حياة من غير أذى – ج. كريشنامورتي

الثلاثاء 3 أب 2010

الحياة من غير أذى*

krishnaji_3

السائل: كيف يمكن للواحد منا أن يعيش على هذه الأرض من غير أذى أو تدمير لجمالها، من غير جلب الشقاء والموت على الآخرين؟

كريشنامورتي: هل سبق لك أن طرحت هذا السؤال يومًا؟ فعليًّا؟ ليس نظريًّا، بل فعليًّا، هل تراك طرحت ذاك السؤال، واجهتَه؟ لا تتهرب منه، لا تفسِّره بأن الشقاء ضروري، وما إلى ذلك، بل انظرْ إليه، جابهْه. هل سبق لك أن طرحت مثل هذا السؤال يومًا؟ ليس جماهيريًّا، ليس للقيام بمظاهرة ضد سياسي بعينه يريد أن يدمر حديقة وطنية، أو هذا أو ذاك. طرحُك مثل هذا السؤال يعني أنك تحترق به، أنه شيء هائل الواقعية، لا مجرد سؤال تخيُّلي تصرف به وقت النهار. [المسألة هي] الحياة على هذه الأرض، بجمالها الخارق، وعدم تدميرها، [هي] إنهاء الأسى، وعدم قتل إنسان آخر، عدم قتل أي شيء حي. هناك طائفة معينة في الهند وسيلة النقل عندهم هي المشي؛ إنهم لا يستقلون قطارات، ولا طائرات، ولا عربات، ويضعون قناعًا لكيلا يقتلوا حشرة بالتنفس. بعض تلك الجماعة أتوا لرؤية المتكلم وساروا ثمانمائة ميل! وهم يأبون القتل.

وهناك مَن يقتلون: يقتلون على سبيل الرياضة، يقتلون على سبيل التسلية، يقتلون للانتفاع – صناعة اللحم برمتها. هناك مَن يدمرون الأرض، يبثون الغازات السامة، يلوثون الهواء والمياه، ويلوثون بعضهم بعضًا. هذا ما بتنا نفعله بالأرض وبأنفسنا.

فهل بوسعنا أن نحيا على هذه الأرض، بجمالها العظيم، ولا نجلب الشقاء أو الموت على الآخرين؟ إنه سؤال جدي للغاية. أن نحيا حياتنا من غير أن نتسبب بالشقاء أو الموت للآخرين – ذاك يعني عدم قتل إنسان، كما يعني عدم قتل أي حيوان على سبيل الرياضة، أو من أجل طعامك. فهل تفهم هذا كله؟ هذه هي المسألة.

كانت هناك طبقة معينة من الناس في الهند لم يأكلوا لحمًا قط، إذ يعتقدون أن القتل خطيئة؛ وكانوا يسمَّون آنذاك بالبراهمة. والمدنية الغربية لم تستفسر قط إنْ كان القتل صوابًا، إنْ كان قتل أي شيء حي مبررًا. لقد دمر العالم الغربي عروقًا برمتها من الناس. صحيح؟ أميركا دمرت الهنود، اكتسحتهم لأنهم يريدون أرضهم، إلى آخر القصة. فهل بوسعنا أن نحيا على هذه الأرض من دون قتل، من دون حرب؟ بوسعي أن أجيب عن هذا السؤال، ولكن ما قيمة الجواب بنظرك عندئذ إذا كنت تقتل؟ لا أقول هذا تأييدًا للمذهب النباتي. (كتب أحد الكتاب منذ مدة: "بات المذهب النباتي يسري سريان الوباء في بلادنا"!) لكنك تقتل الملفوفة؛ ومنه، أين ترسم الخط الفاصل؟ وهل تراك تجعل الأمر مشكلة؟ أتفهم سؤالي؟

إذا كنت تعارض الحرب – مثلما يعارضها بعض البشر، والمتكلم منهم، يعارضون قتل بشر سواهم مهما يكن السبب – لا يجوز لك أن ترسل رسالة بالبريد! إذ إن جزءًا من ثمن الطابع البريدي الذي تشتريه، من ثمن الطعام الذي تحصل عليه، يذهب للدفاع، للتسلح. إذا اشتريت بنزينًا ("غازًا" [كما يقال] في هذا البلد)، فإن جزءًا من ثمنه يموِّل ذلك، إلخ، إلخ. فماذا ستفعل إذن؟ إذا امتنعت عن دفع الضرائب، فمصيرك أن تغرَّم أو تودَع السجن. إذا لم تشتر طوابع أو غازًا، تراك لا تقدر أن تكتب رسائل ولا أن تسافر، وبذلك تحشر نفسك في زاوية؛ والعيش محشورًا في زاوية يبدو نوعًا ما بلا طائل. فماذا ستفعل إذن؟ هل تراك تقول: "لن أسافر، لن أكتب رسالة"؟ فهذا كله يساعد على الإنفاق على الجيش والأسطول والتسلح – أتتابع؟ – عملية الابتزاز كلها. أم تراك تقارب المسألة مقاربة مختلفة؟

لماذا نقتل؟ قتلت الأديان، ولاسيما المسيحية، عددًا غفيرًا من الناس؛ لقد عذبوا الناس، رموهم بالزندقة، أحرقوهم. تعرفون تاريخ الأمر كله. المسلمون كذلك فعلوا ذلك. لعل الهندوس والبوذيين هم وحدهم القوم الذين لم يقتلوا – فدينهم يحرِّم القتل.

كيف يمكن للواحد منا أن يحيا على هذه الأرض من غير أن يقتل سواه ويتسبب في شقائه؟ التوغل في هذه المسألة توغلاً عميقًا حقًّا عملية جدية للغاية. فهل توجد صفة المحبة تلك التي تجيب عن هذا السؤال؟ إذا أحببتَ إنسانًا آخر، أتطاوعك نفسُك على قتل ذلك الشخص؟ أتراك عند ذاك تقتل أي شيء؟ – إلا عندما تحتاج إلى طعام بعينه، خضارًا وبقولاً إلخ، ولكن، ماعدا ذلك، أتراك تقتل أي شيء؟ توغلْ في هذه المسائل كلها، وعِش الأمر، بحق الله، ولا تكتف بمجرد الحديث عنه!

إن ما يقسِّم العالم هي المُثُل، إيديولوجيا جماعة بعينها ضد أخرى، هذا التقسيم المستمر على ما يبدو بين الرجل والمرأة، إلى آخر ما هنالك. لقد حاولوا ردم هذه الهوة عبر المنطق، عبر العقل، عبر مختلف الهيئات والمؤسسات والمنظمات، ولم يفلحوا في ذلك من أي سبيل. هذا واقع. والمعرفة هي الأخرى لم تحل هذه المشكلة – المعرفة بمعنى الخبرة المتراكمة، إلى آخر ما هنالك. والفكر قطعًا لم يحل هذه المشكلة.

هنالك إذن مخرج واحد منها: اكتشاف ماهية الحب. الحب ليس الرغبة، الحب ليس الاستئثار، الحب ليس النشاط الأناني المتمركز على الذات: أنا أولاً وأنت ثانيًا. ولكن تلك المحبة، على ما يبدو، لا معنى لها بنظر أغلب الناس؛ قد يكتبون فيها الكتب، لكن لا معنى لها [بنظرهم]. لذا يحاولون أن يخترعوا تلك الصفة، ذاك العطر، تلك النار، تلك الرحمة. وللرحمة فطنتها، أي الفطنة العليا. وحين تسود تلك الفطنة، المولودة من الرحمة، من المحبة، إذ ذاك تنحل هذه المشكلات كلها حلاً بسيطًا، هادئًا. لكننا لا نتابع السؤال حتى آخره؛ قد نتابعه فكريًّا، لفظيًّا فقط. أما إذا فعلت ذلك بقلبك، بذهنك، يؤيدهما شغفك، إذ ذاك فإن الأرض ستبقى جميلة. وعند ذاك يسود شعور عظيم بالجمال في النفس.

أوهَيْ، 24 أيار 1984


* From the transcript of the tape recording of the first public question & answer meeting at Ojai, 24 May 1984, copyright ©1991 Krishnamurti Foundation Trust, Ltd.

Comments are closed.

-->