من أنا؟ - نبيل سلامة

19/1/2010

مَـن أنــا؟

نبيل سلامة*

حين كنا بعدُ أطفالاً، كان أكثرنا يستفسر عن جواب هذا السؤال: كيف وُجدت؟ أو بعبارة أخرى: مَن أنا؟ هذا السؤال الأولي هو الذي كوَّن دافعنا العفوي إلى معرفة أنفسنا. إنه أول أسئلة طفولتنا التي تنبثق من وجودنا الأصلي.

مَن أنا؟ يعلِّمنا رامنا مهارشي، أحد كبار حكماء الهند، أن نطرح هذا السؤال كل يوم، بل كل لحظة، بكل ما فينا من قوة إرادة، فنستغرق في وجودنا الأصلي، طارحين من غير توقف هذا السؤال الأوحد، مستبعدين من ذهننا الأسئلة الأخرى كافة، غير مستبقين فيه غير هذا السؤال، لا بالإدراك العقلي وحده، بل وبالإدراك الشعوري أيضًا: مَن أنا؟ فعلى إيقاع هذا السؤال الاستبطاني، الذي يندمج أحيانًا مع إيقاع التنفس، يصير بوسعنا أن نتوغل عميقًا في وجودنا الأصلي.

مَن أنا؟ سؤال من الأهمية بحيث إننا لن نضيِّع حياتنا سدى إذا استفدنا من فرصة هذه الحياة للسفر في صحبة سؤال طفولتنا هذا: مَن أنا؟ فهذا الدافع الأصلي يحضنا على اكتشاف وجودنا، شخصنا، كوننا، وعينا، حياتنا برمتها.

لكنْ حين يكتفي أحدهم بأن يجيب عنه بقوله إنه سوري أو أميركي إلخ، فهو إنما يتكلم عن جنسيته، لا عن وجوده؛ وحين يجيب عنه بقوله إنه عالم أو طبيب أو محام إلخ، فهو إنما يذكر مهنته، لا وجوده؛ وحين يجيب عنه بقوله إنه رجل أو امرأة، أسود أو أبيض، إلخ، فهو يقرر جنسه أو عرقه، لا وجوده.

كذلك، لست هذا الجسم. فحين أقول إنني لست جسمي، إنما أعني بذلك أنني "ذات" أسمى من جسمي، لأن الجسم فان وزائل. فالأصح قولنا إن الجسم تجلٍّ عابر للوجود الأصلي.

على النحو نفسه، لست هذا الذهن المفكر. فلأن هذا الأخير هو قوة التفكير في، أنا لست أفكاري، لست مجرد فكرة!

بالمثل، لست انفعالاتي الجسمية، ولا رغباتي، ولا أهوائي، التي تجعلني أحيد عن الصراط المستقيم لأنها تحول بيني وبين معرفة مَن أنا.

أخيرًا، فإن الحكماء والراسخون في العلم يقولون لنا بأن هذا الوجود وجود مهول، تعبِّر رقصة طاقته الكونية عن الفرح بالخلق. إنه وجود شاسع، بديع، مذهل؛ وجود ينعكس في صورة القوة الخالقة؛ وجود يصفه العارفون بأنه قدسي، بريء، يجلُّ كمالُه عن الوصف.

ذاك الوجود ذات تشهد إخصاب أولى خلايا جسمنا ونحن بعدُ في أرحام أمهاتنا. هو ذات تشهد كل شيء؛ وعي محض ولد في سر الأزلية.


* كاتب ومترجم سوري.


Comments are closed.

-->