ثمانية حوارات 4 من 8 – ج. كريشنامورتي

الإثنين 7 أيلول 2009

ثمانية حوارات*

4 من 8

ج. كريشنامورتي

السائل: عندي عادة واحدة مستحكمة؛ عندي عادات أخرى، لكنها ذات أهمية أقل. مازلت أكافح هذه العادة حصرًا منذ أن وعيت نفسي. أغلب الظن أنها تشكلت في طفولتي المبكرة، ويبدو أن لا أحد اهتم اهتمامًا كافيًا لتصحيحها آنذاك؛ وبالتدريج، مع تقدُّمي في السن، صارت متجذِّرة أكثر فأكثر عمقًا. وهي لا تختفي أحيانًا إلا لتعاود الظهور من جديد. ويبدو أني غير قادر على التخلص منها. أود أن أكون سيدًا عليها تمامًا؛ فقد صار التغلب عليها هوسًا عندي. فماذا يسعني أن أفعل؟

كريشنامورتي: يبدو مما تقول أنك استسلمت لعادة طوال سنين عديدة عديدة، وتراك نمَّيت عادة أخرى، عادة مكافحتها. وإذن فأنت تريد التخلص من عادة بتنمية عادة أخرى هي إنكار الأولى. أنت تكافح عادةً بعادة أخرى. وحين لا تقدر على التخلص من العادة الأولى تشعر بالذنب، بالعار، بالكآبة، وربما بالغضب من نفسك على ضعفك. لكن كلا العادة الأولى والثانية وجه من وجهَي العملة نفسها: من دون الأولى لا وجود للثانية؛ ومنه، فإن الثانية هي حقًّا استمرار للأولى كردِّ فعل. وإذن فلديك الآن مشكلتان، في حين كانت لديك في البداية مشكلة واحدة فقط.

السائل: أعرف ما سوف تقول لأنني أعرف ما تقول عن الوعي، لكنني لا أستطيع أن أكون واعيًا طوال الوقت.

كريشنامورتي: وإذن فلديك الآن عدة أشياء في الوقت ذاته: لديك في البدء العادة الأصلية، ثم الرغبة في التخلص منها، ثم الشعور بالإحباط من فشلك، ثم العزم على أن تكون واعيًا طوال الوقت. وهذه الشبكة نشأت لأنك في قرارة نفسك تريد أن تتخلص من تلك العادة بالذات؛ ذلك هو دافعك الأوحد، وأنت تتأرجح طوال الوقت بين العادة وبين مكافحتها. لست ترى أن المشكلة الحقيقية هي في التعود أصلاً، حسنًا كان أو سيئًا، وليس في مجرد عادة واحدة بعينها. وإذن فإن المسألة حقًّا هي: هل من الممكن كسر عادة ما دون بذل أي جهد، دون تنمية ضدها، دون قهرها عبر المراقبة المستمرة، وهي مقاومة؟ فالمراقبة المستمرة هي ببساطة عادة أخرى، بما أنها تتولد من العادة التي تحاول هذه المراقبة التغلب عليها.

السائل: أتعني أنني أستطيع أن أتخلص من العادة من غير توليد هذه الشبكة المعقدة من ردود الفعل عليها؟

كريشنامورتي: مادمت تريد التخلص منها فإن تلك الشبكة المعقدة من ردود الفعل تعمل فعليًّا. إرادة التخلص منها هي تلك الشبكة الرجعية. وإذن فأنت حقًّا لم توقف ردَّ الفعل العبثي على العادة هذا.

السائل: لكني، مع ذلك، يجب أن أفعل شيئًا حيالها!

كريشنامورتي: ذاك يشير أنك محكوم بهذه الرغبة الواحدة. هذه الرغبة وردود الفعل عليها ليست مختلفة عن العادة؛ إذ إن بعضها يقتات ببعض. الرغبة في التفوق ليست مختلفة عن الدونية؛ فالمتفوق هو المتدني، القديس هو الخاطئ!

السائل: فهل يجب علي فقط ألا أفعل شيئًا حيالها بتاتًا؟

كريشنامورتي: ما أنت فاعله حيالها هو تنمية عادة أخرى في مقابل العادة القديمة.

السائل: فإذا لم أفعل شيئًا، سأظل على العادة، ونعود إلى حيث ابتدأنا!

كريشنامورتي: هل نعود فعلاً؟ حين تعي بأن ما تفعله لكسر العادة هو تنمية عادة أخرى، لا مجال عندك إلا لعمل واحد، وهو ألا تفعل شيئًا ضد تلك العادة بتاتًا. كل ما تفعل يقع ضمن قالب العادات، وبالتالي فإن عدم فعلك شيئًا، شعورك بأنك غير مضطر إلى مكافحتها، هو أعظم أفعال الذكاء. إذا فعلت أي شيء إيجابي فأنت واقع من جديد في مجال العادات. أما إذا رأيت هذا رؤية واضحة جدًّا، يكون هناك شعور فوري بارتياح عظيم وبخفة عظيمة. فأنت الآن ترى أن مكافحة العادة الواحدة بتنمية أخرى لا ينهي العادة الأولى، فتكف عن مكافحتها.

السائل: عندئذ وحدها العادة تبقى، وليس من مقاومة لها.

كريشنامورتي: أي شكل من أشكال المقاومة يغذي العادة – لكن هذا لا يعني أنك ستستمر على العادة. فأنت تصبح واعيًا للعادة ولتنمية ضدها – وهي عادة هي الأخرى –، وهذا الوعي يبين لك أنك مهما فعلت حيال العادة هو من قبيل تشكيل عادة أخرى. فالآن، وقد رصدت هذه السيرورة برمتها، يقول ذكاؤك: "لا تفعل شيئًا حيال العادة، لا تولِها أي انتباه، لا تأبه لها، لأنك كلما أبهت لها صارت أكثر فاعلية." الذكاء الآن يعمل، وهو يشاهد. وهذه المشاهدة مختلفة اختلافًا تامًّا عن مراقبة مقاومة العادة، رد الفعل عليها. فإذا راودك الشعور بهذا الذكاء وهو يشاهد، إذ ذاك فإن هذا الشعور هو الذي سوف يعمل ويعالج العادة، لا رقابة التصميم والإرادة. وإذن فالمهم ليس العادة، بل فهم العادة الذي يولِّد الذكاء. وهذا الذكاء يبقى متيقظًا من غير وقود الرغبة، وهو الإرادة. في الحال الأولى تواجَه العادة بالمقاومة، وفي الحال الثانية لا تواجَه بتاتًا – وذلك هو الذكاء. فعل الذكاء يصعق المقاومة للعادة التي تتغذى عليها العادة.

السائل: هل يعني قولك أني تخلصت من عادتي؟

كريشنامورتي: تأنَّ، ولا تتسرع في افتراضك أنك تخلصت منها. فالأهم من العادة هو هذا الفهم، وهو الذكاء. هذا الذكاء مقدس ويجب، بالتالي، أن يُمسَّ بيدين طاهرتين، لا أن يُستغل في ألاعيب صغيرة تافهة. عادتك الصغيرة لا أهمية لها مطلقًا. إذا كان الذكاء حاضرًا فالعادة تافهة؛ أما إذا لم يحضر الذكاء فإن عجلة العادة هي كل ما لديك.


* Krishnamurti, Eight Conversations.
Copyright ©1969 Krishnamurti Foundation Trust, England.

Comments are closed.

-->