علمتَ أنك كنت إيَّاه، وما كنت تعرف قبل أنك هو أو غيره. فإذا حصل العرفان، علمتَ أنك عرفت الله بالله، لا بنفسك.

مثال ذلك: هَبْ بمعنى أنك لا تعرف بأن اسمك محمود أو مسمَّاك محمود – فإن الاسم والمسمَّى في الحقيقة واحد –، وتظن أن اسمك محمد، وبعد أحيان عرفت أنك محمود، فوجودك باق، واسم محمد ومسمَّى المحمود ارتفع عنك بمعرفتك نفسك أنك محمود. (ولم تكن محمدًا إلا بالفناء عن نفسك، لأن الفناء يكون بعد إثبات وجود ما سواه؛ ومَن أثبت وجودَ ما سواه فقد أشرَكَ به – تبارك وتعالى –.) فما نقص من المحمود شيء، ولا محمد فني في المحمود، ولا دخل فيه ولا خرج منه، ولا حلَّ محمود في محمد. فبعدما عرف المحمودُ نفسَه أنه محمود، لا محمد، عرف نفسَه بنفسه، لا بمحمد، لأن محمدًا ما كان، فكيف يعرف به شيئًا كائنًا؟ فإذن العارف والمعروف واحد، والواصل والموصول واحد، والرائي والمرئي واحد. فالعارف صفتُه والمعروف ذاتُه، والواصل صفتُه والموصول ذاتُه، والصفة والموصوف واحد.

هذا بيان "مَن عرف نفسه فقد عرف ربَّه": فمَن فهم هذا المثال علم أنه لا وَصْل ولا فَصْل، وعلم أن العارف هو والمعروف هو، والرائي هو والمرئي هو، والواصل هو والموصول هو. فما وصل إليه غيرُه، وما انفصل عنه غيرُه. فمَن فهم ذلك خلص من شَرَك الشِّرْك. – وإلا فلم يشم رائحة الخلاص من الشِّرك.

وأكثر العُرَّاف الذين ظنوا أنهم عرفوا نفوسهم وعرفوا ربَّهم، وأنهم خلصوا من غفلة الوجود، قالوا إن الطريق لا تتيسَّر إلا بالفناء وبفناء الفناء، وذلك لعدم فهمهم قولَ النبي – صلى الله عليه وسلم – ولظنِّهم أنهم – بمحض الشِّرك – أشاروا طورًا إلى نفي الوجود، أي فناء الوجود، وطورًا إلى الفناء، وطورًا إلى فناء الفناء، وطورًا إلى المحو، وطورًا إلى الاصطلام[31] – وهذه الإشارات كلها شِرْك محض: فإن مَن جوَّز أن يكون شيءٌ سواه ويفنى بعده، وجوَّز فناءَ فنائه، فقد أثبت شيئًا سواه؛ ومَن أثبت شيئًا سواه فقد أشرك به – تعالى –. – أرشدهم الله وإيَّانا إلى سواء السبيل.

شعر

ظنـنتَ ظـنـونًـا بأنَّـك أنـتَ * ومـا أن تكـونَ ولا قـط كنـتَ
فـإنْ أنـت أنـتَ فـإنَّــك ربٌّ * وثـانـي اثنـيـن، دَعْ ما ظننتَ
فـلا فـرق بيـن وجـوديـكمـا * فمـا بـانَ عنك ولا عنـه بنْـتَ
فإن قلتَ، جهلاً، بأنَّـك غيـرَه * حَسُنْتَ، وإنْ زال جـهـلُك كُنـتَ
فوصـلُك هَجْـرٌ وهجـرُك وَصْـلٌ * وبُعدُك قُـرْب – بهـذا حَـسُـنْتَ
دَع العقـلَ وافهمْ بنـور انكـشـ * ـافٍ – ليلى تفوقُ ما عنه وصفتَ
ولا تُـشْـركْ مــع الله شـيـئًا * لئـلاَّ تهـونَ – فبالشـرك هُـنْتَ

فإنْ قال قائل: "أنت تشير إلى أن عرفانك نفسَك هو عرفان الله – تعالى –، والعارف بنفسه غير الله، وغير الله كيف يعرف الله وكيف يصل إليه؟"، فالجواب: مَن عرف نفسَه علم أن وجوده ليس بوجوده ولا غير وجوده، بل وجودُه وجود الله بلا صيرورة، وجودُه وجود الله بلا دخول، وجودُه في الله ولا خروج منه. ولا يكون وجودُه معه وفيه، بل يرى وجودَه بحاله: ما كان قبل أن يكون، بلا فناء، ولا محو، ولا فناء فناء. فإن فناء الشيء بقدرة الله – تعالى –؛ وهذا محالٌ واضح صريح. فتبيَّن أن عرفان العارف بنفسه هو عرفان الله – سبحانه وتعالى – نفسه، لأن نفسه ليس إلا هو. وعنى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بـ"النفس" الوجود. فمَن وصل إلى هذا المقام، لم يكن وجودُه في الظاهر والباطن وجودَه، بل وجودُه وجود الله، وكلامُه كلام الله، وفعلُه فعل الله، ودعواه معرفة الله هو دعواه معرفة الله نفسَه بنفسه. ولكنك تسمع الدعوى منه، وترى الفعل منه، وترى غير الله كما ترى نفسَك غير الله، بجهلك بمعرفة نفسك. فإن "المؤمن مرآة المؤمن": فهو بعينه، أي بنظره؛ فإن عينَه عينُ الله، ونظرَه نظرُ الله بلا كيفية: لا هو هو بعينك أو علمك أو فهمك أو وهمك أو ظنك أو رؤيتك، بل هو هو بعينه وعلمه ورؤيته. فإنْ قال قائل: "إنِّي الله، فإن الله يقول: إنِّي الله"، فالجواب: لا هو، ولكنك ما وصلتَ إلى ما وصل إليه؛ فإنْ وصلتَ إلى ما وصل إليه، فهمتَ ما يقول، وقلتَ ما يقول، ورأيتَ ما يرى.

وعلى الجملة، وجودُ الأشياء وجودُه بك، بلا وجودهم. فلا تقضِ في شُبهة، ولا تتوهمنَّ بهذه الإشارات أن الله مخلوق. فإن بعض العارفين قال: "الصوفي غير مخلوق"، وذلك بعد الكشف التام وزوال الشكوك والأوهام. وهذه اللقم لمَن له خَلْقٌ أوسع من الكونين؛ فأما مَن كان خَلقُه كالكونين فلا توافقْه، فإنها أعظم من الكونين.

وعلى الجملة، إن الرائي والمرئي، والواجِد والموجود، والعارف والمعروف، والموحِّد <والموحَّد>، والمدرِك والمدرَك، واحد: هو يرى وجودَه بوجوده، ويعرف وجودَه بوجوده، ويدرك وجودَه بوجوده، بلا كيفية إدراك ورؤية ومعرفة، وبلا وجود حروف صورة الإدراك والرؤية والمعرفة. فكما أن وجوده بلا كيفية، فرؤية نفسه بلا كيفية، وإدراكه نفسه بلا كيفية، ومعرفة نفسه بلا كيفية.

فإنْ سأل سائل وقال: "بأيِّ نظر تنظر إلى جميع المكروهات والمحبوبات؟ فإذا رأينا، مثلاً، روثًا أو جيفة أنقول: هو الله؟"، فالجواب: تعالى وتقدَّس حاشا ثم حاشا أن يكون شيئًا من هذه الأشياء! وكلامنا مع مَن لا يرى الجيفةَ جيفةً والروثَ روثًا، بل كلامُنا مع مَن له بصيرة وليس بأكْمَه <وأعمى>. فمَن لم يعرف نفسه فهو أكْمَه وأعمى؛ وقبل ذهاب الأكْمَهية والعَمى، لا يصل إلى هذه المعاني ولا هذه المخاطبة مع الله – لا مع غير الله ولا مع الأكْمَه <والأعمى>. فإن الواصل إلى هذا المقام يعلم أنه ليس غير الله. وخطابنا مع مَن له عزم وهمَّة في طلب العرفان وفي طلب معرفة النفس، ويطرُؤ في قلبه صورة في الطلب واشتياق إلى الوصول إلى الله – تعالى –، لا مع مَن لا قصد ولا مقصد له.

فإنْ سأل سائل وقال: "قال الله تعالى: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" [الأنعام 103]، وأنت تقول بخلافه، فما حقيقة ما تقول؟"، فالجواب: جميع ما قلنا هو معنى قوله: "لا تدركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصارَ"، أي ليس أحدٌ في الوجود، ولا بصر مع أحد يدركه. فلو جاز أن يكون غيرُه، لجاز أن يدركه غيرُه. وقد نبَّه الله – سبحانه وتعالى – بقوله: "لا تدركه الأبصار" على أن ليس غيره سواه، يعني لا يدركه غيرُه، بل يدركه هو. فلا غيره إلا هو: فهو المدرك لذاته لا غير؛ فلا تدركه الأبصار، إذ <ما> الأبصار إلا وجوده. ومَن قال إنها لا تدركه لأنها مُحدَثة، والمُحدَث لا يدرِك القديم الباقي، فهو بعدُ لم يعرف نفسه. إذ لا شيء ولا الأبصار إلا هو. فهو يدرك وجودَه بلا وجود الإدراك وبلا كيفية لا غير.

شعر

عـرفـتُ الـربَّ بالـربِّ * بلا نَـقْـص ولا عـيـبِ
فـذاتــي ذاتُـه حــقًّا * بـلا شــكٍّ ولا ريــبِ
ولا صـــيران بينـهـمــا * فنفسي مظهرُ الغيبِ
ومنـذ عـرفتُـه نفسـي * بـلا مَـزْج ولا شَــوْبِ
وصـلتُ وَصْلَ محبـوبـي * بـلا بُـعْـدٍ ولا قُـــــرْبِ
ونلـتُ عطـاءَ ذي فيـض * بـلا مـنٍّ ولا سَــلْـبِ
ولا فـنـيـتْ له نفـسي * ولا يـبـقــى لـه ذوب

فإنْ سأل سائل وقال: "أنت أثبتَّ الله وتنفي كلَّ شيء، فما هذه الأشياء التي تراها؟"، فالجواب: هذه المقالات مع مَن لا يرى سوى الله شيئًا. ومَن يرَ شيئًا سوى الله فليس لنا معه جواب ولا سؤال؛ فإنه لا يرى غير ما يرى. ومَن عرف نفسَه لا يرى غير الله، ومَن لم يعرف نفسه لا يرى الله – تعالى –؛ وكل إناء يرشح بما فيه. وقد شرحنا كثيرًا من قبلُ، وإنْ نشرح أكثر من ذلك فمَن لا يرى لا يرى ولا يفهم ولا يدرك، ومَن يَرَ يرَ ويفهم ويدرك. فالواصل تكفيه الإشارة، وغير الواصل لا يصل، لا بالتعليم ولا بالتفهيم ولا بالتقرير ولا بالعقل ولا بالعلم – إلا بخدمة شيخ فاضل وأستاذ حاذق وسالك ليهتدي بنوره ويسلك بهمَّته ويصل به إلى مقصوده، – إنشاء الله تعالى.

وفَّقنا الله لما يحب ويرضى من القول والفعل والعلم والعمل والنور والهدى، إنه على كلِّ شيء قدير وبالإجابة جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى على سيدنا محمد وآله وصحبه المحبِّين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

في بيان الطريق وبيان السالك والمسلوك إليه وبيان علاماتها

ابتداؤها السلوك، وانتهاؤها الأول في انتهاء السلوك وابتدائها الآخر. فإن لم تفهم هذه الإشارة ما شممتَ رائحة التوحيد. وأصل المقصود وجود الدائرة المدوَّرة، لا خارجها ولا داخلها. ابتداء الدائرة انتهاؤها، وانتهاؤها ابتداؤها. والدائرة طريق السير في الوجود. في معرفة النفس، الوجودُ هو المنزل سعةً. تبتدئ الطريق، ولكنه لا يعرف ولا يعلم، ويرى وجوده غير الله. فمتى وصل نفسه، أي وجوده، بلا شك ولا ارتياب، تبيَّن له سعةً أنه كان واصلاً في الابتداء أو موصولاً، ولكنه لا يعرف الوصول. ولذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم –: "مَن عرف نفسَه فقد عرف ربَّه". والنبي – صلى الله عليه وسلم – عرف في الابتداء، وسلك الطريق بالمعرفة. ولهذا ابتداؤه انتهاءُ الصدِّيقين، وانتهاءُ الصدِّيقين ابتداؤه، لأنهم عرفوا الأسرار في الانتهاء. – وشتَّان بين مَن تقدَّم في الابتداء ومَن تقدَّم في الانتهاء. فابتداء العشق وجود المقصود وشوق إرادة المقصود. العشق هو والشوق أنت. ابتداءُ العشق الشوق، وانتهاء <الشوق> العشق. – فافهم ذلك.

ليس في المقام مقام أعلى وأجلُّ في الابتداء من العشق، لأن جميع ما ذكرناه – وجود العشق، واسم العشق، وصورة العشق ومعناه – <هو> العشق ومقصود العشق. والدائرة، وجميع ما داخلها وخارجها، <هي> العشق: أعني العشق المعرَّى من العشق واسمه. – فافهم.

الشوق وجودُه، واسمُه ليس بمُحدَث ولا بقديم، بل هو هو، بلا حَدَثان. وقِدَمُ الشوق يصير في الابتداء عشقًا. وصاحب الشوق، متى وصل إلى الانتهاء، يرى شوقه عشقًا، ويعرف أن شوقه كان وجود العشق، ولكنه لم يعرفه، ويرى جميع المكوَّنات وجودَ العشق والمعشوق والعاشق، ولا يرى بينه وبين جميع المخلوقات تفاوُتًا، ويرى جميع المخلوقات وجودَه، ولا يرجِّح نفسه بالوَصْل على مَن لم يشم رائحة الوصول قط. ولا فرق بينه وبين الحيوانات والجمادات، وبين الشيء وضده؛ وهذه صفة مَن يكون وجوده الموصول، لا صفة الواصل والوصال والوَصْل، ولا صفة العاشق والعشق، بل صفة المعشوق، لأن التفاوت بين هذه الأشياء يكون في نظر مَن ليس له نظرٌ بعدُ؛ وأما مَن له نظر فلا تفاوُت بينها، بل الجميع سواء عند الله. – والله أعلم بالصواب.

تمَّت الرسالة الوجودية بعون الله – تعالى –
و<منَّة> منه وكرمه ولطفه؛ وبالله التوفيق؛
والحمد لله وحده؛ وصلَّى الله
على سيِّدنا محمد وآلِه
وصحبه وسلَّم.



[1] "الجمع: شهود الحق بلا خلق" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، ص 62).

[2] راجع: رونيه گينون، "التوحيد"، سماوات: http://samawat.org/articles/tawhid_guenon.

[3] راجع: ديمتري أڤييرينوس، "ابن عربي: حكيم المغرب والمشرق"، سماوات: http://samawat.org/essays/ibn_arabi_intro_dna.

[4] See: Frithjof Schuon, Islam and the Perennial Philosophy, pp. 118-121.

[5] ابن عربي، فصوص الحكم، ج 1، "فص حكمة مهيَّمية في كلمة إبراهيمية"، ص 84؛ بالمثل، يقول الحلاج (الديوان، ص 26):

سبحانَ من أظهرَ ناسـوتُه * سرَّ سَنا لاهـوته الثاقـبِ
ثم بَدا في خَلْقِـه ظـاهرًا * في صورة الآكل والشـاربِ
حتى لقد عـاينَـه خَلْقُـه * كلحظةِ الحاجبِ بالحـاجبِ

[6] "المحق: فناء وجود العبد في ذات الحق، لا يرى وجودًا إلا للحق" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، ص 96).

[7] "العين الثابتة: هي حقيقة الشيء في الحضرة العلمية؛ ليست موجودة، بل معدومة، ثابتة في علم الله [...]" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، ص 143-144).

[8] فصوص الحكم، ج 1، "فص حكمة مهيَّمية في كلمة إبراهيمية"، ص 81-82. بمقدار ما يتخلل الروحُ الإلهي الإنسانَ، يعرف العقلُ الإنساني الأشياءَ كلها في أعيانها؛ لكن هذه المعرفة الذاتية على الإجمال تتمايز لاحقًا على التفصيل بمقدار ما ينخلع نورُ العقل على الأشياء المفردة.

[9] سيد حسين نصر، ثلاثة حكماء مسلمين، ص 138. راجع أيضًا مناقشة نصر (ص 138-139) لمصطلحَي "الحلول" panentheism (ر. نيكلسون) والتصوف "الطبيعي" mystique naturelle الذي أطلقه جاك ماريتان على التصوف الإسلامي وغيره من المذاهب الباطنية المشرقية (ويقابله عنده التصوفُ المسيحي "الفائق للطبيعة" surnaturelle). وجلي بالطبع أن موقف ماريتان وأشياعه من المفكرين الكاثوليك هو خير وسيلة لاستبعاد مذهب ذي خاصية عالمية، تنطوي الثقافات جميعًا على شيء من بقاياه لا يزال حيًّا، وإنْ يكن محفوظًا في بنى نقلية ثابتة قد تبلغ حدَّ الجمود أحيانًا كثيرة. إن هذا المذهب يجد في الإنسان تفتحَه النهائي عبر سيرورة تحقُّق realization منهاجُها وشكلُها ملازمان لكل طريقة باطنية نقلية، أيًّا كانت، دون أن يقتضي ذلك بالضرورة اطلاع جميع السالكين في الطريقة الصوفية على المضمون العميق للمذهب؛ وهذه السيرورة الخاضعة لقوانين دقيقة للغاية ومتشابهة، مهما يكن الصعيد الذي تختص به، هي سيرورة المُسارَرة initiation.

[10] المقصود بكلمة "مبدأ" Principle هنا العلَّة الأونطولوجية المستقلة عن معلولاتها.

[11] من الأسباب التي أوقعت المستشرقين في التباس وحدة الوجود بالحلولية، على ما يبدو لنا، اشتمالُ كلمة "وجود" على معنيَي الأيس esse ("الوجود") والكون existentia، حيث إنها تتضمن بالعربية معنى الكينونة أيضًا (من ذلك، مثلاً، أن "الوجود المطلق" Absolute Being هو الوجود المحض في مذهب الصوفية). ومنه، لا يُتصوَّر في الإلهيات المشرقية وجودٌ منفصل عن الكون. والفعل الثلاثي وجد يتضمن كذلك معنى "الإيجاد"، كما يتضمن بصيغة المبني للمجهول (وُجِدَ) معنى الوجدان، فيشير بذلك إلى تكافؤ معنيَي الوجود والمعرفة (الوجدان) في "عينهما"، أي مبدئهما. يقول السهروردي القتيل في ذلك: "معرفةُ الشيء عينُ وجوده"، ويقول ابن عربي عن الوجود إنه "وجدان الحقِّ [معرفته] في الوجد" (اصطلاح الصوفية، ص 287).

[12] Cf. René Guénon, Aperçus sur l’ésotérisme islamique et le Taoïsme, pp. 90-93.

[13] السهروردي، هياكل النور، الهيكل الرابع، الفصل الأول، ص 60.

[14] مهما يكن من أمر صحة نسبة هذه الرسالة إلى صوفية آخرين (وجدها عثمان يحيى بعنوان رسالة في الأحدية أيضًا، وهو يرجِّح أنها لأوحد الدين البلباني أو البلبيني لأن الأسلوب الذي تنتهجه ليس أسلوب الشيخ الأكبر)، فإنها تمثل قطعًا خلاصةً لمذهب الشيخ الأكبر في وحدة الوجود وذروةً له (راجع: ع. يحيى، مؤلفات ابن عربي، ص 342، 353).

[15] ثلاثة حكماء مسلمين، ص 141.

[16] يقول الحكيم الهندي شنكراتشاريا: "الذات [آتما] هو حقًّا هذا الكون كله، وما من شيء آخر سوى الذات. يدرك اليوگي الذاتَ في كلِّ شيء كحال الصلصال من الجِرار، إلخ" (معرفة الذات، ف 48، ص 67).

[17] راجع الهامش 10.

[18] يقول شنكرا: "ليس كمثل برهمن شيءٌ من الكون؛ ولا يوجد شيءٌ إلا وهو برهمن. فإذا بدا أن أي شيء سوى برهمن موجود فهو وهم، كالسراب في الصحراء" (معرفة الذات، ف 63، ص 71).

[19] يقول ابن عطاء السكندري: "الأكوان ثابتة بإثباته وممحوة بأحدية ذاته" (الحكم العطائية، الحكمة 141، ص 51). راجع أيضًا: رونيه گينون، "التوحيد"، سماوات: http://samawat.org/articles/tawhid_guenon.

[20] اصطلاح الصوفية، ص 297.

[21] فصوص الحكم، ج 1، "فص حكمة حقِّية في كلمة إسحاقية"، ص 88.

[22] ثلاثة حكماء مسلمين، ص 139.

[23] يقول ابن عربي: "قال الخراز [...] بأن الله لا يُعرَف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها: فهو الأول والآخِر والظاهر والباطن. فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره" (فصوص الحكم، ج 1، "فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية"، ص 76-77). بالمثل، فإن الكاشاني (اصطلاحات الصوفية، ص 94) يسمِّي "الهوية المطلقة التي هي حضرة تعانُق الأطراف" بـ"مجمع الأضداد".

[24] ثلاثة حكماء مسلمين، ص 141.

[25] ابن عربي، الفتوحات المكية، السفر 1، ف 315، ص 212.

[26] أغلب الظن أنه ليس بحديث، بل هو كلام يُنسَب إلى يحيى بن معاذ الرازي. لكن ابن عربي لا يأبه كثيرًا لإسناد الحديث، بل يعوِّل على خبرته الروحية للتيقن من صحة معناه، يقول: "قد صحَّ لدينا تحققًا."

[27] بحسب الكلاباذي، الفناء "هو الغيبة عن الأشياء رأسًا" و"حال مَن لا يشهد صفتَه، بل يشهدها مغيَّبةً بمغيِّبها" (نقلاً عن أبي القاسم فارس)؛ و"الفاني"، بحسب الكلاباذي أيضًا، مَن "يغيِّبه [الله] عن رؤية صفته [...]، فلا يبقى فيه إلا ما مِنَ الله إليه، ويفنى عنه ما منه إلى الله، فيكون كما كان إذ كان في علم الله قبل أن يوجِدَه [...]". وفناء الفناء هو أن "يؤخذ العبدُ من كلِّ رسم كان له وعن كلِّ مرسوم، فيبقى في وقته بلا بقاء يعلمه، ولا فناء يشعر به، ولا وقت يقف عليه، بل يكون خالقُه عالمًا ببقائه وفنائه ووقته [...]" (التعرف، ص 125-127).

[28] "السوى: هو الغير، وهو الأعيان من حيث تعيُّناتها" (الجرجاني، التعريفات، ص 128).

[29] "الموت: باصطلاح القوم، قمع هوى النفس؛ فإن حياتها به، ولا تميل إلى لذاتها وشهواتها ومقتضيات الطبيعة البدنية إلا به. وإذا مالت إلى الجهة السفلية جذبت القلب، الذي هو النفس الناطقة، إلى مركزها، فيموت عن الحياة الحقيقية العلمية التي له بالجهل. فإذا ماتت النفس عن هواها بقمعه، انصرف القلبُ بالطبع والمحبة الأصلية إلى عالمه: عالم القدس والنور والحياة الذاتية التي لا تقبل الموت أصلاً" (الكاشاني، اصطلاحات الصوفية، ص 105).

[30] مع ذلك، فإن الذات الفردية للإنسان المتحقق تبقى حتمًا على نحو ما؛ لكنها لا "تبقى" إلا بمعنى أن هذا الكائن الذي لا يزال يحمل اسم "إنسان" لا يشعر بأنه هو "نفسه" إلا بتخلل العقل الإلهي إياه. فلو لم يبقَ فيه شيءٌ من الذات الفردية بمعنى من المعاني لما وُجِدَ تواصُلٌ ذاتي رابط ما بين خبراته البشرية. على أن العلاقة بين الحقيقة وبين ما تبقَّى من فردية الإنسان المتحقق روحيًّا من أعسر الأمور فهمًا: ففي نظر الإنسان الذي بلغ هذه المرتبة من الكمال لا تعود الحقيقة "محتجبة" بشيء، في حين أن الوعي الفردي بالتعريف حجاب، وهو غير موجود إلا بمقدار ما يعكس النورَ الباهرَ للعقل الإلهي.

[31] "الاصطلام: نعت وَلَهٍ يَردُ على القلب، فيسكن تحت سلطانه" (ابن عربي، اصطلاح الصوفية، ص 292).