الشعور بالمسؤولية – ج. كريشنامورتي

السبت 6 آذار 2010

لماذا عليَّ أن أشعر

بالمسؤولية؟*

دأب ج. كريشنامورتي، في السنوات التي سبقت وفاته (1986)، على الاجتماع الدوري بأعضاء لجان مؤسسة كريشنامورتي الدولية في زانن بسويسرا، وذلك ليكلمهم ويناقش معهم رؤيته بخصوص صون تعليمه وشروط نشره الأمين وأفضل السبل لازدهار المدارس التي استلهمته في التربية بعد أن يغيب.

krishnaji_5

سنعمد في الشهور المقبلة إلى نشر ترجمات لمقتطفات من أحاديثه إلى اللجان الدولية وحواراته مع أفرادها، نقلاً عن نصوص مُعدة للقاءات مؤسسة كريشنامورتي الدولية في بروكوود پارك، إنكلترا، في أيار 2000.

* * *

كريشنامورتي: ليتكم تجيبون عن هذا السؤال! ليت بعضكم يصرف همَّته إليه، فلا يهدأ له بال حتى يجيب عنه. هَبْ أني أعمل في هذا كله، ومات ك[1]، ما هي مسؤوليتي؟ لقد شعرتُ بشيء مقدس، لا في الشخص وحسب – وهو أمر خارج عن الموضوع –، بل وبشيء شعرتُ به شعورًا عميقًا للغاية، في كلامه، في حضوره. فماذا أنا فاعل يا ترى؟ كيف تراني سأحافظ على حرارة، على نار ذاك الشيء المقدس الذي شعرت به، فأصونها، أغذيها، حتى لا تخبو؟ وكذلك، ما هي مسؤوليتي نحو باقي الأفراد الذين يعملون في هذا الاتجاه، ومسؤوليتي الشخصية في حياتي اليومية؟ تلك هي مقاربتي للمسألة برمتها.

أتراني أحيا فعليًّا ما يجري الكلام عليه، أم أن الأمر لم يتعدَّ التفسير اللفظي والتحمس؟ هل تخطيتُ مجرد الألفاظ؟ وما هي مسؤوليتي الأولى حيال بقية الأفراد الذين يعملون معًا؟ هل عندي روح، صفة التعاون العميق الفعلية مع أيٍّ كان؟ هل عندي حسٌّ بالتواصل معهم؟ ذلك سيكون استفساري الأول عن مسؤوليتي: هل عندي يا ترى صلة حقيقية، لا مجرد صلة مادية عبر الرسائل أو عبر هذا النشاط أو ذاك، بل هل عندي صلة حقيقية مع غيري ممن يتحركون في الاتجاه نفسه؟

سؤال: لماذا علينا أن نتصف بذلك؟ لماذا علي أن أشعر بالمسؤولية؟

كريشنامورتي: مهلاً. أنا مسؤول لأنني أشعر بأني العالم. صحيح؟ لا أدري إنْ كنتَ قد فهمتَ ذلك. أشعر بأني مسؤول عن سائر العالم؛ مهما حدث في العالم فأنا مسؤول، سواء كان في بلفاست، في إنكلترا، أو كان تهديد الحرب في الشرق الأوسط، أو المجاعة في الهند، إلخ، إلخ. تراني كإنسان، هو جزء من سائر الإنسانية، أشعر بأني مسؤول – مسؤولية عميقة. إنها ليست مجرد نتيجة لفظية، بل تراني أشعر بذلك شعورًا قويًّا جدًّا. ولقد عملت معكم جميعًا، فأشعر بأني مسؤول عنكم جميعًا. وتراني لا أريد لتلك المسؤولية أن تخبو، تذوي، تموت. أريد أن ألتقيكم، أريد أن أتناقش معكم. ذلك كل ما أعنيه.

وما سيهمُّني أيضًا هو إنْ كانت مجرد مجموعة صغيرة هي التي تحمل الإناء الذي تنمو فيه الزهرة؛ ربما كان أفراد يحملونه في مجموعة صغيرة، لكني أريد أن أنثر البذور في العالم بأسره. تلك هي مسؤوليتي. لا يهمني مَن يفهم أو مَن لا يفهم، لكنها مسؤوليتي أن أزرع البذرة حيثما تقع – سواء على قطعة أرض بور أو في تربة خصبة. تلك هي مسؤوليتي، ذاك ما سيهمُّني إذا مات ك وكنت أعمل مثلكم جميعًا.

وسيهمُّني، كذلك، الحرصُ على الشيء الذي شعرت بأنه مافتئ مقدسًا وعلى صون حرمته. وإذن فإن جل اهتمامي سينصب على هذا. إذ إن البشرية باتت فاقدةً كل احترام لأي شيء. صحيح؟ لا يزال هناك بعض احترام متبقٍّ في الهند؛ إنه ضحل بعض الشيء، لكنْ لا يزال هناك بعض الاحترام. إنهم يشعرون باحترام نحو الشخص الديِّن. قد لا يفعلون أي شيء حيال الأمر، فيكتفوا بتطويق رأسه بأطواق الزهور ولا يفعلوا شيئًا حيال الأمر؛ ما يقوله لا يهمك مادمت في حضرته، مادام عندك هذا الشعور بالاحترام. لا يزال ذلك موجودًا نوعًا ما في الهند. أما باقي العالم، فلا يصح فيه قولي هذا. ربما في الشرق لا يزال موجودًا بعض الشيء. أما في الغرب، فقد تلاشى، ولا أحد يحترم أحدًا.

فكيف لي أن أتصف بصفة الاحترام هذه لذاك الشيء المقدس الذي شعرت به، فأساعد على الحرص بأن يكون عند غيري من الناس حسُّ الاحترام هذا لما هو مقدس؟ لا أدري إن كنتُ أحسن نقلَ ما أشعر به. ذاك سيكون كل همي عندما يموت ك. لن ينصب عظيم اهتمامي على نفسي، على تقدُّمي، على سعادتي، لأن ذلك يتحقق بفهم تلك التعاليم. بطبيعة الحال، أنا أعمل على إذابة فوارقي كلها، خصوصيات مزاجي والحدود التي تميِّزني كلها. لكن بفعل الدراسة، بفعل الاستماع بالذات، تعلمت الكثير لأني استمعت إلى ذلك الرجل – ك – عددًا من السنين، فتشربت حسًّا معينًا بما هو عظيم ونبيل، إلى ما هنالك. فهذا بات جزءًا مني، بات في داخلي، كالجرثومة، كالبذرة النامية، المزهرة. فتراني أود أن ألتقي غيري من الناس الذين يتصفون بالحركة نفسها وأتناقش وأكون معهم. وهذا لا يعني بأننا سوف نصير عصبة، مجموعة صغيرة تهتم بذاك فحسب، فتحتفظ به لنفسها كالجوهرة، لا تجرؤ على عرضها لأنها نفيسة للغاية. فذاك تصرف شديد الضيق، شديد الزيف، شديد المحدودية. وإذن، لو كانت عندي موهبة الكلمة، موهبة الكتابة، أو أي موهبة أخرى، لعبَّرت عنه بقدر استطاعتي في الخارج، من دون أن أختلق كل التوافه عن عبادة الشخص والسلطة وسائر ما هنالك من سخافات.

كما ترون، كنت منذ الطفولة في جمعية، لعلكم تعرفونها، هي الجمعية الثيوصوفية. الدكتورة بيزانت[2]، التي كانت حقًّا إبان حياتها شخصية عظيمة جدًّا، فكريًّا وكخطيبة مفوهة، جعلت الجمعية شيئًا خارقًا، حيويًّا، حيًّا، في العالم بأسره. وعندما ماتت، انتهى الأمر إلى التبدد التدريجي. فكما في المنظمات كلها، عندما يغيب القائد يصير الشيء عقيمًا؛ قد يكون حَسَنَ التنظيم، لكن الحياة تغادره. لا أقول هذا بخصوص رادها بورنييه، الرئيسة الحالية للجمعية الثيوصوفية، لأني أعرفها حق المعرفة.

وإذن، أشعر بأن مؤسسة ك هذه في مختلف أرجاء العالم يجب ألا تختفي، ألا تفقد حيويتها. أعرف بأن مؤسسة ك مجرد تنظيم – جميعنا يعرف ذلك، ولستُ مضطرًّا إلى الخوض فيه مجددًا – لطباعة الكتب، لتنظيم الأحاديث؛ إنها ليست شكلاً جديدًا من الكنائس. لكني، على نحو ما، أشعر بأنه حين يموت ك هناك خاصية معينة في جميع هذه المدارس يجب صونها.

زانن، 17 تموز 1981



* From the transcript of the tape recording of the International Committee Meeting at Saanen, 17 July, 1981 ©2000 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd., pp. 1-4.

[1] كان من عادة كريشنامورتي أن يشير إلى نفسه بحرف "ك" تجنبًا لاستعمال ضمير المتكلم. (المحرِّر)

[2] هي آني بيزانت (1847-1933). بدأت حياتها الفكرية مناضلة في الحركة الاشتراكية الفابية، ثم تتلمذت في الثيوصوفيا على السيدة بلاڤاتسكيا. آلت إليها رئاسة الجمعية الثيوصوفية في العام 1907 وظلت على رأسها حتى وفاتها. شمل عملها في الهند مجالات التربية والإصلاح الاجتماعي والسياسي. هي التي أعلنت الفتى كريشنامورتي وعاءً لتجسد "المعلم العالمي"، فأقامت نفسها وصية عليه وعلى تربيته الروحية وتعليمه، وكانت له بمثابة الأم. لكنه في العام 1929، في أعقاب تحوله الروحي الحاسم، حل "أخوية النجمة" المعدة لاستقبال المعلم، واستقال من الجمعية الثيوصوفية، وأخذ تعليمه المستقل على عاتقه ومسؤوليته، معلنًا أن الحقيقة لا يحتويها أي معتقد ولا تقبل تنظيمًا من أي نوع. يُجمع مؤرخو سيرته أنه ظل على محبته لها واحترامه لذكراها. (المحرِّر)

Comments are closed.

-->