في الفقر بالروح
ليس من الضروري فهم ذلك!
الأستاذ إيكهرت
"[كلمة] لا هي التي تحترق في جهنم!"
الأستاذ إيكهرت
تقديم
لا ريب أن للأستاذ إيكْهَرْت (حوالى 1260-1327) منزلةً على حدة في تاريخ التصوف العالمي. فالمسائل التي طرحها ذلك الحكيم الريناني المتألِّه والتأويلات التي أتاحها هي عينها القضايا الكبرى التي شغلت التصوف، النظري والعملي، حول شَخْصَنَة الإله وطبيعة علاقته بالعالم وبالنفس الإنسانية. صحيح أنه تأثر لاهوتيًّا بالقديس توما الأكويني (1225-1274)، وصحيح كذلك أن إلهياته استمرار لنهج روحيٍّ أفلاطونيٍّ يمر عبر ألبرتوس الكبير (1193-1280، مذكور في الموعظة أدناه) وتياري الفريبرگي (حوالى 1250-1310)، لكنه نسيج وحده من حيث دفعُه هذه الإلهيات حتى تخومها القصوى، – تخوم العدم الصوفي التام الذي يشكل "مادة" الإله نفسها، – ومن حيث ترجمتُه إلى لغة عوام الناس خبرةً أراد لها أن تلبي حاجات مستمعين متعطشين إلى الروحانية، كما يظهر من مواعظه بالألمانية، حيث جرأة العبارات الظاهرةِ التناقض تؤالف توليفًا خلاقًا بين الخبرة الداخلية وبين الفلسفة العالِمة؛ توليفًا جَلَبَ عليه، في الوقت نفسه، تكفير الفقهاء المتزمتين واتهامهم إياه بالهرطقة (= الزندقة).
"راهب واعظ" أمام محكمة التفتيش
التحق إيكهرت، المولود في هوخْهايم (تورنگه) في أسرة من صغار الأشراف، برهبنة "الإخوة الواعظين" (الدومنكان) في إرفورت، ثم ذهب مبعوثًا إلى كولن لمتابعة تحصيله الدراسي. وقد جرى تأهيلُه اللاهوتي في جوٍّ مشبع بالروح الأفلاطونية السارية في نهج ألبرتوس الكبير (الذي ربما تتلمذ إيكهرت عليه). وحوالى العام 1293، عُيِّن محاضرًا في دير القديس يعقوب في باريس، ثم قُبيل حلول العام 1298، رئيسًا لدير إرفورت ونائبًا رعويًّا عن مقاطعة تورنگه. وفي العام 1300، عاد إلى التدريس في باريس، حيث انخرط في سجال فكري ضد أفكار اللاهوتي الفرنسِسْكاني جون دَنْس الإسكوتي (1266-1308). وأغلب الظن أنه طُرد من فرنسا في تموز من العام 1303. وبعد تعيينه في بداية العام 1304 نائبًا رعويًّا عن إقليم ساكس الجديد، حضر بصفته هذه في العام 1307 مجلس شتراسبورگ الكنسي، حيث كُلِّف، إلى ذلك، النيابةَ الرعويةَ العامةَ عن مقاطعة بوهيميا. وعندما قرر مجلس پليزانس (1311) تجديد الدراسات في الرهبنة الدومنكانية، بُعث إيكهرت مرة ثالثة إلى جامعة السوربون، حيث صرف سحابة وقته في وضع الشروح على الكتب المقدسة. وفي العام 1314، نجده مرة أخرى في شتراسبورگ، حيث تولى إدارة المدرسة studium الدومنكانية وانهمك في عمل رعوي، وعظي وإرشادي، في عدة أديرة للراهبات الدومنكانيات. وفي العام 1324، عاد إلى كولن، حيث ترأس المدرسة العامة وواصل تعليمه بين الراهبات، من دومنكانيات وغيرهن.
بُعيد ذلك، اصطدم إيكهرت بهاينريش الفارنبورگي، رئيس أساقفة كولن، الذي كان يضمر العداء للدومنكان، مفضلاً عليهم الفرنسِسْكان صراحةً. ومنذ نهاية العام 1324، حامت شكوكٌ حول سُنِّية (= أرثوذكسية) آراء إيكهرت، مما اضطره إلى تدبيج دفاع أول عن مذهبه. لكن الزائر الحَبْري نكولاوس الشتراسبورگي، الدومنكاني واللاهوتي الذائع الصيت، دافع عنه دفاعًا قويًّا. عندئذٍ عهد رئيس أساقفة كولن بالقضية إلى قاضيين من ديوان التفتيش يبدو أنهما كانا قليلي الإنصاف، أحدهما دومنكاني والآخر كاهن في الكاثدرائية. وإبان صيف العام 1326، وضع الرجلان قائمة أولى من 49 عبارة "مريبة" لاهوتيًّا اقتطفاها من مصنفات إيكهرت ومواعظه. وقد ردَّ عليها إيكهرت في 26 أيلول، طاعنًا في أهلية قاضيَي كولن، رافضًا عددًا من العبارات الواردة في القائمة باعتبارها ملفقة، وشارحًا عبارات أخرى شرحًا سُنيًّا. بُعيد ذلك، وجَّه إليه قاضيا التفتيش قائمة جديدة من 52 عبارة، مشابهة جزئيًّا للعبارات السابقة، أجاب عنها الجواب نفسه. وفي الـ24 من كانون الثاني، رفع إيكهرت استئنافًا إلى الكرسي الرسولي وأعلن في 13 شباط احتجاجًا عامًّا ورسميًّا بسُنيَّته.
ومع أن محكمة كولن رفضت استئناف إيكهرت في 22 شباط، فقد أحيلت القضيةُ إلى أڤينيون، حيث كان البابا يوحنا الثاني عشر مقيمًا آنذاك؛ فذهب إيكهرت إلى هناك للدفاع عن نفسه، وأغلب الظن أنه توفي فيها. وبعد مناقشات طويلة، يبدو منها أن القضاة اشتغلوا على قوائم العبارات المرسَلة من كولن، وليس على مؤلفاته مباشرة، حُكِمَ على إيكهرت بعد وفاته بمقتضى مرسوم In argo dominico الصادر في 27 آذار 1329، الذي حرَّم نشر 28 عبارة من العبارات المنسوبة إليه؛ وفيه جاء: "لقد أراد أن يعلم أكثر مما يجوز"! وهذا المرسوم، المُرسَل إلى رئيس أساقفة كولن، لم يُنشَر رسميًّا إلا ضمن نطاق صلاحية أبرشيته الكنسية.
مؤلفات إيكهرت
تتوزع المصنفات التي خلفها إيكهرت على مجموعتين متميزتين: المؤلفات اللاتينية والمؤلفات الألمانية. فأما الكتابات اللاتينية، المخصصة للاهوتيين المحترفين، فهي ذات طابع نظري واصطلاحي وذات شكل فقهي توماوي ملحوظ، لكنها تمتاز بأنها بقلم إيكهرت مباشرة وتقدِّم قاعدة مأمونة دقيقة لتأويل فكره؛ وأهمها: رسالة في الصلاة الربانية؛ شرحان على سِفْر الأحكام (يشك بعضهم في صحة نسبة الشرح الثاني إلى إيكهرت)؛ مسائل باريسية (هي ذكريات عن خلافات مدرسية)؛ شروح على الكتاب المقدس (أسفار التكوين والخروج والحكمة والجامعة والإنجيل بحسب يوحنا) تتسم بتأويل مغرق في الرمزية والمجاز والميتافيزيقا؛ 58 موعظة؛ وبضعة مقاطع أخرى.
وأما المؤلفات الألمانية، التي كُتبتْ باللسان الألماني المتوسط الأعلى المتأخر Spätmittelhochdeutsch، فلا تضم إلا ثلاث رسائل كتبها إيكهرت مباشرة: حوارات حول التمييز الروحي، ألقاها في إرفورت قبل العام 1298؛ كتاب مبارك Liber Benedictus، المسمَّى هكذا بحسب الكلمة الأولى للنص، الذي كُتب خصيصًا لملكة المجر أگْنِس بعد العام 1308، وهو يضم رسالة في العزاء الإلهي وفي شرف الإنسان؛ وأخيرًا رسالة موجزة في الزهد، لم يُعرَف تاريخُ كتابتها، ولم تتأكد صحةُ نسبتها إلا في القرن العشرين. أما ما تبقى من المؤلفات الألمانية فلا يعدو كونه ملحوظات (ينوف عددها على الستين) دوَّنها مستمعون عنه مباشرة في أثناء إلقائه مواعظه؛ وبالطبع، لا تجوز الثقة التامة في أصالة نسبتها إليه.
اللاهوتي الصوفي
مؤلفات إيكهرت عسيرة على الفهم. فالكتابات اللاتينية تتسم بخاصية ميتافيزيقية، وأسلوبها الفقهي التوماوي عويص للغاية. ومع ذلك، فإن فكر إيكهرت ليس نظريًّا بحتًا: إنه مسكون بالهواجس الروحية، ويحاول أن يطاوِل أسُس الخبرة الصوفية نفسها ويشملها. فكما قال الباحث راينر شورمن: "إذا كانت المؤلفات اللاتينية تمهِّد الطريق فإن المؤلفات الألمانية تدعونا إلى السفر". وبهذا الخصوص فإن إيكهرت يعاني من لغة عصره الفنية المُغرقة في الاصطلاح. أما الكتابات الألمانية فهي تستعمل لغةً لا تزال في طور التشكل، لغة عملية جدًّا وغير مؤهلة بعدُ كفاية للتعبير عن الحقائق الروحية الدقيقة.
قلما يستعمل إيكهرت لترجمة معطيات الخبرة الصوفية الأسلوب الرمزي المألوف عند أقرانه، بل يستحسن اللجوء إلى عبارات شديدة التناقض ظاهريًّا؛ وهذه العبارات، إذ تعزل أحد مظاهر الحقيقة وتُبرزه، تصير شديدة الخطورة والتضليل إذا أخذها القارئ المتسرع على محمل الحرف ولم يفهمها في سياقها الطبيعي وفي ضوء الخبرة الداخلية، كما جرى حصرًا لمحرِّري مرسوم الإدانة.
من الألوهة إلى الله
مذهب إيكهرت عبارة عن تأملات في الوجود الذي، مأخوذًا على الإطلاق، يتماهى مع الله. وهاهنا يميز إيكهرت تمييزًا دقيقًا بين "الألوهة" Gottheit وبين "الله" Gott. فالألوهة هي الذات الإلهية المطلقة، واجبة الوجود بذاتها (بحسب اصطلاح ميتافيزيقا ابن سينا)، المتعالية عن الأسماء والصفات والعلاقات، التي لا نستطيع أن نقول فيها شيئًا سوى أنها أحدية مطلقة؛ وبالتالي لا يجوز لنا أن نتكلم عليها إلا بلغة لاهوتية سلبية apophatique، بحيث إن مصطلحات، من نحو "الوجود" و"الخير"، كما نستعملها في اللغة البشرية، لا تصح عليها. أما الله، على العكس، فهو الألوهة بوصفها داخلة في علاقة (واجب الوجود بغيره، باللغة السيناوية): فهي تقيم أولاً علاقة أولى داخلية وضرورية مع ذاتها، تفضي إلى انبثاق الأقانيم الإلهية للثالوث؛ والأقانيم، بدورها، تفيض فيضًا مستمرًّا من الذات الإلهية وترجع إليها. كذلك فإن الألوهة تصير الله عبر علاقة ثانية، خارجية، هي علاقة الخلق. وبحسب عبارة إيكهرت (التي تتقاطع مع مذهب الشيخ الأكبر ابن عربي)، ليس الله إلهًا إلا بوجود المخلوقات (= المألوهات)؛ فلو لم تكن لما كان[1].
الخلق: سمة إلهية وعدم الوجود
يرتبط التصور الإيكهرتي للخلق بثيمة أفلاطونية هي ثيمة النموذج البدئي ("العين الثابتة"، بحسب ابن عربي). فعلم الله يشمل، منذ الأزل، في "كلمته" Logos، "أعيان" الخلق كافة. والخلق هو الفعل الإلهي الذي يمر عبره بعضُ هذه الموجودات من عالم الأعيان المثالي إلى عالم الظواهر. كل مخلوق فهو كائن مزدوج: موجود بالقوة في الله، وموجود بالفعل في العالم. وهكذا فإن كل مخلوق، من حيث ارتباطُه بصورته الأولية (أو عينه الثابتة) في العلم الإلهي الكلِّي، يحمل نوعًا من "السمة" الإلهية التي هي شرفه الأصلي. ولكن من منظور آخر، فإن الفارق الجذري بين الكائن غير المخلوق وبين الكائن المخلوق هو من السعة بحيث إن هذا الأخير، قياسًا إلى الله، يجوز أن يوصف بالعدم. وهنا يقترب إيكهرت من مذهب الڤيدنتا الهندوسي الذي ينكر على "المخلوق" أي وجود مستقل عن برهمن (= المطلق) ويصفه بـ"الوهم" māyā.
أعماق النفس
تسمح ثيمة النموذج البدئي لإيكهرت برفع شرف الإنسان على أساس مكين. فهو، ككلِّ الصوفية، ينظر إلى النفس الإنسانية كواقع مركَّب، فيه أقاليم ومناطق. وفي سرِّها الأعمق تُستودَع عينُها الأزلية (آتمن ātman الڤيدنتا، الروح) التي تربطها إلى الذات الإلهية. وإيكهرت مرارًا ما يشير إلى هذه النقطة المركزية للنفس بمصطلحات من نحو الكُنْه أو النور أو الشرارة؛ وهو يشدد على أن هذا السر متوجِّه بكلِّيته إلى الله، ويسميه أحيانًا العقل. وعن "كُنْه" النفس هذا يقول إيكهرت في إصرار شديد إنه "غير مخلوق وغير قابل للخلق".
وهكذا فإن النفس، متحدةً بالله عبر مركزها، تشارك مشاركة فاعلة ومنفعلة في حياة الثالوث الإلهي: ففيها يولد الكلمة ولادةً متجددة من الآب، في الوقت الذي تولد هي مع الكلمة من الآب. وهذه النظرات من ذروات التصوف الإيكهرتي، لكنها أيضًا من أعسر جوانبه فهمًا.
نفي الكثرة
يرى إيكهرت أن السلوك الصوفي محكوم هو الآخر بثيمة النموذج البدئي، كما وبرؤية دورية، أفلاطونية هي الأخرى. فالنفس تصدر أصلاً عن الوحدة الإلهية، لكن الخلق يضعها في القلب من عالم الكثرة، وعليها أن تستخلص نفسها منه لكي ترجع إلى الوحدة. وهذا يقتضي حالاً جذرية من الفقر (انظر نص إيكهرت أدناه)، تستغني فيه النفسُ عن الخلق كافة: عليها أن تزهد في كل إرادة خاصة تفصلها عن الله؛ وعليها أن تتعالى عن العناصر المخلوقة كلها، بما فيها طبيعة المسيح البشرية بوصفها "مخلوقة"؛ ومنه، عليها أن تتخطى الصور، لا بل أدق الآثار التصورية التي يمكن أن ترسب فيها، كما يجب عليها أن تبلغ إلى حالة من الزهد المطلق، بحيث لا يبقى فيها أثرٌ لرغبة، حتى في الخير. وهكذا تفنى النفس، فتنكفئ على ذاتها في حركة يطلق عليها إيكهرت اسم الانطواء. وهي، إذ تتعالى عن الكون المخلوق عبر اختراق حقيقي، تبلغ عينها (أو نموذجها البدئي) في مركزها، وتلتحق فيها بأحدية الذات الإلهية، محققة نوعًا من عدم التمايز عن الله، نوعًا من التألُّه theosis. وبهذا توصَّل إيكهرت إلى نظرية أفلاطونية أصيلة، متماسكة، في الاتحاد الصوفي.
ما بعد إيكهرت
لم يكن لمرسوم التكفير بحقِّ إيكهرت غير مدى محدود، فلم يحُلْ دون انتشار مؤلفاته؛ فجميع مريدي "الأستاذ" اعتبروا المرسوم إدانةً بحقِّ مذهب سُنِّي لم يُفهَم حقَّ فهمه. وهذا الانتشار يؤكده العددُ الذي لا يُستهان به من المخطوطات التي وصلتنا، ولاسيما للمؤلفات الألمانية (أكثر من 200 مخطوطة للمواعظ). وقد دافع عن مذهبه ودقَّقه ونَشَرَه خليفتاه، الصوفيان الدومنكيان الكبيران يوهان تويلر (حوالى 1300-1361) وهاينريش سوسو (حوالى 1295-1366). وقد واصل الصوفي الفلمنكي يان ڤان رويسبروك (1293-1381) الاشتغال على الثيمات الأساسية للمذهب الإيكهرتي في تأليف شخصي أصيل.
يبقى أن نقول إن علامة كبيرًا في بوذية زنْ، جمع بين العلم والخبرة الروحية، هو د.ت. سوزوكي، وضع كتابًا بيَّن فيه نقاط التقاطُع بين البوذية ومذهب إيكهرت الصوفي. بالمثل، فإن اللاهوتي الإنجيلي رودولف أوتو، مؤلف الكتاب المرجعي الحَرام، خصَّص جانبًا كبيرًا من كتابه تصوف الشرق وتصوف الغرب للتمعن في نقاط الافتراق والوحدة بين مذهب شنكرا الأدڤيتي وبين إلهيات إيكهرت. وكذلك فعل اللاهوتي الروسي المرموق ڤلاديمِر لوسكي حين بيَّن أن نظرية المعرفة عند إيكهرت تتقاطع مع اللاهوت "السلبي" (كما نجده عند ديونيسوس الأريوپاغي وغيره) الذي يُعَد من المصادر الأساسية للتصوف المسيحي المشرقي. وإن مقاربة مماثلة، شرعنا فيها، لَتُبيِّن التطابق الواضح بين مذهب إيكهرت وبين وحدة الوجود الأكبرية، وبينه وبين التصوف الإسلامي إجمالاً (ولاسيما نظرية الجنيد والحلاج في وحدة الشهود)، وهي، لا محالة، مصدر إغناء كبير للخبرات الروحية "اللاثنوية" المعاصرة.
جمع وإعداد: ديمتري أڤييرينوس
مراجع
- Ancelet-Hustache, Jeanne, Maître Eckhart et la mystique rhénane, Paris, 1956.
- Lossky, Vladimir, Théologie négative et connaissance de Dieu chez Maître Eckhart, Paris, 1960.
- Œuvres de Maître Eckhart – sermons-traités, traduits de l’allemand par Paul Petit, préface de Jean-Pierre Lombard, Paris, 1988.
- Otto, Rudolf, Mystique d’Orient et mystique d’Occident – distinction et unité, Paris, 1951.
- Suzuki, D.T., Mysticism: Christian and Buddhist, New York, 1957.
* * *
نص موعظة
في الفقر بالروح
"طوبى للفقراء بالروح فإن لهم ملكوت السماوات."
إنجيل متى 5: 3
من فم حكمتها أعلنت الغبطة: "طوبى للفقراء بالروح فإن لهم ملكوت السماوات". والملائكة والقديسون وكل ما لم يولد قط يجب أن يصمتوا جميعًا حيت تتكلم حكمة الآب الأزلية؛ إذ إن حكمة الملائكة والخلائق كافة ليست إلا محض عدم أمام حكمة الله التي لا يُسبَر لها غور. وهذه الحكمة قالت: "طوبى للفقراء".
بيد أن هناك نوعين من الفقر: الفقر الظاهر، الحسن والمحمود جدًّا حين يعتنقه المرءُ طوعًا، حبًّا بسيدنا يسوع المسيح، مثلما تمرَّس فيه هو على الأرض – وعن هذا الفقر لن أسترسل في الكلام. ولكن بحسب كلام سيدنا، هناك فقر آخر، فقر باطن، وإليه يجب إرجاع قول سيدنا: "طوبى للفقراء بالروح".
أناشدكم أن تكونوا مثل هؤلاء "الفقراء"، وبوصفكم كذلك، أن تفهموا هذا الخطاب؛ لأنكم – وأقول لكم هذا باسم الحقيقة الأزلية – إذا لم تتشبهوا بهذه الحقيقة لن تستطيعوا أن تفهموني. وقد سألني آخرون عن الفقر الحقيقي وعما ينبغي أن يُفهَم من مصطلح "فقير"، ولسوف أجيبهم الآن.
قال الأسقف ألبرتوس: "الفقير هو مَن لا يقدر أن يكتفي بكلِّ الأشياء التي خلقها الله طرا" – وهذا قول حسن. لكننا سنذهب إلى أبعد منه، ونضع الفقر على مرتبة أرفع بكثير: الفقير هو مَن لا يريد شيئًا، ولا يعرف شيئًا، ولا يملك شيئًا. وسوف أكلمكم على هذه النقاط الثلاث، وأناشدكم، حبًّا بالله، أن تحاولوا أن تفهموا هذه الحقيقة إذا أمكن لكم ذلك. أما إذا لم تفهموها فلا تضطربوا، لأني سأتكلم على وجه من وجوه الحقيقة قلَّ مَن يستطيع أن يدرك كنهه، حتى بين أعمق الناس فهمًا.
سنقول، أولاً، إن الفقير هو مَن لا يريد شيئًا. والكثير من القوم لا يفهمون هذا المعنى حقَّ فهمه. إنهم الذين يتعاطون الكفَّارات والرياضات الظاهرة، التي يعدُّونها من البلاء الحسن، في حين أنهم لا يفعلون غير تمجيد أنفسهم. إذا حُسِبَ أمثالُ هؤلاء كبارًا فليرأف الله بحالهم! فما أضأل معرفتهم بالحقيقة الإلهية! يُحسَبون قديسين بحسب صورتهم الظاهرة، لكنهم في الباطن حمير لا يفقهون المعنى العميق للحقيقة الإلهية. هؤلاء القوم يقولون أيضًا بأن الفقير هو مَن لا يريد شيئًا؛ وعلى المرء، بحسب تأويلهم لهذه العبارة، أن يعيش حريصًا، في كل حال، ألا يذعن لمشيئته الخاصة، بل أن ينحو نحو العمل بمشيئة الله المقدسة. هؤلاء قوم لا خبث فيهم، وهم ذوو نية طيبة، ونحن لا نتردد في الثناء عليهم! فالله، في واسع رحمته، لا بدَّ أن يهبهم ملكوت السماوات. لكني من جانبي أقول، على لسان الحقيقة الإلهية، إن هؤلاء القوم ليسوا بفقراء حقيقيين، ولا حتى بأشباه هؤلاء. يُحسَبون كبارًا في أعين مَن لا يعرفون خيرًا من ذلك؛ غير أنهم حمير لا يفهمون شيئًا من الحقيقة الإلهية. نواياهم الحسنة قد تجعلهم يفوزون بملكوت السماوات؛ لكنهم عن هذا الفقر الذي نزمع أن نتكلم عليه الآن لا يفقهون شيئًا.
لو سئلتُ عمَّا ينبغي أن يُفهَم من عبارة "فقير لا يريد شيئًا"، لأجبت: مادام للمرء شيء تتوجَّه إليه إرادتُه – حتى إذا كانت إرادته هي العمل بمشيئة الله الحبيبة – فإنه ليس على الفقر الذي نود أن نتكلم عليه. فهذا المرء لا تزال له إرادةٌ يريد بها العمل بمشيئة الله – وهذا ليس بعدُ ما ينبغي. فعلى المرء، كي يكون فقيرًا حقًّا، أن يكون من الخلوِّ من مشيئته المخلوقة خلوَّه منها حين لم يكن بعدُ[2]. أقول ذلك على لسان الحقيقة الأزلية: فمادامت فيكم إرادة العمل بمشيئة الله، وأدنى رغبة – حتى في الأبدية، حتى في الله – فأنتم لستم فقراء حقًّا! إذ وحده فقير حقًّا مَن لا يريد شيئًا، ولا يعرف شيئًا، ولا يرغب في شيء.
حين كنت في علَّتي الأولى لم يكن لي إله، وكنت علَّة نفسي! حينذاك لم أكن أريد شيئًا، ولم أكن أرغب في شيء، لأني كنت كائنًا حرًّا غير متعيِّن، وكنت أعرف ذاتي بحسب الحقيقة الإلهية التي كنت مغتبطًا بها. هناك، كنت أريد ذاتي، ولم أكن أريد شيئًا سواها، لأن ما كنت أريده كنتُه، وما كنتُه كنت أريده. كنت خليًّا من الله ومن كل شيء. لكني حين خرجت من هذه الإرادة الحرة التي كانت لي واتخذتُ طبيعتي المخلوقة، إذ ذاك اتخذتُ لنفسي إلهًا؛ لأنه قبل أن تكون الخلائق لم يكن الله إلهًا: كان ما كان! ولكن حين وُجِدَتِ الخلائقُ واتخذتْ طبيعتَها المخلوقة، لم يعد الله إلهًا في ذاته، بل إلهٌ على الخلائق. ونحن نقول إن الله، بوصفه هذا الإله، ليس الغاية الأسمى للخليقة، لأن المخلوقات، بمقدار ما هي في الله، فإن لأتْفهها ملءَ غنى طبيعة الله بذاته. فلو اتفق لذبابة أن تتحلَّى بالعقل وأمكنها، بواسطته، أن تحيط بالغور الأزلي للذات الإلهية التي صَدَرَتْ عنها، لقلنا إن الله، بحسب كلِّ ما هو بوصفه إلهًا، ليس في وسعه أن يُرضي هذه الذبابة! لهذا فلنصلِّ كي نكون أحرارًا من الله، فتستولي علينا هذه الحقيقة، وننعم بها أبدًا هناك، حيث الملائكة الأعلون والذبابة والنفوس جميعًا واحد؛ هناك، حيث كنت واقفًا، حيث كنت أريد ما كنت وكنت ما أريد. نقول، إذن، إن على الإنسان أن يكون من فقر الإرادة كما كان حين لم يكن. وبهذا فإن هذا المرء، وقد تحرر من كل مشيئة، يكون فقيرًا حقًّا.
فقير هو، ثانيًا، مَن لا يعرف شيئًا. مرارًا ما قلنا إن على الإنسان أن يحيا كما لو لم يكن يحيا لذاته، ولا للحقيقة، ولا لله. والآن سوف نمضي إلى أبعد من ذلك فنقول إن على الإنسان الآيل إلى هذا الفقر أن يصح فيه ما كان يصح فيه حين لم يكن يحيا لذاته، ولا للحقيقة، ولا لله. لا بل أكثر من ذلك: عليه أن يكون من الحرية والخلو بحيث لا يمكن لأي تصور عن الله أن يظل حيًّا فيه. إذ حين كان الإنسان واقفًا في وجود الله الأزلي لم يكن من شيء سواه يحيا فيه غير ذاته[3]. ولهذا نقول إن على الإنسان أن يكون خليًّا من كلِّ علم خاص به كما كان حين لم يكن، وأن يترك لله أن يفعل بحسب مشيئته، مع بقائه خليًّا من كل تعيُّن.
كل ما يصدر عن الله غايته فعل محض. أما الفعل الخاص بالإنسان فهو أن يحب وأن يعرف. والسؤال المطروح هو عن ماهية الغبطة أصلاً. بعض المعلِّمين يقول إنها تقوم على المعرفة؛ وسواه يقول إنها تقوم على المحبة؛ وآخرون سواهما يقولون إنها تقوم على المعرفة والمحبة معًا – وخطاب هذا الفريق الثالث هو الأفضل. أما نحن، فنقول إنها لا تقيم في المعرفة ولا في المحبة، بل إن ثمة في النفس شيئًا ما تنبجس منه كلتا المعرفة والمحبة؛ وهذا الغور لا يعرف نفسه ولا يحب شأن ملَكات النفس الأخرى. مَن يعرف ذاك يعرف مقام الغبطة. فذاك لا قَبْل له ولا بَعْد، ولا انتظار فيه لحدوث شيء، وهو عصيٌّ على الغنى والفقر معًا. وبالمثل، ذاك خلوٌ من أيِّ علم في ذاته بشيء يجب تحقيقه. إنه الشيء عينه أبدًا، لا يحيا إلا ذاته – كالله تمامًا!
بهذا المعنى نقول إن على الإنسان أن يقف خالصًا وخليًّا من الله، فيُخلي نفسه من أية خواطر أو تصورات عما يعمله الله – وبهذا فقط يمكن للفقر الحقيقي أن يتفتح فيه.
بعض المعلِّمين يقول: الله كائن، عاقل، وبكلِّ شيء عليم. أما نحن فنقول: الله ليس كائنًا، ولا هو بعقل، ولا هو يعلم هذا ولا ذاك. الله خلو من كل شيء، ولهذا فهو ماهية كل شيء. لذا فعلى الفقير الحقيقي بالروح أن يفتقر إلى كل علم، بحيث لا يعرف أي شيء مطلقًا عن أي شيء: لا عن الله، ولا عن الخلق، ولا عن نفسه. وبهذا لا يقدر المرءُ أن يطلب معرفة ماهية الله أو أن يتصورها؛ وبهذا فقط يمكن للمرء أن يكون فقيرًا بالعلم.
فقير، ثالثًا، هو المرء الذي لا يملك شيئًا. كثيرون مَن قالوا إن الكمال هو في عدم امتلاك أي شيء من خيرات هذه الدنيا – وهذا صحيح تمامًا من أحد الوجوه: حين يحمل المرء هذا العبء طوعًا – لكني أعني به شيئًا آخر تمامًا.
قلنا فيما سبق إن الفقير لا يسعى حتى في العمل بمشيئة الله، بل يحيا خلوًا من مشيئته هو ومن مشيئة الله خلوَّه منهما حين لم يكن – وهذا الفقر نعلن أنه الفقر الأسمى. وقلنا، ثانيًا، إن الفقير هو مَن لا يعرف شيئًا عن أعمال الله؛ والخلو من كل علم ومن كل معرفة خلوَّ الله من كل شيء – ذاك هو الفقر الأنقى. لكن الفقر الثالث الذي نود أن نتكلَّم عليه الآن هو الأقرب: هو فقر المرء الذي لا يملك شيئًا.
كونوا الآن آذانًا مصغية! مرارًا ما قلنا – وقال معلِّمون كبار أيضًا – إن على المرء أن يتجرد من كل شيء، من كل عمل، ظاهرًا كان أم باطنًا، بحيث يكون لله محلاً خاصًّا يقدر أن يفعل فيه. لكننا، اليوم، سوف نمضي إلى أبعد من ذلك. إذا كان المرءُ خليًّا من كلِّ شيء – من الخلائق كلِّها، من نفسه، وحتى من الله – لكنْ لا يزال فيه محلٌّ يمكن لله أن يعمل فيه – مادام في المرء شيء من هذا القبيل، فليس المرءُ فقيرًا بعدُ ذلك الفقر الأقرب. فالله ليس في تقديره بحسب أعماله أن يكون للإنسان في دخيلته محلٌّ يمكن لله أن يفعل فيه.
الفقر الحقيقي بالروح هو أن يكون المرء من الخلوِّ من الله ومن أعماله كافة بحيث إن الله، إذا أراد أن يعمل في النفس، اضطر إلى أن يكون هو ذاته محلَّ عمله. والله يفعل ذلك طوعًا، لأن الله، حين يجد امرأ في مثل هذا الفقر، فإنه يضطر إلى العمل فيه. هناك يكون الله نفسه محلاً لعمله، حتى إذا كان هنا عملاً موجَّهًا داخل ذاته. وفي هذا الفقر، يجد المرءُ الوجودَ الأزلي الذي كانه، الذي هو إياه الآن، والذي سيكونه إلى أبد الآبدين.
عندئذٍ يظهر اعتراضٌ مستقى من قول القديس بولس: "بنعمة الله ما أنا عليه"[4]. غير أن خطابنا، على ما يبدو، يتعالى عن النعمة – كما وعن الوجود والمعرفة والإرادة وعن كل رغبة. فكيف نفهم، إذن، قول القديس بولس؟ سنجيب بأن هذا القول من أقوال القديس بولس ليس إلا قول القديس بولس، وبأنه لم ينطق به وهو في حال النعمة. فالنعمة لم تكن تعمل فيه إلا في كمال كيانه في الوحدة نفسها؛ وهنا يُستنفَد عملُها. ولكن حالما كانت النعمة تعلِّق عملها كان بولس، بالطبيعة، يعود إلى ما كان عليه.
نقول، إذن، إن على المرء أن يكون من الفقر بحيث لا يكون محلاً يمكن لله أن يعمل فيه، ولا يكون فيه مثلُ هذا المحل. فمادامت فيه محلِّية ما، أيًّا كانت، فهو يستبقي فرقًا لنفسه. لهذا أصلي إلى الله كي أكون خالصًا من الله، لأن كياني الذاتي يتعالى عن الله بوصفه إله الخلائق. ففي هذه الألوهة التي يكون فيها الوجودُ المعدوم أعلى من الله، وأعلى من الفَرْق، هناك، كنت ذاتي وحسب: كنت أريد ذاتي، كنت أعرف ذاتي، بوصفي خالق الإنسان الذي أنا هو. وبذا فأنا علَّة ذاتي بحسب هويتي الأبدية، وليس بحسب صيرورتي الزمنية. ولهذا فأنا غير مولود، وبالتالي، أتعالى عن الموت. وبحسب كياني غير المولود، كنت أزلاً، وأنا كائن الآن، وسأكون أبدًا! وحده ما أنا إياه بوصفي كيانًا زمنيًّا سيموت ويفنى من جراء صفته الزمنية. لكنْ في ولادتي الأزلية تولد الأشياء كلها، وأكون علَّة ذاتي وعلَّة الأشياء كلها. ولو شئتُ ذلك، لما كنت ولا كان أي شيء آخر، ولو لم أكن لما كان الله أيضًا. أنا علَّة كون الله إلهًا؛ فلو لم أكن لما كان الله. ولكن فهم ذلك ليس ضروريًّا.
قال علاَّمة كبير إن اختراقه أشرف من صدوره الأول – وهذا صحيح. فحين صدرتُ عن الله قال كل شيء: الله كائن. لكن هذا لا يمكن له أن يطوِّبني لأنني بذلك أدرك مخلوقيَّتي. أما في الاختراق، على العكس، فأتخلى عن إرادتي الخاصة، كما وعن إرادة الله، وعن أعماله كافة، وعن الله نفسه – فأكون متعاليًّا عن الخلائق كافة، ولا أكون مخلوقًا ولا إلهًا؛ أكون أكثر من ذلك بكثير: أكون ما كنت وما أكون، الآن وإلى الأبد. تسري فيَّ قشعريرةٌ ترفعني وتحملني إلى ما فوق الملائكة الأعلين؛ وفي هذه القشعريرة، أوهَبُ من الغنى ما يعجز الله عن أن يكفيني به بحسب كلِّ ما هو بوصفه إلهًا وبحسب أعماله الإلهية كافة. وبالفعل، فإن اليقين الذي أتلقَّاه في هذا الاختراق هي أنني والله واحد. هناك أكون ما كنتُ، لا أزيد ولا أنقص، كوني العلَّة السرمدية التي تحرِّك كل شيء. وعندئذٍ لا يجد الله محلاً له في الإنسان، لأن الإنسان هاهنا، في هذا الفقر، يستعيد ما كانه أزلاً وما سيكونه أبدًا. الله هنا يحلُّ في الروح – وهذا هو الفقر الجوهري الأقرب، عسانا نحقِّقه!
مَن لا يفهم هذا الخطاب، فلا يشغلنَّ قلبَه به؛ فمادام الإنسان لم يتسع لهذه الحقيقة فهو لا يقدر أن يفهمه. إذ إنها حقيقة غير منعكسة وغير محتجبة، صادرة مباشرة عن قلب الله. استعنَّا بالله كي نوهَب حياةً نكابد فيها ذاك بأنفسنا أبدًا. آمين.
المترجم: ديمتري أڤييرينوس
[1] يقول ابن عربي في فصوص الحكم: "نحن الذين جعلناه بمألوهيتنا إلهًا؛ فلا يعرف حتى نعرف"؛ ومنه فإن التصوف، كما يقول أبو القاسم الجنيد، هو "أن تكون مع الله بلا علاقة"!
[2] يقول الجنيد في تعريف التصوف: "هو أن يرجع آخِرُ العبد إلى أوله، فيكون كما كان قبل أن يكون". (المحرِّر)
[3] بذا فإن بيت الحلاج المبهم:
"لا كنتُ إنْ كنتُ أدري كيف كنتُ ولا * لا كنتُ إنْ كنتُ أدري كيف لم أكن"
يجد في سياق مذهب إيكهرت تأويلَه الصحيح. (المحرِّر)
[4] راجع: الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 15: 10. (المحرِّر)