ثمانية حوارات 5 من 8 – ج. كريشنامورتي

الأربعاء 9 أيلول 2009

ثمانية حوارات*

5 من 8

ج. كريشنامورتي

السائل: أجدني أتعلق بالناس تعلقًا مرعبًا وأتكل عليهم. وهذا التعلق يتطور في علاقاتي إلى نوع من التطلب الاستئثاري يولد شعورًا بالسيطرة. وإذ أراني متكلاً، مدركًا لإزعاج ذلك وللألم الناجم عنه، أحاول أن أكون غير متعلق. عندئذ أشعر بالوحشة شعورًا رهيبًا؛ وإذ أعجز عن مواجهة الوحشة، أتهرب منها عن طريق الشراب وبطُرُق أخرى. ومع ذلك، لا أريد لعلاقاتي أن تكون مجرد علاقات سطحية عابرة.

كريشنامورتي: هناك التعلق، ثم هناك الصراع لفك التعلق، ثم يتولد من هذا نزاع أعمق، هو الخوف من الوحشة. فما هي مشكلتك إذن، ما الذي تحاول أن تكتشفه، أن تتعلمه؟ هل هو أن كل علاقة هي قضية اتكال؟ أنت متكل على البيئة والناس. فهل من الممكن لك أن تكون حرًّا، لا من البيئة والناس وحسب، بل أن تكون حرًّا في ذاتك، بحيث لا تتكل على أي شيء أو أي أحد؟ هل من الممكن أن يوجد فرح ليس نتيجة البيئة أو الناس؟ البيئة تتغير، الناس تتغير، وإذا اتكلت عليهم فأنت واقع في مصيدتهم – وإلا فإنك تصير لامباليًا، عنيفًا، متهكمًا، قاسيًا. وإذن أليست القضية قضية إنْ كنت تستطيع أن تحيا حياةَ حريةٍ وفرح ليست نتيجة البيئة، بشريةً كانت أو غير ذلك؟ هذه مسألة هامة للغاية. أغلب البشر عبيد لأسرتهم أو لظروفهم، وهم يريدون تغيير الظروف والناس، آملين بذلك أن يجدوا الفرح، أن يحيوا حياة حرة وأكثر انفتاحًا. لكنهم حتى إذا أوجدوا فعلاً بيئتهم الخاصة أو اختاروا علاقاتهم الخاصة، سرعان ما ينتهي بهم الأمر إلى الاتكال ثانيةً على البيئة الجديدة وعلى الأصدقاء الجدد. فهل الاتكال، مهما يكن شكله، يجلب الفرح؟ وهذا الاتكال هو أيضًا حافز المرء إلى التعبير، الحافز إلى أن يكون شيئًا. فصاحب موهبة أو قدرة بعينها يتكل عليها، وحين تنقص أو تزول برمتها تراه يرتبك ويصير بائسًا وقبيحًا. ومنه فإن الاتكال نفسانيًّا على أي شيء – الناس، الممتلكات، الأفكار، المواهب – مدعاةٌ للأسى. لذا يتساءل المرء: هل هناك فرح لا يتكل على أي شيء؟ هل هناك نور لا يضيئه آخر؟

السائل: فرحي إلى الآن أضاءه دومًا شيء أو أحد خارج ذاتي – فلا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال؛ ولعلي لا أجرؤ حتى على سؤاله، لأنني عند ذاك قد أضطر إلى تغيير أسلوب حياتي. أنا قطعًا متكل على الشراب والكتب والجنس والصحبة.

كريشنامورتي: لكنك حين ترى بنفسك، في وضوح، أن هذا الاتكال يولد مختلف أشكال الخوف والبؤس، ألا تسأل حتمًا السؤال الآخر، الذي ليس عن كيفية التحرر من البيئة والناس، بل بالحري عما إذا كان هناك فرح، غبطة، هي نور ذاتها؟

السائل: قد أسأله، لكنه لا قيمة له. بما أني واقع في شَرَك هذا كله، فهذا كل ما هو موجود فعليًّا لدي.

كريشنامورتي: ما يهمك هو الاتكال، بكل منطوياته، وهو أمر واقع. ثم هناك واقعة أعمق، هي الوحشة، ذلك الشعور بالعزلة. فحين نشعر بالوحشة، نتعلق بالناس، بالشراب، وبسائر أنواع المهارب الأخرى. التعلق مهرب من الوحشة. فهل يمكن لهذه الوحشة أن تُفهم، وهل يمكن للمرء أن يكتشف بنفسه ما يتعداها؟ هذه هي المسألة الحقيقية، لا ما يجب فعله بخصوص التعلق بالناس أو بالبيئة. هل يمكن تجاوُز هذا الإحساس العميق بالوحشة، بالفراغ؟ إن أية حركة بإطلاق بعيدًا عن الوحشة تعزز الوحشة، وبذلك تزداد الحاجة إلى الإفلات منها أكثر من ذي قبل. وهذا يعلِّل التعلق الذي يجلب مشكلاته الخاصة. إن مشكلات التعلق تشغل الذهن إلى حدِّ أن الوحشة تغيب عن نظره فيستخف بها. بذا نستخف بالسبب وننشغل بالنتيجة. لكن الوحشة فاعلة طوال الوقت لأنه لا فرق بين السبب والنتيجة. هناك فقط ماهو؛ وهو لا يصير سببًا إلا حين يبتعد عن ذاته. لذا فمن المهم فهمُ أن هذه الحركة بعيدًا عن ذاته هي ذاته، ومن ثَمَّ فهي نتيجته. لا يوجد، بالتالي، سبب ولا نتيجة بتاتًا، لا حركة إلى أي مكان بتاتًا، بل فقط ماهو. أنت لا ترى الـماهو لأنك تتشبث بالنتيجة. هناك وحشة، والحركة الظاهرة بعيدًا عن هذه الوحشة نحو التعلق؛ ثم يصير هذا التعلق، بكل منطوياته، من الأهمية، من السيطرة، بحيث يحول بين المرء وبين النظر إلى ماهو. والحركة بعيدًا عن الـماهو هي الخوف، ونحن نحاول أن نصرفَه بمهرب آخر. هذه حركة مستديمة، تظهر وكأنها تبتعد عن ماهو، لكنْ فعليًّا ليس هناك حركة بتاتًا. وإذن فوحده ذهنٌ يرى ماهو ولا يتحرك بعيدًا عنه في أي اتجاه ذهنٌ متحرر من الـماهو. وبما أن سلسلة السبب والنتيجة هذه هي فعل الوحشة، فمن الواضح أن الإنهاء الوحيد للوحشة هو إنهاء هذا الفعل.

السائل: سوف يتعين عليَّ أن أتمعن في هذا تمعنًا عميقًا جدًّا جدًّا.

كريشنامورتي: ولكنْ هذا أيضًا يمكن له أن يصير انشغالاً يصير بدوره مهربًا. إذا رأيت هذا كله في وضوح تام فرؤيتك أشبه بطيران النسر الذي لا يترك أثرًا في الجو.


* Krishnamurti, Eight Conversations.
Copyright ©1969 Krishnamurti Foundation Trust, England.

Comments are closed.

-->