ثمانية حوارات 3 من 8 – ج. كريشنامورتي

الأحد 6 أيلول 2009

ثمانية حوارات*

3 من 8

ج. كريشنامورتي

السائل: أرى أهمية إنهاء الخوف، الأسى، الغضب، وكل كدح الإنسان. أرى أن على المرء أن يحرص على وضع أسُس السلوك الطيب، الذي يدعى عمومًا بالاستقامة، وعلى أن لا توجد في ذلك كراهية ولا حسد ولا شيء من الوحشية التي يعيش فيها الإنسان. أرى كذلك أنه لا بدَّ من الحرية، لا بمعنى التحرر من شيء بعينه، بل الحرية في ذاتها، وأن المرء يجب ألا يبقى دومًا حبيس متطلباته ورغباته. أرى هذا كله رؤية واضحة جدًّا وأحاول – وإنْ تكن ربما قد لا تحب كلمة "محاولة" – أن أعيش على هدي من هذا الفهم. استغرقت في ذاتي إلى حدٍّ ما. لم يعد يقيدني أي شيء من أشياء هذا العالم، ولا أي دين من الأديان. والآن أود أن أسأل: إذا سلَّمنا جدلاً أن المرء حر، ليس خارجيًّا وحسب بل داخليًّا، من كل بؤس الحياة وبلبلتها، ماذا يوجد هناك فيما يتعدى الجدار؟ حين أقول "الجدار"، أعني الخوف، الأسى، والضغط الدائم للفكر. ماذا يوجد هناك مما يمكن أن يُرى حين يكون الذهن هادئًا، وليس ملتزمًا أيَّ نشاط بعينه؟

كريشنامورتي: ماذا تعني بقولك: "ماذا يوجد هناك"؟ أتعني شيئًا يُدرَك، يحَسُّ، يُختبَر، أو يُفهم؟ أتراك تسأل ما هي الاستنارة؟ أم أنك تسأل ماذا يوجد هناك حين يتوقف الذهن عن شروده كله ويؤول إلى الهدوء؟ هل تسأل ماذا يوجد هناك على الجانب الآخر حين يكون الذهن ساكنًا حقًّا؟

السائل: أسأل هذه الأشياء كلها. فحين يكون الذهن ساكنًا يبدو وكأنه لا يوجد شيء. لا بدَّ أن هناك شيئًا على جانب هائل من الأهمية يُكتشَف خلف الفكر كله. البوذا، وواحد أو اثنان سواه، تكلموا على شيء هو من الشساعة بحيث لم يكن بوسعهم التعبير عنه بكلمات. البوذا قال: "لا تقيسوا بالكلمات ما لا يقاس." كلنا عرفنا لحظات كان الذهن فيها ساكنًا سكونًا كاملاً، ولم يكن في الأمر حقًّا شيء بهذه العظمة كلها؛ كان مجرد فراغ. ومع ذلك، ينتاب المرءَ شعورٌ بأن هناك شيئًا شديد القرب، بمجرد أن يُكتشف، يحوِّل الحياة بأسرها. ولعله يبدو، مما قاله الناس، أن ذهنًا ساكنًا ضروري لاكتشاف هذا. أرى، كذلك، أن وحده ذهن غير مزدحم، ساكن، يستطيع أن يكون فعالاً ونافذ البصيرة بحق. لكنْ لا بدَّ أن هناك شيئًا أكثر من مجرد ذهن غير مزدحم، ساكن، شيئًا أكثر بكثير من ذهن طازج، ذهن بريء، أكثر حتى من ذهن مُحِب.

كريشنامورتي: فما هو السؤال الآن؟ لقد صرحتَ بأن ذهنًا هادئًا، حساسًا، يقظًا، ضروري، لا لتكون فعالاً وحسب، بل لتدرك الأشياء من حولك وفي نفسك أيضًا.

السائل: جميع الفلاسفة والعلماء يدركون شيئًا ما طوال الوقت. بعضهم ذكي ذكاءً ملحوظًا، والعديد منهم مستقيم حتى. لكنك حين تنظر في كل ما أدركوه أو اخترعوه أو عبروا عنه، تجده بلا قيمة تُذكَر، وليس فيه قطعًا أي إشعار بشيء إلهي.

كريشنامورتي: أتراك تسأل إنْ كان هناك شيء مقدس فيما يتعدى هذا كله؟ هل تسأل إنْ كان هناك بُعد مختلف يستطيع الذهن أن يحيا فيه ويدرك شيئًا ليس مجرد صياغة عقلية للمُكْر؟ هل تسأل بطريقة مواربة إنْ كان يوجد شيء سام أو لا يوجد؟

السائل: لقد قال عدد كبير من الناس بأكثر ما يمكن من الإقناع بأن هناك كنزًا هائلاً هو منبع الوعي. جميعهم متفقون على أنه عصيٌّ على الوصف؛ لكنهم مختلفون على كيفية إدراكه. ويبدو أنهم جميعًا يعتقدون أن الفكر يجب أن يتوقف قبل أن يتاح له أن يتجلى. بعضهم يقول إنه المادة المصنوع منها الفكر بالذات، وهكذا دواليك. جميعهم متفق على أنك لا تحيا حقًّا ما لم تكتشفه. وأنت نفسك، على ما يبدو، تقول نوعًا ما الشيء نفسه. غير أني لا أتبع أية طريقة أو منهج أو گورو [معلِّم] أو معتقَد. لا أحتاج إلى أيٍّ من هذه الأمور لتخبرني بوجود شيء متعالٍ. حين تنظر إلى ورقة نبات أو إلى وجه، تراك تدرك أن هناك شيئًا أعظم بكثير من التفسيرات العلمية أو البيولوجية للوجود. يبدو أنك شربت من هذا الينبوع. نحن نستمع إلى ما تقول. وأنت حريص على تبيين تفاهة الفكر ومحدوديته. ونحن نستمع، نتفكر، ونقع على سكون جديد. النزاع ينتهي فعلاً. ولكن ماذا بعد؟

كريشنامورتي: لماذا تسأل هذا؟

السائل: أنت تسأل رجلاً أعمى لماذا يريد أن يبصر!

كريشنامورتي: لم يُسأل السؤال كمناورة ذكية، أو للفت النظر إلى أن ذهنًا صامتًا لا يسأل شيئًا بتاتًا، بل للتأكد من أنك تبحث فعلاً عن شيء متعالٍ. فإذا كنت تبحث، ما هو الدافع وراء ذلك البحث؟ – الفضول، إلحاح الاكتشاف، أو الرغبة في رؤية جمال لم ترَ مثيله من قبل. أليس مهمًّا بنظرك أن تكتشف بنفسك فيما إذا كنت تطلب المزيد، أم أنك تحاول أن ترى الـماهو بالضبط؟ الإثنان متنافران. فإذا استطعت أن تنحِّي المزيد، فإننا عندئذٍ نكون مهتمَين فقط بالـماهو حين يكون الذهن صامتًا. ماذا يحدث فعليًّا حين يكون الذهن هادئًا حقًّا؟ ذلك هو السؤال الحقيقي، أليس كذلك، وليس ما هو متعالٍ أو ما يكمن أبعد؟

السائل: سؤالي هو عما يكمن أبعد.

كريشنامورتي: ما يكمن أبعد لا يمكن إيجاده إلا إذا كان الذهن ساكنًا. قد يكون هناك شيء، وقد لا يكون هناك شيء بتاتًا. وإذن فإن الشيء الوحيد المهم هو أن يكون الذهن ساكنًا. مرة أخرى، إذا كنتَ مهتمًّا بما يكمن أبعد، فأنت عندئذ لا تنظر إلى ماهية حالة السكون الفعلي. إذا لم يكن السكون بنظرك غير مجرد باب إلى ما يكمن أبعد، فأنت غير مهتم بذلك الباب، في حين أن المهم هو الباب بالذات، هو السكون بعينه. لذا لا يمكن لك أن تسأل ماذا يكمن أبعد. الشيء الوحيد المهم هو أن يكون الذهن ساكنًا. إذ ذاك ماذا يحدث؟ ذاك كل ما يهمُّنا، لا ما يكمن أبعد من الصمت.

السائل: أنت على حق. فليس للصمت من أهمية بنظري إلا كبوابة.

كريشنامورتي: كيف لك أن تعرف أنه بوابة وليس الشيء بحدِّ ذاته؟ الوسيلة هي الغاية، وهما ليستا شيئين منفصلين. الصمت هو الواقعة الوحيدة، وليس ما تكتشف من خلاله. فلنبقَ عند الواقعة، ولنرَ ما هي تلك الواقعة. من عظيم الأهمية – ولعله من أعظم الأهمية – أن يكون هذا الصمت صمتًا بحدِّ ذاته وليس شيئًا محرَّضًا كوسيلة إلى غاية، ليس شيئًا محرَّضًا من خلال المخدرات أو المنهج أو ترداد الكلمات.

السائل: الصمت يأتي من تلقاء ذاته، من غير دافع ومن غير سبب.

كريشنامورتي: لكنك تستعمله كوسيلة!

السائل: لا، فقد عرفتُ الصمت، وأجد أنه لا يحدث شيء.

كريشنامورتي: هذه هي المسألة برمتها. ليس هناك من واقعة أخرى غير الصمت الذي لم يُستدعَ، لم يحرَّض، لم يُسعَ إليه، بل هو النتيجة الطبيعية للرصد ولفهم المرء نفسَه والعالمَ حواليه. وفي هذا لم يكن هناك مِنْ دافع جَلَبَ الصمت. إذا وُجِدَ أي ظل أو شك في وجود دافع، إذ ذاك يكون هذا الصمت موجَّهًا ومتعمَّدًا، وبالتالي فهو ليس صمتًا على الإطلاق. إذا كنت تستطيع أن تقول صادقًا إن ذلك الصمت صمت حر، إذ ذاك فإن ما يحدث فعليًّا في ذلك الصمت هو همُّنا الوحيد. ما هي صفة ذلك الصمت وما هو جوهره؟ هل هو سطحي، عابر، قابل للقياس؟ هل أنت تعيه بعد أن ينتهي أو في أثناء الصمت؟ إذا وعيت أنك كنت صامتًا، فهي ذاكرة وحسب، وبالتالي ميتة. إذا وعيت الصمت وهو يحدث، هل هو صمت؟ إذا لم يكن هناك من راصد – أي ما من حزمة من الذاكرات – هل هو صمت؟ هل هو شيء متقطع يجيء ويذهب بحسب كيمياء جسمك؟ هل يجيء وأنت وحدك، أو مع الناس، أو عندما تحاول أن تتأمل؟ ما نحن نحاول أن نكتشفه هو طبيعة هذا الصمت. هل هو غني أم فقير؟ (لا أعني غنيًّا بالخبرة، أو فقيرًا لأنه غير متعلِّم). هل هو ممتلئ أم ضحل؟ هل هو بريء أم هو مركَّب؟ من شأن الذهن أن ينظر إلى واقعة ولا يرى جمال تلك الواقعة، عمقها، خاصيتها. فهل من الممكن رصد الصمت من غير الراصد؟ حين يوجد الصمت، هناك صمت وحسب، ولا شيء سواه. ثم في ذلك الصمت ماذا يحدث؟ أهذا ما تسأل؟

السائل: أجل.

كريشنامورتي: هل هناك رصد للصمت بالصمت في الصمت؟

السائل: هذا سؤال جديد.

كريشنامورتي: إنه ليس سؤالاً جديدًا لو أنك كنت تتابع. الدماغ بكامله، الذهن، المشاعر، الجسم، كل شيء هادئ. فهل يمكن لهذا الهدوء، لهذا السكون، أن ينظر إلى نفسه، لا كراصد ساكن؟ هل يمكن لكلِّية هذا الصمت أن تشاهد كلِّيتها هي؟ الصمت يصبح واعيًا لذاته. وفي هذا ليس هناك أي تقسيم بين راصد ومرصود. تلك هي المسألة الرئيسية. هذا الصمت لا يستعمل ذاته لاكتشاف شيء يتعداه. يوجد ذلك الصمت وحسب. والآن انظر ما يحدث.


* Krishnamurti, Eight Conversations.
Copyright ©1969 Krishnamurti Foundation Trust, England.

Comments are closed.

-->