لكنه شيطاني ذكَّر - دارين ناظم

30/1/2010

إلى الشِّعر الذي يهجرني!

داريـن نـاظـم*

لكـنَّـه شـيطـاني ذكَّـر…

بَعدَكَ
للسهم عبور جاهل
وللفضائل أسماء جديدة

أمدُّ ذراعي
لعل احتضار المدى يحتاج إلى طيش أصابعي
وتلك الحمَّى على الجبين
ما السرُّ فيها؟!

عند التحام القاسي بالغضِّ
كأن المرايا كيانٌ يحتاط منِّي
فأعتنق ضدِّي

وأمُّك العذراء التي تطهو في فنائك الخلفي
تزيد الملح في القِدْر وتطهوني
وتدعو كلَّ جيرانك إلى مأدبة سجدتْ في ذاكرتي
لِمَن مُسحوا بزيت لينسوني

مدخل:

موجعةٌ أنتِ، تكراريةٌ رتيبةٌ ولا تشبه ذاتها! يُجفِلُها جنونُ عاقل يفقه ما حوله حدَّ الإنهاك، ويبوح مبالغًا، بالغًا حدَّ الانتهاك! أفٍّ ما أصعب البدايات التي لا تُحَدُّ بزمن! كبدْءِ الخلق تتماهى معه الزيارةُ الأولى للشِّعر. متى بدأ، وحتَّام يستمر؟ بل ما هما الأزلُ والأبدُ لدى فكر صغير يعانق قشرتَه برضى!

ها أنتَ ذا تثور فيَّ، فتتقاسمني المراحلُ متمازجةً، متمايزةً في عبثيَّةٍ دافقةٍ كدم حارٍّ، حتى آخر قطرة يسحُّ. بعد أن بَقَرَني الثورُ ذو القرنين الذهبيين، واللهاثُ الدافئ يلقي بغَبَشِه الأبيض على بلور عينيَّ ثم يكتب.

نعم، يمكن للضباب أن يكون كاشفًا. رحماكَ، أيها الضبابُ المقدسُ! غلِّفْني سبع مرات، اجعلْني رطبةً حدَّ الإشباع، قبل أن تتلاشى بعيدًا، حتى من الذاكرة، باحثًا عن تربة أخصب.

أنبتْني، رحماك!

دهشة:

حسبي منكَ السؤال، يقفز كظبي يلهو، مستهترًا بالخطر المحدق، بشَرْعَةِ الغابِ تحدِّد أدوارَ كلٍّ منا. وحسبي منكَ انتفاضةٌ في شغاف القلب، لا يضاهيها ابتسامُكَ الذي، في البدء، كان مسبِّبَها. ها أنا ذا أتحرر من أسْركَ إلى احتلام مبكر لا يغنيني عنكَ، فأسجَنُ في شوقي إلى أسْركَ.

اقتنصْني، أرجوكَ، أيها النسرُ الحرُّ الكاشفُ تحتكَ كلَّ مساحة. ففي عشِّكَ، حتى لو لم أكن ما يتعدَّى فريسةً تنتظر انقضاضَ المناقير المتحفِّزة، أنَّى لي نكرانُ أو تجاهُلُ أن الشاهقاتِ تعبث بفطرتي كمُقاساة لذيذة.

أقبعُ هناكَ مع فراخكَ الجائعة، لعلَّهم يصيرون إخوةً لي في التوق إلى نزع لثام أحجيات ذلك العلوِّ والعمق اللذين يخلبانني اقتباساتي حتى قبابِ السماواتِ وأغوار الجحيم – وكلاهما نارٌ آكلة.

معرفة:

ليست أسناني ما يشغلني من الفريسة، ولا حطبُ المواقد ملقًى هناك ينتظر الجامعين، مسوِّلاً لنفسه مساربَ مضلِّلةً بها يختبي. سأطهوكَ بالفضول الحارق. وسواءٌ عندي اقتدارُ الإنس، وكلُّ قهقهة الدلافين الودودة. بل شاغلي احتباسُ الوعد في سكونٍ راعش، واعتقادي أن مكاشفةً تُروِّجُ للعناقيد المكظومة تحت اقتبال النور المسعور في احتقاني المُعَدِّ للانفجار.

تناهى إليَّ أنه مرَّ من تحت أنفي ولم أرَه. كقنبلةٍ موقوتةٍ جالسَني كلَّ حين. وكان عليَّ أن أصغي، لَعَلِّي أنقِذُ من المِران ما يمكن إنقاذه.

لَكَم وددتُ لو تُفضي إليَّ كمتجايلين خَلاصًا من كبت لعين، لو تمطرُ فوق رأسي كموسم خيِّر، فأنبتَ غُسْلَ براءتي. فأنا لا يعجبني امتداحٌ إنْ لم أعرفْ شعرًا. لقد عرفتُه، وليكن ما يكون!

وحي:

ها أنتَ ذا تهمس في أذني، تُسِرُّ إليَّ، تزرع جلدي قشعريرةً منقَّطةً، ترنو كلُّ حبَّة فيها إلى أفق مختلف، ثم تثرثر فيما بينها. هكذا أجمع النائي والداني، أوحِّد فيَّ متناقضاتٍ شتى، تحميني من السِّباب البذيء للدُّود العابر في فنائي، متشدِّقًا، مضجرًا، ضَجِرًا.

أليس معلومًا هو الفرقُ ما بين مزبلةٍ متاحةٍ لأيِّ ديك وبين تفاح الآلهة الذي لا يقرَّب إلا على مذبح مطهَّر! ألتهمكَ، ربَّةً مباحةً، مستباحةً لكَ، عصيَّةً على سواكَ، شعثاءَ الناصية، زائغةَ العينين والنجوى. فمَن يستسيغني سوى الذي يرى الجمالَ في أيِّ شيء؟! مَن يقبل بي إلاكَ عندما أجفل كحمقاءَ تصغي إلى مناجاة مقدسة؟!

نبذ الوحي:

لم يبقَ لنا، لكي نثمل، سوى احتقارُ الطيف من حيثما يأتي، مبعثَرًا كقصور اللصوص على هذه الأرض، كأحلام الجائعين، كنبضكَ يحتاط في جسدي لعاشق محتمَل.

ولم يبقَ بيننا قَدَرٌ، ولا ابتسامُ العُقَد بين حاجبكَ وعهدي، ولا هَذَرٌ مستتبٌّ أخاله أنبل من هرائي. تَمَتْرَسْتَ فيَّ حتى تملَّكني اقتضابُكَ المرُّ في وجوههم. سأطردكَ حتمًا، وأجترُّ جنوني حتى الخواء.

أيُّ زرع أنتَ! كيفَ تجعلني أحسُّ أنني نَبْتٌ غريبٌ بأرض غريبةٍ حدَّ التقهقر؟! بل كيفَ تمسخني، أنا التي مازلتُ ألهجُ برضابكَ الحلو، طفلاً محملقًا يسأل: متى أميِّز ذاتي من العالم لأكبر عنكَ؟

تكريس:

أنا لكَ. خُذْني، افعلْ بي ما تشاء. اصلبْني على بوابة المدينة كأول همجيةٍ تقلق. ويومًا ما، عندما أجفُّ كمَلْبَن منشور في الشمس، عُدْ إليَّ، اسْقِني.

نُسَغي محمومٌ. فأنا لستُ بعدُ تلكَ الطفيليةَ التي لا تعطي وتكتفي بالأخذ. من يوم ما أحببتَني صارَ لي اسمٌ، وتمائمُ برتقاليةٌ صغيرةٌ ولاذعة.

لقد أصبحتُ شجرةً تُثمرُ – فلن يتجاهلني بعد اليوم العابرون.

وللكلام ختام:

وأستقيكَ من الجمود، كما الحراك، انتفاضةً، مترجِمةً نفسي إلى لغاتٍ غريبة. كأنه الواحدُ، الصمتُ، أزلهما، كلَّ لحظة يعرف أنْ لا حدود للزمن الذي ينضح من اكتراثكَ.

فأقول:

أعطِني للمحدود أفقًا، وخُذْ منِّي أن أسمِّي النسيانَ تذكارًا، وانتظاري هروبًا متقنًا، ثم ألِدَكَ من كلِّ اسم كالهوية.

وكَمَنْ تقرأ إشاراتِ الأرض، تعرف مواقيتها، أحتاط حينًا، أستثمر حينًا، وأستسلم أحيانًا كثيرة. فأعترف أن كلَّ ما بدأ ينتهي – وكيف ينتهي مَن يبدأ من ذاته مرارًا، منتهيًا أبدًا إلى غيرها، ويظل نفسه!

وبَعدَكَ
لا يعدو الأمر ما كان
ولا شيء يتغير
فتبقى سجادة البيت
التي ما كانت ولن تصبح
بساط الريح

وأمُّك العذراء التي حلمتْ بجسد
لعله آبَّ
مسلِّمًا كلَّ ذرائعه لجسد
كان قد تابَ
تعبتْ جدًّا وآن لها
أن تستريح


* شاعرة سورية.


Comments are closed.

-->